النص المفهرس
صفحات 521-540
قال ابن سِيْده: ورجل جَلد وجليد من قوم أجْلاد، وجُلداء
وجُلاَّد وجُلُد، وقد جَلُد جَلادة وجُلودة، والاسم الجَلْدُ والجلود،
وتجلَّد: أظهر الجلد، وقوله [من الوافر]:
ولم يُقتَلْ بِه الثَّارِ المُنِيمُ(١)
وكيفَ تَجَلُّدُ الأقوامِ عنه
عدَّاه بعن؛ لأن فيه معنی تصبّر.
وأرض جلد: صلبة مستوية المتن غليظة، والجمع: أجلاد.
قال أبو حنيفة: أرض جَلَد: بفتح اللام، وجَلْدة: بتسكين
اللام(٢).
قلت: قوله: رجل جلد، هو على مثال عبد، وجلید علی مثال
عبيد، وقوم أجلاد على مثال أبرار، وجُلَداء على مثال شهداء، وجُلاَد
على مثال عُبَّاد، وجُلُد على مثال عُنُق، وقد جَلُد على مثال ظَرُف،
جَلادة على مثال طَلاقة، وجُلُودة على مثال رُطُوبة، والاسم الجَلَد
على مثال البَلَد، والجُلود على مثال القُعود، وتجلَّد على مثال تعبَّد.
وقال أبو حنيفة: أرض جَلَد - بفتح اللام - على مثال بَلَد،
وجَلْدة: على مثال قَعْدة.
فهذا ضبطناه بالأمثلة حذراً من تصحيفه لعدم ضبط ناقله.
(١) البيت لعبد الرحمن بن زيد، كما نسبه إليه ابن قتيبة في ((الشعر والشعراء))
(٢/ ٦٩٣)، وأبو علي القالي في ((الأمالي)) (١ / ٢٦٦).
(٢) انظر: ((المحكم)) لابن سيده (٧/ ٣٢٧ -٣٢٨).
٥٢١
الثالثة: قال الجوهري: ضاره يَضِيرُه ويضُورُه ضَوْراً وضَيْراً؛
أي: ضرَّهُ.
قال الكسائي: سمعتُ بعضَهم يقول: لا يَنْفَعُني ذلك
ولا يضُورُني(١)؛ أي: لا يضر.
وفسره بعضهم فقال: يقال: ضاره يَضِيره ضيراً: ضرَّه، ويقال
أيضاً: يضوره(٢).
وقوله - الَّه -: ((لا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَتِه))(٣) من هذا؛ أي: لا يضير
بعضكم بعضاً.
ووقع في ((المستخرج)) للحافظ أبي نعيم في هذا الحديث:
لا يسوء ولا يضير (٤).
الرابعة: قوله: ((فاذهبا فابغيا الماء))، الألف موصولة، يقال:
بَغَيتُ الشيءَ: طلبتُه، وبغيتُكَ الشيء: طلبتُه لك، وأبغيتُكَه: أعنتك
على طلبه.
(١) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٢ / ٧٢٣).
(٢) انظر: ((إصلاح المنطق)) لابن السكيت (ص: ١٣٦).
(٣) رواه البخاري (٦٢٠٤)، كتاب: الرقاق، باب: الصراط جسر جهنم،
ومسلم (١٨٢)، كتاب: الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية، من حديث
◌ُه .
أبي هريرة
(٤) وكذا عزاها إليه الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (١ / ٤٤٩ - ٤٥٠).
٥٢٢
قال الجوهري: والبُغية: الحاجة، يقال: لي في بني فلان بغية،
وبُغية؛ أي: حاجة، فالبِغية مثل الجلسة: التي تبغيها، والبُغية:
[الحاجة] نفسها، عن الأصمعي.
وبغى ضالته، وكذلك كل طِلبة، بُغاءً - بالضم، والمد -، وبُغايةٌ
أيضاً.
يقال: فرِّقوا لهذه الإبل بُغياناً يُضِبُّون لها؛ أي: يتفرقون في
طلبها(١).
قلت: يُضْبون: مضموم آخر الحروف، وبعده ضاد معجمة
مكسورة، بعدها(٢) ثاني الحروف، وبعد الباء المشددة نون.
وذكر ابن سيده: بغى الشيء ما كان خيراً أو شراً يَبغيه بُغيّ
وبغاءً، الأخيرة عن اللَّحياني، والأول أعرف.
