النص المفهرس
صفحات 441-460
وقال الأزهري في ((غريب كتاب المزني)): وكل جلد عند العرب إهاب(١). وعلى قول هؤلاء لا يتمُّ القولُ بالموجب. الوجه الثالث: التخصيص، وهو مبنيٌّ على أن الإهاب اسم للجلد مطلقاً، فإذا كان كذلك، فهو عامٌّ فيما قبلَ الدباغ وبعدَه، فنخصه بما قبل الدباغ، وهذا يُحوِج إلى قاعدتين قدمناهما؛ إحداهما: أن لا يُقدَّم المؤرَّخ، والثانية: حكمُ العام مع الخاص إذا جُهل التاريخ. الوجه الرابع: الترجيح، وهذا مذكور عن الشافعي - رحمه الله - في المناظرة التي ذكرها أبو الشيخ الحافظ، قال: إن إسحاق بن راهويه ناظر الشافعيَّ وأحمدَ بن حنبل (٢) في جلود الميتة إذا دبغت، فقال الشافعي: دباغُها طهورُها، فقال له إسحاق: ما الدليل؟ فقال: حديث الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة: أن النبيِ وَ لّم قال: «هلاَّ انتفعْتُم بإهابِهَا)). فقال له إسحاق: حديث ابن عُكَيم: كتب إلينا النبيُّ ◌ََّ قبلَ موته بشهر: أن لا تنتفعوا من الميتة بإِهابٍ ولا عَصَبٍ، فهذا يشبه أن یکون ناسخاً لحديث ميمونة؛ لأنه قبل موته بشهر . (١) انظر: ((الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي)) للأزهري (ص: ٣٨). (٢) في المطبوع من ((غرر الفوائد)) لابن العطار: ((بحضرة الإمام أحمد)) ولعله كذلك؛ إذ المناظرة معروفة بين الإمامين الشافعي وإسحاق بن راهويه. ٤٤١ فقال الشافعيُّ څه: هذا کتاب، وذاك سماع. فقال إسحاق: إنَّ النبيَّ ◌َ﴿ كتب إلى كسرى وقيصرَ فكانت حجةً علیهم عند الله. فسکت الشافعيُّ، فلما سمع ذلك أحمدُ ذهب إلی حدیث ابن عُكَيم، وأفتى به، ورجع إسحاقُ إلى حديث الشافعي(١). قلت: وكان والدي - رحمه الله - يحكي عن شيخه الحافظ أبي الحسن علي المقدسي، وكان من مشاهير من ينسب إلى مذهب مالك: أنه كان يرى أن حجةَ الشافعي باقيةٌ، يريد: لأن الكلامَ في الترجيح بالسماع والكتاب، لا في إبطال الاستدلال بالكتاب. هذا معنى ما احتج به الشيخ، أو ما يقاربُه، والله أعلم. الثامنة والعشرون: اختلفوا في نجاسة الآدمي بالموت، وإذا قيل بنجاسته، فهل يطهر جلدُه بالدباغ؟ على وجهين للشافعية، وقيل: أظهرُهما: نعم؛ لعموم الخبر، والثاني: لا يطْهُر؛ لما فيه من الامتِهان (٢) . قلت: لا شك في تناول العموم له؛ فإما أنْ يخصَّ عنه بالعادة الفعلية كما أشرنا إليه في بعض الأعذار عن استثناء جلد الكلب، وقد (١) روى الحكاية: الحافظ رشيد الدين ابن العطار في ((غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في صحيح مسلم من الأحاديث المقطوعة)) (ص: ٣٢٥ - ٣٢٧). (٢) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) للرافعي (١ / ٢٩٠). ٤٤٢ قدَّمنا الجوازَ عنه، على أن هذه المرتبةَ أقربُ من مرتبة استثناء جلد الكلب عن العموم، وإلى الإخراج عنه، وإما أن يخصَّ بما ذُكِر من الامتهان، وربما قيل: لأنه معصية، إلا أن هذه المعصيةَ مجانبةٌ المقصود الدباغ، لا تعود بخَلَل ولا نقص فيه، فيمكن أن يُردَّ إلى أنَّ الرخصَ لا تُناطُ بالمعاصي، بعد تقرير أنَّ تطهيرَ الدباغ للجلد رخصةٌ، والله أعلم. التاسعة والعشرون: ويمكن من يقول بتنجيس الآدمي بالموت أن