النص المفهرس
صفحات 161-180
قال الشيخ أبو العباس القرطبي: اختلف في معنى هذا على أقوال : أحدها: أنَّ أعمالَ بني آدم يمكن الرياءُ فيها، فتكون لهم إلا الصيام، فإنه لا يمكن فيه إلا الإخلاص؛ لأن حال الممسك شبعاً كحال الممسك تقرباً؛ وارتضاه المازريُّ. وثانيها: أن أعمال بني آدم كلَّها لهم منها حظّ إلا الصيام، فإنه لاحظً لهم فيه؛ قاله الخطابي. وثالثها: أن أعمالَهم هي أوصافُهم، ومناسبةٌ لأحوالهم(١)، إلا الصيام، فإنه استغناءٌ عن الطعام، وذلك من خواصِّ أوصاف الحقِّ نَالنَ . ورابعها: أن أعمالَهم مضافةٌ إليهم إلا الصيام، فإن الله تعالى أضافه إلى نفسه تشريفاً؛ كما قال: ﴿نَبِئْ عِبَادِىٌّ﴾(٢) [الحجر: ٤٩]. وخامسها: أن أعمالهم يُقتصُّ يوم القيامة منها(٣) فيما عليهم إلا الصيام، فإنه لله، ليس لأحد من أصحاب الحقوق أن يأخذ منه شيئاً. قال: قاله ابن العربي. (١) ((ت)): ((أحوالهم)). (٢) في المطبوع من ((المفهم)) للقرطبي: ((كما قال: (بيتي وعبادي)). والصواب ما أثبته، ولما سيأتي في كلام المؤلف رحمه الله في الوجه الرابع من الاعترض على كلام القرطبي . (٣) ((ت)): ((منها يوم القيامة)). ١٦١ قال أبو العباس: وقد كنت أستحسنه(١) إلى أن(٢) فكّرت في حديث المُقاصَّة، فوجدت فيه ذكرَ الصوم في جملة الأعمال المذكورة للأخذ منها (٣)، فإنه قال فيه: «أتدرُونَ مَن المفلسُ؟)) قالوا: المفلسُ فينا من لا درهم(٤) له ولا متاعَ، فقال: ((المفلسُ هو الذي يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وصدقةٍ وصيامٍ، ويأتي وقد شتمَ هذا، وقذفَ هذا، وضربَ هذا، وسَفَكَ دمَ هذا، فيأخذَ هذا من حَسَنَتِهِ، وهذا من حَسَنَاتِهِ، فإن فَنِيَتْ حسناتُهُ قبلَ أن يُقضَى ما عليه، أُخِذَ من سيئاتهم وطُرِحَ عليه، ثم طُرِحَ في النَّارِ))(٥)، وهذا يدل على أن الصيام يؤخذ کسائر الأعمال. وسادسها: أن الأعمال كلَّها ظاهرةٌ للملائكة، فتكتبها إلا الصوم، وإنما هو نيةٌ وإمساك، فالله يعلمه ويتولى جزاءه؛ قاله أبو عبيد. وسابعها: أن الأعمالَ قد كُشفت لبني آدمَ مقاديرُ(٦) ثوابها وتضعيفها، إلا الصيام، فإن اللهَ يثيبُ عليه بغير تقدير، ويشهد لهذا(٧) (١) ((ت)): ((استحسنته))، وكذا في المطبوع من ((المفهم)). (٢) ((ت)): ((ثم إني)) بدل: ((إلى أن)). (٣) في الأصل: ((فيها))، والمثبت من ((ت)). (٤) ((ت)): ((لا ضياع)). (٥) رواه مسلم (٢٥٨١)، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم. من حديث أبي هريرة ﴾. (٦) ((ت)): ((مقاديرها)). (٧) ((ت): ((له)) . ١٦٢ مساقُ الروايةِ الأخرى التي فيها: ((كلُّ عملِ ابنِ آدمَ يُضَاعفُ، الحسنةُ عشرُ أمثالِهَا إلى سبع مئةٍ ضعفٍ، قال الله: إلا الصومَ، فإنَّه لي، وأنا أجزي به))(١). [يعني] (٢) - والله أعلم -: أنه يجازي عليه جزاءً كثيراً من غير أن يُعيِّنَ مقدارَه ولا تضعيفه، وهذا كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّ الصَِّرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]، وهم الصائمون في أكثر أقوال المفسرين . وهذا قولٌ ظاهرُ الحُسْنِ (٣)، غيرَ أنه قد تقدَّم، ويأتي في