وأنشد غيره [من الطويل]:
فلا أحْبِسَنْكمُ(٣) عن بُغى الخيرِ إِنَّني
سقطتُ على ضِرْغامةٍ، وهوَ آكِلِي (٤)
وابتغاه، وتبغَّاه، واستبغاه، كلُّ ذلك: طلبه.
(١) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٦/ ٢٢٨١ - ٢٢٨٢).
(٢) ((ت)): ((بعد))، وفي الهامش: ((لعله: بعدها))، وهو الصواب.
(٣) ((ت)): ((أحسبنكم)).
(٤) ((ت)): ((آكل)).
٥٢٣
ثم قال: والاسم: البُغية، [والبِغية].
وقال ثعلب: بغى الخير يبغيه [بُغيةً وبغيةً]، فجعلهما مصدرين.
والبُغية: الحاجة(١).
الخامسة: المَزَادة: بفتح الميم، قال الجوهري: والمزادة:
الرَّاوية، قال أبو عُبيد: ولا تكون إلا من جلدين تُفْأَم بجلد
ثالث بينهما لتتسع، وكذلك السَّطيحة والشَّعيب، والجمع المزاد
والمزائد(٢).
قلت: الشَّعيب: أوله شين معجمة، وبعد العين المهملة ياء،
وآخره باء موحدة.
السادسة: النَّفَر: بفتح النون والفاء، قال الجوهري فيه: عدةُ
رجالٍ من ثلاثة إلى عشرة(٣).
وقال ابن سِيْدَه في ((المحكم)): والنفر ما دون العشرة من
الرجال، والجمع أنفار.
قال سيبويه: والنسب إليه: نَفَرِيٌّ .
وقيل: النفر: الناس كلهم؛ عن گُراع.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَكُمْ أَكْثَرَ نَفِيْرًا﴾ [الإسراء: ٦]؛ قال الزجاج:
(١) انظر: ((المحكم)) لابن سيده (٦ / ٢٧).
(٢) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٢/ ٤٨٢)، (مادة: زيد).
(٣) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٢/ ٨٣٣)، (مادة: نفر).
٥٢٤
النفير جمع نفر؛ كالعبيد والكليب.
وقيل معناه: وجعلناكم أكثر منهم نُصَّاراً(١).
السابعة: قول المرأة: ((ونفرُنا خُلُوف)): بضم الخاء المعجمة
واللام المخففة معاً.
قال الجوهري: وحيٌّ خُلوفٌ، أي غُيَّبٌ. قال أبو زُبيد [من
الخفيف]:
مُقْشَعِرَاً والحيُّ حِيٌّ خُلُوفُ(٢)
أصبحَ البيتُ بيتُ آلِ إياسٍ
أي: لم يبق منهم أحد.
قال: والخلوفُ أيضاً: الحضورُ المُتَخَلِّفُونَ (٣)، وهو من
الأضداد(٤).
وكذا قال ابن سيده: والخلوف: ذا الحضر والغيب، ضدٌّ(٥).
قلت: الذي في البيت آل إياس، قال بعضهم: وقع في الأصل:
(١) انظر: ((المحكم)) لابن سيده (١٠ / ٢٦١).
(٢) انظر: ((شعر أبي زبيد الطائي)) (ص: ١١٨)، جمع: نوري القيسي.
(٣) (ت)): ((الحضور والمتخلفون)).
(٤) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٤/ ١٣٥٦ - ١٣٥٧)، (مادة: خلف).
(٥) انظر: ((المحكم)) لابن سيده (٥/ ١٩٩) وعنده: ((والخلوف: الحضور
والغيَّب، ضد».
٥٢٥
بيان(١)، والصواب ما في النسخة؛ لأن أبا زبيد رثى بهذه القصيدة فروة
ابن أبي إياس بن قبيصة، انتهى (٢).
وقال ابن فارس: الخالف: المستقي، والخَلْف: الاستقاء(٣).
قلت: الخَلْف: بفتح الخاء وسكون اللام، وعن الخطابي:
الذين خرجوا للاستقاء، وخلفوا النساء والأثقال(٤). يقال: خلف
الرجل واستخلف: إذا استقى، وحكى: الخلوف الذين غابوا وخلفوا
أثقالهم، وخرجوا في رعي أو سقي.
