النص المفهرس

صفحات 481-500

الظنين واجبٌ، وحديث أبي ثعلبةَ هذا: فيه الأمر بالغسل قبل
استعمالها، والنهي عن استعمالها إذا وجد غيرها، وهما يدلّانِ على
ذلك؛ أعني: اعتبارَ العِلِّيَّة.
الخامسة عشرة: هذا الذي ذكرناه وهو بالنسبة إلى الظنين من
حيث هما هما، وقد حكمنا بأن الراجح: الظن المستفاد من الغلبة،
ولكن قد يقوم مانعٌ معارضٌ لاعتبار هذا الظن الراجح بالعليّة؛
كالمشقة وعُسر الاحتراز مثلاً، ولا بِدْعَ في ترجيح المانع الراجح على
المقتضى، ودرجات هذا المانع مختلفة، فما قوي منها ولزم منه
الحرجُ والمشقة العامة، فاعتبارُه ظاهر، وما كان دون ذلك، فهو محلٌّ
نظرٍ .
فإِذا نظرت إلى العوام وأرباب الحِرَف والمِهَن، ومن لا يصلي
منهم، ومباشرتهم النجاسات في حوانيتهم ومهنهم وأشغالِهم،
وطَرَّآن (١) النجاسات الخارجة عنهم على حوانيتهم ومواضع أشغالهم،
علمت غلبة النجاسة على كثير - أو على أكثر - ما هم فيه، لاسيما في
بعض الحِرَف، فالقول بالتزام مجانبتهم ومُلابَستِهِم في كل شيء يُفْضي
إلى حَرِجٍ ومشقة عامة، يعسُر اعتبارُها، فيقوى المانع من اعتبار الظن
المستفاد من الغالب عموماً، ويتأيَّد ذلك في بعض الصور بعمل
السلف الصالح، ويمكن أن يكون ما في حديث أبي ثعلبة هذا من
(١) مصدر (طرأ)، والمعروف عند أهل اللغة في مصدره: طَرْء وطُرُوء.
٤٨١

الفرق بين أن يجدوا غيرها، أو لا، مراعاةً(١) لهذا المعنى؛ لأن الظنَّ
لما کان غالباً بنجاسة ما يستعملونه فحیث لا ضرورةً في تركه؛ لوجود
غيره، أَعملَ غلبة الظن؛ لرجحانها مع عدم المعارض، وهو (٢)
الضرورة في استعمالها، وحيث لا يوجد غيرُها قد تدعو الضرورة إلى
الاستعمال، فيكون هاهنا مانع من إعمال غلبة الظن، فأُجيز
الاستعمالُ، إلا ما يقتضيه الحديثُ من الأمر بالاجتناب مطلقاً عند
عدم غيرها، وإن غُسِلَت، والأمر بغسلها إذا لم يوجد غيرها يبقى
محلاً للنظر، زائداً على ما ذكرناه.
السادسة عشرة: هاهنا مانعٌ آخرُ من اعتبار الظن الناشىء من
الغلبة، اعتبره بعضُ المالكية، وهو إتلاف المالية.
وذلك أنَّ عندهم في سؤر ما عادته استعمال النجاسة، ولا يعسر
الاحتراز عنه؛ كالسباع، والدجاج المُخَلّة؛ أي: غير المقصورة،
أقوالاً: المنع، والإباحة، والفرق بين الماء والطعام، فيُطرح الماء
ويؤكل الطعام.
وسؤرُ الكافر وما أدخل يدَه فيه، جارٍ مجرى هذا القسم عندهم(٣).
(١) ((ت)): ((ومراعاة)).
(٢) (ت): ((هي)).
(٣) الصواب عندهم: أن هذه الأمور كلها محمولة على التنزه والاستحباب،
كما ذكره إسماعيل بن إسحاق القاضي، وصوبه ابن عبد البر، كما في
((التمهيد)) له (١ / ٣٣٥).
٤٨٢