يستدل بالحديث، فيقول: إن كان يطهر جلدُه بالدباغ فقد نجس بالموت، والملزومُ ثابتٌ؛ لقوله العَيْه: ((أَيُّما إهابِ دُبغ)) فاللازم ثابت، وهو النجاسة بالموت. وبيان الملازمة: أن التطهيرَ بالدباغ يقتضي عدمَ الطهارة قبل الدباغ، وعدمُها بحصول النجاسة. الثلاثون: اختلفوا في طهارة ما لا يؤكل لحمه بالذكاة، ومذهب الشافعي: عدم الطهارة (١)، وعن أبي حنيفة: ثبوتُها (٢)، واستدلَّ لعدم الطهارة بقوله ◌َّه: «آيُّما إهابٍ دُبغَ فقد طَهُر))، وطريق الاستدلال من و جھین : أحدهما: أن الحديث يقتضي ترتبَ حكم الطهارة على الدباغ (١) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) الرافعي (١ / ٢٩٩). (٢) انظر: ((الهداية)) للمرغيناني (٤ /٦٩). ٤٤٣ عموماً في كل جلد، وذلك يقتضي عدمَ الطهارة في المسألة المذكورة؛ لأنه يدخل تحت العموم جلدُ مالا يؤكل لحمه إذا ذُكِّي، فتكون الطهارةُ فيه مترتبةً على الدباغ، وعلى تقدير تأثير الذكاة في الطهارة لا تكون الطهارةُ مترتبةً على الدباغ؛ لحصولها قبلَه بالذبح. وثانيهما: أن الحكم بطهارته بالدباغ يقتضي نجاسته قبلَه، فلا يكون طاهراً. الحادية والثلاثون: هل يقع الاتفاق على تخصيص هذا العموم، أم لا؟ وأما على ما حكيناه في هذه المسألة السابقة: أن قوله: ((فقد طَهُر)) يقتضي أن يطهرَ بالدباغ، فالتخصيص ظاهر؛ لأن جلد ما ذكي من المأكول طاهر لا تتوقف طهارتُه على الدباغ، فيخرج عن هذا العموم. ويحتمل أن يكونَ المرادُ: أيُّما إهاب نجس دبغ فقد طهر، ويدل على ذلك أن الطهارةَ تكتسب لتقدم النجاسة، ويكون من باب حذف الصفة، فعلى هذا لا يلزم التخصيصُ فيما دلّ عليه الحديثُ بالاتفاق؛ لذهاب بعض العلماء إلى أن كلَّ جلد نجس یطھُر بالدباغ. وهذا يقال فيه: إنه من أمثلة تعارض المجاز والتخصيص؛ لأنَّاً إذا قدرنا: كل إهاب نجس، ففيه مجاز الحذف، وإذا لم نقدر ذلك لزم التخصيصُ على ما قررناه، وهو وإن كان قد قُرِّر في الأصول تقديمُ التخصيص على المجاز، إلا أنَّ الأغلبَ على الظنِّ - والله أعلم - ٤٤٤ أنَّ المقصودَ تعميمُ الطهارة فيما يدبغ من الأَهُب النجسة، وليس يمتنع أن يتقدمَ المرجوح، لا من حيث هو، بل بقرائنَ خارجةٍ عن ذاته تقتضي غلبة الظن بترجيحه، والقرينة هاهنا: أن المقصود بيانٌ الطهارة، وإن ما يُتخيَّلُ راجحاً، [و]هو النجاسة بالموت، فهو زائل بالدباغ، وأما ما تقررت طهارتُه، فغنيٌّ عن البيان لطهارته. الثانية والثلاثون: قد قدمنا في بعض وجوه الترجيح بين الحديثين اللذين أحدهما: قوله التَّه: ((آيّما إهابٍ دُبْغَ فقد طَهُر))، والثاني: نهيه - العلي - عن افتراش جلود السباع، أنا قلنا: نهيه - الطبي - عن افتراش جلود السباع مخصوص بالاتفاق، وقوله التعليقات: ((أيُّما إهابٍ دبغَ فقد طَهُر)) غير مخصوص بالاتفاق، فترجح العمل به على مُعارِضِهِ، وهذا البحث الذي ذكرناه في المسألة قبلها يقتضي دخولَ التخصيص أيضاً في قوله الكليهي: «أَيُّما إهابِ دُبغَ فقد طَهُر))، وهو التخصيص فيما ذكي، وقد ذكرنا ما يحتمل أن يُورَدَ عليه، فإن تَمَّ الجوابُ عنه بما ذكرناه، تمَّ ذلك الترجيحُ، وإن لم يتمَّ فطريقُ الترجيح أن يقال: ما ذكرتموه