غيرِ ما حدیثٍ: أنَّ صوم الیوم بعشرة، وأن صیامَ ثلاثةِ أیام من کلِّ شھر، وصيامَ رمضان صيامٌ(٤) الدهر(٥)، وهذه نصوص في إظهار التضعيف، فبَعُد هذا الوجه، بل بطل. والأَولى حمل الحديث على أحد الأوجه(٦) الخمسة المتقدمة، فإنها أبعدُ عن الاعتراضات الواقعة، والله أعلم، [انتهى](٧) (٨). (١) تقدم تخريجه عند مسلم برقم (١١٥١ / ١٦٤). (٢) سقط من (ت)). (٣) في المطبوع من ((المفهم)): ((وهذا ظاهرُ قولِ الحسن))، ولعل الصواب ما أثبته . (٤) ((ت)): ((بصيام)) . (٥) سيأتي تخريج هذه الروايات قريباً. (٦) ((ت): ((الوجوه)). (٧) زيادة من ((ت)). (٨) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٢١١ -٢١٣). ١٦٣ وهذه الوجوه لا(١) تكادُ تخلو من إشكالٍ، أو اعتراضٍٍ، أو عدم تخليص(٢)، أو تعقيد في المجاز، أو عدم بيان وجه المجاز في اللفظ، ونذكر الآن ما يُسِّرُ الله تعالی: أما الوجه الأول: فيظهر من قوله: إن أعمال بني آدم يمكن الرياء فيها فتكون لهم: أن معنى كونها لهم [أنها](٣) باطلةٌ ليست لله؛ كما جاء: ((ولا تقولُوا للهِ والرحم (٤)، فإنَّه للرحم، وليسَ للهِ فيه شيءٌ) (٥)؛ أو كما قال. وهذا باطل بالضرورة إن أخذنا الكلام على ظاهره؛ لأن إمكان الرياء لا يكون سبباً لإبطال العمل، إنما يكون سبباً لإمكان إبطال العمل، فيصير التقدير: كلُّ عملٍ ابن آدم يمكن أن يكون له - أي: (١) في الأصل: ((وهذا لوجوه لا)) وفي ((ت)): ((فهذه الوجوه فلا))، والصواب ما أثبت، والله أعلم. (٢) ((ت)): ((تلخيص)). (٣) سقط من ((ت)). (٤) (ت)): ((وللرحم)). (٥) رواه الدارقطني في ((السنن)) (١ / ٥١)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٦٨٣٦)، والضياء المقدسي في ((الأحاديث المختارة)) (٨ / ٩٠)، من حدیث الضحاك بن قيس قال المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (١/ ٢٣): رواه البزار بإسناد لا بأس به . ورواه ابن قانع في ((معجم الصحابة)) بإسناد صحيح، عن الضحاك بن قيس، كما في ((السلسلة الصحيحة)) (٦ / ٦٢٤). ١٦٤ يمكن أن يكون باطلاً بسبب ريائه - إلا الصيام، فإنه لا يمكن أن يكون باطلاً بسبب الرياء؛ لأنه إخلاص مَحْضٌ كما ذكر، وهذا يقتضي أن الرياء لا يدخل الصوم، وليس كذلك، فإنه يمكن أن يُراءى [به](١) كغيره من الأعمال، فإنه يمكن أن يُظهر الصائمُ من الحالات والهيئات ما يُشعر بصومه رياءً [و](٢) طلباً للعَرَضِ الدنيويِّ، نعم حصول الإخلاص فيه أيسرُ من حصوله بالأعمال الظاهرة التي تتوقّفُ على الجوارح، [و](٣) لكنْ يشاركُ الصومَ في هذا سائرُ ما يُثاب عليه من النيات والعزوم والأعمال القلبية؛ كالتوكل على الله والتفويض إليه، فإنها(٤) لا يَظهر فيها عملٌ كما لا يظهر في الصوم المَنْوِيِّ مع الإمساك عمل. وقد صرَّح(٥) الحديثُ الصحيح بالثواب على الترك مع النية من غير إظهار عمل، وهو قوله وَّ: ((قالَتِ الملائكةُ: ربِّ ذاكَ عبدُك يريدُ أن يعملَ سيئةً، وهو أبصرُ [به](٦)، فقال: ارقُبُوه، فإنْ عملَهَا فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جَرَّايَ)»(٧)؛ (١) زيادة من ((ت)). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) سقط من ((ت)). (٤) ((ت): ((فإنه)) . (٥) في الأصل: ((يصرح))، والمثبت من (ت)). (٦) زيادة من ((ت)). (٧) رواه مسلم (١٢٩)، الإيمان، باب: إذا همَّ العبد بحسنةٍ كتبت، وإذا هم بسيئة لم تكتب، من حديث أبي هريرة څ. ١٦٥ أي: من أجلي، فهذا تركٌ اقترنَ به نيةٌ من غير عمل ظاهر، و[قد](١) كتب له حسنة، وهو غير الصوم، ولا يكون علة اختصاص الشيء (٢) بأمر مشترك بینه وبین غيره. فإن قلت: لم تصنعْ أكثرَ من إبداء صورة - أو صور غير الصوم - تكونُ لابن آدم، وليس فيه أكثر من تخصيصٍ عموم: «[كلُّ](٣) عملٍ ابنِ آدمَ لهُ إلا الصومَ»، ولا إنكارَ في تخصيص العموم. قلت: لا ننكرُ أن يخصَّ(٤) هذا العموم إذا ثبت أن هاهنا عملاً آخر غير الصوم يكون لابن آدم، وإنما أنكرت تسلیمَك اختصاص الصوم بكونه لابن آدم دونَ سائر أعماله معلِّلاً لهذا الاختصاص بعلة لا تختص بالصوم، فليس(٥) هذا مُجرَّد تخصيص العموم، فإنه لو قام دليل على تخصيص العموم لخصصناه، ولم يلزم منه هذا المنكر الذي أنكرناه، فهذا إنما نشأ من جعلك علةَ الاختصاص ما هو مشتركٌ. وأما الوجه الثاني: وهو أنَّ أعمال بني آدم كلَّها لهم منها حظٌّ إلا الصيام، فإنه لا حظّ لهم فيه؛ فإما أن يُعنى بالحظِّ الحظّ الدنيوي، أو الأخروي. (١) سقط من ((ت)). (٢) ((ت)): ((الصوم)). (٣) زيادة من ((ت)). (٤) ((ت): ((یخصص)). (٥) ((ت)): ((وليس)). ١٦٦ فإن أراد [به](١) الحظّ الدنيوي؛ بمعنى: [أن](٢) لهم في الأعمال التي هي غير الصوم ما يوافق أغراضهم ويلائم طباعَهم إلا الصوم، فهذا لا يصح؛ لأن هاهنا أعمالاً كثيرة هي أشقُّ من الصوم، وأصعب على النفس، وأبعد من(٣) موافقة الطباع (٤) والغرض الدنيوي؛ كضرب الرقاب في سبيل الله، وقطع الأيدي، والقيام الطويل في الليالي الطوال، وما لا يُحصى من الأعمال المُشِقَّة، التي لا توافق الطبع، ولا فيها حظّ للنفس دنيويٌّ. وإن أراد [به](٥) الحظّ(٦) الأخروي، وهو الثواب، فالصوم مشترك مع غيره في ذلك، لمن يقصد بعمله الثواب والأجر الأخروي، ولا اختصاصَ للصوم بذلك، وكذلك من لا يقصد بعمله الثوابَ والجزاء لا فرقَ عنده بين الصوم وغيره في سقوط حظه من قصد الثواب والجزاء(٧). وإن أراد بالحظ ما يرجع إلى الرياء فهو الوجه الأول، وقد قدَّمنا ما فيه. (١) سقط من ((ت)). (٢) زيادة من ((ت)). ((ت)): ((عن)) . (٣) (٤) ((ت)): ((الطبع)). (٥) سقط من ((ت)). (٦) في الأصل: ((حظ))، والمثبت من ((ت)). (٧) ((ت)): ((الجزاء والثواب)). ١٦٧ وأما الوجه الثالث: [وهو](١) أنَّ أعمالَهم هي أوصافهم، مناسبةٌ لأحوالهم، إلا الصيام، فإنه استغناء عن الطعام، وذلك من خواصِ الحق نَلَ، فهذا عندي من المجاز، ولكن يحتاج إلى بيان نوعه من أنواع المجاز، ووجه العلاقة. فنقول: هذا يجري مجرى قول الإنسان لمن ذُكر له فعلٌ عن غيره: هذا له؛ بمعنى: أنه مناسب ولائق بأحواله وأفعاله. ووجه المجاز [فيه](٢): أن اللام تقتضي الإذن في الفعل، والإذن فيه ميسَّر لفعله؛ كما أن المنع منه مُعسَّر لفعله، وما عليه الإنسان من الأخلاق والطباع إذا اقتضت شيئاً تيسّر فعله عليه بسبب خُلُقه وطبعه وملائمة