الثامنة: قال الجوهري: صبَأْتُ على القوم أَصْبَأُ صَبْاً وصُبُوءاً،
إذا طلَعْتُ عليهم. وصبأ نابُ البعير صُبوءاً: طَلَعَ حَدُّهُ. وصبَّأَتْ ثَنِيَّةُ
الغلام: طَلَعَتْ. وأصْبَأَ النجمُ؛ أي: طَلَعَت الثريًّا. قال الشاعر يصف
قحطاً [من البسيط]:
وَأَصْبَأَ النجمُ في غبراءَ مُظْلِمَةٍ
كأنه بائسٌ مُجْتَابُ أخلاقِ(٥)
(١) ((ت)): ((يأبى))، والصواب ما أثبت.
(٢) قاله ابن بري، كما نقله ابن منظور في ((لسان العرب)) (٩/ ٨٢)، (مادة:
خلف) .
(٣) انظر: ((مجمل اللغة)) لابن فارس (١/ ٣٠٠).
(٤) نقله العيني في ((عمدة القاري)) (٤/ ٣٠) وعنده: ((خرجوا للأسفار).
(٥) ذكره ابن السكيت في ((إصلاح المنطق)) (ص: ١٥٧) دون نسبة. ونسبه
الزبيدي في (تاج العروس)) (مادة: صبأ) إلى أثيلة العبدي.
٥٢٦
وصَبّاً الرجل صُبوءًا، إذا خرج من دینٍ إلى دين.
قال أبو عبيد (١): صبأ من دينهِ إلى دينٍ آخرَ كما تَصْبَأُ النجوم؛
أي: تخرج من مطالعها(٢).
قلت: صبَأْتُ على القوم أَصْبَأُ صَبَّاً: مثل ضَرْباً، وصُبوءاً: مثل:
جُمُوح، وسمَّت العربُ المسلمَ الصابىءَ؛ للخروج من دينه إلى الإسلام.
التاسعة: رَزِأناك: بفتح الزاي وكسرها يُرْوَيان؛ أي:
ما أنقصناك.
يقال: ما رَزَأْتُه ماله، وما رَزِئْتُه - بالكسر -؛ أي: ما نقَصتُه.
وارْتَزأ الشيء: انتقص.
قال الشاعر ابن مقبل [من المتقارب]:
ولم يُرتزأ برُكوبِ زِيالا(٣)
کریمُ النِّجارِ حَمَى ظَهْرَه
زبالا - بكسر الزاي، وبعدها ثاني الحروف - قيل: ما تحمله
النملة (٤).
(١) في المطبوع من ((الصحاح)): ((أبو عبيدة)).
(٢) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (١ / ٥٩)، (مادة: صبأ).
(٣) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (١/ ٥٣)، (مادة: رزأ). وانظر: ((الحيوان))
للجاحظ (٤ / ١٣).
(٤) (ت)): ((البعوضة))، والمثبت من (الصحاح)) للجوهري (٤/ ١٧١٥)، وكذا
((الحيوان)) للجاحظ (٤ / ١٣).
٥٢٧
العاشرة: العَزَالِي: جمع عزلاء، وهي عروة المزادة يخرج منها
الماء بسعة .
وقال الجوهري: والعزلاء: فم المزادة الأسفل، والجمع
العزالي بكسر اللام، وإن شئت فتحت؛ مثل الصحارَى والصحاري،
والعذارى والعذاري.
قال الكُميت [من المتقارب]:
مَرَتْهُ الجَنُوبُ فَلَمَّا اكْفَهَـ
ـرَّ حَلَّتْ عَزَالِيَهُ الشَّمْأَلُ (١)
وعن الداوودي قال: العزالي: الجوانب الخارجة الرجلي
الزق](٢) يرسل منها الماء(٣)، والله أعلم.
الحادية عشرة: قال الجوهري: وايمُنُ الله، وضع للقسم، هكذا
بضم الميم والنون، وألفه ألفُ وصلٍ عند أكثر النحويين، ولم يجىء
من الأسماء ألف وصل مفتوحةٌ غيرها، وقد تدخل عليها اللام
لتأكيد الابتداء، تقول: لَيْمُنُ(٤) الله، فتذهب الألف في الوصل، قال
(١) انظر: ((ديوانه)) (٢/ ٣٤٠). وانظر: ((الصحاح)) للجوهري (٥/ ١٧٦٣)،
(مادة: عزل).
