النص المفهرس
صفحات 381-400
مما يُسامِحُ به الحاكمُ والمتولِّي، ولا يكون داخلاً تحت هدايا العمال. فإن قلتَ: هذا يحتاج إلى أمرين؛ أحدهما: أن يكون الماء للدِّهقان، والثاني: أن يكون في حال ولاية حذيفة. قلت: نعم، وكلا الأمرين هو الظاهر؛ أما الأول، فلوجهين : أحدهما: ثبوت يدِه عليه مع عدم الدليل على خلافه بوجه من الوجوه. والثاني: أنه علَّل الإنكار بكونه آنيةَ فضةٍ أو ذهب، فيكون هو منشاً الإنكار، ولو كان الماء لغيره لزاحم العلةَ التي ذكرها (١)، وظاهر التعليلِ يقتضي الاستقلالَ. وأما الثاني: فلأنه إنما يحتملُ خلافَه بتقديراتٍ لا دليل [له](٢) عليها أصلاً، وليس فيها إلا مجردُ التجويز. الثالثة: فيه حسن التأديب على مخالفة الأمر، فإنه جعله منشأً العُذرِ. الرابعة: فيه أنه ينبغي تقديم الإنذار على التَّأديب؛ لاحتمال كون الجهل عذراً، وبعد الإنذار ينبغي الإعذار. الخامسة: فيه الاعتذار عما(٣) يبدُرُ من الإنسان مِمَّا قد يُنْكَر عليه (١) ((ت)): ((ولو كان مثل هذا ممنوعاً لزاعم العلة التي ذكرها)). (٢) زيادة من ((ت)) . (٣) ((ت)): (مما)). ٣٨١ فعلُه، والله أعلم (١). السادسة والسابعة والثامنة: فيه النهي عن لبس الحرير والديباج، والشرب في آنية الفضة، وقد تقدم الكلام على ذلك في الحديث قبله. فإن قلت: فما الفائدة في ذكر هذا هاهنا بعد تقدمه؟ قلت: لو كان المقصودُ بيانَ الحكم كما في الكتب الفقهية لكان تكراراً من غير فائدة، وإنما المقصود بيان ما في الحديث من الفوائد، وما يُستَنتج منه من الأحكام، وثبوت الحكم بحديث لا ينفي ثبوته بآخر، واستفادته من حديث ليس هي استفادته من آخر، وبهذا تحصل الفائدة في إعادة الذكر بحسب إعادة الأحاديث، وتتكرّرُ الأدلةُ وتتعاضد. التاسعة: في هذا الحديث النهيُّ عن الشرب في آنية الذهب، (١) حصل هنا سقط كبير في الأصل ((م)) بمقدار أربعين ورقة، وفيه تتمة شرح الحديث الثاني هذا، وشرح أربعة أحاديث أخرى من أحاديث باب الآنية، وقد استدركت هذا السقط من النسخة ((ت))، ولله الحمد والمنة. وقد جاء على هامش الأصل في هذا الموضع: ((بلغ مقابلة فصحَّ، ولله الحمد والمنة، ومنه التوفيق والعصمة، ويليه: باب السواك .. عدد (٣٥) حديثاً، يسّر الله إتمامها)). وعند هذا الموضع تنتهي النسخة البديعية المرموز لها بحرف ((ب))، وقد تقدم الكلام عن هذه النسخة وسقمها، والسقوط التي فيها، واختلاط أوراقها في مقدمة الكتاب. ٣٨٢ وهو زيادةٌ على ما دل عليه الحديثُ من النهي عن الشرب في آنية الفضة، وذلك بالنسبة إلى رعاية المعاني من باب الأولى، ولكن بالتنصيصِ عليه يندفعُ الشَّغبُ الظاهري، والأوهام البعيدة، والله أعلم. العاشرة: فيه زيادة النهي عن الأكل، فينضاف إلى النهي عن الشرب المذكور في غير هذا الحديث. الحادية عشرة: من المتبين أنَّ مأخذَ الظاهرية من النصوص مقصورٌ على مدلولات الألفاظ، والقياسيُّون معهم في ذلك، لكن لا على سبيل الحصر، بل يعتبرون المعاني، فقد يؤدي ذلك إلى تعميمه بالنسبة إلى مدلول اللفظ وتخصيصه. وهذا الحديث الذي نحن في الكلام عليه يرجع إلى ما يستنبط منه إلى هاتين القاعدتين، والألفاظ التي(١) ينظر فيها بالنسبة إلى هذا الحديث، هي ما تدلُّ على الفعل المنهي عنه كالشرب والأكل، وما يدلُّ على كيفية ذلك الفعل؛ أي: كيفية الأكل والشرب، وإنما جاء النظر في هذا من جهة كلمة ((في))، وأن المراد: هل هو الظرفية الحقيقية، أو هي بمعنى ((مِن))، فإنَّ الأحكامَ تختلف بحسب