إلا أن هذا المانعَ ضعيفٌ يحتاج إلى دليل شرعي يدل على
اعتباره بعد قيام المقتضي للتنجيس.
والذي يُستدلُّ به على هذا من نهيه - العَيْه؟ - عن إضاعة المال(١)،
یردُّ علیه منعُ کونه مالاً بعد قیام الدليل على نجاسته.
فلو قوِيَ هذا المانعُ كان ذلك عذراً آخرَ عن أكل النبيِّ نَّ طعامَ
اليهوديَّةِ، غير ما ذكرناه متقدماً.
السابعة عشرة: أمر - التقنية - بغسل الآنية، والأكل فيها بعد
غسلها، وهذا مطلقٌ يكفي في امتثال الأمر به غسلةٌ واحدة، فيدل على
جواز الاكتفاء في فضل العامة بغسلة واحدة.
الثامنة عشرة: يمكن أن يستدلَّ به على الاكتفاء بغسلة واحدة في
نجاسة الخنزير؛ لأنه قد ذكر في الحديث: أنهم يطبخون في قدورهم
الخنزير، فهذا الأمر إما أن يكون على سبيل الوجوب، أو على سبيل
الاحتياط والندب، وأيا ما كان، فلا بدَّ أن تفيدَ فائدةً في التطهير، وإلا
كان الإناءُ باقياً على ما كان عليه قبل الغسل، فإذا اكتفى بالمرة الواحدة
في تحصيل المقصود، إما بإزالة النجاسة بالتطهير، أو بحصول مقصود
الاحتياط بالتطهير، دلَّ على ما ذكرناه.
التاسعة عشرة: فيه دليل على جواز الصيد في الجملة، مع تظافر
الأدلة من الكتاب والأحاديث والإجماع.
(١) تقدم تخريجه .
٤٨٣

العشرون: فيه دليل على جواز الصيد بالقوس، ولكنه أتى
مُعرَّفاً بالإضافة إليه في سؤاله، وفي لفظ النبيِّ ◌َّ، والعرب إنما
تَعرِفُ الرميَ بقوس يُرمى عنه بالسهام(١)، ولا يكاد يُعلم أن العرب
ترمي بقوس يُرمى عنه بالطين اليابس المسمى في زماننا بالبُندق، وإن
كان - على بُعدٍ - فالغلبة الكبرى لقوس السهام، ولا عمومَ في
السؤال - ولا في الجواب - بالنسبة إلى ما ينطلق عليه اسم القوس،
فينصرف إلى المتعيِّن عنده، والغالب عليه، ولا يدخل فيه قوسُ
البندق.
الحادية والعشرون: المنقول عن بعضٍ مصنّفي الشافعية منعُ
الاصطياد بالقوس المعروف عندنا بالبُندق؛ إما تحريماً، أو كراهة.
وعن بعض المتأخرين: جوازه(٢).
ويمكن أن يستدلَّ على ذلك بأن يقال: لو امتنع لكان لتعريضٍ(٣)
الحیوان للموت من غیر مأكلة، ولا يمتنع لذلك، فلا يمتنع؛ أما بيان
الملازمة، فبالمناسبة وبمقتضى تعليل المانع بذلك.
وأما بيان انتفاء اللازم، فلأنَّ الشارعَ قد أَلَغى هذا المانع، ولم
يعتبره؛ لما سيأتي من بيان جواز الاصطياد بالكلب غير المعلّم، مع أنه
(١) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٦/ ٢٣٦٢)، (مادة: رمى).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ١٠٥ -١٠٦).
(٣) (ت)): ((كتعريض)).
٤٨٤

متعرضٌ لأنْ يموتَ قبلَ إدراكِ ذكاته، فيتعرض لوقوع المانع، مع أنه
لم يعتبر.
ونهيه - التمليئا - عن الخذف إن كان يدخل تحته هذا القوسُ،
فيتعلق به النهيُ، وفي دخوله تحتَه نظرٌ.
الثانية والعشرون: استدل بعضُ المتأخرين على جواز الرمي
بهذا القوس بحديث عبد الله بن المغفل، عن النبي يتلقى: أنه نهى عن
الخذف، وقال: ((إنَّه لا يَنْكَأُ العدوَ، ولا يقتلُ الصيدَ، ولكن يفقأُ
العينَ، ويكسِرُ السنَّ))(١).
قال: فمقتضى هذا الحديث إباحة الصيد بالبندق(٢)، والله أعلم.
وكأنَّه أَخذ هذا من أنَّ العلةَ في النهي على مقتضى لفظ الحديث،
أنه لا ينكأُ العدو، ولا يقتل الصيد، فبمقتضى هذا إنما ينكأ العدو،
(١) رواه البخاري (٥١٦٢)، كتاب: الذبائح والصيد، باب: الخذف والبندقة،
ومسلم (١٩٥٤)، كتاب: الصيد والذبائح، باب: إباحة ما يستعان به على
الاصطياد والعدو وكراهة الخذف، واللفظ له.
(٢) قال النووي في ((شرح مسلم)) (١٣ / ١٠٦): في هذا الحديث: النهي عن
الخذف؛ لأنه لا مصلحة فيه، ويخاف مفسدته، ويلتحق به كل ما شاركه
في هذا.
وفيه: أن ما كان فيه مصلحة أو حاجة في قتال العدو، أو تحصيل الصيد
فهو جائز، ومن ذلك رمي الطيور الكبار بالبندق إذا كان لا يقتلها غالباً، بل
تدرك حیة وتذگی، فهو جائز.
٤٨٥