من التخصيص بما ذُكر مشتركٌ بيننا وبينكم، وتَنْفَردُون بتخصيص آخر، وهو إخراج جلد الكلب والخنزير، فما ذكرتموه فيه زيادةُ مخالفةٍ للدليل، وما ذكرناه فيه تعليلُ ذلك، فكان ما ذكرناه أولی. الثالثة والثلاثون: قوله الَّه: ((إذا دُبغَ)) يقتضي فعل فاعل للدِّباغة، والفقهاءُ لا يوقفون الطهارة بالدباغ على فعل فاعل، فلو ٤٤٥ أطارت الريحُ الجلدَ فألقته في المَدْبَغة فاندبغ، طَهُر، والسبب فيه ما فهم من أنَّ الموجبَ للتطهير بالدباغ ما يحدثُهُ الدباغ في الجلد من الطِّيب، وينقله عن حاله من الخَبَث، وأن هذا الموجب لا تفاوتَ فيه بين القصد وعدم القصد، وصار هذا كما عُلم أن الماء مطهر للنجاسة، وأن ما يحصل من التطهير به حاصلٌ وإن لم يُقصد، حتى لو انجرَّ السيلُ ومرّ على نجاسة بالأرض فأزالها، طهرت الأرض، وهذا من المعاني القوية التي يقوى في النفس تقدُّمُها على الظاهر البعيد. الرابعة والثلاثون: إذا دبغَ الجلدَ غيرُ مالكه طَهُر؛ لأنه مندرجٌ تحت اللفظ؛ أي: تحت قوله التَّه: ((أَيُّما إهابٍ دبِغَ فقد طَهُر))، وهذا إهاب دبغ فطهر . وأما اختلاف الشافعية في أن الغاصب الدابغ؛ هل يملك الجلد، أو یکون للمالك، أو يُفرّق بین زوال ید المالك قبل دبغه، أو إزالتها بفعل الدابغ(١)؟ فمما لا يتعلق بهذا اللفظ، وليس يبعد من الظاهري أن يقول: لا يطهر هذا الجلد بالدباغ من غير المالك؛ لقوله ◌َ﴾: ((مَنْ أحدثَ في أمرنا هذا ما ليسَ منه فهو ردٌّ))(٢)؛ أي: مردود، وهذا الدباغ ليس من أمره - القيم -؛ لأنه معصية، (١) انظر: ((التنبيه)) الشيرازي (ص: ١١٦). (٢) رواه البخاري (٢٥٥٠)، كتاب: الصلح، باب: إذا اصطلحوا على صلح جور، فالصلح مردود، ومسلم (١٧١٨)، كتاب: الأقضية، باب: نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور، من حديث عائشة رضي الله عنها. ٤٤٦ فیکون مردوداً، ورڈُه بفساده، وترتب حکمه علیه(١). الخامسة والثلاثون: لمَّا كان الحكم متعلقاً بالدباغ، وجب أن يُعلمَ ما يحصلُ به مسمَّی الدباغ؛ لترتبِ الحكم علیه، وقد ذكر أقضی القضاة الماوردي الشافعي في كتابه ((الحاوي)): أنه جاء الخبر بالنص على الشَّبِّ والقَرَظ (٢)، قال: واختلف الفقهاء، فذهب أهل الكوفة إلى (١) الذي وجدته عن ابن حزم رحمه الله في ((المحلى)) (١١ / ٣٣٥ - ٣٣٦) قوله: وأما من سرق ميتة، فإن فيها القطع؛ لأن جلدها باق على ملك صاحبها، يدبغه فینتفع به ویبیعه. فإن قيل: ما الفرق بين الخنزير والميتة، أوجبتم القطع في الميتة من أجل جلدها، ولم توجبوا القطع في الخنزير، فهلاً أوجبتموه من أجل جلده وجلد سائر الميتات، سواء في جواز الانتفاع به وبيعه إذا دبغ؟ ثم قال: وأما الخنزير فلا يقع عليه في حياته ملك لأحد؛ لأنه رجس محرم جملة، فمن سرقه حياً أو ميتاً فإنما أخذ مالاً لا مالك له ... ثم قال: وكل شيء منه حرام جملة لا يحل لأحد تملك شيء منه إلا الجلد فقط بالدباغ؛ لقول رسول الله ويلي: ((أيما إهاب دبغ فقد طهر))، انتهى. (٢) قال النووي في ((خلاصة الأحكام)) (١ / ٧٧): وقولهم في كتب الفقه: ((الشث والقرظ)) باطل لا أصل له. وقال في ((المجموع في شرح المهذب)) (١ / ٢٨١): واعلم أنه ليس للشب