(٢) (ت)): ((الفرق))، والمثبت من ((عمدة القاري)) للعيني حيث نقل كلام
الداوودي هذا.
(٣) وانظر: ((عمدة القاري) للعيني (٤/ ٣٠).
(٤) ((ت)): ((أيمن)).
٥٢٨
الشاعر (١) [من الطويل]:
نعم، وفریقٌ لَيْمُنُ اللهِ ما ندري
فقالَ فريقُ القومِ لمَّا نشدْتُهم(٢)
وهو مرفوع بالابتداء وخبره محذوف، والتقدير: ليمُن(٣) الله
قسمي، وليمُن(٤) الله ما أقسم به، وإذا خاطبت قلت: ليمُنك(٥)، وفي
حديث عروة بن الزبير أنه قال: لَيْمُنُك (٦) لئن كنتَ أبليت لقد عافيت،
أو لئن كنت ابتليت لقد أبقيت(٧).
و[ربما] حذفوا منه النون، قالوا: وائْمُ الله، وإِيمُ الله - بكسر
الهمزة -، وربما حذفوا منه الياء، قالوا: إِمُ الله، وربما أبقَوا الميم
وحدها مضمومة، قالوا: مُ الله، ثم كسروها؛ لأنها [صارت حرفاً](٨)
(١) هو نُصيب بن رباح، كما في ((اللسان)) لابن منظور (١٣/ ٤٥٨)،
(مادة: ي م ن).
(٢)
((ت)): ((أنشدانه)».
((ت)): ((أيمن)).
(٣)
((ت)): ((أيمن)).
(٤)
(٥)
((ت)): «أيمن)).
(٦)
((ت)): ((أیمن)).
رواه الإمام أحمد في ((الزهد)) (ص: ٣٧١)، وابن أبي الدنيا في ((المرض
(٧)
والكفارات)) (ص: ١١٣)، ومن طريقه: البيهقي في ((شعب الإيمان))
(١١١٤٤)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٠/ ٢٦١).
(٨) ((ت)): ((لأنها صار معها واحداً».
٥٢٩
واحداً، فيشبهونها بالباء فيقولون: م الله، وربما قالوا: مُنُ الله - بضم
الميم والنون -، ومَنَ الله - بفتحهما-، ومِنِ الله، بكسرهما (١).
الثانية عشرة: قوله: ((أشد مِلْئَة)): مكسور الميم، ساكن اللام،
وبعدها همزة مفتوحة، ثم تاء التأنيث، قال الجوهري: المَلْء بالفتح:
المصدر، وملأت الإناء فهو مملوء، ودَلوٌ مَلَآَى على فَعْلَى، والعامة
تقول : ملأی ماء.
والمِلْء بالكسر: اسم ما يأخذه الإناءُ إذا امتلأ، يقال: أعطى
مِلأه ومِلأَیَهِ ومَلِیته أملائِهِ(٢).
الثالثة عشرة: فجمعوا لها ما بين عجوة: قال الجوهري:
والعجوة: ضربٌ من أجود التمر بالمدينة، ونخلتها(٣) تسمَّى لِينَة (٤).
ودقيقة وسَويقة: ذكر بعضهم: أن في دقيقة وسويقة روايتان
- بالضم والفتح في الدال ـ(٥)، لم يزد على هذا، والله أعلم.
الرابعة عشرة: قوله وَله: ((هو الَّذِي أسقانا))، يقال: سقى
(١) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٦/ ٢٢٢١)، (مادة: يمن).
(٢) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (١ / ٧٢)، (مادة: م ل أ)، وعنده: ويقال:
مِلأَهَ ومِلأَيه وثلاثة أَملائِهِ.
(٣) ((ت): ((عليها)).
(٤) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٦/ ٢٤١٩)، (مادة: ع ج١).
(٥) وقاله الكرماني، كما نقله العيني عنه في ((عمدة القاري)) (٤/ ٣٠) فقال:
رُویا مکبرین ومصغرین.
٥٣٠
وأسقى، والاسم: السُّقيا، وقد جمعه لَبِيد في قوله [من الوافر]:
نمَيراً والقَبَائِلَ من هِلَاَلِ(١)
سَقَى قَومِي بني مَجدٍ وأسْقَى
الخامسة عشرة: الصِّرْم: بكسر الصاد المهملة، وسكون الراء،
وآخره ميم، قال الخطابي: النفر ينزلون بأهلهم على الماء(٢).
