النص المفهرس
صفحات 281-300
انتقاصِ الماء بالنسبة إلى الاستنجاء وتفسيره به خفاءٌ. الرابعة عشرة: المعروف في هذه اللفظة (١) أنها بالقاف والصاد المهملة، وذكر ابن الأثير أنه رُوي: انتفاص - بالفاء والصاد المهملة -، وقال في فصل الفاء: قيل: الصواب أنها بالفاء، قال: والمراد(٢): نضحه على الذكر، من قولهم: لنضح (٣) الدم القليل نُقْصَةٌ، وجمعها: نُفَص(٤). ذكر ذلك عن(٥) ابن الأثير أبو زكريا النووي - رحمه الله -، وقال: وهذا الذي نقله شاذٍّ، والصواب ما سبق(٦)، انتهى، والله أعلم. الخامسة عشرة: إذا بنينا على المشهور، فقد فسَّره وكيعٌ بالاستنجاء(٧) . وقال أبو عُبيد(٨): معناه انتقاص البول بسبب استعمال الماء في غسل مذاكيره(٩). (١) أي: انتقاص. (٢) في الأصل: ((فالمراد))، والمثبت من ((ت)). (٣) في الأصل: ((ينضح))، والمثبت من ((ت)). (٤) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥ / ٩٦). (٥) في الأصل: ((على))، والمثبت من ((ت)). (٦) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٥٠). (٧) كما جاء في متن الحديث. (٨) ((ت)): ((عبيدة)). (٩) انظر: ((الغريبين)) لأبي عبيد (٦/ ٦٣) وعنده: ((انتقاص البول بالماء إذا غسل المذاكير به))، وما ذكره المؤلف رحمه الله فإنما نقله عن النووي في ((شرح مسلم)) (٣ / ١٥٠). ٢٨١ وقيل: هو الانتضاح، وقد جاء في رواية: ((الانتضاح)) (١) بدلَ ((انتقاص الماء)). وذكر بعضهم قال: قال الجمهور: الانتضاحُ: نضحُ الفرجِ بماء قليل بعد الوضوء؛ لينفيَ عنه الوسواس(٢). وقيل: هو الاستنجاء [بالماء] (٣)، والله أعلم (٤). * الوجه الخامس: في شيء من العربية، وفيه مسائل: الأولى: إسقاطُ التاء من ((عشر)) مُصيَّرٌ إلى معنى الخصلة والخصال، ولو أثبتت لكان مُصيَّراً إلى الفعل والأفعال. الثانية: (من) في: ((عشر من الفطرة))(٥) للتبعيض، وهو يقتضي: أن الفطرةَ لا تنحصر فيها(٦). وقد ورد في حديث أبي هريرة الذي رواه يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن رسول الله وال في أنه قال: ((الفطرةُ خمسٌ: الاختتانُ، والاستحدادُ، وقصُّ الشاربِ، (١) رواه أبو داود (٥٤)، كتاب: الطهارة، باب: السواك من الفطرة، وابن ماجه (٢٩٤)، كتاب: الطهارة، باب: الفطرة، من حديث عمار بن ياسر (٢) (ت): ((الوساوس)). (٣) سقط من ((ت)). (٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٥٠). (٥) ((ت)): ((من قوله)) بدل ((من الفطرة)) في قوله ((عشر من الفطرة)). (٦) انظر: ((شرح عمدة الأحكام)) للمؤلف (١ / ٨٤). ٢٨٢ وتقليمُ الأظفارِ، ونتف الإبطِ))(١). وفي رواية سفيان، عن الزُّهري بسنده: ((الفطرة خمسٌ، أو خمسٌ من الفطرة: الختانُ، والاستحدادُ، وتقليمُ الأظفار، ونتفُ الإبط، وقصُّ الشاربِ))(٢). فهذه ثلاثُ روايات: إثباتُ(٣) (من)، وحذفُها، والشكّ في ذلك. فأما ما وقع من الشك والاختلاف في رواية الزُّهري بین یونس وسفيان، فيُردُّ إلى الرواية الأخرى التي(٤) أَثْبت فيها لفظة (من). وأما الرواية التي فيها: ((الفطرة خمس)) فظاهرها يخالفُ ما في هذه الرواية من إثبات (من)؛ لما تقتضيه الألف واللام من الحصر، لكن يظهر أن دلالة (من) على التبعيض أقوى من دلالة الألف واللام على الحصر، مع ما وقع من الشك في تلك الرواية، والاتفاق على إثباتها هاهنا(٥) . الثالثة: الاستنجاء ممدود، والهمزة فيه منقلبة عن واو أصلية؛ لما بيَّنا