النص المفهرس

صفحات 61-80

ورواه يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب، عن الزُّهري، عن
حمید قال: رأيتُ عمر وعثمان يصليان.
قال محمد بن عمر: وأشبههما عندنا حديث مالك، وأنَّ حميداً
لم يرَ عمرَ - رَظُه -، ولم يسمع منه شيئاً، وسِنَّه وموته يدلان(١) على
ذلك، ولعله قد سمع من عثمان؛ لأنه كان خاله، وكان يدخل عليه
- كما يدخل ولده - صغيراً وكبيراً(٢).
وكان ثقةً، كثيرَ الحديث، توفي بالمدينة سنة خمس وتسعين،
وهو ابن ثلاث وسبعین.
قال ابن سعد: وقد سمعت من يذكر أنه توفي سنة خمس ومئة،
وهذا غلط(٣)(٤).
(١) في الأصل: ((يدل))، والمثبت من ((ت)).
(٢) انظر: ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٥ /١٥٤).
(٣) * مصادر الترجمة :
((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٥/ ١٥٣)، ((التاريخ الكبير)) للبخاري
(٢/ ٣٤٥)، ((الطبقات)) لخليفة بن خياط (ص: ٢٤٢)، ((معرفة الثقات))
للعجلي (١/ ٣٢٣)، ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (٣/ ٢٢٥)،
((الثقات)) لابن حبان (٤ / ١٤٦)، (تهذيب الكمال)) للمزي (٧ / ٣٧٨)،
((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٣/ ٤٠).
(٤) قلت: لم يترجم المؤلف رحمه الله لروح بن عبادة، وقد جاء في النسخة
(ت)): ((ترجمة روح بن عبادة)) كذا، كالتنبيه على سقوط ترجمته عند
المؤلف.
قلت: وروح بن عبادة هو: ابن العلاء بن حسان أبو محمد القيسي البصري
ثقة حافظ، فاضل، صنف الكتب في السنن والأحكام، وجمع تفسيراً، =
٦١

* الوجه الثاني: في [تصحيحه](١):
أخرجه مالك - رحمه الله - في ((الموطأ))، [و](٢) اختلف عليه في
لفظه، وفي رفعه ووقفه؛ فرواية يحيى بن يحيى الأندلسي، عن مالكٍ،
عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: أنه قال:
لولا أنْ يشقَّ على أمَّتِهِ لأمرَهُم [بالسِّواكِ] (٣) مع كل وضوء.
هكذا في روايته (٤) ليس فيه [ذكر](٥) رفع اللفظِ إلى النبي ◌َّر.
وقال أبو عمر بن عبد البر في ((التقصي))(٦) بعد ذكر هذه الرواية:
وهذا يدخل في المسند عند جميعهم.
وقال في ((التمهيد)): هذا الحديث يدخل في المسند؛ لاتصاله
= وحديثه في أصول الإسلام كلها، توفي سنة (٢٠٥هـ) وقد نيف على
الثمانين رحمه الله تعالى.
وانظر ترجمته في: ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٧/ ٢٩٦)، و((التاريخ
الكبير)) البخاري (٣/ ٣٠٩)، و((معرفة الثقات)) للعجلي (١ / ٣٦٥)،
و((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (٣/ ٤٩٨)، و((الثقات)) لابن حبان
(٨/ ٢٤٣)، و((تهذيب الكمال)) للمزي (٩/ ٢٣٨)، و((سير أعلام النبلاء))
للذهبي (٩ / ٤٠٢)، و((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٣/ ٢٥٣).
(١) سقط من ((ت)).
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) زيادة من ((ت).
(٤) ((ت)): ((رواية)).
(٥) سقط من ((ت)).
(٦) هو كتاب: ((التقصي لحديث الموطأ)) أو ((تجريد التمهيد))، وهو مطبوع.
٦٢