ولا الشث ذكر في حديث الدباغ، وإنما هو من كلام الإمام الشافعي رحمه الله، وقد قال صاحب ((الحاوي)) وغيره: جاء في الحديث النص على الشث والقرظ، كذا نقله الشيخ أبو حامد عن الأصحاب، فإنه قال في ((تعليقه)): الذي وردت به السنة، ثم ذكر حديث ميمونة: ((أوليس = ٤٤٧ أن حكم الدباغ مقصورٌ عليه، وأنه لا يصح إلا به؛ لأن الدباغةَ رخصةٌ، فاقتضى أن يكونَ حكمُها مقصوراً على النص، وقال أبو حنيفة: المعنى في الشَّبِّ والقَرَظ أنه منشِّفٌ مجفِّفٌ، وكلُّ شيء كان فيه تنشيفُ الجلد وتجفيفُه جاز به الدباغُ حتى بالشمس والنار. قال: ومذهبُ الشافعي أنَّ المعنى في الشَّبِّ والقَرَظ أن يحدثَ في الجلد أربعة أوصاف: أحدها: تنشيفُ فضولِه الظاهرة ورطوباتِه الباطنة. الثاني: تطييبُه، وإزالة ما طرأ عليه من سُهوكة(١) ونتن. الثالث: نقل اسمه من الإهاب إلى الأديم، والسبت، والدَّارِش. الرابع: بقاؤه على هذه الأحوال بعد الاستعمال. فكلُّ شيء أثر في الجلد هذه الأوصاف الأربعة من الخشب = في الماء والقرظ ما يطهرها))، قال: هذا الذي أعرفه مروياً. قال: وأصحابنا يروون ((يطهره الشث والقرظ)) وهذا ليس بشيء. قال الحافظ ابن حجر في ((التلخيص الحبير)) (١/ ٤٩): فهذا شيخ الأصحاب قد نص على أن زيادة ((الشب)) في الحديث ليست بشيء، فكان ينبغي للإمام الجويني والماوردي ومن تبعهما أن يقلدوه، انتهى. قلت: وقد روى أبو داود (٤١٢٦)، كتاب: اللباس، باب: في أهب الميتة، والنسائي (٤٢٤٨)، كتاب: العقيقة، باب: ما يدبغ به جلود الميتة، من حديث ميمونة رضي الله عنها في الشاة الميتة، أنه قال ؤلات: («يطهرها الماء والقرظ». (١) السهوكة: الريح القبيحة . ٤٤٨ وقشور الرمان والعفص جاز به الدباغ؛ لأنه في معنى الشَّبِّ والقَرَظ، وصحح ذلك من وجھین: أحدهما: أنه لما أثر الشَّبُّ والقَرَظ هذه الأوصافَ الأربعةَ، لم يكن اعتبارُ بعضِها في الدباغة بأولى من بعض، فصار جميعُها معتبراً، ولم يكن حكمها في الشَّبِّ والقَرَظ مقصوراً؛ لأنها في غيرها موجودةٌ. والثاني: أن للدباغة عرفاً في العرف، ولم تكن في عرفهم مقصورة على الشَّبِّ والقَرَظ كما قال أهل الظاهر؛ لاختلاف عادتهم في البلاد، ولا اقتصروا فيها على مجرد التجفيف بالشمس، كما قال أبو حنيفة، فصار كلا المذهبين مدفوعاً بعرف الكافة، ومعهود الجميع . فثبت بهذين جوازُ الدباغة بما سوى الشَّبِّ والقَرَظ، إذا أحدث في الجلد ما ذكرناه من الأوصاف الأربعة (١). قلت: ما ذكره الماوردي عن الظاهرية ذُكر وجهاً عند الشافعية؛ أعني: اختصاص الدباغ بالشَّبِّ والقرظ، وشُبِّه باختصاص ولوغ الكلب بالتراب على الأظهر. وحكي عند الشافعية وجه آخر: أن التجميد بالإلقاء في التراب والشمس يكفي(٢). وكلام الماوردي - رحمه الله -، للنظر فيه مجال. (١) انظر: ((الحاوي)) للماوردي (١ / ٦٢ - ٦٣). (٢) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) الرافعي (١/ ٢٩٢ - ٢٩٣). ٤٤٩ السادسة والثلاثون: اختلفت الشافعيةُ في وجوب استعمال الماء في أثناء الدباغ على وجهين، رُجُّح منهما عدمُ الوجوب، واستدلَّ بقوله العَيْه: ((أَيُّما إهابٍ دبغَ فقد طهرَ))(١). فإن كان الدباغ يتأتَّى بدون استعمال الماء فیه، فالحكم صحیح، والاستدلال ظاهر . وإن كان لا يتأتى في العادة إلا باستعمال الماء فیه، فإن كان اسم الدباغ ينطلق عليه، وإن لم يستعمل، فهو راجع إلى تخصيص العموم بالعادة الفعلية، وإن كان لا يستعمله(٢) إلا بذلك يُخصَّص به. السابعة والثلاثون: إذا وقع الدباغ بشيء طاهر، فهل يجب إفاضة الماء على ظاهره؟ فيه اختلافٌ عند الشافعية، رُجِّح منه الوجوب؛ لإزالة الأجزاء التي تنجست بملاقاة الجلد(٣). والحديث بظاهره يدل على عدم الوجوب؛ لترتب الطهارة على مسمى الدباغ، وقد حصل، إلا أنَّ وجوبَ الإفاضة عليه مبنيٌّ على قاعدتین قویتین : إحداهما: أن الأجزاء قد نجُست بالملاقاة للنجاسة، وهذا. مقطوع به. (١) المرجع السابق (١ / ٢٩٣). (٢) أي: لا ينطلق عليه الاسم إلا باستعمال الماء. (٣) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) للرافعي (١ / ٢٩٣). ٤٥٠ والثاني: أن الماءَ متعيِّنٌ لإزالة النجاسات، وهذا منشأ عليه الحکمُ(١) المذکور عند القائلین به. فلقوةِ القاعدتين قد يترجح العملُ بهما على مجرد الظاهر من حيث يُعتقد: أن المقصود إنما هو تعريفُ تأثيرِ الدباغ في طهارة الجلد. الثامنة والثلاثون: الجديد من مذهب الشافعي أنه يطهر ظاهرٌ الجلد وباطنُه (٢). ودليله الحديث، وهو ظاهر؛ لأن الطهارة أضيفت إلى الإهاب، وهو حقيقة في الجملةِ ظاهرِها وباطنِها. وللشافعي قولٌ قديمٌ أنه يطهر ظاهرُه دون باطنِهِ، ووجهه: الجمع بين حديث المنع، وأحاديث الانتفاع، بحمل الأول على الباطن، والثاني على الظاهر (٣). وهو ضعيف. التاسعة والثلاثون: في قاعدة يبنى عليها غيرُها: إذا كان السبب حاصلاً ترتَّبَ عليه وجودُ المسبَّبِ ظاهراً إلا لمانع، وإذا ارتفع مانع لم يترتب عليه ثبوت الحكم، إلا إذا انحصر المانع في المرتفع، وقد يشتبه ارتفاعُ المانع بوجود السبب من حيثُ إنَّ الحكم قد يثبتُ عَقيب كلِّ واحد منهما. (١) ((ت)): ((والحكم)). (٢) المرجع السابق (١ / ٢٩٤). (٣) المرجع السابق (١ / ٢٩٥). ٤٥١ الأربعون: اختلفوا في جواز بيع الجلد المدبوغ، فقيل بالجواز، واستُدِلَّ عليه بأنه طاهرٌ، فجازَ بيعُه كغيره. واعتُرض: بأن الطهارة لا يلزم منها جوازُ البيع بدليل أم الولد، فإن كان المُستدِلُّ اعتقد بأن الطهارة سببٌ لجواز البيع، فيثبت الجواز عملاً بالسببية، فالسؤالُ واردٌ عليه. وإن اعتقد أن النجاسة [هي](١) المانعُ من جواز البيع فيه دون غيرها؛ لفرضه وجودَ بقية الشرائط، فاستدلاله صحيح، والاعتراض عليه لا يصح؛ لأن المقتضي عنده للطهارة هو زوالُ المانع المتعين، وفي مسألة أمِّ الولد النجاسة ليست مانعةً أصلاً، ولا مدخل لها في المانعيَّة، وإنما المانع تعلَّقُ حقِّ الحرية. الحادية والأربعون: الدالُّ على وجود الملزوم، دالٌّ على وجود لازمه، من لوازم حصول الطهارة جوازُ الصلاة به وعليه، وقد حصلت بدلالة الحديث، فتجوز الصلاةُ علیه. الثانية والأربعون: ومن لوازمها: جواز استعماله في اليابسات والمائعات. الثالثة والأربعون: اختلفوا في جواز أكل جلود الميتة بعد الدباغ على وجوه عند الشافعية : (١) (ت): ((هو)). ٤٥٢ ثالثها (١): الفرق بين جلد ما كان مأكولاً فيجوز، وبين ما لم يكن مأكولاً فلا يجوز، والمنقول عن جديد قولي الشافعي: الجواز فيما كان مأكول اللحم، وعن القديم منعُه، واستدل للأول(٢) بقوله العليا؟