النص المفهرس
صفحات 21-40
وكذلك الفرزدق لما ردّ الواو في (فمويهما) علمنا أن الذي ذهب من (فم)(١) هو الواو، وأن الذي بقي، وهو الميم، إنما هو عوض من الهاء، ولو كان الذاهب هو الهاء؛ كما رأى سيبويه، لقيل في التثنية: فمهان؛ لأن التثنية ترد الأشياء إلى أصولها؛ كما تقول في دم (٢): دموان، و دمیان. واعلم أن من قال في بيت الفرزدق: إنه جمعٌ بين العوض والمعوض، فوزن (فمويهما) عنده (فععيهما)؛ لأنه قد اجتمع فيه عينان، إحداهما(٣) أصلية، وهي الواو، وبدل من الأصلية، وهي المیم؛ هذا رأي سيبويه ومن تابعه. ومن رأى في بيت الفرزدق أنه لم يجمع بين العوض والمعوض، فوزن (فمويهما) عنده (فلعيهما)؛ لأن الميم عنده بدل [من](٤) الهاء، والهاء لام الكلمة بالإجماع؛ هذا رأي أبي الحسن الأخفش ومن تابعه . فإذا تقرّر هذا الذي ذكرناه، فاعلم أن النحويين اختلفوا في وزن الكلمة بعد الإبدال، فمنهم من يُنزلُ البدلَ منزلَ(٥) المبدل منه، فيصير (١) ((ت): ((فمه)) . (٢) في الأصل: ((رد))، والمثبت من ((ت)). (٣) في الأصل وفي ((ت)): ((أحدهما))، وهو خطأ. (٤) زيادة من ((ت)). (٥) ((ت)): ((منزلة)). ٢١ أ البدل أصلاً، ومنهم من لا ينزل البدل منزل(١) المبدل منه، بل يزنه بالزائد، والذي ذكرناه في وزن هذه الكلمة، مفردها ومثناها، هو تفريعٌ على الوجه الأول. وأما إذا فرَّعنا على الوجه الثاني، فوزن (فم): (فم)، ووزن (فمويهما) على رأي من يرى أنه يجمع(٢) بين العوض والمعوض: (فَمَعَيْهما)، ويكون وزنه على رأي من يرى أنه لا يجمع بين العوض والمعوض: (فَمَعَيْهما) أيضاً مثل الأول، فيستوي المذهبان هاهنا في وزنه على لفظه (٣). وأما لغاتُهُ فذكر الصِّقِلِّي في كتاب ((تثقيف اللسان)): أنه يقال فيه: فَمِّ بفتح الفاء، وضمها، وكسرها، وقد جاء في بعض اللغات مشدداً، أنشد ابن السِّكِّيت(٤): يا ليتَهَا [قدْ](٥) خرجَتْ من فُمِّهِ(٦) السادسة: لما حملنا السواك على الفعل، والطهارة على النظافة، كانت (مَطهرة) مصدراً؛ أي: السواك الذي هو الفعل طهارة للفم، (١) ((ت): ((منزلة)). (٢) في الأصل: ((لا يجمع))، والتصويب من ((ت)). (٣) انظر: ((الخصائص)) لابن جني (٣/ ١٧٤)، و((المقتضب)) للمبرد (٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨). (٤) في ((إصلاح المنطق)) (ص: ٨٤). (٥) سقط من الأصل، والمثبت من ((ت)). (٦) انظر: ((تثقيف اللسان وتلقيح الجنان)) لأبي حفص الصقلي (ص: ٢٣٠). ٢٢ ويجوز أن يكون محلاً على بُعدٍ؛ بأن يُجعلَ مجازاً لحصول الطهارة به . السابعة: قال ابن سِيْدَه في ((المحكم)): الرضا: ضد السخط، وتثنيته رِضَوَان ورِضَيَان، الأولى على الأصل، والأخرى على المعاقبة، وكان هذا إنما ثُنِيٍّ على إرادة الجنس، رضي رِضاً ورُضْواناً؛ الأخيرة عن سيبويه، ونظَّره بشُكْرَان، ورُجْحان، ومرضاة، فهو راضٍ من قوم رُضاة، ورضيٍّ من قوم أرضياء [و] (١) رُضاة، الأخيرة عن اللَحياني، وهي نادرة؛ أعني: تكسير(٢) رضي(٣) على رُضاة، وعندي أنه جمع راضٍ لا غير، ورَضٍ من قوم