الفعل له، فقد يشابهُ تيسُّرُ الفعل بمقتضى الخِلقة والطبيعة والأحوال تيسِّرُهُ بسبب الإذن [و](٣) الإباحة [له](٤)، فأطلقَ على تيسره بالخلق والطبيعة الصيغةَ المستعملةَ في الإذن؛ لاشتراكهما في تسبب التيسير . ويلزم على قوله: (وذلك من خصائص الحق ◌ََّ): أن يكون الملائكةُ - صلوات الله وسلامه عليهم - يأكلون ويشربون، وهذا أقلُّ ما يلزم هذا القائل عليه أن يقيمَ دليلاً شرعياً يقتضي الخبر عنهم بذلك (١) زيادة من ((ت)). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) زيادة من (ت)). (٤) زيادة من ((ت)). ١٦٨ حتى يصحّ(١) [له] (٢) أن يجزم الحكم عليهم به، هذا مع ما تقرَّر في نفوس المؤمنين وغيرهم من خلافٍ(٣) ما يقتضيه قولُه، وتنزيهِ(٤) الملائكة عن الأكل والشرب. وقد ذكر بعضهم في الحديث ما معناه: أنه صفةٌ ملائكتي، كما سنذكره، وهذا مخالفٌ لما قال، ومع الاختلاف فلا بدَّ من دليل يدلُّ على ما جزم به. وأما الوجه الرابع: [وهو](٥) أن أعمالهم مضافة إليهم إلا الصيام، فإن الله تعالى أضافه إلى نفسه تشريفاً؛ كما قال: ﴿نَبِّئ عِبَادِىٌّ﴾ [الحجر: ٤٩]. وهذا وجه قريب، فإن إضافةَ التشريف معلومةٌ، غيرَ أنه [ينبغي] (٦) تتبُّعُ ألفاظِ الكتاب والسنة حتى لا يبقى فيها شيءٌ أضيفَ للهِ تعالى غير الصوم. وقول هذا القائل: كما قال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِىّ ﴾ [الحجر: ٤٩]، فليس كما يظن به من قوله تعالى: ((فإنه لي))، وهذه الإضافة في ((الصوم لي)) ليست كذلك، فإنه ليس في: ((الصوم لي)) من معنى إضافة التشريف (١) ((ت)): ((لا يصح). (٢) زيادة من ((ت). (٣) في الأصل: ((خلافه))، والمثبت من ((ت)). (٤) اسم معطوف على (ما) في الجملة السابقة. (٥) زيادة من ((ت)). (٦) زيادة من ((ت)). ١٦٩ ما في قوله تعالى: ﴿فَبِئْ عِبَادِىٌّ﴾ [الحجر: ٤٩]، و﴿عَبْدَنَا﴾ [ص: ٤١]، فإن اللام للملك أو الاختصاص، وذلك لا يقصد به تشريف بنفسه، فإن لله ما في السموات وما في الأرض، [وليس القصدُ تشريفَ كل ما في السموات وما في الأرض](١)، ولا يفهم منه ذلك، بخلاف قوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِىٌ﴾ [الحجر: ٤٩]، و﴿عَبْدَنَآ﴾ [ص: ٤١] (٢). وأما الوجه الخامس: وهو أن أعمالهم يقتصُّ منها يوم القيامة فيما عليهم إلا الصيام، فإنه ليس لأحد من أصحاب الحقوق أن يأخذَ منه شيئاً. فهذا الوجه [الحسن](٣)، وإن حَسُنَ من حيث انطباقُه على اللفظ من غير تكلفٍ، ولا مجازٍ معقَّد، إلا أنه لا يجوز أن يقالَ به إلا أن يرِدَ توقيفٌ بنصِّ يقتضيه، وأما مُجرَّد الاحتمال فلا يجوز. فلو(٤) لم يكن إلا هذا، لكفى في التوقف عن القول به، لا سيَّما مع ما ذكره أبو العباس، وساقه من حديث المُقاصَّة، وقوله: وهذا يدل على أن الصيام يؤخذ كسائر الأعمال. وظاهر(٥) الحديث كما ذكر، إلا أنه لو وُجدَ دليل صحيح على أن (١) زيادة من ((ت)). (٢) في الأصل: ((نبىء عبدنا وعبادي)) وفي ((ت)): ((عبدنا وعبادي))، والصواب ما أثبت. (٣) زيادة من ((ت). (٤) (ت)): ((ولو)). (٥) (ت): ((فظاهر)). ١٧٠ الصومَ لا يؤخذ في القصاص، أمكنَ الجواب عن العمل بظاهر