من غير ما وجه، ولما يدل عليه اللفظ، وبهذا اللفظ رواه أكثر الرواة
عن مالك كذلك، ورواه كما رواه (١) [يحيى](٢) أبو المُصْعب، وابن
بُكير، والقَعْنَبي، وابن القاسم، وابن وهب، وابن نافع.
ورواه معن بن عيسى، وأيوب بن صالح، وعبد الرحمن بن
مهدي، وجويرية(٣)، وأبو قُرَّة موسى بن طارق، وإسماعيل بن أبي
أويس، ومُطَرِّف بن عبد الله، وبشر بن عمر، وروح بن عبادة، وسعيد
ابن عُفَير، عن مالك، وسُحنون، عن ابن القاسم، عن مالك بإسناده
إلى أبي هريرة: أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ قال: (لَوْلا أنْ أشقَّ على أمَّتِي
لأمَرْتُهُم بالسِّواكِ مع كلِّ وُضُوء)»، وبعضهم يقول: ((معَ كلِّ صلاةٍ))(٤).
قلت: قد ذكرنا رواية روح بن عبادة في الأصل، ورواه أبو عمر
في ((التمهيد)) من حديث إسماعيل بن أبي أويس بسنده ولفظه.
ورواه من طريق أحمد بن صالح، عن مُطرِّف، وإسماعيل بن
أبي أويس، عن مالك بسنده ولفظه .
ومن طريق بشر بن عمر، عن مالك، وفيه: ((مع كلِّ وضوءٍ))(٥).
(١) في المطبوع من ((التمهيد)): و((بهذا اللفظ رواه أكثر الرواة عن مالك،
وممن رواہ کذلك کما رواه)».
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) في الأصل: ((جويرة))، والمثبت من ((ت)).
(٤) انظر: ((التمهيد)) لابن عبد البر (٧ /١٩٤-١٩٦).
(٥) المرجع السابق (٧/ ١٩٦).
٦٣

وقد ظهر بما ذكرنا ما ذكرته في الأصل من أن جماعةً رووه عن
مالك كما ذكرنا، وأنَّ روحاً رواه مسنداً، وروحُ بن عبادة من الثقات.
* الوجه الثالث: في شيء من مفردات ألفاظه، وفيه مسائل:
الأولى: كلمة (لولا) مشتركةُ الدلالة بين التحضيض والشرط،
فمِمَّا وردت فيه بمعنى التحضيض قول الشاعر [من الطويل]:
تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ(١) أفضلَ مجدِكُمْ
بني ضَوْطَرَى لَوْلا الكَمِيَّ المُقَنَّعَا(٢)
وورودها بمعنى الشرط كثير جدا٣ً).
وفي كلام بعضهم ما يُشعر بأنه الأصل، وأن التحضیض خرجت
به عن بابها .
فإن أرادَ الكثرة في الشرط فقريب، وإن أرادها مجازاً في
التحضيض فبعيد. والأقربُ ما قاله غيرُه من الاشتراك، وإن كان
المجاز خيراً من الاشتراك، لكنه إذا ترجَّحَ الدليلُ عليه قُدم على
الأصل؛ أعني: ترجيح المجاز على الاشتراك.
(١) في الأصل: ((الذيب))، والمثبت من ((ت)).
(٢) البيت منسوب لجرير، كما في ((ديوانه)) (ص: ٢٦٥)، ونُسب إلى الأشهب
ابن رميلة. انظر: ((خزانة الأدب)) للبغدادي (١ / ٤٦١)، (٤ / ٤٩٨).
ورواية الديوان: ((سعیکم)) بدل ((مجدکم))، و ((هلاً)) بدل ((لولا)).
(٣) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٦/ ٢٥٥٤).
٦٤

والدليلُ على ترجيح الاشتراك هاهنا: أن المجاز لا بدَّ فيه من
العلاقة بين الحقيقة والمجاز، والعلاقةُ بين معنى الشرط المذكور،
وهو الامتناع للوجود، وبين معنى التحضيض الذي يشعر بطلب،
بعيدةً تحتاج(١) إلى تكلف بعيد خارج عن نَمَط علاقات الحقيقة
والمجاز.
وإذا ثبت ورودها للشرط، فمعنى الشرط فيها امتناع الشيء
لوجود غيره؛ أي: امتناع الجواب لوجود الشرط.
قال بعضُهم بعد ذكر معناها: وكذلك يقتضي تركيبها من (لو)
و(لا)، وذلك أنه قد تقدم أن (لو) إذا وقع(٢) شرطاً لما انتفى، كان
موجباً في المعنى، فكأنَّ (لو) دخلت(٣) على (لا زيدٌ حاضر)،
فصارت (لو) موجباً في المعنى، لا(٤) أن (لو) من (لولا) حرف نفي،
بل(٥) قد صارت كحرف واحد غير مركب معناه كذا(٦).
هذا معنى كلامه، وإذا لم تكن دالة على النفي، لم يصحَّ أنَّ
مقتضى (لولا) ما ذكر؛ لامتناع حصول المعنى من غير دلالة الدليل
اللفظي عليه .
(١) في الأصل: ((يحتاج))، والمثبت من ((ت)).
(٢) عامل (لو) معاملة المذكر على تقدير معنى الحرف.
(٣) عامل (لو) معاملة المؤنث على تقدير معنى الكلمة.
(٤) ((ت)): ((إلا)).
(٥) (ت)): ((بلى)).
(٦) انظر: ((الكامل في الأدب)) للمبرد (١ / ٣٦٢).
٦٥