ويقتل الصيد، لا نهيَ فيه؛ لزوال علة النهي.
وهذا هو الذي أشرنا إليه بقولنا: إن كان يدخل تحته هذا
القوس، فيتعلق به النهي، والذي قاله هذا القائل دلالةٌ مفهوم.
الثالثة والعشرون: قد ذكرنا الاستدلال بجواز الصيد بالكلب غير
المعلّم، على جواز الاصطياد بهذا القوس؛ من حيث إن في كل واحد
منهما تعريضَ الحيوان للموت من غير مَأْكلة، وقد ألغيَ هذا المعنى
في الكلب، فليُلغَ في هذا القوس.
ولعلَّ قائلاً يقول: حديث الصيد بالمعراضِ يدل على هذا أيضاً؛
أعني: جواز الصيد بالبندق، ولأن فيه أيضاً تعريضاً لموت الحيوان من
غیر مأكلة إذا أصاب بعرضه.
فنقول على ذلك: الذي استدللنا به من جواز الصيد بالكلب غير
المعلم أولى من هذا؛ لأن في الصيد بالمِعْراض ثلاثة أحوال:
اثنان منها يُباح بهما الأكل، وهما: إذا أصاب بحده، ولم تدرك
ذکاته، أو أصاب بعرضه وأُدرِ کت ذکاتُه.
وحالةٌ لا يباح، وهو ما إذا أصاب بِعَرْضه، ولم تدرك ذكاته.
والصيد بهذا القوس ليس فيه إلا حالتان:
إحداهما: للإباحة، وهي إدراك ذکاته.
والثانية: للمنع، وهو عدم إدراك ذكاته، إذ لا مُحدَّد فيه.
ووقوع واحد من ثلاثة، أقرب من وقوع واحد من اثنين، فكان
٤٨٦

صيد المِعْراض أولى بالجواز من الصيد بالقوس المذكور، فلا يُلحق
به الصيدُ بالقوس، والله أعلم.
وإنما قلنا: إنَّ وقوعَ واحد من ثلاثة أقربُ من وقوع واحد من
اثنين؛ لأن عدمَ وقوع واحد من ثلاثة موقوفٌ على أكثر المقدمات؛
لأنه موقوف على عدم كل واحد منهما، وعدم وقوع واحد من اثنين
موقوف على عدم واحد (١) من الاثنين، والموقوف على أكثر المقدمات
أبعد وقوعاً من الموقوف على الأقل، وإذا كان العدم أبعد، فالوجود
أقرب.
الرابعة والعشرون: يدل على جواز الاصطياد بالكلب؛ أعني:
مطلق الكلب؛ لأنه دل على جواز الاصطياد بالكلب المعلّم، والدال
على المقيد دال على المطلق، والاصطياد بغيره من جوارح الطيور
والسِّباع، يكون مأخوذاً من القياس، أو من نصِّ آخرَ، كما ورد في
البازي، أو من قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ﴾ [المائدة: ٤]، إن لم
يكن قوله: ﴿مُكَلِِّينَ ﴾ يقتضي تقييدها بالكلاب.
الخامسة والعشرون: فيه دليل على جواز الاصطياد بالكلب
المعلَّم، مع ما دل عليه الكتاب العزيز من ذلك.
السادسة والعشرون: وفيه دليل على جواز الاصطياد بغير المعلّم
أيضاً.
(١) ((ت)): ((كل واحد))، والصواب ما أثبته.
٤٨٧