: ((إنَّما حَرُم أكلَها)) (٣). الرابعة والأربعون: اختلفوا في نجاسة الشعور من الميتة، فظاهرُ مذهب الشافعي التنجيس (٤)، ومذهب مالك الطهارة (٥). فإذا قيل بالنجاسة، فدُبغَ جلدٌ وعليه شعرُهُ؛ فهل يَطْهُر الشعر، م لا؟ اختلف فيه عند الشافعية، وعُلِّل المنعُ بأن الدباغ لا يؤثر فيه (٦). ويمكن أن يُستدلَّ للجواز بالحديث؛ لأن اسم الإهاب ينطلق على الجلد بشعره، فيقال: هذا إهاب الميتة، ولا يلزم أن يقال: هذا إهابُها وشعرُها، وإذا انطلق الاسم عليه حصلت الطهارة، ومما يؤيده حديثُ أبي الخير قال: رأيت على ابن وَعْلَةَ فَرواً، فمسستُه، فقال: قد سألت عبد الله بن عباس، قلت: إنَّا نكون بأرض المغرب، ومعنا (١) أي: الأول الجواز، والثاني المنع. (٢) أي: القديم، وهو الذي ذكره آخراً. (٣) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) للرافعي (١ / ٢٩٩). (٤) المرجع السابق، الموضع نفسه. (٥) انظر: ((الكافي)) لابن عبد البر (ص: ١٨٩). (٦) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) للرافعي (١ /٢٩٩). ٤٥٣ البربرُ والمجوسُ، نُؤْتَی بالکبش قد ذبحوه، ونحن لا نأكل ذبائحهم، ونؤتى بالسِّقاء يجعلون فيه الوَدَك، فقال ابن عباس: قد سألنا النبيَّ ◌َّلـ عن ذلك، فقال: ((دِباغُهُ طَهورُهُ)) (١). وقد ذكرنا في ((الإمام)) (٢) من حديث إبراهيم بن عبد الله العبسي، حدثنا عبيد الله، ثنا ابن أبي ليلى، عن ثابت البُنَاني قال: كنت سابعَ سبعة (٣) مع عبد الرحمن بن أبي ليلى في المسجد، فأتى شيخ ذو ظَفِیرتین، فقال: يا أبا عيسى! حدثني حديثَ أبيك. فقال: حدثني أبي قال: كنت جالساً عند النبي وَِّ، فأتاه رجلٌ فقال: يا رسول الله! إنا لنصلِّي في الفراء. قال: ((فأينَ الدَّبِغُ)؟ قال (٤): فلما ولَّى قلت: من هذا؟ قال: سُويد بن غَفَلة (٥). الخامسة والأربعون: يمكن أن يستدلَّ على عدم نجاسة الشعور بالحديث بأن يُجعل دليلاً على مقدمة في الدليل. (١) تقدم تخريجه عند مسلم برقم (٣٦٦ / ١٠٦). انظر: (١/ ٣٠٧ - ٣٠٨) منه، وقد ساقه المؤلف هناك بإسناده. (٢) (٣) في ((الإمام)) وكذا مراجع التخريج: ((كنت جالساً). (٤) أي: ثابت البناني. (٥) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٤ / ٣٤٨)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٤٧٦٦)، وابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٢١٥٠)، والبيهقي في («السنن الكبرى)) (٢ / ٤٢١). ٤٥٤ وطريقه أن يقال: لو نجَسَ الشعرُ بالموت، لما كان طاهراً بعد الدباغ، لكن كان طاهراً بعد الدباغ، فلا تتحقق نجاستُه بالموت. بيان الملازمة: أن الدباغ إنما يفيد الطهارةَ فيما له فيه أثر، ولا أثرَ للدباغ في الشعر، فلا يفيد الطهارة، وبيان أنه طاهر بعد الدباغ: أن اسم الإهاب ينطلق عليه بالشعر المتصل به، فيقال: هذا إِهابُ الشاةِ مثلاً، ولا يلزم أن يقال: هذا إهابها وشعرها، فدل ذلك على إطلاق اسم الإهاب على الجلد بشعره، فإذا انطلق عليه وجب أن