حديث المُقاصَّة، وإذا لم يَرِد فلا يجوز العدول عن الظاهر لمُجرَّد احتمالٍ لا دلیلَ علیه. وقول أبي العباس: قاله ابن العربي، يفهم منه أنه جعله قولاً له مرضياً، وليس الأمر على ذلك فيما هو على ذهني، وإنما حكاه. وأما الوجه السادس: وهو أن الأعمال كلها ظاهرة للملائكة، فتكتبها الملائكة، إلا الصوم، فإنما هو نية وإمساك، فالله يعلمه، ويتولَّى جزاءَه، فهذا، وإن قَرُب في قوله: ((لي)) بأن يكون معناه: أني منفردٌ بالاطلاع عليه، لكنَّ تنزيلَ قوله: ((كلُّ عملِ ابنِ آدمَ له)) على أنه تَطَّلِعُ (١) عليه الملائكة، بعيدٌ لا يتوجَّهُ إلا بمجازٍ تعقيد(٢) . وأما الوجه السابع: فلم(٣) أزل أعتقد أنه المراد بالحديث المطلق؛ لقوة دلالته على أن عمل ابن آدم مقدَّرٌ بعشرة أمثاله إلا الصوم فإنه غير مقدر، بل أُبهمَ ثوابُه تعظيماً له؛ لتذهب النفس في تعظيم ثوابه كلَّ مذهب، وهذا الحديث قريب(٤) من النصوصية في التقدير لغير الصوم وعدم التقدير في الصوم. (١) في الأصل: ((تتطلع))، والمثبت من ((ت)). (٢) في الأصل: ((لمجاز يعتقد))، والمثبت من ((ت)). (٣) في الأصل: ((وهو فلم))، والمثبت من ((ت)). (٤) في الأصل: ((كالقريب))، والمثبت من ((ت)). ١٧١ والذي أورده أبو العباس من أن صومَ اليوم بعشرة(١)، وأن صيامَ ثلاثة أيام من كل شهر (٢)، وصومَ(٣) رمضان صيامُ الدهر(٤)، وقوله: وهذه نصوص في إظهار التضعيف، فبَعُد هذا الوجه، بل بطل. فنقول: إن الحديث الذي فيه تفسيرُ كونها له بعشرة، واستثناء الصوم عن ذلك، لا شيءَ أقوى منه في تفسير هذا اللفظ وانطباقه عليه، وهو حديث صحيح، فيتعيَّن المصيرُ إليه، وما يَرِدُ عليه إن أمكن عنه جواب فذاك، وإلا قلنا بأنه المراد، ولو وقف علينا الجواب، وكم من لفظ متبيِّن غير خافٍ في الدلالة، يرِدُ عليه ما يَعجزُ عن جوابه بعضُ الناس. والذي تمكن عندي أن يجاب عن هذا: بأنَّ (٥) التقدير محمول على التقدير في أصل تضعيف الثواب الذي وجب بالوعد (١) رواه الترمذي (٧٦٢)، كتاب: الصوم، باب: ما جاء في صوم ثلاثة أيام من كل شهر، من حديث أبي ذر قال: قال رسول الله وَل : ((من صام من كل شهر ثلاثة أيام، فذلك صيام الدهر))، فأنزل الله ثم تصديق ذلك في كتابه: ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَنَةٍ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] اليوم بعشرة أيام. قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. (٢) رواه البخاري (١٨٧٥)، كتاب: الصوم، باب: صوم الدهر، ومسلم (١١٥٩)، كتاب: الصيام، باب: النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به، من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. (٣) (ت)): ((وصيام)). (٤) رواه مسلم (١١٦٤)، كتاب: الصيام، باب: استحباب صوم ستة أيام من شوال إتباعاً لرمضان، من حديث أبي أيوب ﴾. (٥) في الأصل: ((أن))، والمثبت من ((ت)). ١٧٢ الكريم أن لا يُنقصَ عنه، وما زادَ على العشر إلى السبع مئة فالأمرُ فيه مفوَّضٌ إلى مُجرَّد المشيئة، لا أنه داخل في أصلٍ وضع الثواب، والوعد به الذي يوجب وقوعه(١). وأما الصوم فإنه في أصل وضع