الثانية: المَشَقَّةُ: ما يصعب احتماله على النفس، كأنَّها مشتقة
من الشَّقّ، وهو [الخَرم] الواقع في الشيء، تقول: شقّه بنصفين، قال
الله تعالى: ﴿ثُمَّ شَفَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٦]، وقال: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ
عَنْهُمْ سِرَاعًاً﴾[ق: ٤٤]، وقد تسمى الأرض ذات الشقوق مَشقة(١)، فلعله
لما كان سلوكُ مثلِها صعباً على البدن شُبَّهَ به ما يصعب على النفس
احتماله، فسُمي مَشقة، أو لعلهما معاً مأخوذان(٢) من أصل واحد،
وهو الشق.
الثالثة: ذكر الراغب: أنَّ الأمةَ: كلُّ جماعة يجمعهم أمرٌ ما؛ إما
دين واحد، أو مكان واحد، أو زمان واحد، سواء كان ذلك الأمر
الجامع تسخيراً، أو اختيارياً، وجمعها: أُمَم، وقوله رَّ: ﴿وَمَا مِن
دَآَبَّةٍ فِ اُلْأَرْضِ وَلَا طَيْرٍ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّ أُمَّمُّ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]؛ أي:
كل نوع منها على طريقةٍ [قد](٣) سخّرها الله عليها بالطبع، فهي من بين
ناسِجةٍ كالعنكبوت، وبانيةٍ كالسوس(٤)، ومدَّخِرة كالنمل، ومعتمدةٍ
على قوت وقتها كالعصفور والحمام.
ثم قال: وقوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً ﴾ [البقرة: ٢١٣]؛ أي: صنفاً
(١) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٤٥٩).
(٢) في الأصل: ((واحدة))، والمثبت من ((ت).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) في المطبوع من ((مفردات القرآن)): ((كالسُّرْفة)). قلت: وهي دويبة صغيرة
تثقب الشجر، تتخذه بيتاً يضرب بها المثل فيقال: أصنع من سُرفة. انظر:
((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢/ ٣٦١).
٦٦

واحداً، وعلى طريقة واحدة في الضلال والكفر، ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ
النَّاسَ أُمَّةً وَحِدَةٌ﴾ [هود: ١١٨]؛ أي: في الإيمان، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ
يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]؛ أي: جماعة يتحرَّون (١) العلمَ والعمل
الصالح تكون(٢) أسوةً لغيرهم، وقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَآءَنَا عَلَىّ
أُمَّتٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]؛ أي: على دين مجتمع عليه.
قال الشاعر [من الطويل]:
وَهَلْ يَأْثَمَنْ ذُو أُنَّةٍ وهوَ طَائِعُ (٣)
وقوله: ﴿وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ [يوسف: ٤٥]؛ أي: حين، وقرىء: (بعد
أَمَهِ)(٤)؛ أي: بعد نسيان، وحقيقة ذلك بعد انقضاء أهل عصر، أو
أهل دین.
وقوله: ﴿ إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ١٢٠]؛ أي: قائماً
مقام جماعة في عبادة الله؛ نحو قولهم: فلان في نفسه قبيلة، وروي:
أنه: ((يُحشرُ زيدُ بنُ عمرو بن نفيلِ أمَّةً وحدَهُ(٥))(٦).
(١) في المطبوع: ((يتخيرون)).
(٢) في المطبوع: ((يكونون)).
(٣) عجز بيت النابغة الذبياني، كما في ((ديوانه)) (ص: ٨٢)، وصدره:
حلفتُ فلم أترك لنفسكَ ريبةً
(٤) وهي قراءة الحسن، انظر: ((الإتحاف)) للدمياطي (ص: ٣٣٢).
(٥) في الأصل: ((واحدة))، والمثبت من ((ت)).
(٦) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (٨١٨٧)، وابن أبي عاصم في ((الآحاد
والمثاني)) (٢/ ٧٥)، من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، =
٦٧