قال الجوهري: والصرم بالكسر: أبياتٌ من الناس مجتمعةٌ،
والجمع أَصْرامٌ وأصارِمُ (٣) .
وقال غير الجوهري: والصواب: أصاريم؛ كما تقول أعراب
وأعاريب، قال ذو الرُّمَّة (٤):
وانعَدَلَتْ(٥) عنهُ الأَصارِيمُ(٦)
ونحوه ما قاله الجوهري: فسره بعضهم في الحديث، قال:
يريد الأبيات التي حولها.
(١) انظر: ((ديوان لبيد)) (ص: ٩٣)، (ق ١١ / ٥٥). وانظر: ((الصحاح))
للجوهري (٦ / ٢٣٧٩)، (مادة: س ق ١).
(٢) انظر: ((غريب الحديث)) للخطابي (٢ / ٢٨٢).
(٣) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٥/ ١٩٦٥)، (مادة: صرم).
(٤) انظر: ((ديوانه)) (١ / ٤٣٤)، (ق١٢ / ٦٢) وتمام البيت:
قَوَّيْنَ وانعدَلَتْ عنهُ الأصاريمُ
جادَ الربيعُ له روضَ القِذَاف إلى
(٥) ((ت)): ((وانعزلت)).
(٦) قاله ابن بري فيما نقله عنه ابن منظور في ((لسان العرب)) (١٢ / ٣٣٤).
٥٣١
قلت: هذه اللفظة من المثلث؛ أعني: الصِرم بالكسر، والصَرم
بالفتح، والصُرم بالضم، فأما بالكسر فقد ذكرناه، وأما بالفتح فمصدر
صرمت الشيء صرماً إذا قطعته، وأيضاً الجلد، قال الجوهري:
معرَّبٌ، وأما بالضم فالقطعة(١)، الفتح للمصدر، والضم للاسم(٢).
* الوجه الخامس :
قوله: فأوكأ أفواههما: استعمال اللغة الكبرى، قال الله تعالى:
{فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، قال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَعُوَا
أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، قيل في علته: كراهة اجتماع تثنيتين، ولغة
أخرى بالتثنية وإبقاء اللفظ على أصله مثنى، وقد جمع اللغتين من قال
[من الرجز]:
ظَهْرَاهُمَا مثلُ [ظهورِ](٣) التُّرَسينْ(٤)
(١) ((ت)): ((القطيعة)).
(٢) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٥/ ١٩٦٥)، (مادة: صرم).
(٣) ((ت)): ((عيون)).
(٤) عجز بيت منسوب لخطام المجاشعي كما ذكر سيبويه في ((الكتاب))
(٢/ ٤٨)، وابن سيده في ((المحكم)) (٣/ ٣٠٠)، وابن منظور في ((لسان
العرب» (٢/ ٨٩). وصدره:
ومَهْمَهَيْنِ قَذَ فَيْنِ مَرتَيَّنْ
٥٣٢
واستعمل في اللغة الأخرى من قال [من الطويل]:
بما في فُؤَادَيْنَا من الهمّ(١) كالهوَى(٢)
والأحسن أن يقال: أفئدتنا.
والإفراد أيضاً لغة، وعليها قول من قال [من البسيط]:
كأنَّه وجْهُ تُرْكِيَّنِ قد غَضِبًا(٣)
* الوجه السادس: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل:
الأولى: قوله: وَإِنَّا أَسْرَيْنَا، حَتَّى إِذَا كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَقَعْنَا
تِلْكَ الوَقْعَةِ: فيه دليل على خلاف من قال: السُّرى: سيرُ الليل كلِّه(٤).
الثانية: قوله: فما أيقظنا إلا حرُّ الشمس: تكلموا في الجمع بين
(١) (ت): ((الهيم))، وجاء على الهامش: ((الهم)) وكتب فوقها ((خ)) إشارة إلى
أنها في نسخة .
(٢) صدر بيت للفرزدق، كما في ((ديوانه)) (٢/ ٢٥). وعجزه:
فيبرأُ مُنْهاضُ الفؤادِ المسقَّفُ
(٣) صدر بيت للفرزدق، كما نسبه إليه البغدادي في ((خزانة الأدب)) (٧/ ٥٣٢،
٥٤٠). وعجزه :
مستهدفٌ لطعانٍ غير مُنْجحر
(٤) كما تقدم ذكره عن صاحب ((المحكم)).