الثواب غيرُ مقدَّر بشيء معين يكون الزائد عليه غير موعود [به](٢)، بل الموعود عليه في الصوم ثوابٌ غير مقدر بعدد في أصل وضع الثواب، وهذا المعنى لا ينافي أن يحصلَ تحت هذا الأمر العظيم عددٌ يُذكرُ؛ لا على معنى تقييد الوعد به، بل لأنه فردٌ من أفراد ما تعلّق الوعد به من عدم انحصار الوعد في عدد، فالحاصل أن الأعمالَ غيرُ الصوم، وتقديرَها بالعشر هو الموعود به الذي يجب وقوعُهُ بالوعد، والصومُ لا تقديرَ فيه في أصل وضع الثواب، [وما يذكر من عدد فلأنه فرد؛ أي(٣): من الموعود به، لا أنه مُتعلَّقُ الوعد في أصل وضع الثواب](٤). الثامنة [من المفردات](٥): ذكر صاحب ((جامع اللغة))(٦) محمد ابن جعفر: أنَّ الجزاء: المكافأة على ما يفعله الإنسان من خير أو شر، (١) في الأصل: ((يتوعده))، والمثبت من ((ت)). (٢) سقط من ((ت)). (٣) جاء في الأصل: ((فرد أي أفراد من الموعود به))، وقد وضعت إشارة تدل على الحذف فوق (أي)، ولكن العبارة تستقيم بما أثبت، والله أعلم. (٤) سقط من ((ت)). (٥) زيادة من ((ت)). (٦) ((ت)): ((الجامع في اللغة)). ١٧٣ يقال فيه: جزاه يجزيه جزاءً حسناً وجزاءً سيئاً. قال: والجزاءَ أيضاً الاكتفاءُ بالشيء، يقال: فلان ذو غناء وجزاء؛ أي: يكتفي به (١). التاسعة: مادة (الجنّة) من الاستتار والستر، ومنه: الجِنَّةُ والجُنَّةُ والجِنُّ والمِجَنُّ(٢)، ومعنى الاستتار شامل للكل، والحقيقة فيه الستر الحسي، وغيره مجاز، والصوم من المعاني فلا يكون الستر حقيقة فيه، ثم للمجاز [فيه](٣) وجوه، ستذكر فيما بعد إن شاء الله تعالى. العاشرة: (الرَّفَثُ) يطلق ويراد به: الجماع، [يقال](٤): رفث إلى امرأته؛ [أي](٥): أفضى إليها، قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةً اَلْصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. يقال: رفَٹ، بفتح الفاء، یرفُث، بضمها وكسرها، ورفِث، بکسرها في الماضي، يرفَث بفتحها في المستقبل، رفْثاً، بسكونها في المصدر، وفتحها في الاسم؛ قاله القرطبي (٦)، وهو محمول على الجماع. ويطلق على الإفحاش في الكلام؛ رفثَ في كلامه، وأرفثَ، (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٢١٣). وانظر: ((الصحاح)) للجوهري (٦/ ٢٣٠٢)، (مادة : ج ز ی). (٢) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٢٠٣). (٣) سقط من ((ت)). (٤) زيادة من ((ت)). (٥) زيادة من ((ت)). (٦) انظر: ((المفهم)) له (٣/ ٢١٤). ١٧٤ وترقَّثَ، قال بعضُهم: إذا أفحش، وأفصح(١) بما يجب أن يُكنى عنه من ذكر النكاح. وقال الزَّجَّاج - فيما حكاه عنه الواحدي -: الرفثُ: كلمةٌ جامعة لكلِّ ما يريده الرجل من المرأة، انتهى. وترافثَ الرجلان، ورافثَ صاحبَه مرافئة، ومنه: ما هذِهِ منافئةٌ، إِنَّمَا هِيَ مُرَافَثَةٍ . قال العجَّاج [من الرجز]: ورُبَّ أَسرابِ حَجِيجِ كُظْم عنِ اللَّغا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ وقيل: الرفثُ بالفرج: الجماع، وباللسان: المواعيد بالجماع، وبالعين: الغمز للجماع(٢). الحادية عشرة: الصَّخَبُ: اختلاط الأصوات يقال: في البيت صخبٌ، وقد صَخِبَ فلان يصخَب، فهو