السابعة والعشرون: فيه البناء على الأصل، أو الغالب؛ لأنه لمَّا
أبيح الصيدُ بغير المعلِّم، وكان من المحتمل أن لا تدرك ذکاتُهُ، فیکون
الصيدُ ميتةً، فيكون الاصطياد بغير المعلم تعرضاً لإتلاف الحيوان لغير
مَأْكلة، دل ذلك على عدم اعتبار هذا الاحتمال؛ إما لأن الأصلَ بقاءُ
حياتِه إلى حين إدراك ذكاته، أو لأن الصائد بالكلب يتبعه ويقرب
إدراكه للصيد من أخذ الكلب له؛ فيكون الغالبُ إدراكَ ذکاته.
الثامنة والعشرون: هو عام بالنسبة إلى كل كلب له معلَّم،
فيدخل تحته أنواعُ الكلاب.
ويروى عن أحمد: أنه استثنى الكلب الأسود، وقال: لا يجوز
الاصطياد به(١)، ونحوه عن الحسن البصري، والنخعي، وقتادة (٢)،
ويُحكى عن الفارسي من أتباع الشافعي موافقتُه(٣).
التاسعة والعشرون: علَّقَ الشارعُ حكماً على صيد الكلب
المُعلَّم، وحكماً آخرَ على صيد غير المعلّم، ولم يبينْ هاهنا التعليمَ
المعتبرَ؛ لكونه معلوماً بالعادة عند المُخَاطب، وما كان معلوماً بالعادة
وعُلِّق به حكمٌ، رُجع فيه إلى العادة؛ كما في القبض، والحِزْز،
(١) وقال أيضاً: لا أعرف أحداً يرخص فيه، يعني من السلف، ودليله: أنه كلب
يحرم اقتناؤه، ويجب قتله، فلم يبح صيده، ولأن النبي ◌َّز سماه شيطاناً،
ولا يجوز اقتناء الشيطان، وإباحة صيد المقتول رخصة، فلا تستباح بمحرم،
كسائر الرخص. انظر: ((المغني)) لابن قدامة (٩ / ٢٩٧).
(٢) انظر: ((المغني) لابن قدامة (٩ / ٢٩٧).
(٣) انظر: ((روضة الطالبين)) للنووي (٣/ ٢٤٦).
٤٨٨

وغيرهما، أو يكونُ قد بيَّن للمخاطب التعليم المعتبر، ولم يذكره
الراوي؛ لأنه لولا أحدُ هذين الأمرين، لزم تأخيرُ البيان عن وقت
الحاجة.
والأول أقرب، وهو أن يكون معلوماً بالعادة، فأُحيل عليها،
[وهذا لأن](١) أبا ثعلبة ذكر في سؤاله الكلب المعلّم، وذلك يدل على
معرفته بما يكون به هو عنده معلَّماً.
الثلاثون: الفقهاء ذکروا أوصافاً فيما يُعرف فيه کون الكلب
معلَّماً، والذي يقتضيه لفظ (المعلّم) أن يكون له حالة حصلت
بالتعليم، ومن لوازم هذا أن تكون تلك الحالةُ مخالفةً لما يقتضيه
طبعُه، وما يقتضيه تعليمُه من هيئات التعليم؛ لأنه لو لم يكن مخالفاً
لما يقتضيه تعليمُه، لكان معلَّماً في حال تعليمه، وهو باطل، فعلى
هذا كل ما يكون طبيعياً لا اعتبار به، فانطلاقه من غير إطلاقٍ
صاحبِهِ طبيعيٌّ، فإذا لم يخرج عن هذه العادة فليس بمُعلَّم،
وخروجه عن ذلك بأن ينزجرَ عند زجره عندما يقتضي الطبعُ خروجَه،
وسيأتي الكلام فيه، ويدل على هذا أيضاً من الحديث رواية همَّام بن
الحارث، عن عَدِي بن حاتم قال: ((وإنْ قتلْنَ ما لم يَشْرَكْهَا كلبٌ ليسَ
معها))(٢)، فمجرد هذا يشير إلى اعتبار إرساله؛ لأنه - التعليها - لم يعلقِ
(١) ((ت)): ((ولهذا إن)).
(٢) رواه مسلم (١٩٢٩)، كتاب: الصيد والذبائح، باب: الصيد بالكلاب
المعلمة .
٤٨٩

الحكمَ بعدم تعليمها، بل بأنه ليس معها؛ أي: فلا يكون مرسلاً من
جهتك.
الحادية والثلاثون: اعتبر في التعليم أن يسترسلَ بإرسال صاحبِه
وإشارتِهِ؛ أي: إذا أُغريَ بالصيد هاج(١).
الثانية والثلاثون: اعتبر أن ينزجر بزجره، هكذا أُطلق، وعن
إمام الحرمين: يعتبر ذلك في ابتداء الأمر، وأما إذا أُطلق واشتد عَدْوه
وجَرْيُه، ففي اعتباره وجهان، قيل: والأشبه الاعتبار، فإن التأديب به
يظهر(٢). ووجهُ المنع استبعادُ أن يلتفتَ (٣) حينئذ.
الثالثة والثلاثون: اختير في التعليم عدم الأكل من الفريسة، وفيه
خلافٌ سيأتي - إن شاء الله تعالى - في غير هذا الموضع.
الرابعة والثلاثون: علق حل الأكل على أمرين:
أحدهما: تعلیم الكلب.
والثاني: ذكر اسم الله تعالى.
فينتفي الحكمُ عند انتفاء المجموع، وانتفاؤه بانتفائهما معاً، أو
(١) انظر: ((روضة الطالبين)) للنووي (٣/ ٢٤٦).
(٢) انظر: ((الوسيط)) للغزالي (٧/ ١٠٨)، و((روضة الطالبين)) للنووي
(٣/ ٢٤٦).
(٣) (ت)): ((يتلف))، وكتب على الهامش: ((لعله: يلتفت))، قلت: وهو
الصواب.
٤٩٠