قلت: يجوز عندي في قوله تعالى: ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أن يرجعَ على
المدة المتراخية من الزمان تشبيهاً لأجزاء(١) المدة بآحاد المدة.
وإذا أضيف (٢) الأمة إلى الرسول، أريد بها من هو على دينه
وطريقته؛ كما في هذا الحديث: ((على أمَّتِي))، وإذا لم يُضفْ احتمل
أن يراد به أهل الزمن؛ كقوله - التَّه -: ((لا يَسمعُ بي أحدٌ منْ هذهِ
الأمةِ؛ يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثمَّ لم يؤمنْ بي، وبما جئتُ به، إلا كانَ
من أهلِ النار))(٣)؛ أو (٤) كما قال.
الرابعة: الأمر يُطلق ويُراد به الصيغة المخصوصة، ويطلق ويراد به
الفعل والشأن، فقيل: مشترك، وقيل: كالمشترك، وقيل: هو حقيقة في
القول المخصوص، وهو الأقرب؛ لسبقه إلى الفهم عند الإطلاق(٥).
وقال الراغب: لفظ (الأمر) عامٌّ في الأفعال والأقوال كلها،
وعلى ذلك يرجع قوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ اٌلْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣]، وقال
= وإسناده حسن، وانظر: ((مجمع الزوائد» (٩ / ٤١٦).
وانظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٨٦ - ٨٧).
(١) في الأصل: ((لآخر))، والمثبت من ((ت).
(٢) في الأصل و((ت)): ((وآحاد صنف))، ولعل الصواب ما أثبت.
(٣) رواه مسلم (١٥٣)، كتاب: الإيمان، باب: وجوب الإيمان برسالة
نبينا محمد رَّي إلى جميع الناس، ونسخ الملل بملته، من حديث أبي
هريرة رقپه .
(٤) في الأصل: ((و))، والمثبت من ((ت)).
(٥) انظر: ((مختصر ابن الحاجب مع شرحه للأصبهاني)) (٢ / ٧).
٦٨

تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِى أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَّ يَقُولُونَ لَوْ
كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
ويقال للإبداع: أمر؛ نحو: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]،
ويختص ذلك بالله دون الخلائق، وقد حُمِل على ذلك قوله تعالى:
﴿وَأَوْحَى فِى كُلِّ سَمَآٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢](١).
قلت: الأمر في الحديث راجع إلى الصيغة المخصوصة.
الخامسة: قال الراغب: مقتضى (مع) الاجتماعُ؛ إما في
المكان؛ نحو: هما معاً في الدار، أو في الزمان؛ نحو: ولدا معاً، أو
في المعنى لمتضايفين(٢)؛ نحو: الأخ والأبِ، فإن أحدهما صار أخاً
للآخر في حالِ ما صار الآخرُ أخاه، وإما في الشرف والرتبة؛ نحو:
هما معاً في العُلُوِّ.
ويقتضي معنى النصرة، وأن المضاف إليه لفظ (مع) هو
المنصور؛ نحو قوله - ◌َّ -: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]،
ج
وقال: ﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقوله عن موسى: ﴿إِنَّ مَعِىَ
رَبِى سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] [ورجلٌ إمَّعة] من شأنه أن يقول لكل واحد:
أنا معك(٣).
(١) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٨٨).
(٢) في المطبوع من ((المفردات)): ((كالمتضايفين)).
(٣) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٧٧١).
٦٩

قلت: والمعية في هذا الحديث [يجوز أن تكون](١) محمولةً
على الاجتماع في الزمان، لكن لا تحمل على المضايفة في ذلك، وأن
يكونا معاً في زمن واحد، بل تكفي المقارنة فيه.
* الوجه الرابع: في شيء من العربية، وفيه مسائل:
الأولى: الغالب بعد (لولا) أن لا يقعَ إلا الاسمُ (٢)، وفي هذا
الحديث وقع ما يقوم مقامَه، وهو أنْ والفعل، والتقدير - والله أعلم -:
لولا المشقة على أمتي، وقد جاء الفعل بعد (لولا) كما أنشد الجموح
[من البسيط]:
قَالَتْ أمامةُ لمَّا جئتُ زائِرَهَا
هلاَّ رميتَ ببعضِ الأسهمِ السُّودِ
لا درَّ دُّكِ إنِّي قدْ رميتُهُمُ
لولا حُدِدْتُ، ولا عُذْرَى لمحدودِ (٣)
وقيل: إن وقوعَ الفعل بعدها ضعيفٌ جداً، لم يأتِ إلا في
الشعر؛ كذا قال بعض المتأخرين.
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((اسم)) .
(٣) البيتان للجموح الظفري - أحد بني ظفر بن سليم بن منصور -، كما نسبهما
إليه ابن السيرافي وابن الشجري وغيرهما، وقيل: إنها منسوبة لراشد بن
عبد الله السلمي. انظر: ((خزانة الأدب)) للبغدادي (١ / ٤٦٤). وانظر:
(لسان العرب)) لابن منظور (٤ / ٥٤٥).
٧٠