رَضِين عن اللحياني(٤). قلت: نجعل مرضاة من مصادر رضي(٥) . الثامنة: أما مَرضاة: فإن كانت مصدراً فلا بدَّ من حذفِ مضاف بعد حمل السواك على الفعل قطعاً، إذ نفس السواك ليس نفسَ الرضا، وإن کانت محلاً ففیه مجاز من وجهین : أحدهما: استعارة المعنى الحقيقي للمعنى اللغوي. (١) سقط من الأصل، والمثبت من ((ت)). (٢) في الأصل: ((بكسر))و والمثبت من ((ت)). (٣) ((ت)): ((رضا)). (٤) انظر: ((المحكم)) لابن سيده (٨/ ٢٤٣)، (مادة: رض ١). (٥) في الأصل: ((رض)). ٢٣ والثاني: استعارة الحلول للتعليق (١) النسبي بين الرضا وبين السواك. التاسعة: قال الراغب: الرَّبُّ في الأصل: التربية، وهو (٢) إنشاء الشيء حالاً فحالاً إلى حدِّ التمام، يقال: ربّه، وربَّاه، وربَبَه(٣)، وقيل: لأن يَرْيَّنِي (٤) رجلٌ من قريش، أحبُّ إلي من أن يربَّني رجلٌ من هوازن(٥) ٠ فالرب مصدر مستعارٌ للفاعل، ولا يقال: (الربُّ) مطلقاً إلا لله (٦) تعالى المتكفل بمصلحة الموجودات؛ نحو قوله: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبُّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: ١٥]، وعلى هذا قال: ﴿ وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُواْ الْمَتَكَةَ وَالنَّبِِّنَ أَرْبَابًا﴾ [آل عمران: ٨٠]؛ أي: آلهة. وبالإضافة يقال له ولغيره؛ نحو: ﴿رَبِ الْعَلَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ﴿رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَآَبِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٦]، ويقال: ربُّ الدار، ورب الفرس، لصاحبها (٧)، وعلى ذلك: ﴿اذْكُرْنِ عِندَ رَبِّكَ (١) ((ت)): ((التعلق)). (٢) ((ت)): ((وهي)). (٣) ((ت): ((وريته)). (٤) أي: يملكني. (٥) هذا قول صفوان بن أمية لأبي سفيان يوم حنين، كما رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (١٨٦٣)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٦/ ٣٧٠)، وغيرهما. (٦) في الأصل: ((الله))، والمثبت من ((ت)). (٧) في المطبوع من ((مفردات القرآن)): ((لصاحبهما)). ٢٤ فَأَنْسَنَهُ الشَّيْطَنُ ذِكْرَ رَبِّهِ،﴾ [يوسف: ٤٢]، وقوله تعالى: ﴿آرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٥٠]، وقوله تعالى: ﴿مَعَاذَ اُللَّهِ إِنَّهُ رَبِّ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ﴾ [يوسف: ٢٣]، فقيل: عنى به الله تعالى، وقيل: عنى به الملك الذي ربَّاه، [و](١) الأولُ أليقُ بقوله. ثم قال: والرُّبُوبيةُ مصدرٌ، يقال في الله تعالى، والرِّبَابَةُ تُقَال في غيره. وجمع الرُّبُّ: أرباب، قال الله: ﴿َأَرْبَابٌ مُتَغَرِّقُونَ خَيْرُ أَمِ اللَّهُ اَلْوَجِدُ اٌلْقَهَارُ﴾ [يوسف: ٣٩]، ولم يكن من حقِّ (الربِّ) أن يُجمعَ إذا (٢) كان إطلاقه(٣) لا يتناول إلا الله تعالى، لكنْ أتى بلفظ الجمع فيه على حسب اعتقاداتهم، لا على ما عليه الشيءُ(٤) في نفسه. و(الربُّ) لا يقال في التعارف إلا في الله تعالى، وجمعه: أرِبَّة ورُبُوبٌ، قال