٥٣٣
حديث النوم إذا طلعت الشمس، وبين قوله - التَّفة -: ((إنَّ عينيَّ
تنامان، ولا ينامُ قلبي)) (١)، وذكر أبو محمد عبد الواحد بن عمر ابن
عبد الوهاب(٢) شارح البخاري فيه أقوالاً :
أحدها: قال السفاقسي أبو عبد الملك: يعني بذلك: أنه
لا يخفى عليه حاله في انتقاض وضوئه، وإن كان نائماً، وتخفى عليه
الأوقات والساعات.
وثانيها: قال: وقال أبو محمد عبد الحق: الحديثان متفقان،
ومعناهما أن ما يدرك بالقلب لاينام قلبه عنه، وما يدرك بالعين كرؤية
الشمس تنام عينه عنه، فلا تدركه(٣).
وثالثها: قال: وقيل: إن ذلك غالب حاله: أنه لا ينام قلبه، وقد
ينام نادراً لحديث الوادي هذا (٤).
ورابعها: قال: وقيل: إنه لا يستغرقه النوم حتى يوجد منه
(١) رواه البخاري (١٠٩٦)، كتاب: التهجد، باب: قيام النبي ◌ّ﴿ بالليل في
رمضان وغيره، ومسلم (٧٣٨)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب:
صلاة الليل، من حديث عائشة رضي الله عنها .
(٢) هو الإمام المشهور بـ ((ابن التين)) المتوفى سنة (٦١١هـ).
(٣) وهذا الجواب صححه الإمام النووي وشهَّره واعتمده، كما في ((شرح
مسلم) له (٥ / ١٨٤).
(٤) قال النووي: وهذا التأويل ضعيف، كما في ((شرح مسلم)) (٥/ ١٨٤).
قال الحافظ في ((الفتح)) (١ / ٤٥٠) وهو كما قال.
٥٣٤
الحدث، ولا يشعر به.
قلت: الوجه الأول: كأنه أراد التخصيص ليقظة القلب بإدراك
حالة الانتقاض، وذلك بعيد(١).
وأما الثاني: فتقريره أن يقول: للقلب مُدْرَكات، وللحواس
مدركات، فمدركات الحواس تمتنع، ومدركات القلب على قسمين:
أحدهما: ما تتبع إدراك الحواس وتتفرع عنه، فذلك يمتنع
لمواقع إدراك الحواس؛ لتوقفها عليها.
والثاني: مالا يتبع إدراك الحواس، ولا يتوصل القلب(٢) إلى
إدراکھا من جهة الحواس، فهذا لا یمنعه.
ولا شك أنَّ يقظةَ القلب هو بقاء إدراكه، ونومَه ذهاب إدراكه،
وإدراكه على قسمين؛ كما ذكرنا، فلا يلزم الإشكالُ إلا إذا كان النوم
حتى طلعت الشمس من مدركات القلب التي لا تتبع الحواس، فأين
الدليل على ذلك حتى يلزم الإشكال؟
الثالثة: قوله التَيْه: ((إنَّ عينيَّ تنامان، ولا ينامُ قلبي))، خرج
جواباً عن قول عائشة - رضي الله عنها - له: أتنام قبل أن توتر،
(١) نقله الحافظ في ((الفتح)) (٥ / ١٨٤) عن المؤلف، وقد ضعَّف الحافظ
كذلك الجواب الأول والرابع.
(٢) ((ت)): ((مواقع إدراك الحواس))، وهي جملة منسوخة خطاً من السطر
السابق .
٥٣٥
وهذا كلام لا تعلَّقَ له بانتقاض الطهارة الذي تكلموا فيه، والذي
يظهر منه أن هذا الاستفهام سببُه أن يفوت الوترُ باستغراق النوم إلى
الصباح.
ولو كان الأمر فيما يتعلق بانتقاض الطهارة، لكان الاستفهام إنما
يكون للصلاة بعد النوم، فيقال: أتصلي بعدما نمت؟ فلو قيل عقب
هذا: إن عيني تنامان ولا ينام قلبي، اقتضى الجواب حينئذٍ أن نومه الأول
لا يوجب الطهارة؛ لأن قلبه لا ينام.