الثانية: الاسمُ الواقع بعدها عند سيبويهِ ومن تبعه مبتدأٌ محذوفُ
الخبر، فإذا قلت: لولا زيد لأكرمتك؛ أي: لولا زيد موجود
لأكرمتك، أو ما أشبهه، والخبر عندهم ملتزم الحذف كما في ألفاظ
القَسَم المرفوعة؛ نحو: يمين الله، وعهد الله، ولعمرك، وايمُنُ الله،
وأشباهها(١).
ورأيت في فصل عن بعض فضلاء المتأخرين - وهو الفاضل ابن
بَرِّي - فصلاً يتعلق بـ(لو) و(لولا)، رأيت أن أذكره هاهنا، وإنْ تعلَّق
بعضه ببعض ما تقدم، وهو: [أن](٢) (لو) تدل على امتناع الشيء
لامتناع غيره.
فإذا وَلِيَها مثبتان امتنع إثباتهما؛ نحو: لو قام زيد لأكرمتك.
وإذا وليها منفيان امتنع نفيهما، فانقلب إثباتاً؛ نحو: لو لم يقمْ
لم [أقم] (٣).
وإذا كان أحدهما مثبتاً والآخر منفياً امتنع النفي من المنفي فصار
إثباتاً، وامتنع الإثبات من المثبت فصار نفياً؛ نحو: لو لم يقم
لأکرمتك، وبالعكس.
فإذا دخلت (لا) على (لو) انقلب ما يليها إثباتاً [بـ (لا)](٤)
(١) انظر: ((الكتاب)) لسيبويه (٣/ ١٣٩)، و((الكامل في الأدب)) (١ / ٣٦٣)،
و ((المقتضب)) كلاهما للمبرد (٣/ ٧٦).
(٢) زيادة من ((ت).
(٣) في الأصل: بياض، والمثبت من ((ت)).
(٤) سقط من ((ت)).
٧١

ووجب أن يليَها الاسم؛ لأنه الذي يدل على مطلق الوجود، وبقي
ما بعده منفياً على أصل (لو)، فلذلك قلنا: لولا تدل على [امتناع](١)
وقوع ما عُلَّق عليها؛ لوجود ما يليها، وامتناعُهُ إما لمطلق وجود
الاسم، فيجب حذف خبره؛ نحو: لولا زيد لأكرمتك.
وإما لمقيد(٢) وُجِد في الاسم، فيجب ذكر الخبر، ويكون الخبر
في معنى الصفة القائمة بالاسم؛ نحو: ((لولا قومُكِ حديثُو عهدٍ
بجاهليةٍ لرددْتُ الكعبةَ إلى قواعدِ إبراهيمَ الَمْ))(٣)، وكقوله:
ولولا بَنُوها حَولَهَا لخَبَطْتُها (٤)
ثم انظر إلى ما بعدها؛ فإن کان لا قید معه، أو معه قید خاص؛
نحو: لولا زيد لضربت، ولولا زيد لضربت عمراً، فالامتناع وارد على
أصل الفعل، لكنه في الأول خارج عن الوجود بنفسه، وفي الثاني
خارج عن الوجود بمتعلَّقه الخاص؛ لأن الامتناع إذا صادف الماهية
مطلقة وقع عليها، وإذا صادفها مقيدة بقيد خاص وقع عليها باعتبار
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((لقيد)).
(٣) رواه البخاري (١٥٠٩)، كتاب: الحج، باب: فضل مكة وبنيانها، ومسلم
(١٣٣٣)، كتاب: الحج، باب: نقض الكعبة وبنائها، من حديث عائشة
رضي الله عنها .
(٤) صدر بيت منسوب للزبير بن العوام ه، وعجزه:
كخبطة فروج ولم أتلعثم
كذا في: ((معجم الأدباء)) لياقوت.
٧٢

تعلّقِها بمعيَّن، والفعل يَعُمُّ إذا تعلق بعامّ، ويختص إذا تعلق
بمختص؛ لأنك لو قلت: أيُّ عبيدي ضربتُه فهو حرٍّ، فضرب منهم
جماعة على التعاقب، لا يعتق إلا الأول؛ لأن الضرب مقيد بتقييد
فاعله؛ لأنه للمخاطب.
وإذا قلت: أيُّ عبيدي ضربَك فهو حرّ، فضرب منهم جماعة
عُتِقوا؛ لأن الضرب فيهم(١) عام؛ لعموم فاعله، وهو ضمير (أي)،
و(أيٍّ) عامةٌ وإن كان جوابها معه قيد(٢)، فالامتناعُ واقعٌ على الهيئة
الاجتماعية من المتعلق(٣)، لا على أفراد ذلك المتعلق، ويبقى أصل
الفعل حاصلاً؛ كقوله(٤): لولا زيدٌ لضربتُ كلَّ واحد، فالممتنع إنما هو
الضرب الواقع على الكل، لا على الأفراد، بدليل صحة قولك: لولا زيد
لضربت كل أحد، لكن لأجله ضربت بعض(٥) الأحدِين، فالامتناع
هاهنا (٦) واردٌ على أفراد الأحدين، لا على أصل الضرب.
ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ, مَا زَّكَ مِنْكُم مِّنْ أَحَدٍ
أبدًا﴾ [النور: ٢١]، ليس المراد امتناع أصل التزكية، بل امتناعها [في](٧)
(١) ((ت): ((فيه)).
(٢)
(ت)): ((قيد عام)).
(٣) في الأصل: ((المتعلقة))، والمثبت من ((ت)).
(٤) ((ت)): ((كقولك)).
(٥) غير واضحة في الأصل، والمثبت من ((ت)).
(٦) ((ت)): ((هنا)).
(٧) زيادة من ((ت)).
٧٣

عموم كل أحد؛ لأن (أحداً) نكرة في سياق النفي، فكأنه قيل: ما زكى
كل أحد منكم، والمعنى: لكن بسبب فضل الله زكَى بعضكم، وهم
المؤمنون دون غيرهم، فأصل التزكية حاصلٌ، وعمومها في متعلقها
ممتنع .
ومن القسم الأول: قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ, فى
اُلُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِ مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٤]، وهي نكرة
في سياق الإثبات، فلا(١) عمومَ لها، فانتفى مسُّهم(٢) هذا العذاب؛
لأنه قُيِّد بقید خاص.
وكقوله في الحديث: لولا عليٍّ لهلكَ عمرُ(٣)، فالممتنع الهلاك؛
لأن الامتناع ورد على ماهيّة مطلقة، ولم يصادف سواها فيمنعه.
وعن الفراء: أنه حكى عن بعض النحويين: أن (لولا) ترفعُ
لنيابتها مَنابَ الفعل؛ لأن معنى (لولا زيد): لو لم يمنعني زید.
وردّه من وجهین:
أحدهما: أن أحداً لا يقع بعدها، وهو يقع بعد ذلك المقدر.
والآخر: امتناع لولا أخوك، ولولا أبوك كان كذا؛ أي: [لو] (٤)
لم يمنعني أخوك.
(١) ((ت)): ((ولا)).
(٢) غير واضحة في الأصل، والمثبت من ((ت)).
(٣) رواه ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) (٣/ ١١٠٢).
(٤) زيادة من ((ت)).
٧٤

وزعم الفراء: أن لولا ترفع ما بعدها لانعقاد الفائدة.
قال بعضُهم: ويظهر من هذا القول أنَّ الاسمَ ارتفع بعدها؛ لأنه
عمدةٌ لا يُستغنى عنه، ولا يَحتاج إلى حَذْفٍ؛ لاستقلال الكلام به،
وهو نحو ما زعم ابن الطَّرَاوَة(١): أن الاسم بعدها مبتدأُ خبرُه (لكان
كذا)؛ لأن الفائدة حصلت بقولهم: لكان كذا.
وهذا صحيح؛ أعني: أن الفائدة تصحُّ بالجواب؛ كما تصح في:
إنْ قام زيد قام عمرو، ولكنْ ليس كلُّ ما تصح به الفائدة خبراً، فقولُهُ:
إن (لكان كذا) خبرٌ (٢) عن زيد، خطأً، [و](٣) كيف يكون خبراً عن
زید، ولا ذکر لزید فیه؟!
فكلام الفراء أشبه من كلام ابن الطَّرَاوَة؛ لأنهم يقولون: تمت
الفائدة بالملفوظ به؛ لأن الخبر المحذوف مفهوم منه؛ كما أن الفائدة
تتم بقولهم: إياك؛ لأن الفعل المحذوف مرادٌ مفهوم، ثم حمله على
ما قد استقر، حتى لا يكون مسنداً إليه؛ كما لم يكن منصوباً إلا بفعل.
(١) هو الإمام النحوي سليمان بن محمد بن عبد الله السبأي المالقي، أبو
الحسين بن الطراوة، تجول كثيراً في بلاد الأندلس، وله عدة مصنفات
منها: ((الترشيح)) في النحو، و((المقدمات على كتاب سيبويه)) وله آراء في
النحو تفرد بها. توفى سنة (٥٢٨هـ).
انظر: ((تكملة الإكمال)) لابن نقطة (٤ / ١٨)، و((بغية الوعاة)) للسيوطي
(ص: ٢٦٣)، و((الأعلام)) للزركلي (٣ / ١٣٢).
(٢) ((ت)): ((خبراً)، وهو خطأ.
(٣) زيادة من ((ت)).
٧٥