أنه من (النجو)، وانقلابها همزة على (٦) القاعدة في قلب الواو (١) تقدم تخريجه عند مسلم برقم (٢٥٧ / ٥٠). (٢) تقدم تخريجه عند البخاري برقم (٥٥٥٠)، وعند مسلم برقم (٢٥٧ / ٤٩). (٣) ((ت)): ((بإثبات)). (٤) في الأصل: ((الذي))، والتصويب من ((ت)). (٥) انظر: ((شرح عمدة الأحكام)) للمؤلف (١ / ٨٤ - ٨٥). (٦) ((ت)): ((عن)). ٢٨٣ والياء إذا وقعتا طرفاً بعد ألف(١) زائدة؛ ككساء، ورداء، وبكاء. الرابعة: الاستنجاءُ مصدر استنجى، واستنجى: استفعل، وهذه الصيغة - أعني: استفعل - تَرِدُ لمعانٍ: أحدها: طلب الفعل واستدعاؤه؛ كاستخبز، واستطعم، واستسقى، واستفهم؛ أي: طلب أن يخبزَ(٢)، ويُطعَمَ، ويُسقَى، ويُفهَم، واستخرج؛ أي: طلب إليه أن يخرج، واستحقه؛ أي: طلبَ حقه . وثانيها: أن تكون بمعنى: وَجدتُهُ [كذلك؛ كاستجدته واستكرمته؛ أي](٣): وجدته جيداً كريماً. وثالثها: أن تكون بمعنى التُولِ من حال إلى حال؛ كاستنوقَ الجملُ. ورابعها: أن تكون بمعنى: تفعَّلَ؛ كتكبَّرَ واستكبر، وتيقَّنَ واستيقن، وتعظّمَ واستعظم، وتثبَّتَ واستثبت (٤)، وفي هذا معنى تناولِ الأمر شيئاً بعد شيء. وخامسها: أن يكون بمعنى: فَعَل؛ كاستقرَّ وقرَّ. واستنجى من هذه المعاني تكون من القسم الأول، إلا أنا إذا (١) في الأصل: ((الألف))، والمثبت من ((ت)). (٢) في الأصل: ((الخبز))، والمثبت من ((ت)). (٣) زيادة من ((ت)). (٤) (ت): ((نحو: استكبر واستيقن واستعظم واستثبت؛ بمعنى تكبر وتيقن وتعظم وتثبت». ٢٨٤ أخذناه(١) من (النجو)؛ بمعنى(٢): المرتفع من الأرض، فليس المعنى عليه؛ لأنه يكون معناه: طلبت النجوَ؛ كما يقال(٣): تغوَّط: طلب الغائط، والاستنجاءُ يستعمل بمعنى الإزالة، لا بمعنى طلب المكان لقضاء الحاجة. وذكر الراغب: أن الاستنجاءَ: تحري إزالة النجو، أو طلبُ نجوةٍ لإلقاء الأذى؛ كقولهم: تغوَّطَ إذا طلبَ غائطاً من الأرض، أو طلب نجوة، أو قطعة مَدَرٍ؛ لإزالة الأذى؛ كقولهم: استجمر، إذا طلب جِماراً؛ أي: حجراً؛). فإن أراد أنه يصحُّ أن يقال: استنجى؛ بمعنى: طلب النجو؛ لإزالة الحاجة، نظراً إلى الاشتقاق، فهذا خارج عن عُرف الاستعمال الشرعي والعادي. وإن أخذناه من (النجو)، الذي هو الحدث، فيحتمل أن يكون معناه طلب النجو لإزالته، فيوافق الاستعمال عرفاً وشرعاً، [ويطابق المراد بالحديث] (٥). (١) في الأصل: ((وجدناه))، والمثبت من ((ت)). (٢) (ت)): ((يعني)). (٣) ((ت)): ((تقول)). (٤) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٧٩٣). (٥) سقط من ((ت)). ٢٨٥ * الوجه السادس: في شيء من المعاني والبيان سوى ماتقدم، وفيه مسائل: الأولى: سيأتي ذكرُ تفسيرِ الفِطرة بالسنة عند من فسَّرَه بذلك، وعلى هذا ففيه حذفُ مضاف تقديره: عشر من خصال السنة، أو المِلة، أو ما أشبه ذلك. الثانية: هذه الخصال؛ بعضُها يتعلَّقُ بما ليس في الإنسان منه إلا شيء واحد، وبعضها بما في الإنسان منه أشياء، أو شيئان، فعُبِّرَ عمَّا في الإنسان منه شيء واحد بلفظ الإفراد، وعبر عن القسم الآخر بلفظ الجمع، فقيل في الأول: قص الشارب، وإعفاء اللحية، وقيل في الثاني: قص الأظفار، وغسل البراجم، وأما ما في الإنسان منه اثنان؛ كالإبط، فإنه ذكر بلفظ الإفراد، فقيل: نتف الإبط، ولم يذكر بالتثنية. الثالثة: هذه الخصالُ تتعلق بها مصالحُ دينية ودنيوية؛ أما الدنيوية: فترجع إلى جنس التحسينات، والتزيينات، وحسن الهيئات، والنظافة. وأما الدينية: فكما سنذكر ذلك مُفصَّلاً إن شاء الله تعالى(١). الرابعة: فائدة قص الشارب: تحسينُ الهيئة، وتحصيل النظافة مما لعله يتعلَّقُ (٢) به من الأدهان، [والأضار](٣)، وما له التصاق بما (١) قال ابن القيم رحمه الله: الفطرة فطرتان: فطرة تتعلق بالقلب وهي معرفة الله ومحبته وإيثاره على ما سواه، وفطرة تتعلق بالجسد وعليه، وهي هذه الخصال، فالأُولى: تزكي الروح وتطهر القلب، والثانية: تطهر البدن، وكل منهما تمد الأخرى وتقويها. انظر: ((تحفة المودود)» له (ص: ١٦٠ - ١٦١). (٢) في الأصل: ((تعلق))، والمثبت من ((ت)). (٣) سقط من ((ت)). ٢٨٦ يتصل به؛ كالعسل، والأشربة، ونحوها، ومخالفةُ شعار الأعاجم، ففيه المصلحتان معاً. الخامسة: إعفاءُ اللحية وتوفيرُها قيل: كان من عادة الفرس قصُّ اللحية، فنهى الشرع عن ذلك(١). قلت: وهذه مصلحة دينية. وأما من المصالح الدنيوية: فتحسينُ الهيئة لما في اللحية من الأُبَّهةِ والجمال. السادسة: والسواك فيه استعمالُ السنة، وتطييب الفم لمناجاة الله تعالى، ورعاية حق الملائكة، وحق عباد الله الآدميين، في إزالة(٢) ما يتأذَّون به، وكلُّ هذه مصالح شرعية. وفيه حسن هيئة الإنسان، وزوال ما يُستكرَه من الروائح. السابعة: استنشاق الماء واستنثاره، فيه إزالةُ ما لعلّه اجتمع فيه من المُخَاط والفضلات المستقذرة، وقد ينعقد بعضها، ويدخل اليُيْس، فيليِّته الاستنشاق، ويسهل خروجه. وقد يكون فيه ما يُكره ريحه، فيدخل في باب الإحسان إلى المخالطين للإنسان، ممن يتأذى به، ويرجع إلى أمر ديني. وأيضاً فإذا حملنا قوله - العَّه -: ((فإنَّ الشيطانَ يبيتُ على خَيَاشيمِهِ))(٣) [على ظاهرِهِ] (٤)، ففيه غسلُ محل الشيطان، وتنزيلُ ذلك (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٤٩). (٢) ((ت)): ((إزالته)). (٣) رواه البخاري (٣١٢١)، كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده، ومسلم (٢٣٨)، كتاب: الطهارة، باب: الإيتار في الاستثار والاستجمار، من حديث أبي هريرة څ. (٤) سقط من ((ت)). ٢٨٧ منزلةَ الأنجاس والأقذار الحِسية، وذلك مؤثّرٌ في شدة التنفير عن مثل ذلك. وقد ورد نضحُ بيتٍ عُبدتْ فيه الأوثانُ بالماء، ولعلَّه - والله أعلم - لهذا المعنى؛ تنزيلاً للآثار المعنوية منزلةَ الأنجاس الحسية في البعد عنها، ومحو آثارها. وإن حملناه على المجاز على طريقة نسبة الأمور المكروهة إلى الشيطان، رجع إلى النوع الأول، وهو التطهيرُ من المستقذرات. الثامنة: قص الأظفار فيه من المصالح الدنيوية: تحسين الهيئة، ومن المصالح الدينية: الاحتياط للطهارة؛ أعني: طهارة الحدثِ والخَبَثِ، مما لعله يحتبسُ تحتها من الأنجاس(١) المانعةِ وصولَ الماء إلی ما تحتها، فإن انتهى إلى حدٍّ لا يُسامح به؛ كالخارج عن المعتاد، فذلك من الواجبات في الطهارة، وإن لم ينتهِ إلی ذلك فهو من باب الاحتياط المندوب إليه، وقد ورد التنبيه على هذا في حديث؛ يعني (٢): إزالة ما لعله يمنع من الطهارة. وأمّا طهارة الخَبَث فيما لعله يعلقُ تحتها من النجاسة التي يضطر الإنسان إلى مباشرتها بيده. ومن المصالح الدينية أيضاً: إزالة ما لعله يشبه هيئة البهائم ذوات المخالب من الطير، وغيره من السباع، وهذا أيضاً معنى مُعتبرٌ في (١) ((ت)): ((الأجسام)). (٢) (ت)): ((أعني)). ٢٨٨ الشرع؛ كالنهي أن يبسطَ ذراعيه في السجود كالكلب، وورود التنبيه أيضاً على