الشاعر [من البسيط]: كانتْ أرِبَّتَهُم بَهْزٌ وغَرَّهُمُ عَقْدُ الجِوارِ وكانوا مَعْشَراً غُدُرا(٥) وقال [من الطويل]: (١) زيادة من ((ت)). (٢) ((ت)): ((إذ))، وكذا في المطبوع من ((المفردات)). (٣) في الأصل: ((إطلاق))، والمثبت من ((ت)). (٤) في المطبوع من ((المفردات)): ((ذات الشيء)). (٥) البيت لأبي ذؤيب الهذلي، كما في ((ديوان الهذليين)) (١ / ٤٤). ٢٥ وكنتَ امراً أفضتْ إليكَ رِبابَتي وقبلَكَ رَبَّتني، فضِعْتُ، رُبوبُ(١) ويقال للعقد في موالاة الغير: الرِّبَابَة، ولِمَا [يُجمع] فيه من القدح: رِبابة . واختصَّ الرَّابُّ والرَّابَّةُ بأحد الزوجين إذا تولى تربية الولد من زوج كان قبله، والرَّبيبُ والرَّبيبةُ بذلك الولد(٢)، قال تعالى: ﴿وَرَبَِّبُكُمُ الَّتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِسَآَبِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. وربَيْتُ الأديمَ بالسَّمْن، والدواء بالعسل، وسِقاءٌ مَرْبوب، قال الشاعر [من الطويل]: وكُونِي لهمْ كالسَّمنِ رُبَّتْ لَهُ(٣) الأَدَمْ(٤) والرَّباب: السَّحاب، وسُمِّ بذلك؛ لأنه يَرُبُّ النبات، وبهذا النظر سُمِّ المطرُ دَرَّا(٥). (١) البيت لعلقمة بن عبدة، كما في ((ديوانه بشرح الشنتمري)) (ص: ٤٣) وعنده: وأنت امرؤٌ أَفَضَتْ إليكَ أمانتي وقَبلَك رَتني فضِعْتُ ربوبُ (٢) في الأصل: ((الواحد))، والمثبت من ((ت)). (٣) في الأصل: ((وكوني له بالشمس ربت به)). (٤) عجز بيت لعمرو بن شأس، كما نسبه ابن سلام في ((طبقات فحول الشعراء)) (١/ ٢٠٠)، وابن دريد في ((جمهرة اللغة)) (١ / ٢٨)، وابن منظور في ((لسان العرب)) (١/ ٤٠٣)، وصدره: فإن كنتِ مني، أو تريدين صحبتي (٥) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٣٣٦ -٣٣٨). ٢٦ * الوجه الرابع: في شيء من العربية سوى ما تقدم مما استطرده الكلام، وفيه مسائل : [الأولى](١): مَفْعَلَةٌ تكون مصدراً للزمان، وقد يقع منها ما يحتمل المصدر وغيره. وذكر اللحياني من ذلك أمثلة، قال: ويقال شراب مَبْوَلة، وطعام مَشربة [ومَتْخَمة. وطعام مشربة] (٢): إذا كان يُشرب عليه الماء. وحُكي عن أبي جعفر الرواسي أنه قال: يقال: مَلْبَنَةٌ؛ إذا كان یکثر عليها اللبن ويغزر(٣). ويقال: إن تَتَّجِرْ فإنه مَوْرَقَةٌ لمالك؛ أي: مَكْثَرَة للوَرِق. ويقال: البطنة مَوْسَنة، والنوم(٤) مَوْرَمَة، وأكل الرطب مَوْرَدَة؛ أي: مَحَمَّة من الحُمَّى(٥)، [وهي الورد](٦). (١) زيادة من ((ت)). (٢) سقط من ((ت)). (٣). في الأصل: ((ويعزز))، والمثبت من ((ت)). (٤) في الأصل: ((اليوم))، والمثبت من ((ت)). (٥) في الأصل: ((الحماء)). (٦) زيادة من ((ت)). ٢٧ ويقال: اتخذ لهذا(١) الطائر مَوْقَعةً؛ أي: فتوقعه (٢)، والأصمعيُّ لا يعرف الفتح. ويقال: الولدُ مَبخلةٌ مَجبنة مَسفهة . * الوجه الخامس: في شيء من المعاني، وفيه مسائل: الأولى: لما وجب حملُ الطهارة على المعنى اللغوي، وهو النظافة، وذلك أمرٌ محسوس، وجب أن تُطلبَ الفائدة في الإخبار عنه، فتحتملُ وجوهاً: أحدها: أن النظافة لمَّا كانت صفةً مطلوبة عند النفوس الشريفة، والطباع الكريمة، كان ذكرُ كونه نظافة منبِّهاً للنفس على جهة تَبعثُها على الفعل طبعاً. وثانيها: أن النظافةَ وحسنَ الهيئة لما كانت مطلوبةً شرعاً؛ كما هي مطلوبةٌ طبعاً؛ (بُني الدينُ على النظافةِ)) (٣)، ((عشرٌ من الفطرةِ ... ))(٤)، (١) في الأصل: ((هذا)). (٢) في الأصل: ((متوقعه)). (٣) قال الحافظ العراقي في ((تخريج أحاديث الإحياء)) (١ / ١٢٤): لم أجده هكذا، وفي ((الضعفاء)) لابن حبان (٣/ ٥٧) من حديث عائشة: ((تنظفوا فإن الإسلام نظيف»، وللطبراني في «الأوسط)) (٧٣١١) بسند ضعيف جداً من حديث ابن مسعود: ((النظافة تدعو إلى الإيمان)). (٤) سيأتي تخريجه مفصلاً. ٢٨ ((إنَّ اللهَ جميلٌ يحبُّ الجمالَ))(١)، إلى غير ذلك من الأمر بتجنبٍ النجاسات، وتبرئة الأماكن الشريفة عن المُستَقْذَرات، كان ذكر ذلك تنبيهاً على الطلب الشرعي؛ كما ذكرنا في الأول التنبيه على الطبعي. وثالثها: أن يكون هذا من جنس ما قيل في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً ﴾ [النحل: ٧٢]: إن الحفدةَ الخَدَمَةُ، وهم البنون بعينهم؛ أي: ليسوا بنين فقط، بل بنين وحفدة معاً، فالمقصود الإخبار عن المجموع، فكذلك نقول هاهنا: المقصود الإخبار عن الوصف بالأمرين معاً؛ أي: ليس مطهرة للفم فقط كما تعلمون ذلك حسّاً، بل هو مع ذلك مرضاة للرب. ورابعاً: أن تكونَ الفائدةُ [في](٢) قِرانٍ كونه مرضاة للرب بكونه مطهرة للفم حِسَّاً، وما هو متعلقُ الحس فهو معلوم التحقق ضرورة، فكذلك كونه مرضاة للرب في التحقق، وهذا ينشأ من القِران، وإذا كان قوم من الفقهاء جعلوا القِران في الذكر دليلاً على الاستواء في الحكم، فما ظنك بهذا الذي نحن فيه؟ وهذا عندي مما يمكن في قوله - الَّها -: (للصَّائمِ فَرحتانِ: فرحةٌ عندَ فطرِهِ، وفرحةٌ عندَ لقاءِ ربِّهِ)) (٣)، فذكروا تأويلات؛ (١) رواه مسلم (٩١)، كتاب: الإيمان، باب: تحريم الكبر وبيانه، من حديث ابن مسعود عاته . (٢) زيادة من ((ت)). (٣) رواه مسلم (١١٥١)، كتاب: الصيام، باب: فضل الصيام، من حديث أبي هريرة ټڅ. ٢٩ لاستبعادهم التنبيه على فرحة الإفطار؛ لحقارتها عندهم، حتى قال بعضهم: إن فرحته عند فطره بإتمام عبادته، لا بما تناله شهوتُه من الطعام. فأقول(١): المرادُ ظاهرُه، وهي الفرحة بنيل الطبيعةِ الطعامَ؛ لإثبات فرحته عند ربه وتحقيقها عند لقائه [في النفس؛ كما في الفرحة بالأمر الطبيعي](٢)، وهذه ثابتةٌ حِسَّاً وطبعاً محققةٌ عند النفس. الثانية: في قاعدة تنبني عليها غيرُها، يجب أن يُعلمَ الفرقُ بين دلالة اللفظ على المعنى وبين احتماله له؛ [فاحتمالُهُ له](٣): أن يكون بحيث إذا عرض [المعنى](٤) على اللفظ لم يَأْبَهُ ولم يُنافِرُهُ. ودلالتُهُ عليه: بأن يتناولَه بأحد الدلالات [الثلاث](٥)؛ فالمطلق بالنسبة إلى المقيد محتملٌ غير دالٌّ، والعامُّ بالنسبة إلى أفراده دالٌ. الثالثة: أهل (٦) البيان [يقولون](٧): إن التنكير قد يكون للتعظيم، وقد