بانتفاء أحدِهما، فيمتنع الأكل عند عدم التعليم، وعند عدم التسمية،
فالحكم في الإثبات واحدٌ يتعلق بأمرين، وفي النفي بثلاثة أمور.
الخامسة والثلاثون: اشتراطُ التعليم في حل مَصِيد الكلب، يدل
على نفي الحل عن مصيد غير المُعلَّم من الكلاب بطريق المفهوم،
ولا يدلُّ على نفيه عن غير المعلم من غير الكلاب؛ كالفهد والنمر
وما أشبهه، وإنما يؤخذ من دليلٍ آخرَ على ما نبَّهنا عليه.
السادسة والثلاثون: قوله التَّة: ((فَمَا صِدْتَ بقوسِكَ فاذكرِ
اسمَ اللهِ وكُلْ، وما صِدْتَ بكلبِكَ المعلم، فاذكرِ اسمَ اللهِ وكُلْ)) يدلُّ
على اشتراط التسمية في الحل؛ لأن ظاهرَ الأمرِ الوجوبُ، وسيأتي
الاستقصاءُ في المسألة إن شاء الله تعالى.
السابعة والثلاثون: يقتضي إباحةً ما صِيْدَ بسهمه، سواء صنعه أو
بَرَاه وَثَنِيٌّ، أو غيرُه.
الثامنة والثلاثون: يقتضي إباحةَ أكلِ ما قتله كلبُه المُعلِّمُ، سواء
علَّمه من تُباح تذكيتُه، أو لا.
وذكر ابنُ حزم في ((المُحلَّى)) قال: وقال قوم: لا يؤكل صيدٌ
جارحٌ علَّمه مَن لا يحِلُّ أكلُ ما ذكَّى.
قال: روينا من طريق وكيع، ثنا جرير بن حازم، عن عيسى(١) بن
عاصم، عن علي بن أبي طالب: أنه كره صيدَ بازي المجوسي
(١) (ت)): ((يحيى))، والتصويب من ((المحلى)) و((مصنف ابن أبي شيبة)).
٤٩١

وصقرِه(١)، وصيدُ المجوسي [للسمك] كرهه أيضاً (٢).
قال: ومن طريق عبد الرزاق، عن حُميد بن رُومان، عن
الحجاج، عن أبي الزبير، عن جابر قال: لا يُؤْكَلُ صيدُ كلب
المجوسي، ولا ما أصاب سهمُه (٣).
قال: وروينا هذا أيضاً من طريق سعيد بن منصور، ثنا عَّاب بن
بشير، أنبأ خُصَيف قال: قال ابن عباس: لا تأكل ما صدتَ بكلب
المجوسي وإن سمَّيت، فإنه من تعليم المجوس، قال الله تعالى:
﴿تُعَلِمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤] (٤).
وجاء هذا القول عن عطاء، ومجاهد، والنخعي، ومحمد بن
علي، وهو قول سفيان الثوري.
قال: واحتج أهل هذه المقالة بقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ
الْجَوَارِجِ مُكَلِّبِينَ تُعَلّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ﴾ [المائدة: ٤]، قالوا(٥): فجعل
التعلیم لنا.
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٩٦٢٩)، عن علي: أنه كره صيد صقره
وبازه. يعني: المجوسي.
(٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٩٦٧٥) عن علي: أنه كره صيد المجوسي
للسمك.
(٣) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٨٤٩٥).
(٤) ورواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره))، كما نسبه السيوطي في ((الدر المنثور))
(٣/ ٢٣).
(٥) ((ت)): ((قال)).
٤٩٢