هذا المعنى في حديث(١). التاسعة: غسل البراجم: هي مطاوٍ تَحبِسُ ما لعله يحصل فيها من الأجرام، أو الأدهان السَّهْكة (٢)، فتحصل النظافةُ والاحتياطُ للعبادة؛ كقص الظفر، ولكنه بالنسبة إلى الاحتياط للعبادة أضعفُ رتبةً من الأظفار. العاشرة: الإبطُ محلُّ اجتماع الرائحة المُستكرهَة(٣)، وفي نتف (١) روى البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢٧٦٦) عن قيس بن أبي حازم قال: صلَّى رسول الله وَ ◌ّهم فأوهم فيها، فقالوا: أوهمت؟ فقال: ((مالي لا أوهم، ورفغ أحدكم بين ظفره وأنملته)) قال الحافظ في ((الفتح)) (١٠ / ٣٤٥): رجاله ثقات مع إرساله، وقد وصله الطبراني من وجه آخر. قلت: هو ما رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٠٤٠١) من حديث قيس بن أبي حازم، عن ابن مسعود . قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٥/ ١٦٨): رجاله ثقات إن شاء الله. والرُّفغ: بضم الراء وبفتحها وسكون الفاء بعدها غين معجمة، يجمع على أفارغ وهي مغابن الجسد كالإبط وما بين الأنثيين والفخذين، وكل موضع يجتمع فيه الوسخ، فهو من تسمية الشيء باسم ما جاوره، والتقدير: وسخ رفغ أحدكم، والمعنى: آنکم لا تقلمون أظفارکم ثم تحکون بها أرفاغکم، فيتعلق بها ما في الأرفاغ من الأوساخ المجتمعة. انظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (١٠ / ٣٤٥). قال أبو عبيد في ((غريب الحديث)) (١ / ٢٦٣): وإنما أَنكر من ذلك طول الأظفار وترك قصِّها. (٢) أي: المنتنة، الكريهة الرائحة. (٣) ((ت)): ((الكريهة)). ٢٨٩ الشعر منه إضعافٌ(١) له إذا نبت بعد ذلك، [ولذلك](٢) فإن الأطباء يأمرون مَنْ قَصَدَ تقوية الشعر له وتغليظه بالحلق، وفي ضعفه تقليلُ الرائحة المكروهة؛ لقلَّةِ الاحتباس في المسامِّ عند ضعف شَعْرَتِهِ، ووجودِ الاحتباس المتعفِّن عند غلظ شَعْرته، ففيه نظافةٌ، وإحسانٌ إلى المخالطين، وتركُ سبب الأذى للمقارنين. الحادية عشرة: وحلق العانة فيه التنظيفُ مما يُكرَهُ عادةً، وفيه الإحسانُ لمن يُباشَرُ بالنكاح من المرأة والرجل جميعاً، وهو آكد في المرأة، ولذلك استمرت العوائد به في الإسلام والجاهلية وسائر الأمم السليمة (٣) الطباع، ولذلك [يقول](٤) بعض العرب كما حكيناه لمن عرَّضه غيره للقتل: أجِرْ لي سَرَاويلي فإني لم أستعنْ(٥)؛ هرباً من أن يظهر عليه بعد الموت ما يَقبحُ النظرُ إليه ويفحش، وهذا من طباع العرب الفاضلة التي تحافظ عليها بعد الموت. الثانية عشرة: في المضمضة إزالةُ الخلوف المتعلق بالأسنان واللسان، وتطهيرُ الفم للمناجاة، ورعايةُ حقٌّ من يتأذَّى بالخلوف. الثالثة عشرة: إذا فسر انتقاص الماء بالاستنجاء، فالمصلحة (١) في الأصل: ((ضعف))، والمثبت من ((ت)). (٢) سقط من ((ت)). (٣) في الأصل و((ت)): ((السليمى))، والصواب ما أثبت. (٤) زيادة من ((ت)). (٥) أي: أستحد، كما تقدم. ٢٩٠ الدينية [فيه ظاهرةٌ](١)؛ لإزالة الروائح التي يتأذى بها من يلابسُ غير المزيل لها، ولا سيَّما المجامع؛ لما تُوجبه [من](٢) النفرةِ عن الفَضْلة (٣) التي بلغت المبلغ العظيم في الاستقذار. الرابعة عشرة: إذا كان الاستنشاق والاستئثار بمعنى واحد؛ كما حكيناه عن بعضهم، فلفظ الاستنشاق دالٌّ عليهما؛ أعني: على الجذب والدفع. وإن كانا (٤) مختلفي المعنى - على ما نختاره - فيحتمل أن يقال: إن الاستنشاقَ يلزمه الاستئثار، فاكتُفيَ بذكر الاستنشاق، الذي هو الجذبُ، عن الاستئثار، الذي هو الدفع؛ لأنَّ الماءَ لا يمكن مقامُه في الأنف. والأقرب أنَّ الأمرَ بالاستنشاق لا يَستلزمُ (٥) الأمرَ بالاستئثار؛ لأن في لفظ الاستئثار دلالةَ على تعمُّلٍ وتفعُّلِ، وليس هو مُجرَّد نزولِ الماء [فيه](٦)، فيؤخذ الأمر بالاستنثار من الحديث الصحيح: ((منْ توضَّأَ(٧) (١) زيادة من ((ت)). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) في الأصل: ((الفضيلة))، والمثبت من ((ت)). (٤) في الأصل: ((كان))، والمثبت من ((ت)). (٥) ((ت)): ((لا يلزم منه)). (٦) زيادة من ((ت)). (٧) (ت)): ((فليتوضأ)». ٢٩١ فلْيستنثِرْ))(١)، وفي ذلك ما يدل على طلب تحصيل أمر يقتضي زوالَ ما لعلَّه علق بالأنف مما يُحتاج إلى إزالته، ولا يكفي فيه مُجرَّدُ نزول الماء. الخامسة عشرة: هذه التزيينات للخلقة، ونفي ما تنبو الطباعُ عن رؤيته تحسينٌ للظاهر(٢)، ولعلك أن تفهمَ إشارةً إليه من قوله تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤]، فإنه يناسب الأمرَ بما يزيد في هذا، والإبعادَ لما ينافيه ويشوهه، وكأنه يقال: قد حسَّنتُ صورَكم فلا تشوِّهوها بما يُقَبِّحُها. ويدخل هذا في جميع التحسينات التي ندب إليها الشرع، ونحن لا نخص قوله تعالى: ﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤] بالظاهر فقط، فإنَّ الإحسانَ في التصوير راجعٌ إلى الصورة الظاهرة والباطنة معاً، ولعلك أيضاً أن تفهمَ مثل هذا المعنى من قوله تعالى حكايةً عن إبليس: ﴿وَلَ مُرَّهُمْ فَيُغَيُّنَ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]، فإن إبقاء ما يشوِّهُ الخلقة ويقبحها تغييرٌ لها من وجهٍ؛ كونهُ تغييراً لحُسنها، ونبّه على هذا ذُّ المغيِّرات لخلق الله(٣)، والله أعلم. (١) رواه البخاري (١٥٩)، كتاب: الوضوء، باب: الاستنثار في الوضوء، ومسلم (٢٣٧)، كتاب: الطهارة، باب: الإيتار في الاستئثار والاستجمار، من حديث أبي هريرة څ. (٢) (ت)): ((الظاهر)). (٣) كما جاء من حديث ابن مسعود عنه قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات = ٢٩٢ السادسة عشرة: قد قدمنا بعض ما يتعلَّقُ بالخصال المذكورة في الحديث من المصالح الدنيوية والدينية(١)، ونتكلم الآن في أعم من هذا، وهو بعض ما يتعلق من المصالح بمطلق الزينة؛ لأنه يتناول هذه الخصال المخصوصة لتناوله الأعم منها، فنقول: حُسْن الظاهر عنوانُ حسن الباطن كثيراً، ومن هاهنا نشأ علم الفِراسة، وهو الاستدلالُ بالخِلْقة(٢) على الأخلاق، وقد قيل: قَلَّ صورةٌ حسنة تتبعها نفس رديئة، وحُكي أن المأمون استعرض جيشاً فمرَّ به رجل قبيح الوجه، فاستنطقه فرآه ألكنَ، فأمر بإسقاطه، وقال: إنَّ الروحَ إذا كانت طاهرةً كانت صبَّاحةً، وإذا كانت باطنةً كانت فضَّاحةً، وأُرَاهُ لا ظاهرَ له، ولا باطنَ. فجميع (٣) التحسينات الظاهرة وجمال الهيئة دالةٌ على خلق النفس، وعلى الصفة التي يشير إليها حسن الظاهر، فإذا بدا الإنسان في الهيئة الجميلة كان سبباً لقَبول(٤) رأيه عليه(٥)، وانبساطِ نفسه إليه، وكان ذلك وسيلةً إلى تحصيل المصالح التي يَحتاج تحصيلُها إلى خلق الله. رواه البخاري (٤٦٠٤)، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَمَآ ءَانَنْكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، ومسلم (٢١٢٥)، كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم فعل الواصلة والمستوصلة . (١) ((ت)): ((الدينية والدنيوية)). (٢) في الأصل: ((بخَلقه))، والمثبت من ((ت)). (٣) (ت)): ((وجميع)). (٤) لعله يقصد: الإقبال، والله أعلم. (٥) في الأصل: ((له))، والمثبت من ((ت)). ٢٩٣ التعاونِ، والتضافر، والأُلفةِ بين الناس، وقد رأيتَ تعظيمَ الشريعة للألفة، وتنفيرَهَا عن الفرقة؛ ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءَ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ: إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وهذا من المصالح الدنيوية بالذات، وإن كان يؤول من وجهٍ(١) إلى المصالح الدينية. السابعة عشرة: حسنُ الهيئة يؤدي إلى قبولِ قول مَنْ حَسُنتْ هيئته، وجَمُلت حالته، وامتثالِ أمره من أرباب الأمر؛ كالسلطان، والحاكم، والمفتي، والخطيب، والواعظ، فيعود ذلك إلى مصالح دينية . وإذا بدا الإنسانُ بالهيئة القبيحة دلَّ على سقاطةِ [نفسه](٢)، والصفةِ التي ينشأ عنها ذلك القبح، فربما نشأت عن ذلك نُفُرَةٌ بالظاهر والباطن جميعاً، ففاتت مصالح القبول، وحصلت مفاسد النفرة، وكان مالك - رحمه الله - مُعتنياً بحسن(٣) الهيئة، ولا سيَّما عند رواية الحديث، وقد أنتج ذلك حسنَ القبول وقوةَ الرغبة . الثامنة عشرة: اعتنى بعضُ المتأخرين من أكابر صوفية المغرب بالجمع بين معنى الحديث ومعنى الكتاب، وانتزاع معاني الحديث من القرآن الحكيم، مثل ما قال في قوله وَلجه: ((منَ الكبائرِ شتمُ الرجلِ والديه)) قالوا: يا رسولَ الله! [هل](٤) يشتمُ الرجلُ والديه؟ قال: ((نعم، (١) (ت)): ((من وجه يؤول)). (٢) سقط من ((ت)). (٣) في الأصل: ((لحسن))، والمثبت من ((ت)). (٤) سقط من ((ت)). ٢٩٤ يسبُّ أبا الرجلِ فيسبُّ أباه، ويَسُبُّ أمَّه فيسُبُّ أمَّه))(١)، فقال في معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوَا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]. ومثل قوله وَج: ((من قتلَ نفسَهُ بشيءٍ عُذِّبَ به يومَ القيامة))(٢)، وفي هذا المعنى: ((من قتلَ نفسَهُ بحديدةٍ، فحديدتُهُ في يده يتوجَّأُ بها في بطنِهِ في نارِ جهنمَ خالداً مُخلَّداً فيها أبداً)(٣)، وكذلك: ((من شربَ سُماً، ومن تردّى من جبلٍ)) (٤)، فقال: في قوله - رَّ -: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠]، وقوله: ﴿ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُواْ السَّبِّئَاتِ إِلَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [القصص: ٨٤]. ومثل ما قال: قوله وَّهِ: ((إنِّي لأعطي الرجلَ، وغيرُه أحبُّ إليَّ (١) رواه البخاري (٥٦٢٨)، كتاب: الأدب، باب: لا يسب الرجل والديه، ومسلم (٩٠)، كتاب: الإيمان، باب: بيان الكبائر وأكبرها، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما . (٢) رواه البخاري (٥٧٠٠)، كتاب: الأدب، باب: ما ينهى من السباب، واللعن، ومسلم (١١٠)، كتاب: الإيمان، باب: غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، من حديث ثابت بن الضحاك ـ (٣) رواه البخاري (٥٤٤٢)، كتاب: الطب، باب: شرب السم والدواء به وبما يخاف منه والخبيث، ومسلم (١٠٩)، كتاب: الإيمان، باب: غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، واللفظ له، من حديث أبي هريرة ﴾. (٤) هو قطعة من الحديث السابق، واللفظ لمسلم، وتمامه: ((ومن شرب سماً فقتل نفسه، فهو یتحسّاه