[و] إذا كان الجواب يتعلق بأمر فوات الوتر، لا بأمر انتقاض
الطهارة، فيحمل نوم القلب على اطمئنان النفس بالنوم، وسكون
القلب إلى استغراقه فيه، وعدم تعلقه بالاستيقاظ(١).
وتحمل يقظته على تعلق القلب باليقظة للوتر، وعدم سكونه
ودخوله إلى الاستغراق في النوم.
ومن المعلوم بالعادة التفريقُ بين حالة من شرع في النوم مطمئنَ
القلب، وبين من شرع فيه متعلقاً باليقظة، فإن الحالة الأولى تقتضي
الاستغراق، والثانية لا تساويها فيه، وعلى هذا التقدير، فتكون يقظةُ
قلبه وليه بالتفسير المذكور مقتضياً للقيام للوتر، وكذلك الإخبار عن
عدم نومه، ويكون الجواب منطبقاً على ما وقع عليه السؤال من النوم،
لا على ما لم يقع عليه السؤال، وهو الصلاة بعد النوم من غير تجديد
(١) ((ت)): ((الاستنقاض)).
٥٣٦
طهارة، وعلى هذا فلا تعارضَ ولا إشكالَ في حديث النوم حتى
طلعت الشمس، ولا يقتضي ما ذكرناه أن النوم في ذلك الوقت إلى أن
طلعت الشمس کان مع سکون النفس إلى الاستغراق؛ لأن ذلك یمکن
حمله على ما أوجبه تَعَبُ السُّرى والسير، فلا يتعين حمله على
السكون إلى الاستغراق، أو يقال: سبب(١) السكونِ والطمأنينةِ الأمرُ
بكِلائيةٍ(٢) الفجر ممن وكُّل بذلك؛ كما جاء في حديث الوادي وأمْرٍ
بلال بذلك، فهذا ما وقع لنا هاهنا، فتأمله.
فإن قلت: هذا الذي ذكرته تخصيصٌ بالسبب، والعبرةُ بعموم
اللفظ لا بخصوص السبب، فيقظة القلب أعمُّ مما ذكرته من التفسير،
فيدخل تحته، فيعود الإشكال.
قلت: لا نسلم أنه تخصیص بالسبب، بل هو استدلالٌ بسياق
لفظي على بيان المراد، والسياق يرشد إلى تبيين المجمَلات وتعيين
المحتملات.
الرابعة: قوله العليا: ((لا ضير)»: فيه تأنيسٌ وتطييب لقلوب
أصحابه ◌َّهِ؛ لِمَا عساه يَعْرِض لهم من الأسف على فوات الصلاة في
وقتها .
الخامسة: فيه دليل على سقوط هذا التكليف عن النائم مع قيام.
(١) ((ت)): ((سببه)).
(٢) أي: حراسة.
٥٣٧
الدليل عليه من الحديث الآخر في: ((رفع القلم عن النائم حتى
يستيقظ))(١)، وقيام الدليل العقلي على امتناع تكليفه.
السادسة: أمره - التليف - بالارتحال لأجل الخروج عن المكان؛
بسبب ما وقع فيه من النوم عن الصلاة، فجعل أصلاً في الخروج عن
المكان الذي وقع للإنسان فيه ما لا يختاره فيما يتعلق بالدين، وقد عُبِّر
عن هذا بعبارة لم أرضها(٢).
السابعة: ((فسار غير بعيد)): يدل على أن هذا الارتحال ليس
للمسير الذي يقتضيه عادةً السفرُ، وسبق مثله فيما قبله من الأيام.
الثامنة: فإذا لم يكن المقصود منه السفر المعتاد قبل ذلك، فقد
(١) رواه أبو داود (٤٣٩٨)، كتاب: الحدود، باب: في المجنون يسرق أو
يصيب حداً، والنسائي (٣٤٣٢)، كتاب: الطلاق، باب: من لا يقع
طلاقه من الأزواج، وابن ماجه (٢٠٤١)، كتاب: الطلاق، باب: طلاق
المعتوه والصغير والنائم، من حديث عائشة رضي الله عنها، وهو حديث
صحيح. وفي الباب من حديث علي وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم
جميعاً.
(٢) لعلها ما ذكره الحافظ في ((الفتح)) (١ / ٤٥١) عن بعضهم أنه قال: يؤخذ
منه أن من حصلت له غفلة في مكان عن عبادة، استحب له التحول منه،
ومنه أمر الناعس في سماع الخطبة يوم الجمعة بالتحول من مكانه إلى
مكان آخر .