يكون ذلك في مواضعَ لا تُحصى من كلام الزمخشري(٨)، قيل: (١) في الأصل: ((قال فأقول)). (٢) في الأصل: ((كما في النفس)). (٣) زيادة من ((ت)). (٤) سقط من ((ت)). (٥) زيادة من ((ت)). (٦) في الأصل: ((كما ذكر أهل))، والمثبت من ((ت)). (٧) زيادة من ((ت)). (٨) وذلك في مواضع كثيرة من تفسيره ((الكشاف)) وغيره. ٣٠ ولما في الإبهام من التفخيم حذفوا صلة الموصول بعد قولهم(١): بعد اللتيا واللتي؛ أي: بعد القضية التي لا يبلغ الخبرُ مداها، ولا يحصر الخبر جلاها، وهذا عندي من قبيل المحتمل، لا من قبيل الدال، فيحتاج إلى أمرٍ من خارج وقرائنَ تقتضي الحملَ عليه، وأما عند التجرد من القرائن فليس إلا الاحتمال. ويُعَدُّ من القرائن في هذا الباب ورودُ النكرة في مقام الوعد والوعيد، والمدح والذم؛ لمناسبة هذه المقامات للتعظيم والتفخيم، وقد يقع ما هو أقوى في الدلالة على هذا كما في قوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِِّ﴾ [النحل: ٦٩]؛ أي : - والله أعلم - شفاءٌ وأيُّ شفاء؟! لأن الكلامَ في معرِض المدح، وحصول مسمَّى الشفاءِ حاصلٌ في أكثر الموجودات، فإن حملناه على أصل المنفعة ففي كل الموجودات منفعة . وقد يمكن(٢) تجريدُ(٣) التنكير عن معنى [التعظيم](٤) بأن توجدَ دلالة اللفظ على مجرَّدِ المسمَّى، وعندي أنه يمكن أن يُحمل [على](٥) هذا قوله تعالى: ﴿ وَلَنَجِدَ نَّهُمْ أَخْرَصَ النَّاسِ عَ حَيَوْقٍ﴾ [البقرة: ٩٦]؛ أعني: أن التنكير في الحياة يُحمل على مُجرَّد المسمَّى، لا على معنى (١) ((ت)): ((في)). (٢) في الأصل: ((يكون))، والمثبت من ((ت)). (٣) في الأصل: ((تجديد))، والمثبت من ((ت)). (٤) زيادة من ((ت). (٥) زيادة من ((ت)). ٣١ التعظيم؛ لأنه ليس كل أحد يحرص على مسمّى (١) الحياة، حتى الحياة المنغصة بالآلام، والذل، والهوان، وفقدِ الأحباب، والبلايا التي يتمنَّى لها كثيرٌ من الناس الموت، وكذلك الحياةُ القصيرةُ المدَّةِ قد لا يرغبُ فيها كل الناس لقلة الفائدة، وقد لمَحَ هذا المعنى مَن قصدَ التزهُّد في طول الحياة بقوله [من الخفيف]: إِن عُمرا٢ً) يكونُ آخرُهُ المو تُ سواءٌ كثيرُهُ والقليلُ(٣) وقال الله العظيم في كتابه المجيد(٤): ﴿أَفَرَءَيْتَ إِن مَّتَّعْنَهُمْ سِنِينَ ٢٠٥ ٢ جَاءَهُمْ مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ (٢٦) مَآ أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥-٢٠٧] تزهيداً(٥) في الحرص على التمتيع (٦) الذي يُفضي آخرُه إلى العذاب. فعلى هذا: إذا كانوا (٧) أحرص الناس على ما ينطلق عليه مسمى (١) ((ت)): ((معنى)). (٢) ((ت)): ((عيشاً)). (٣) روى ابن أبي الدنيا في ((المحتضرين)) (ص: ٢١٢) عن إسحاق بن السري قال: دخلنا على عبد الله بن يعقوب في اليوم الذي مات فيه، وعنده متطبب ینعت له دواء، فقال عبد الله متمثلاً : إن عيشاً يكون آخره الموت لعيش معجل التنغيص (٤) ((ت)): ((العظيم)). (٥) في الأصل: ((تزهيد))، والمثبت من ((ت)). (٦) (ت)): ((التمتع)). (٧) ((ت)): ((كان)) بدل ((إذا كانوا)). ٣٢ الحياة، كان أبلغ(١) في ذمهم، بخلاف ما إذا حُمِل على معنى التنكير، أو بعض الصفات الخاصة. فإن قلت: فإذا كان عندك أن دلالةَ التنكير على التعظيم من باب الاحتمال، لا من باب الدلالة، ويحتاج الحمل فيه إلى قرينة دالة، لَزِمَك أن تنكر (٢) المزايا التي يذكرها أهلُ البيان في كثير من الكلام الذي لا تدل القرينة على الحمل على التعظيم فيه، وقد استعملوا منه كثيراً. قلت: إن ألزمْتني إنكارَ خصوص الدلالة على التعظيم عند عدم القرينة، فكذلك أقول، وإن ألزمتني إنكارَ أصلِ المزيَّة وسلبَ مطلقٍ الحسن، فلا يلزمني ذلك؛ لأن العدولَ عما لا يحتمل [المحاسنَ إلى ما يحتملُ المحاسنَ](٣) من المحاسن، ثم [إن](٤) القرائن قد تخفى عن بعض الناس، وتظهر لبعضهم، وقد تقوى في نفس بعض الناس، وتضعف في نفس بعض، فيرِدُ كثيرٌ مما ذكروه لتنبيه الأنفس على معنى قد يخفى على الناظر، فإذا انتبهت النفسُ لذلك، حصل النظرُ في رتبتها . فإن قلت: فما الذي جلب لكل هذا الكلام، وما وجهُ تعلقه بهذا الحديث؟ (١) في الأصل: ((أدخل))، والمثبت من ((ت)). (٢) ((ت)): (تذكر)). (٣) زيادة من ((ت)). (٤) زيادة من ((ت)). ٣٣ قلت: جَلَبَهُ التنكير في قوله - الَّيْهِ -: ((مطهرة للفم، مرضاةٌ للربِّ)». فإن قلت: فهل يتعلق بالنظر في ذلك فائدة حكمية أو شرعية؟ قلت: نعم، وسيأتي بيان ذلك - إن شاء الله تعالى - في وجه المباحث والفوائد(١). * الوجه السادس: في المباحث والفوائد(٢)، وفيه مسائل: الأولى: اختلف المتكلمون في الرِّضا؛ هل هو بمعنى الإرادة أو أخصُّ منها؟(٣) (١) ((ت)): ((الفوائد والمباحث)). (٢) ((ت)): ((الفوائد والمباحث)). (٣) قال الإمام أبو الحسن الأشعري في المشهور عنه، وأكثر أصحابه، وطائفة .. ممن يوافقهم من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد: إن المشيئة والإرادة والمحبة والرضا نوع واحد، وجعلوا المحبة والرضا والغضب بمعنى الإرادة. وأما الجمهور من جميع الطوائف وكثير من أصحاب الأشعري وغيرهم: فيفرقون بين الإرادة وبين المحبة والرضا فيقولون: إنه وإن كان يريد المعاصي فهو لا يحبها ولا يرضاها، بل يبغضها ويسخطها وينهى عنها، وهؤلاء يفرقون بين مشيئة الله وبين محبته، وهذا قول السلف قاطبة. وقد ذكر أبو المعالي الجويني: أن هذا قول القدماء من أهل السنة، وأن الأشعري خالفهم، فجعل الإرادة هي المحبة. وانظر: ((المنهاج)) لشيخ الإسلام أبي العباس (٣ / ١٤). ٣٤ فإذا قلنا: إنه أخصُّ، فكلُّ مرضيٍّ مرادٌ، ولیس کلُّ مرادٍ مرضيّاً، وعلى هذا يخرج قوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ اَلْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] على مذهب الأشعرية في إرادة جميع الكائنات؛ لأنه إذا كان أخصَّ لم يلزم من نفيه نفيُ الأعمّ، ويكون الرضا يعطي معنى القَبول والثواب وما أشبهه، ولا يقتضي ذلك الإرادة. ومن يقول: إن الرضا بمعنى الإرادة، يحتاج أن يؤوِّل الآية، فيقول: لا يريده مأموراً به، أو مثاباً عليه، أو ما