قال: ولا حجةَ لهم في هذا؛ لأن خطابَ اللهِ تعالى بأحكام
الإسلام لازمٌ لكل أحد، وبالله التوفيق.
قال: وهذا مما خالفوا فيه الرواية، لا يُعرفُ لهم في الصحابة
مخالفٌ(١).
التاسعة والثلاثون: لما قسم النبيُّ وَيُّهَ الكلبَ إلى معلّم وغيرِ
معلّم، وحكم بأكل ما صِيد بالمعلَّم، وبأكل ما أُدركت ذكاتُه من غير
المعلّم، دلَّ ذلك دلالةً ظاهرة على أن المعلِّم لا يُشترط في حِلِّ صيدِه
وقوعُ الذكاة، إذا لم تُدرَك، وأنه يُباحُ أكلُ ما قتله إذا لم تدرك ذكاته
مهما انطلق عليه أنه صَادَه.
الأربعون: فيه إباحة الاصطياد بالكلب غير المعلم من جهة إباحة
أكل ما صِيد به إذا أُدركت ذكاته، وذلك فرع الاصطياد به، فلو كان
ممنوعاً لنهى عنه، وهذا أبلغُ في الدلالة على الإباحة من التقرير على
الاصطياد به - لو رآه يصطاد به - على أنه قد ذَكر السائلُ أنه يصيد بغير
المعلم، ولم يُنكِرْ عليه.
الحادية والأربعون: قد يوجد(٢) من إطلاقه إباحةُ كل ما صاده
بالكلب المعلم، وإن أكل منه، وقد اختلفوا في المسألة، وقديمُ قولي
(١) انظر: ((المحلى)) لابن حزم (٧ / ٤٧٦).
(٢) كثيراً ما تستعمل كلمة (يوجد) عند الفقهاء بمعنى: يستفاد، أو يتحصّل،
واستعمال المؤلف - رحمه الله - كلمة (يوجد) هنا من هذا.
٤٩٣

الشافعي الإباحةُ، وجديدُهما المنعُ (١)، إلا أنَّ المنعَ من أكله بعد أكل
الكلب منه يقتضي اشتراطَ شرطٍ آخرَ، يجب إضافته إلى هذا
الإطلاق، وفي الباب أحاديثُ أُخرُ تدل على الأكل منه وإن أكل،
وسيأتي ذكرُ المسألة - إن شاء الله تعالى - في الصيد، ونبين الصحيح
من تلك الأحاديث، وما عُلِّل منها، أو ضُعِّف، غير أنَّ المقصودَ أن
هذا الإطلاق قد يَستدِلُّ به من يرى الجواز، وقيامُ المعارض لا يمنع
الدلالة، والله أعلم.
الثانية والأربعون: ومن هذا القبيل استرسالُ الكلب إذا حصل
به الصید، فقد مُنع من أکل صیده على هذا الوجه.
واستُدِلَّ بقوله التَّهِ: ((إذا أرسلْتَ كلبَكَ المعلمَ)) على اشتراط
الإرسال، ولا يوجد من حديث أبي ثعلبة الجواز في هذه المسألة؛
إما لأن مقتضى اللفظ الحل للصائد، وذلك يقتضي فعلاً ينسب
إليه، وإذا لم يرسل الكلب لم ينسب إليه الصيد، فلا يكون
صائداً، وإما لأنه، وإن كان صائداً، فالحديث الذي استدل به على
جواز (٢) اشتراط الإرسال، يقتضي زيادةً على هذا الإطلاق، والله
أعلم.
(١) انظر: ((روضة الطالبين)) للنووي (٣/ ١٦٢).
(٢) أريد بالجواز هنا: المعنى اللغوي، وهو الإمكان، لا المعنى الفقهي
الاصطلاحي .
٤٩٤

الثالثة والأربعون: قوله التفيه: ((ما صدتَ)) - كما قدمناه - يقتضي
نسبةَ الفعل إليه، فلو وقع السهمُ اتفاقاً من يده، فجرح صيداً ومات
بجرحه، لم يكن صائداً له، فلا يحلُّ؛ لتوقف الحل على حقيقة كونه
صائداً، وانتفاء ذلك بسقوط الآلة اتفاقاً.
وعن أبي إسحاق من الشافعية: أن السكين إذا وقعت من يده
على حلق شاة وقتلتها: أنه يحل، والصيدُ مثله(١).
الرابعة والأربعون: في مرتبة أخرى أقربُ إلى الجواز مما قبلها:
قَصَدَ إلى الفعل، فأرسل سهماً، ولم يقصِدْ إلى الاصطياد، ولا خَطَر
بباله الصيدُ.
عن أبي إسحاق من الشافعية حلَّه(٢)، والمشهور عدم الحل؛
لأنه لم يقصد الصيد لا معيَّناً ولا مبهماً(٣)، وهذا بناء على أن نسبة
الفعل إلى الفاعل يقتضي قصدَه إليه، فإذا لم يقصد الصيد، فليس
بصائد، والحل مرتَّبٌ على كونه صائداً؛ لقوله التفيها: ((إذا صدتَ
بقوسِكَ)).
الخامسة والأربعون: في مرتبة أخرى: أرسل كلباً حيث لا صيدَ،
فاعترض صيداً فأخذه: لم يحلّ على المشهور عند الشافعية، وقيل:
(١) انظر: ((المهذب)) لأبي إسحاق الشيرازي (١ / ٢٥٥).
(٢) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(٣) انظر: ((روضة الطالبين)) للنووي (٣/ ٢٥٠ -٢٥١).
٤٩٥