يُطَهر؛ لقوله العَيْه: «أَيُّما إهابٍ دبغَ فقد طهرَ)). الاعتراضُ عليه يمنع الملازمةَ، وقوله في تقريرها: إن الدباغ إنما يفيد الطهارة فيما له فيه أثر، قصداً أو تبعاً، الأول: مسلّم، ونحن لا نقول بأنه يفيدُها في الشعر قصداً، وإنما يفيدها تبعاً للجلد بدلالة الحديث، وانطلاق لفظ الإهاب على الجميع. السادسة والأربعون: ويمكن أن يستدل به على العكس، وهو أنه ينجس الشعر بالموت، وطريقُه أن يقال: لو لم ينجس بالموت لما طَّهُر بالدباغ، لكن طَهُر بالدباغ فنجس بالموت. وبيان الملازمة: أنه لو لم ينجس بالموت لكان طاهراً، ولو كان طاهراً لم يطهر بالدباغ؛ لأن تطهير الطاهر محال، وبيان طهارته بالدباغ قولُه الَّهي: ((أيُّما إهابٍ دبغَ فقد طهرَ))، بناءً على ما تقدم أن الإهاب ينطلق على الجلد مع شعره المتصل به. ٤٥٥ والاعتراض عليه: أن الإهاب حمل على الجلد وحده دون الشعر، فلا دلالة للحديث على طهارة الشعر بالدباغ، وإن قلنا بتناول اسم الإهاب له وللشعر تبعاً، فالحكم للطهارة بالدباغ للمجموع، والله أعلم. السابعة والأربعون: يقال للشيء: إنه نجس بمعنى نجاسة ذاته، كما يقال: المَيْتة نجسةٌ، ويقال: نجس بمعنى أنه اتصل بالنجاسة، كما يقال في الثوب إنه نجس إذا أصابه البولُ مثلاً، وذلك شائع في الاستعمال الفقهي. وكما يقال ذلك في النجس، يقال في الحكم بكونه طاهراً، فيقال لِمَا انقلبت عينُه من النجاسة إلى الطهارة: قد طَهُر، كالخمر منقلبةً خَلَأَّ، ويقال لِمَا أُزيلت عنه النجاسة المتصلة به: قد طهر، فعلى هذا قولَّهِ الَّ: ((فقد طهرَ)) يحتملُ أن يريد به طهارته؛ أي: طهارة الذات بالانقلاب، ويحتمل أن يريد به الطهارة بإزالة ما لحقه من النجاسة. فإذا استدل على كونِ الجلد نجسَ الذات بقوله العملية: ((فقد طهر))، فذلك للحمل لكلمة ((طهر)) على الذات، ويلزم منه نجاستُها قبل الدباغ، فيقال عليه: إن ذلك محمول على طهارته، بمعنى إزالة الفضلات النجسة عنه، كما يقال: إذا غُسل الثوب فقد طهر، فلا يتم ما قال الأول، إلا إذا كانت(١) لفظةُ ((طهر)) حقيقةً في الذات، ولعله الأقرب؛ لأن الضمير عائد إلى الإهاب، وهو الذات. (١) ((ت)): ((كان)). ٤٥٦ ولولا كثرة الاستعمال للفظة ((طهر)) على ما أُزيلت عنه النجاسة، لكان حملُه على طهارة الذات راجحاً رجحاناً قوياً. الثامنة والأربعون: [قول] الذين اختلفوا في أن المدبوغ إحالة أم إزالة، راجعٌ إلى هذا البحث الذي قدمناه. فمن قال: إنه إحالة، فهو قائلٌ بنجاسة عينِ الإهاب، ومن قال: إنه إزالة، فهو قائل بأن الإهاب في نفسه طاهر، لكن لحقته الفضلاتُ المعفِّنةُ المُفْسِدة فتنجَّس بها، فإذا أزيلت بقي على أصله في الطهارة. التاسعة والأربعون: النجاسة إذا استحالت أعراضُها هل تطهر؟ قسم الأمر فيه على أقسام : أحدها: أن تكون الاستحالةُ قويةً؛ كاستحالة الدم في البيضة حيواناً، فهذا يفيد الطهارة . وثانيها: أن تكون الاستحالة ضعيفة؛ كتغير بعض صفات النجاسة فقط، فهذا لا يؤثر في التطهير. وثالثها: أن تكون دون المرتبة الأولى، وفوق الثانية؛ كالميتة إذا أحرقت وصارت رماداً، وغير ذلك. فيمكن أن يُجعل الحديث طريقاً في هذه المرتبة المتوسطة، وطريقه أن يقال: إن كان زوال الأوصاف المستقذرة الموجبة للتنجيس موجباً للطهارة، فالطهارة ثابتة في هذه الصورة، وإن كان ٤٥٧ زوال الأوصاف المستقذرة الموجبة للتنجيس ليس موجباً للطهارة، فالنجاسة ثابتة، ولكنَّ انتفاءَها ثابتٌ؛ لقوله العَيها: ((أيُّما إهابٍ دبغَ فقد طهرَ)). الخمسون: ظُنَّ بابن سُريج - رحمه الله - أنه يقول باشتراط النية في إزالة النجاسة (١)، فإن كان الظنُّ صحيحاً، وثبت قول باشتراط النية فيها، فيمكن أن يستدلَّ بهذا الحديث، ووجهه: أن الطهارة معلقةٌ بأن يدبغَ الجلدُ، وقد قدمنا أن لفظة ((دبغ)) تقتضي فعلاً من فاعل، فيكون الحكمُ بالطهارة مقيّداً بالصفة، فإذا قيل بالمفهوم في مثل هذا اقتضى أن لا يطهر الجلد إلا بدباغة دابغ، ولا يطهر بمجرد حصول الدباغ، فإذا ثبت هذا ثبت في باقي المسائل؛ لعدم القائل بالعرف، إلا أنه ضعيف؛ لقوة المعنى وظهور المقصود بتأثير الدباغ في الطهارة، بسبب انتزاع الفضلات المستقذرة، ولا فرق في هذا بين القصد وعدمه . ووجه آخر: وهو أن التقييد بالصفة إذا خرج على الغالب لا يدل (١) قال الرافعي في ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) (١/ ٣١١): ويحكى عن ابن سريج اشتراط النية فيها، وبه قال أبو سهل الصعلوكي فيما حكاه صاحب ((التتمة))، انتهى. قال الروياني: لا يصح النقل عندي عنهما. قال النووي: ونقل الماوردي والبغوي في ((شرح السنة)) الإجماع أنها لا تشترط. انظر: ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٢ / ٥٢٣). ٤٥٨ على انتفاء الحكم عما عدا محلِّ التقييد على ما قرروه، والغالب في الدباغ الفعلُ والقصد، ووقوعُ الإهاب في المدبغة، ولَبْتُهُ فيها حتى يحصلَ مقصودُ الدباغ نادرٌ، والله أعلم . ٤٥٩ الحديث الرابع عَنْ أبي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ - ﴿ه - قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ! إِنًَّ بأَرضٍ أَهْل الكتَابِ، فَتَأْكُلُ في آنيتِهِمْ، وبأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيْدُ بِقَوسِي، وَأَصِيْدُ بِكَلْيِيَ المُعَلَّمِ، وِبِكَلْبِيَ الذي ليسَ بِمُعَلَّمٍ. فَقَالَ رسولُ اللهِ وَّةِ: ((أمَّا مَا ذَكَرْتَ أنَّكُم بِأَرْضِ أَهْلِ الكِتَابِ، فَلا تَأْكُلُوا في آنِتِهِمْ، إلَّ أَنْ لا تَجِدُوا بُدّاً، فإنْ لم تجِدُوا بُدّاً فَاغْسِلُوا وَكُلُوا، وأمَّا مَا ذَكَرْتَ أَنَّكَمْ(١) بِأَرْضِ صَيْدٍ، فَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَاذْكُرٍ اسْمَ اللهِ وَكُلْ، وما صِدْتَ بِكَلْبِكَ المُعَلَّمِ فَاذْكُرِ اسمَ اللهِ [وَكُلْ]، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الذي ليسَ بِمُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ، فَكُلْهُ))، أخرجَهُ البُخاريُّ(٢). (١) ((ت)): ((أنك)). (٢) * تخريج الحديث: رواه البخاري (٥١٦١)، كتاب: الذبائح والصيد، باب: ما أصاب المعراض بعرضه، و(٥١٧٠)، باب: ما جاء في التصيد، و(٥١٧٧)، باب: آنية المجوس والميتة، ومسلم (١٩٣٠)، كتاب: الذبائح والصيد، باب: الصيد بالكلاب المعلمة، وأبو داود (٢٨٥٥)، كتاب: الصيد، = ٤٦٠