يشبه هذا. الثانية: قد يستدل به من يقول: إنَّ الرضا أخصُّ؛ لأنه لو كان بمعنى الإرادة لم يكن لتخصيص السواك بكونة مراداً دون غيره من الواقعات فائدة، والسياق لمعنى الترغيب فيه، ولا يناسبه(١) إلا معنى الثواب والقَبول وشبههما . الثالثة: هو دالٌّ على كون السواك أمراً مطلوباً؛ ليكون أعمَّ من طلبه واجباً أو ندباً، فلا يكون فيه دلالة على أحد الوجهين بعينه؛ لأن الدال على القدر المشترك لا يدل على أحد الخاصَّين بعينه. الرابعة: من يقول: إن (٢) الرضا أخصُّ من الإرادة، فالدلالة على ذلك من الحديث ظاهرةٌ، ومن يقول: إنه بمعنى الإرادة، يُقدِّر فيه مُضْمَراً بأن يقول مثلاً: مراداً للرب مثاباً عليه [ومقبولاً](٣)، أو (١) ((ت)): ((يناسب)). (٢) ((ت)): ((فإن)). (٣) زيادة من ((ت)). ٣٥ ما قارب ذلك؛ ليكون له في تخصيص السواك بذلك فائدة الترغيب في السواك. الخامسة: المشهور من المذاهب أن السواكَ ليس بواجب في حال من الأحوال؛ لا في الصلاة، ولا في غيرها. وذكر غيرُ واحد عن داود: أنه واجب؛ ذكره الشيخ أبو حامد الإسفراييني، والماورديُّ الشافعيان، والقاضي عبد الوهاب المالكي. وذكر الماورديُّ عن داود: أنه عنده واجب، لو تركه لم تبطل صلاته . وحُكي عن إسحاق(١) بن راهويه: أنه قال: هو واجب، إن تركه عمداً بطلت صلاته(٢). وقد نُقُل عدم الوجوب عن داود، وأن مذهبه: أنه سنة كقول الجماعة، والذي يقرِّب هذا الإنكار أن أبا الحسن بن المُغَلِّس ذكر في ((ديوانه)) الذي صنفه على مسائل كتاب المزني(٣). قال الشيخ أبو زكريا النووي: ولو صحَّ إيجابه عن داودَ لم تضرَّ (١) في الأصل: ((الشيخ))، والمثبت من ((ت)). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٤٢). (٣) لم يذكر المؤلف ما ذكر أبو الحسن، لكنه استطرد فذكر كلام النووي، وعلق عليه، وقد ترك في ((ت)) بياضاً قليلاً يدل على وجود تتمة لكلام المؤلف، والظاهر أن البياض فيه نقل عدم وجوب السواك في كلام أبي الحسن عن داود الظاهري. ٣٦ مخالفتُهُ في انعقاد الإجماع على المختار الذي عليه المحققون [و](١) الأكثرون(٢). قلت: إن أراد بذلك أنَّ مخالفةَ الواحد لا تقدحُ(٣) في الإجماع، فليس هذا هو المختار في الأصول؛ لا نقلاً ولا دليلاً، وإن أراد - وهو الأقرب - أن يكون مراده: أن داود لا يُعتبر خلافه، فهذا قول قاله بعض الأكابر في الظاهرية، وأنهم لا يعتبرون في الإجماع. والذي أراه أنَّ تلك الشناعاتِ والقبائحَ غيرُ معتدٍّ بها، وليس يلزم من عدم الاعتداد بالقول المخصوص عدمُ الاعتداد بالقائل مطلقاً، وليس يخلو مذهب من المذاهب عن بعض ما يشنع به مخالفوه على أهله. وقد ذكر الشافعية أحكاماً قالوا: إنه ينقض فيها حكم الحنفي (٤)؛ إما وفاقاً، أو خلافاً، وذكر غيرهم نقضَ بعض أحكامهم، مع الاتفاق بينَهم على أن القائلين بتلك الأحكام من المجتهدين غيرُ مسلوبين أهليةَ الاجتهاد. وأما إسحاق فلم يصحَّ(٥) هذا المحكي عنه، والله أعلم. (١) زيادة من ((ت)). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٤٢). (٣) في الأصل: ((يقدح))، والصواب ما أثبت. (٤) ((ت)): ((الحنفية)). (٥) ((ت)): ((فلعله لا يصح)). ٣٧ السادسة: في مقدمة: مراتب الاستحباب متفاوتة في التأكيد بين قوة، وتوسط، ودون ذلك، ولبعض الفقهاء اصطلاحٌ في تلقيب بعض [تلك](١) المراتب بألقاب تبين فيها رتبها: فالمالكية: يُفرِّقون بين السنة، والفضيلة، والمستحبّ؛ فالسنةُ لقب للمتأكد، والفضيلةُ والمستحب لما دونه. وذكر بعض المتأخرين منهم(٢) ضابطاً في ذلك فقال: ما واظب عليه الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - مُظهراً له في جماعة، فهو سنة . وما واظب عليه غيرَ مظهرِ [له في جماعة](٣)، ففيه خلاف (٤). وهذا إن كان مُجرَّد اصطلاح، فالأمر قريب؛ لأن من قال: لا أسمي سنة إلا ما كان كذا، فقد أخبر عن اصطلاحه وإرادته، (١) سقط من ((ت)). (٢) هو ابن بشير، كما نقله الحطاب في ((مواهب الجليل)) (١ / ٤٠). (٣) زيادة من ((ت)). (٤) عبارة ابن بشير كما نقلها الحطاب في ((مواهب الجليل)) (١ / ٤٠): ما واظب عليه الرسول ◌َل﴿ مظهراً له، فهو سنة بلا خلاف. وما نبّه عليه وأجمله في أفعال، فهو مستحب. وما واظب على فعله في أكثر الأوقات وتركه في بعضها، فهو فضيلة، ویسمی رغيبة. وما واظب على فعله غير مظهر له ففيه قولان: أحدهما: تسميته سنة التفاتاً إلى المواظبة، والثاني: تسميته فضيلة؛ التفاتاً إلى ترك إظهاره كركعتي الفجر. ٣٨ فلا يُنازَعُ، وإن کان راجعاً إلى أمرِ یرجِعُ إلى الشرع، فالتأكد لا يختص بما حصلت المواظبة عليه مع الإظهار، فإن دلائل التأكد أعمُّ من ذلك، نعم، هذا من جملة دلائل التأكد، أما أنه محصور فیه، فلا(١). السابعة: ذكر بعضُ مصنِّفي الحنابلة: أنه اتفق أهل العلم (٢) على: أنَّهُ - يعني: [أن](٣) السواك - سنةٌ مؤكدة؛ لحثِّ النبي ◌َلـ ومواظبته عليه، وترغيبه(٤) فيه، وندبه إليه، وتسميته إياه من الفطرة؛ كما أوردنا من الحديث(٥). وذكر غيره ذلك من الحديث. والمالكيةُ يذكره (٦) بعضُ مصنفيهم من فضائل الوضوء، ولم يعدُّوه من سننه(٧)، ولو كان في درجة السنة لكان عند الوضوء آكدَ استحباباً(٨). الثامنة: ذكر بعضهم هذا الحديث في الاستدلال على أن السواك واجب، وقال: في تركه إسخاط الرب، [وإسخاط الرب](٩) حرام، فدل على أن تركه حرامٌ. (١) ذكر المؤلف في ((شرح عمدة الأحكام)) (١ / ١٧٤) نحواً مما قاله هنا. (٢) في الأصل: ((علم))، والمثبت من ((ت)). (٣) سقط من ((ت)). (٤) في الأصل و((ت)): ((ورغبته)). (٥) انظر: ((المغني)) لابن قدامة (١ / ٦٩). (٦) ((ت)): ((ذكره))، والضمير يعود على السواك. (٧) ((ت)): ((سنته)) . (٨) انظر: ((مواهب الجليل)) للخطاب (١ / ٢٦٣). (٩) زيادة من ((ت))، وقد ألحقت على هامش الأصل إلا أنها مطموسة. ٣٩ وأجاب عنه الشيخ أبو حامد الإسفراييني بأنه يقال: ليس كلُّ ما كان فيه مرضاةُ الربّ(١) يكون في تركه مسخطةٌ [للرب] (٢)، ألا ترى أن الصلاةَ النافلة والصومَ النافلة مرضاةٌ، وليس في تركِهما مسخطةٌ؟! (١). ((ت)): (للرب)). (٢) زيادة من ((ت)). ٤٠