وما روي عن الكسائي: أنه فاعل بفعل مضمر أقربُ؛ لأنه جرى
على قانون ما استقر في كلامهم من مسند ومسند إليه، غير أن ما زعم
سيبويه أولى، وذلك أن حذف الخبر أولى من حذف الفعل؛ لأن الخبر
هو المخبَرُ عنه في المعنى، فَحَذْفُ [ما](١) ذُكر أولى.
وأيضاً فحذف الفعل دون فاعله قليلٌ جداً في كلامهم، وقد نصَّ
على ذلك سيبويه، وذلك أن الفعل والفاعل كشيء واحد، ولا يجوز
أن یحذف بعض الكلمة ویبقی بعضها.
قلت: فعلى مذهب سيبويه ومن تبعه الخبرُ في الحديث
محذوفٌ، والتقدير: لولا المشقة موجودة، أو كائنة، أو ما أشبهه.
الثالثة: الغالبُ دخولُ اللام في الجواب، وكذلك جاء في
الحديث: ((لأمرْتُهم بالسِّواكِ))، وقد تحذف(٢)، وعليه بيت الحماسة
[من الطويل]:
لها نَفَذَ لولا الشعاعُ أضاءَهَا(٣)
طعنْتُ ابنَ عبدِ القیسِ طعنةَ ثائرٍ
[أي: لأضاءها](٤).
(١) في الأصل: ((بها))، والمثبت من ((ت)).
(٢) في الأصل: ((يحذف))، والصواب ما أثبت.
(٣) البيت لقيس بن الخطيم الأوسي، كما في ((شرح الحماسة)) المرزوقي
(١/ ١٨٣)، و((المحكم)) لابن سيده (١ / ٦٥)، و((الصحاح)) للجوهري
(٣/ ١٢٣٧)، و((لسان العرب)) لابن منظور (٨/ ١٨١)، (مادة: شع ع)،
و((تهذيب اللغة)) للأزهري (١٤ / ٣١٤)، (مادة: نفذ).
(٤) سقط من ((ت)).
٧٦

وقول الآخر [من الطويل]:
عِقَابكَ قدْ صارُوا لنا كالموارِدِ(١)
فلولا رجاءُ النَّصرِ منكَ وخِيفَة
فـ(قد صاروا) جواب؛ أي: لقد صاروا.
الرابعة: الجواب في هذا الحديث مذكور، وهو قوله - العليا -:
((لأمرتهم))، وقد يحذف في غيره إذا دلّ عليه السياق؛ كقوله تعالى:
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، وَأَنَّاللَّهَ تَوَّابُ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٠]، الجواب
محذوف تقديره: لهلكتم، أو ما يقاربه، وإذا طال الكلام فالحذف
يحسُن، وهو كثير في الكلام، قال بعضُهم: وأحسنُهُ مع الطول.
الخامسة: الألف واللام في (السواك): الأظهرُ منها أنها لتعريف
الحقيقة، ولا يجوز أن تكون للعموم الاستغراقي، وأما كونها للعهد
فيحتمل؛ لأن السواك كان معهوداً لهم على هيئات وكيفيات، فيحتمل
العَودُ إليها، والأقرب الأول.
* الوجه الخامس: في الفوائد [والمباحث](٢)، وفيه مسائل:
الأولى: يدل على استحباب مطلق السواك؛ لأنه دال على
استحباب المقيد، والدال على المقيد دال على المطلق، ولا أعني
(١) ذكره سيبويه في ((الكتاب)) (١/ ١٨٩) ولم ينسبه، وعنده: ((ورهبة)) بدل
و(خیفة)).
(٢) زيادة من ((ت)).
٧٧

بالمطلق: العامّ، فإن الفقهاء قد يستعملونه في ذلك المعنى.
الثانية: يدلُّ على الاستحباب مع الوضوء، ووجهُ الدلالة: أنه
علَّلَ انتفاء الأمر بوجود المشقة، وهو تعليل بالمانع، والتعليل بالمانع
يقتضي قيامَ المقتضي للأمر، وقيامُ المقتضي له يدل على الطلب،
و[المنتفي](١) إذا تبيَّن أنه أمرُ الوجوب، فإنما يمنعُ أمرَ الوجوب،
ولا يمنع ما اقتضاه المقتضي من الطلب.
الثالثة: لما كان الطلب ثابتاً للسواك المطلق، كان طلبه في
الحالات المعينة آكدَ، وكان مقتضياً لزيادة الثواب بسبب زيادة رتبة
الطلب، والوضوءُ من تلك الحالات.
الرابعة: إذا ثبت زيادة التأكيد بالنسبة إلى الحالات المخصوصة،
فالمالكية يعدُّون(٢) السواكَ عند الوضوء من الفضائل، لا من السنن،
على أصلهم في الفرق بين السنة والفضيلة(٣).
ولا شكَّ أن رتبَ الفضائل والمستحبات تتفاوت من غير خلاف،
إلا أنَّ تخصيصَ بعض الرتب بالسنة، وبعضِها بالفضيلة والمستحب،
إن لم يكن ثَمَّ دليلٌ على التأكد، بل على مطلق الاستحباب، فهو
جيد، وإن كان ثَمَّ دليلٌ على التأكد، ولم يطلق عليه اسم السنة حتى
ينتهيَ إلى رتبة معينة زائدة على ما ثبت، فهذا ليس إلا مجرَّد
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) في الأصل: ((يدعون))، والمثبت من ((ت)).
(٣) كما تقدم في الحديث السابق.
٧٨