قلت: لعل المؤلف رحمه الله لم يرتضٍ نسبة الغفلة إلى النبي صل* تأدباً،
والله أعلم.
٥٣٨
اختلفوا في علة سببه، فقيل ما أشرنا إليه مما وقع فيه من النوم عن
الصلاة، ويؤيده ما جاء في حديث الوادي: ((إنَّ هذا وادٍ فيهِ
شيطانٌ))(١)، والحنفية - أو من شاء الله منهم - حملوه على ترك الصلاة
في وقت الكراهة، وتأخيرها إلى أن يزول ذلك الوقت(٢).
التاسعة: قوله: ((ونودي بالصلاة)): يحتمل أن يراد به الأذان؛
لأنه كثيراً ما يطلق عليه ذلك، ومنه: ((قمْ يا بلالُ فنادِ بالصلاةِ)) (٣)؛
أي: أُذُّنْ، [و] ((إذا نوديَ بالصلاةِ أدبرَ الشيطانُ))(٤)، ويترجمُ على
الأذان: النداء بالصلاة، ويحتمل أن يراد به الإقامة.
(١) رواه مسلم (٦٨٠)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: قضاء
الصلاة الفائتة، واستحباب تعجيل قضائها، من حديث أبي هريرة عظته
بلفظ: ((ليأخذ كل رجل برأس راحتله، فإن هذا منزل حضرنا فيه
الشيطان)» .
(٢) قال ابن المنذر في ((الأوسط)) (٢/ ٤١٠): وليس لهم فيه حجة، وإنما
ارتحل النبي وس18 من ذلك المكان؛ للعلة التي أخبر بها قال: ((إن هذا مكان
حضرنا فيه شيطان، فارتحلوا منه)).
(٣) رواه البخاري (٥٧٩)، كتاب: الأذان، باب: بدء الأذان، ومسلم
(٣٧٧)، كتاب: الصلاة، باب: بدء الأذان، من حديث ابن عمر رضي الله
عنهما .
(٤) رواه البخاري (٥٨٣)، كتاب: الأذان، باب: فضل التأذين، ومسلم
(٣٨٩)، كتاب: الصلاة، باب: فضل الأذان وهرب الشيطان عند سماعه،
﴾.
من حديث أبي هريرة
٥٣٩
وقال شارح البخاري عبد الواحد بن عمر: فيه أن ما فات وقتُه
من الصلوات يؤذَّن لها، وليس هو مذهب مالك.
وهذا حَمْلٌ منه النداء على الأذان، والله أعلم.
العاشرة: ((يُصلِّي بالنَّاس)»: فيه الإقامة بالفوائت.
الحادية عشرة: فيه الاجتهاد في زمن النبي ◌َّيقر؛ لأن هذا المنعزلَ
عن الناس لأجل الجنابة مع احتمال الحال لوجوه عديدة، وتعيينُهُ
لبعضها طريقُه الاجتهادُ، فإنه يحتمل أن يكون لأنه لا يعلم مشروعيةَ
التيمم، ويحتمل أن يكون لاعتقاده أن الجنب لا يتيمم، وأن التيمم
للحدث الأصغر، كما نُقُل عن بعض الصحابة.
ثم إذا لم يتيمم كان كمن عَدِمَ الماءَ والصعيدَ، فاحتمل أن يصلي
ويقضي، ويصلي ولا يقضي، ولا يصلي ويقضي، ولا يصلي
ولا يقضي؛ كما اختلف الفقهاء في ذلك، والذي يتعلق بالقضاء لا يعلم
ما اعتقده فيه، لكنه رجح عدم الأداء، ويقع احتمالُه للأداء التيمم
وعدمه، وتعيينُ المحتملاتِ طريقُه الاجتهادُ.
ولا يُحمل على كونه لم يكن التيمم مشروعاً، وأن ذلك قبل
نزول الآية؛ لأن قوله التيهي: ((عليكَ بالصعيدِ، فإنَّ يكفيكَ)» دليلٌ
على تقدُّم مشروعية التيمم على هذا القول؛ لأن مشروعية التيمم على
هذا القول لم تُعلم إلا بالآية، ونزولها والحكم بمقتضاها يقتضي
تقدُّمها.
٥٤٠