صخِبٌ، وصاخب، وتقول : ما هو صاحب، إنما هو صاخب. وهو صحَّاب في الأسواق، واصطخبوا، وتصاخبوا، وسمعتُ (١) ((ت): ((وفصح)). (٢) انظر: ((أساس البلاغة)) للزمخشري (ص: ٢٤٠)، وعنه نقل المؤلف رحمه الله . ١٧٥ اصطحابَ(١) الطير، وصاخبَهُ مصاخبةً. قال الزمخشري - رحمه الله -: ومن المجاز: وادٍ صخب الآذِيّ، واصطخبت أمواجه، وعود صَخِب الأوتار(٢). وذكر بعضهم: أن الصَّخَبَ: اختلاطُ الأصوات وكثرتُها ورفعها بغير الصواب(٣). وهذا تقييدٌ منه، وقد قدمنا أنه مطلق ارتفاع الأصوات، وقد يكون ذلك بنفسه مكروهاً؛ لما فيه من مخالفة الوقار والسَّمْت الحسن والتُّؤَدة. ويقال: السَّخَب، بالسين أيضاً(٤). الثانية عشرة: قيل: إن في بعض الروايات: ((ولا يسخر))، وهو غير المعروف(٥)، وكأنه عندي تصحيف(٦)، فإنْ صحَّ، فالسخرية: (١) في الأصل: ((اصخاب))، والمثبت من ((ت)). (٢) انظر: ((أساس البلاغة)) للزمخشري (ص: ٣٤٩). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٢١٤). (٤) المرجع السابق، الموضع نفسه. وانظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٤ / ١٠٩). (٥) انظر: (إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٤ / ١٠٩)، و((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٢١٤). (٦) وكذا قال النووي رحمه الله في ((شرح مسلم)) (٨ / ٣١) قال: وهذه الرواية تصحیف، وإن کان لها معنى . ١٧٦ الاستخفاف(١) والاستحقار، أو ما يقرب منه(٢)، يقال: سَخِرَ منه وبه، واستسخر، واتخذه سِخريَّاً، وسُخريَّاً، وفلان سُخَرَة، وسُخْرَة: يضحك منه الناس، [ويضحك به الناس] (٣)، وهو: مسخرة من المساخر، ويقال: ربَّ مساخرَ يعدُّها الناس مفاخرَ!(٤) الثالثة عشرة: يقال: سابّه، وتسابُوا، واستبُّوا، وهو سِبَّة - بكسر السين -؛ أي: سبوه، وإياكَ والمسبّةَ والمسابَّ، ولا تكنْ سُبَيَةً؛ كضُحَكَة وضُحْكَة. وذكر الزمخشري أنَّ [من](٥) المجاز: خيلٌ مسببَّةٌ: يقال لها: قاتلها الله، وأخزاها، إذا استجيدت. قال الشمَّاخ [من الطويل]: مُسَبَبَّةٌ قُبُّ البطونِ كأنَّهَا رماحٌ نَحاها وجهةَ الريح راكِزُ (٦) وفي هذا بحث؛ لأن المجاز في مسببة؛ إما في الإفراد أو(٧) التركيب، ولا مجاز في الإفراد؛ لأن السبّ مستعمل في حقيقته، (١) في الأصل: ((استخفاف))، والمثبت من ((ت)). (٢) انظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٤ / ١١٠). (٣) زيادة من ((ت)). (٤) انظر: ((أساس البلاغة)) للزمخشري (ص: ٢٨٩). (٥) زيادة من ((ت)). (٦) انظر: ((أساس البلاغة)) للزمخشري (ص: ٢٨١ - ٢٨٢) (٧) في الأصل: ((و))، والمثبت من ((ت)). ١٧٧ ولا في التركيب؛ لأن السبَّ منسوبٌ إلى الخيل نسبة المفعولية؛ أي: المسبوبة(١)، ونسبتُها إليه على نسبة المفعولية حقيقةٌ؛ لأنها مسبوبة حقيقة . قال بعض المباحثين: استعملَ لفظ الذم في المدح، وهو مجاز، إلا أنه يلزم عليه مجاز آخر، وهو استعمال اللفظة الواحدة في معنيين مختلفين . الرابعة عشرة: قال ابن سِيدَه: والوَحَدُ(٢) والأحدُ كالواحد، همزتُه بدلٌ من واو. وقال أيضاً: رجل أَحَدٌ، ووَحَدٌ، ووحيدٌ، ووَحِدٌ، ووَحْدٌ، ومتوحِّدٌ (٣)، والأنثى: وحدة، حكاه(٤) أبو علي في ((التذكرة))، وأنشد: كالبَيْدَانِةِ الوَحَدَه وقال أيضاً: يقال: هذا إحْدَى الإِحَد(٥)؛ يعني: بكسر الهمزة، (١) في الأصل: ((المنسوبة))، والمثبت من ((ت)). (٢) في الأصل: ((الواحد)). (٣) ((ت)): (ووحُد ووحید متوحد)). (٤) ((ت)): ((وحكاه)). (٥) تقول: أَتَى بِإِحْدَى الإِحَدِ؛ أَي: بالأَمْرِ المُنْكَرِ العظيمِ، ويقال ذلك عند تَعظيم الأَمرِ وتهويلِه، ويقال: فلان إِحْدى الإِحَد؛ أَي: واحدٌ لا نظير له؛ قاله ابن الأَعرابيّ؛ فلا فَرْقَ في اللّفظ ولا في الضّبط. وانظر: ((تاج العروس» للزبيدي (مادة: وح د). ١٧٨ وأَحَد الأَحَدِين، وواحد الآحاد (١). الخامسة عشرة: المقاتلة: مفاعلةٌ تقتضي (٢) أن تكون من اثنين، وكذلك (قاتلَه). ولا يَحسنُ حملُ الحديث عليه، فإن المراد: إن سبَّه فليقل، وليس المراد (٣): إن تسابا [فليقل](٤)، فإنهما إذا تسابا فقد وقع المحذور من الصائم، فيمكن أن يقال: إن (قاتَلَه) من باب طارَقَ وسافَرَ(٥) وعاقَبَ(٦) من ما يكون من واحد، ويمكن أن يكون على الأصل بوجه مجازي، وهو أن يكون من باب إطلاق لفظ الشيء على ما قاربه، فإن المسبوبَ غضبُهُ(٧) لأجل السبِّ [يَحملَه على المقابلة بمثله، فيقارب أن يسبّه، فُجعلُ ساباً بالقربة من السب](٨). وقد حملوا قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] على: قاربن أجلهن. ومن دقيق [هذا](٩) ما قيل في قوله تعالى: ﴿ وَنَادَى نُوحُ رَّبَّهُ، فَقَالَ (١) انظر: ((المحكم)) لابن سيده (٣ / ٤٩٠ - ٤٩١) (٢) في الأصل: ((تقتضي من))، والمثبت من ((ت)). (٣) في الأصل: ((يراد))، والمثبت من ((ت). (٤) سقط من ((ت)). (٥) في الأصل: ((ساحر))، والمثبت من ((ت)). (٦) في الأصل: ((عاقد))، والمثبت من ((ت)). (٧) في الأصل: ((تثور عصبيته))، والمثبت من ((ت)). (٨) زيادة من ((ت)). (٩) زيادة من ((ت)). ١٧٩ رَبِّ إِنَّ أَبْنِى مِنْ أَهْلِى﴾ [هود: ٤٥] أن المراد: قارب النداء، لا أوقع النداء؛ لدخول الفاء في: (فقال)، فإنه لو وقع النداء لأسقطت(١)، وكان ما ذكر تفسيراً للنداء؛ كما في قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا ذَكَرِيَا رَبَّهُ, قَالَ رَبِّ﴾ [آل عمران: ٣٨]، فهو تفسير لندائه، فأسقطت الفاء. السادسة عشرة: المجازُ على كل تقدير لازمٌ، سواء جعلنا (قاتله) من باب المفاعلة، أم على معنى قتله؛ [لأن القتل لازم حقيقة غير مراد، فإذا حملنا الصيغة على معنى (قتله)](٢) كان فيه مجازان : أحدهما: استعمال صيغة المبالغة (٣) في غير موضعها، الذي هو أن تكونَ من اثنین. والثاني: المجاز الذي في لفظ (قتل)، فإنَّ (قتل) حقيقةٌ في إزهاق الروح، أو الفعلِ المُفضي إليه . هذا إن (٤) حملنا (قاتلَ) على (قتل)، وإن تركناه على معنى المفاعلة على أصله، فلا بدَّ من المجازِ في اللفظ الدال على القتل؛ كما ذكرنا آنفاً، والمجازِ(٥) في تسمية ما قارب الشيء باسمه. (١) في الأصل: ((فأسقطت))، والمثبت من ((ت)). (٢) سقط من ((ت)). (٣) كذا في الأصل و((ت))، والمراد: صيغة المفاعلة. (٤) ((ت)): ((إذا)). (٥) في الأصل: ((اتفاق))، والمثبت من ((ت)). ١٨٠