هو كالسهم فيجري فيه الخلاف (١).
وهذه المرتبة أقربُ إلى المنع من مسألة السهم المُرسَل؛ لأنه إذا
اعتُبر الانتسابُ إلى الفاعل، فالانتساب في باب السهم أقوى من
الانتساب في إرسال الكلب؛ لأن الإصابة بالسهم متولدةٌ عن فعله،
فهو أقرب إلى الانتساب مما يفعله الكلبُ.
السادسة والأربعون: تكلم بعضُ الفقهاء فيما يقع اسم الاصطياد
عليه، فذكر أنه يقع على العقر المزهق في الوحشي، ويقع على ما هو
أعمُّ منه، وهو إثبات الید علیه، وإبطال امتناعه.
السابعة والأربعون: أكثر الفقهاءُ التفريعَ على اعتبار القصد،
وذكروا مسائلَ كثيرةً، فذكرنا بعضها، فإن كان مأخذ ذلك أن القصدَ
معتبرٌ في تسمية الشخص صائداً، فاللفظ الذي في الحديث يدل على
كثير من تلك المسائل، وإن كان اسم الصائد له حاصلاً دونَ قصدٍ،
فهذا يَحتاج في اعتبار القصد إلى دليل خارج.
وعلى الأول - وهو أن يكون كونه قاصداً لا بد منه في تسميته
صائداً -: يبقى النظر في مراتب القصد، وما هو معتبر منها
وما لا يعتبر.
والذي يقتضيه الحالُ: أن يُنظَرَ في مقتضى اللفظ لغة، فما انطلق
عليه أنه صائدٌ به دخل تحت اللفظ، ومتى اشتُرط شرطٌ آخر، فيحتاج
(١) المرجع السابق (٣/ ٢٥١).
٤٩٦

إلى دليل خارج، وما لا ينطلق عليه به أنه صائد، لا يدخل تحت
اللفظ، فلا يؤخذ من الحديث.
وللقصد مراتب: القصد إلى الفعل، والقصد إلى الصيد،
والقصد إلى المصيد؛ إما عموماً أو خصوصاً، وقد بينا الكلام على
القصد إلى الفعل واعتباره في اسم الصائد، فإن من وقع منه سهم اتفاقاً
فذبحت، لا يسمى صائداً، وبعدَه القصدُ إلى مطلق الصيد، وقد بيناه،
والله أعلم.
الثامنة والأربعون: وبعدَهُ القصدُ إلى جنس المصيد؛ كما إذا
رأى سِرباً، فأرسل إليه سهمه، أو كلبه، فأصاب منه بعضه، فهو
حلال، وإن لم يقصد عينه؛ لأن اسم الصائد ينطلق عليه، ولا يُخْرِج
الناسُ فاعلَ هذا عن كونه صائداً؛ لكثرة ما يقع من الصائدين، وقلة
قصدهم إلى شيء بعينه من السرب.
التاسعة والأربعون: القصد إلى عين المصيد، قد قدمنا أنه
لا يشترط، ولكنه لو وقع فرمى إلى ظَبية فأصاب غيرها من جنسها،
فهل يكون هذا القصد مانعاً حتى لا يحل؟ أقوال:
أحدها: وهو الأصح عند الشافعية، والمروي عن أبي حنيفة:
الحل؛ لوجود القصد (١).
والثاني: المنع؛ لعدم القصد إلى العين.
(١) انظر: ((الهداية)) للمرغيناني (٤ / ١٢١).
٤٩٧

والثالث: أنه إن كان يرى الصيد الثاني حالةَ الرمي، حلَّ أكلُ
المُصَاب، وإن كان لا يراه حينئذٍ لم يحل؛ كما لو رمی سهماً، وهو
لا یری صیداً، فأصاب صيداً(١).
الخمسون: رمى بسهم، فعدل عن الجهة التي قصدها إلى
غيرها، فأصاب: قالوا بالحِل، وهو مندرج تحت لفظ الحديث، فإنه
صائدٌ بسهمه.
الحادية والخمسون: إذا أرسل كلباً إلى جهة صيد، فعدل عن
الجهة إلى أخرى، وأصاب صيداً: ففيه اختلاف، ورجَّح بعضُ
الشافعية الحِلَّ، قالوا: لأنه أرسله على الصيد، وأخذ الصيد، وتكليفُه
أن لا يعدلَ من جهة إلى جهة، بعيد (٢).
ووجه التحريم: أنه مضى في تلك الجهة باختياره، فهو كما لو
استرسل بنفسه.
والقول بالحلِّ مندرجٌ تحت إطلاق قوله العمليه: ((وما صدتَ
بكلبِك المعلّم فكُّلْ))، لكنه ليس الأخذ به بالقوي من حيث اللفظ؛
لأن العدول والاختيار من قَبيل المانع، وهو هاهنا فيه قوةٌ بدليل
اعتباره في المانعية في ابتداء الحال، إلا أنه يعارضه ما تقدمت الإشارة
إليه من عسر تكليف الكلب عدمُ العدول إلى جهة أخرى، وإذا كان
(١) انظر: ((روضة الطالبين)) للنووي (٣/ ٢٥٢).
(٢) المرجع السابق، الموضع نفسه.
٤٩٨

عَسِراً في التعليم ألا يتكلف، قَرُب أن لا يعتبر، فإذا تعادل الأمران
- أعني: هذين المعنيين - في نظر المجتهد، فالجري على الإطلاق
حينئذٍ قوي، وإن لم يكنْ قبل فرض التعادل بالقوي(١).
الثانية والثالثة والخمسون: لفظ هذا الحديث ليس عاماً بالنسبة
إلى كل صائد، وإنما هو خطاب لإنسان معين، ذي أوصاف، فكل
وصف له يجب إلغاؤه في هذا الحكم أُلغي، وما اعتُبر شَارَكَهُ فيه مَنْ
يُشاركه في الوصف، بالدليل الدال على عموم الأحكام للمكلفين،
والله أعلم.
الرابعة والخمسون: لفظ الصيد يقتضي أخذُ المُتوحِّش المَعجوزِ
عنه، والاستيلاءَ عليه، إذ لا يسمى آخذ المستأنس المظفور به صائداً،
فيقتضي عدم حلِّ المستأنس بأخذه بآلة الصيد؛ كالسهم والجارح.
الخامسة والخمسون: ويلزم منه أيضاً أن ما استأنس من
المتوحشات یزول عنه اسم الصید، فلا يؤكل بما يؤكل به الصيد.
السادسة والخمسون: أما ما استوحش من المستأنسات، فقد
اختلف العلماء فيه، والمتبع الاسم؛ أعني: كونه صائداً؛ لقوله العلي :
((إذا صدتَ))، فإن سمي صيداً اندرج تحت اللفظ، وإلا
فَمَنْ منع فله أن يستدل بالمفهوم، ومن أجاز فبدليل خارج عن هذا
اللفظ .
(١) ((ت)): ((ليس بالقوي)).
٤٩٩

السابعة والخمسون: هذه الإضافة التي في قوله الثَّه: ((بكلِكَ))،
كما ذكرنا وأشرنا إليه، تجري مجرى الصفة، فالتقييدُ بها على مقتضى
القول بالمفهوم يقتضي نفيَ الحكم عما عداها، فيقتضي أنه إذا لم
يَصِد بكلبه لم يحصل الحل، فيدخل تحته - أعني: عدم الحل - كلبُه
إذا استرسل، وکلبُ غيره إذا أرسله غيرُ مالکِه.
الثامنة والخمسون: قد اختلفوا فيما إذا غصب كلباً واصطاد به،
هل يكون المصيد للمالك، أو الغاصب؟
فقد يستدل به من یقول: إن الصید للغاصب، إذ لم يَصِد بكلبه،
إلا أنه يدخل تحته ما يكون المصيد فيه للصائد، وليس ما يصيده
بكلبه؛ كالمُعار.
فإما أنْ يُقال: إن الإضافة يكفي فيها أدنى مُلابسة، فيكون كونه
تحت يده مُصحّحاً لكونه كلبه مع تأيّد ذلك بأنه ليس المقصود ظاهراً
الملك للكلب.
فإن احتج بذلك على مسألة غصب الكلب، ويقال: ما خرج عنه
بالدليل، أو بالإجماع يستثنى، ويبقى حجة في الباقي إن أمكن ذلك؛
لكنه عندنا يجري مجرى الجَدَليَّات الذي يَقصِدُ المجتهدُ المحققُ
غيرها .
فإن قلت: الخلاف في مسألة الصيد راجع إلى أن المستحق
للصيد هو المالك، أو الغاصب، لا إلى أنَّ المَصِيدَ هل هو ميتة، أم
٥٠٠