في نار جهنم خالداً فيها أبداً، ومن تردی من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً». ٢٩٥ منْهُ))(١)، فقال: في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةُ وَحِدَةً أَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣]؛ إلى آخر المعنى. ومثل ما قال في قوله وَطيار: ((المؤمنُ يأكلُ في معيٍّ واحد، والكافرُ يأكلُ في سبعةِ أمعاء))(٢)، فقال في ظاهر قوله الحقِّ ◌َاةِ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَنَّعُونَ وَبَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ اُلْأَنْعَمُ﴾ [ محمد: ١٢]، وفي مفهوم قوله: ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ﴾ [الحجر: ٣]. وذكر (٣) كلاماً آخر، ولما ذكرَ خصالَ الفطرة وعدَّدها جعله في قوله تعالى: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]. التاسعة عشرة: للصوفية، ومن نحا نحوَهم، وصفا صفوهم (٤) نظرٌ في [الأحكام والأفعال بالنسبة إلى ردِّها لمعاني الصفات (١) رواه البخاري (٢٧)، كتاب: الإيمان، باب: إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، ومسلم (١٥٠)، كتاب: الإيمان، باب: تألف قلب من يخاف علی إیمانه لضعفه، من حديث سعد بن أبي وقاص (٢) رواه البخاري (٥٠٧٩)، كتاب: الأطعمة، باب: المؤمن يأكل في معي واحد، ومسلم (٢٠٦٠)، كتاب: الأشربة، باب: المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. (٣) في الأصل: ((ويذكر))، والمثبت من ((ت)). (٤) (ت): ((صفيهم)). ٢٩٦ والأسماء؛ كما يقال في](١) مصائب الدنيا وآفاتها، وشديد الموت وآلامه، والبرزخ، وشدائد المحشر(٢)، وعذاب جهنم؛ وفي الأحكام القتل، والقطع، والضرب، والحبس، والتكاليف الشَّاقَّة، و والمنع من ملاذ النفوس: كلَّها راجعٌ إلى صفةِ الجلال والأسماءِ الدّالةِ عليها؛ كالقهار، والغني، والعظيم، والجليل، والمنتقم، والملك، والقوي المتين، والقادر، ومالك الملك، [و](٣) ذي الجلال والإكرام. وكما يقال في اللذات الدنيوية؛ البدنية، والعقلية، المبهجة (٤) للأنفس، والثناء الجميل للمؤمنين، والبشارة لهم، وتخفيف التكليف، ووضع الآصار، ونعيم الجنة، وما أعد الله فيها لأوليائه، وجودة الفراغ والفهم(٥)؛ وفي الأحكام الشرعية الزكاة، والمواساة للمضطرين، والحث على الصدقات، والعتق، والوفاء بالنذور المصروفة إلى المساكين: كلُّ ذلك يرجع إلى صفة الجود(٦) والأسماءِ الدالة على ذلك؛ كالجواد، وواسع العطاء، والكريم، والوهاب، (١) سقط من ((ت)). (٢) ((ت)): ((الحشر)). (٣) الزيادة من ((ت)). (٤) (ت)): ((المهيجة)). (٥) ((ت)): ((الفهوم)). (٦) في الأصل: ((الوجود))، والتصويب من ((ت)). ٢٩٧ والرزاق، والفتاح، والباسط، والرافع، والمُعزِّ، واللطيف، والحليم، والبَرِّ . وبهذا الاعتبار يُنظر في هذه الخصال العشر، وإلى ما (١) يرجع [إلى] (٢) شرعيتها وندبيتها من الصفات والأسماء الدالة عليها، فنقول: يرجعُ ذلك إلى صفة الجمال والأسماءِ الدالة على ذلك؛ كالقدوس، والسلام، والمتعال(٣)، وأخصُّ من ذلك الجميل، وقد ورد به الحديث الصحيح: ((إنَّ اللهَ جميلٌ يحبُّ الجمالَ))(٤). والأغسال المسنونة، واجتناب أواني المشركين، ومن تَكْثُر مُلابَستُهُ للنجاسة، ومن هذا القَبيل في الأحكام: طهارتا(٥) الحدث والخبث، والتطيّبُ حيثُ يُندبُ إلى ذلك، وتحريمُ(٦) وطءِ الحائض، وتناولِ النجاسات والخبائث، والوطءِ في الدبر. وقد يكون في الشيء الواحد جهتان تمكُّنُ ردَّه (٧) إلى صفتين (١) في الأصل: ((ماذا))، والمثبت من ((ت)). (٢) سقط من ((ت)). (٣) ((ت)): ((المتعال)). (٤) رواه مسلم (٩١)، كتاب: الإيمان، باب: تحريم الكبر وبيانه، من حديث ابن مسعود (٥) في الأصل: ((طهارة))، والمثبت من ((ت)). (٦) في الأصل: ((تحرم))، والمثبت من ((ت)). (٧) (ت)): ((ردهم)). ٢٩٨ مختلفتين؛ كالحدود والكفارات؛ يمكن ردُّها إلى اسم المنتقم بحسب ظاهرها، ويمكن ردها إلى العدل؛ لأنها مقابلة الجنايات، ويمكن ردّها إلى معنى التطهير واسم الجمال؛ لأنها كفارات لأهلها، ويمكن ردها إلى معنى الرحمة واسم الرحمن الرحيم؛ لأنها إزالة لما (١) يوجب العقوبة. العشرون: قد رددنا هذه الأحكام إلى صفة الجمال التي هي في حق الله تعالى بمعنى: نفي النقائص، وقد اختلفوا في تفسير الجميل في حق الله تعالى سوى ما قدّمناه(٢). (١) (ت)): ((إلى ما))، وفي الأصل: ((إلى))، والتصويب من هامش الأصل. (٢) قال الإمام المحقق ابن القيم رحمه الله: وجماله سبحانه على أربع مراتب: جمال الذات، وجمال الصفات، وجمال الأفعال، وجمال الأسماء؛ فأسماؤه كلها حسنى، وصفاته كلها صفات كمال، وأفعاله كلها حكمة ومصلحة وعدل ورحمة . وأما جمال الذات وما هو عليه: فأمر لا يدركه سواه، ولا يعلمه غيره، وليس عند المخلوقين منه إلا تعريفات تعرَّف بها إلى من أكرمه من عباده، فإن ذلك الجمال مصون عن الأغيار، محجوب بستر الرداء والإزار، كما قال رسوله وي: ((الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري))، ولما كانت الكبرياء أعظم وأوسع كانت أحق باسم الرداء، فإنه سبحانه الكبير المتعال، فهو سبحانه العلي العظيم، قال ابن عباس: حجب الذات بالصفات، وحجب الصفات بالأفعال، فما ظنك بجمال حجب بأوصاف الكمال، وستر بنعوت العظمة والجلال؟! ٢٩٩ الحادية والعشرون: نُقُل عن بعضهم أنه قال: أرجى آيةٍ في كتاب الله آية الدين، وأخذَ ذلك من حيث عناية الله تعالی بإرشاد العباد إلى مصالحهم حتى انتهت إلى كتابة الدين الصغير والكبير، وبمقتضى ذلك يُرجى العفوُ عنهم؛ لظهور أمر العناية العظيمة حتى بالمصلحة الدنيوية الحقيرة . = ومن هذا المعنى يفهم بعض معاني جمال ذاته، فإن العبد يترقى من معرفة الأفعال إلى معرفة الصفات، ومن معرفة الصفات إلى معرفة الذات، فإذا شاهد شيئاً من جمال الأفعال استدل به على جمال الصفات، ثم استدل بجمال الصفات على جمال الذات، ومن هاهنا يتبين أنه سبحانه له الحمد كله، وأن أحداً من خلقه لا يحصي ثناء علیه، بل هو كما أثنى على نفسه. ثم ذكر ابن القيم كلاماً، ثم قال: والمقصود: أن هذا الحديث الشريف مشتمل على أصلين عظيمين؛ فأوله معرفة وآخره سلوك، فيعرف الله سبحانه بالجمال الذي لا يماثله فيه شيء، ويعبد بالجمال الذي يحبه من الأقوال والأعمال والخلاق، فيحب من عبده أن يجمل لسانه بالصدق، وقلبه بالإخلاص والمحبة والإنابة والتوكل، وجوارحه بالطاعة، وبدنه بإظهار نعمه عليه في لباسه وتطهيره له من الأنجاس والأحداث والأوساخ والشعور المكروهة والختان وتقليم الأظفار، فيعرفه بصفات الجمال، ويتعرف إليه بالأفعال والأقوال والأخلاق الجميلة، فيعرفه بالجمال الذي هو وصفه، ويعبده بالجمال الذي هو شرعه ودينه، فجمع الحديث قاعدتين: المعرفة والسلوك، انتهى. انظر: ((الفوائد)» (ص: ١٨٢ - ١٨٦). ٣٠٠