اصطلاح، ولا مشاخَّة (١)، غير أنه قد يُوهِمُ الامتناعُ من إطلاق السنة
عليها عدمَ تأكدها، مع كونه ثابتاً في نفس الأمر، ومثاله: ((ركعتَا
الفجرِ خيرٌ من الدُّنيا وما فيها))(٢)، فقد حصل فيهما التأكد فعلاً وقولاً؛
أما فعلاً ففي المواظبة(٣)، وأما قولاً فـ ((ركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا
وما فيها))، فهذان دليلان على التأكد، فمن امتنعَ من إطلاقِ لفظ السنة
عليهما، وجعلهما من المستحبَّات؛ لأنه اشترط في السنة أن يُواظبَ
عليها مُظهراً لها، فاعتباره لقيد الإظهار في التسمية بالسنة مع حصول
التأكد مُجرَّدُ اصطلاح، وفي إطلاقٍ لفظ المستحب عليهما، والامتناع
من لفظ السنة، ما يوهم قصورَهما عن درجة التأكد، والله أعلم.
الخامسة: لما دلَّ على الطلب عند الوضوء، فعند حصول مُسمَّاه
يحصل الاستحبابُ، سواء كان المتوضىءُ مُريداً للصلاة في الحال، أو
لم یکن.
السادسة: اختلف أصحاب الشافعي - رحمهم الله تعالى - في أن
السواك هل يعدُّ من سنن الوضوء؟
(١) (ت)): ((مشاححة)).
(٢) رواه مسلم (٧٢٥)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: استحباب
ركعتي سنة الفجر، من حديث عائشة رضي الله عنها .
(٣) روى البخاري (١١١٦)، كتاب: التطوع، باب: تعاهد ركعتي الفجر،
ومسلم (٧٢٤)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: استحباب
ركعتي سنة الفجر، من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: لم يكن
النبي ﴿ على شيء من النوافل أشد منه تعاهداً على ركعتي الفجر.
٧٩

فلم يعدّها كثيرون من سننه، وإن كانت مندوبةً(١) في ابتدائه،
وعدَّها آخرون من سننه، قال بعضُهم: وهو الوجهُ، ولهذا تقع معتدَّاً
بها مثاباً عليها إذا نوى مطلق الوضوء، ولو لم تكن معدودة لما اعتدَّ
بها بنيّة الوضوء(٢).
وفائدة هذا الخلاف: أن النية إذا اقترنت بأول سنن الوضوء،
وعَزَبَت(٣) قبل غسل الوجه، ففي صحة الوضوء وجهان(٤)، فتوقّفَ
وجودُ الخلاف على معرفة ما هو من سنن الوضوء لتنبني عليه الصحةُ
على وجه، فإذا قلنا: إن السواك من سننه، فنُوِيَ عنده، ثم عزبت
النية، جاء الوجه القائل بالصحة، وإذا قلنا: ليس من سننه، لم يجىء
ذلك(٥) الوجه .
ولقائل أن يقول: إما أن يكون لابتداء الوضوء خصوصية في
استحباب السواك، أو لا .
فإن لم يكن، فكيف يُعَدُّ من مندوباته؛ أعني: بخصوصه،
وحالتُه وحالةُ غيره سواء حينئذ، فلا اختصاص؟
وإن كان له خصوصية بالنسبة إليه، فالامتناع من تسميته سنةً مع
(١) في الأصل: ((كان مندوباً))، والمثبت من (ت)).
(٢) انظر: ((المجموع في شرح المهذب)) للنووي (١ / ٣٣٨).
(٣) أي: غابت.
(٤) انظر: ((الوسيط)) للغزالي (١ / ٢٤٨).
(٥) ((ت)): ((هذا)).
٨٠