ذلك. الثانية عشرة: قد عُلم أنَّ اعتبارَ حقيقة الظرفية، بمعنى أن يكون الإناءُ ظرفاً للأكل والشرب متعذرٌ أو بعيد؛ لأن تلك الهيئة غيرُ معتادة في حق بني آدم، وهم المخاطبون، وتنزيلُ اللفظ عليها، تنزيلٌ له على (١) ((ت)): ((الذي)). ٣٨٣ أمر نادر مع کونه ورد في تأسیسٍ قاعدة كليةٍ. وإذا حملت كلمة ((في)) على معنى ((مِن)) تناولت الظرفية وغيرها؛ لأن الظرفية في الأكل والشرب لا تنافي معنى ابتداء الغاية على ما عُرف، فعلى هذا لو وَضَع فَمَه في الإناء يَكْرَعُ فيه شرباً أو أكلاً، لكان مرتكباً للنهي جزماً، اعتُبرت الحقيقة في كلمة ((في))، أو لم تُعتبر. الثالثة عشرة: إذا تعذّرت الحقيقة، وتعدَّدت وجوهُ المجاز، وكان بعضُها أقرب إلى الحقيقة تعيّن الحملُ علیه، وهذا ظاهرٌ مشهور إذا كان المجازان بينهما تنافٍ في الحمل. يبقى النظر فيما إذا كان المجازُ المحمول عليه عند تعذّر الحقيقة مجازاً واحداً يتناول محلّين لا مانع من الحمل عليهما معاً، وأحدُهما أقرب إلى الحقيقة من الآخر، فهل يتعين الحملُ على الأقرب من الاحتمالين، أو يُحمل عليهما معاً؛ لتناول ذلك الوجه العام لهما، وعدم التنافي؟ فقد يُحمل على الأقرب إلى الحقيقة، وقد يقال ذلك إذا تعددت وجوهُ المجاز عند تعذُّر الحقيقة، وكان في الحمل بينهما تنافٍ. أما إذا اتَّحد المجازُ المحمولُ عليه، ولم يتنافَ الحملُ على وجهته، فليُحملْ عليهما؛ لأن في الحمل على الأقرب محذورَ التخصيصِ مع إمكان التعميم، بخلاف ما إذا تعددت وجوهُ المجاز، ووقع التنافي في الحمل، فإنه ليس فيه هذا المحذور. ٣٨٤ ومثال ما إذا تعذر الحمل على الحقيقة، وتعددت وجوهُ المجاز مع التنافي: ما إذا دخل النفي على الحقيقة اللغوية، وتعذر الحمل عليها، كما في: (لا عملَ إلا بنيّةٍ) مثلاً، فإن الحقيقة متعذرة، واحتمل أن يقدَّر: لا صحةَ عمل، واحتمل أن يقدَّر: لا كمالَ عمل. فهذان وجهان من المجاز، وفي الحمل على أحدهما منافاةٌ للحمل على الآخر؛ لأنَّا إذا [قلنا]: لا صحة، لزم انتفاء الكمال، وإذا قلنا: لا كمال، لم يلزم انتفاء الصحة، بل قد يشعر بوجودها، والحملُ على نفي الصحة أقربُ إلى انتفاء الحقيقة من الحمل على نفي الكمال. وأما مثال القسم الثاني: فسيأتي في المسألة التي تلي هذه المسألة، إن شاء الله تعالى، ويتبين تنزيلُ الأمرِ فيها على ما أشرنا إليه من التخصیص وعدمه . الرابعة عشرة: قد ذكرنا تعذُّرَ الحمل على حقيقة الظرفية في كلمة ((في)) من قوله - الَّه -: ((ولا تأكلوا في صحافها))، فإذا حملناها على معنى ((من)) مجازاً كانت لابتداء الغاية، وابتداءُ الغاية يتناول الشربَ مع مباشرة الإناء بالفم، والشرب من غير مباشرته؛ كما إذا صبَّ من الإناء في فِيْهِ من غير ملاقاته الإناءَ، والشرب منه لا مع ءُ مباشرته، ويمكن حمله عليهما معاً، وليس أحدهما أولى من الآخر بالنسبة إلى ابتداء الغاية، ولكنَّ الأقربَ إلى حقيقة الظرفية الشربُ مع مباشرة الإناء، ومتى حملناه على المباشرة أخرجنا عنه الشربَ منه من ٣٨٥ غير مباشرةٍ مع تناول ابتداء الغاية له، وأنه ليست إحدى(١) الصفتين أولى - فيُحمل عليه اللفظُ وهو ابتداء الغاية - من الأُخرى، وهذا تخصيصٌ لبعض مدلول اللفظ بعد الحمل على ابتداء الغاية، فهذا هو المثال الذي قصدنا ذكره في المسألة قبلَها. الخامسة عشرة: هذه الصورة التي فرضناها، وهي أن يرفع الإناء، ثم يصبُّ في فمه من غير مُماسّة، ظاهرةٌ في التحريم؛ لأنه إذا أدرنا الحكمَ على الاستعمال فهو مستعملٌ، وإن أدرناه على مسمَّى الشرب من الإناء فهو حاصل، إذ يسمى شارباً منه في الإطلاق العرفي. وهاهنا تظهر فائدةُ البحث الذي قدمناه من النظر في قرب هذه الصورة من الحقيقة، وهل لذلك أثرٌ في تعيّن الحمل عليها، أو لا؟ فإن لم يكن فظاهر، وإن كان اقتضى ذلك أنْ تخرجَ هذه الصورةُ من دلالة اللفظ، وأنْ يؤخذَ ذلك من دليل آخرَ، فهو بعيدٌ. السادسة عشرة: في قاعدة ينبني عليها غيرُها، المتقدمون من الأصوليين يقسمون الأحكام إلى وضعية وتكليفية، وبعض المتأخرين يردُّ الكلَّ إلى حكم التكليف. ومن الأحكام الوضعية نصب الأسباب، والأصلُ فيها ترتُّبُ مسبَِّها عليها من غير اعتبارِ شرطٍ في إعمال السبب. وأما الأحكام التكليفية فاعتبار القصد فيها مناسب؛ لأن غايتها (١) ((ت)): ((ليس أحد)). ٣٨٦ امتحانُ المُكَلَّف بالامتثال، والقصدُ ركنٌ في ذلك، وعلى هذا يقول الحنفية في مسألة النية: إن الماء مطهِّرٌ بنفسه، فلا حاجةَ فيه إلى النية، وهذا إشارة إلى ما ذكرناه من أن الأصلَ ترتبُ المسبب على سببه، ومن يَشترِط النيةَ في الوضوء فبدليل من خارج على اعتبار شرط في إعمال السبب(١). السابعة والثامنة عشرة: قد يتعلَّق النظرُ فيما نحن فيه بما(٢) إذا جلسَ في الوضوء أو الغسل تحتَ الميزاب، أو برز للمطر فأصابه الماءُ، ناوياً للوضوء أو الغسل صحَّ، وإذا وقف في مَهَبِّ الريح قاصداً بوقوفه التيممَ حتى أصابه الترابُ فمسحه بيده، ففيه اختلافٌ عند الشافعية، رحمهم الله(٣) . فأما صحةُ الوضوء والغسل فكأنَّه لمعنى السببية في تطهير الماء كما يذكره الحنفية، لكن باعتبار شرط آخر بدليل من خارج، وهو النيةُ عند الشافعية والمالكية. وأما مسألة التيمُّم؛ فالاختلاف فيها راجعٌ إلى أنَّ الأمرَ توجَّه بالقصد إلى الصَّعيد في قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]. (١) انظر: ((البحر المحيط)) للزركشي (١ / ١٧١). (٢) ((ت)): ((بهما)). (٣) ظاهر نص الشافعي رحمه الله وقول أكثر الأصحاب: أنه لا يصح تيممه؛ لأنه لم يقصد التراب، وإنما التراب أتاه. انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) للرافعي (٢ / ٣١٧). ٣٨٧ ومن منع يقول: لم يقصدِ الترابَ، وإنَّما الترابُ أتاه، ومن صحَّح فكأنه يرى أنَّ هذا التعرُّضَ قصدٌ، أو كالقصد إلى التراب، وقصدُ التراب من الأحكام التكليفية. التاسعة عشرة: رفعَ غيرُه الإناء، وصبّ منه في فمه، فشرب منه، إن كان ذلك بأمره فليلتحقْ بما لو رفعه هو، وإن كان بغير أمره فليس هاهنا إلا التعرُّضُ لمصبِّ الماء، أما اعتبارُ الاسم وكونُه يقتضي شارباً من إناءِ فضةٍ فظاهرٌ، وأما اعتبارُ هذا الاستعمال، فهل يتنَزَّلُ هذا التعرضُ لمصبِّ الماء من الإناء منزلةَ الاستعمال للإناء؟ من هاهنا يجيء النظرُ في مسألتي التعرض لماء الميزاب أو المطر من حيث إنَّ تطهيرَ الماء لاحقٌ بالأسباب؛ لما أشرنا إليه، وذكرنا أن الأصلَ ترتبُ المسبب على سببه، وترتَّبُه على أمر زائد يكون بدلیل من خارج. ويبقى النظرُ في مسألة التراب؛ لأن هذه المسألة ومسألة التيمم، كلاهما من أحكام التكليف، وقد ذكرنا مناسبةَ اعتبار القصد فيه تُلحقُ هذه المسألة، فيقال: إن هذا التعرضَ هل يُنَزَّل منزلةَ الاستعمال لإناء الذهب والفضة، أو لا؟ هذا محل نظر، والأقربُ - والله أعلم - المنعُ؛ لوجهين: أما أولاً: فلحصول مسمّى الشرب من إناء الذهب أو الفضة. وأما ثانياً: فلهذا التعرُّضِ الذي وقع به القصدُ إلى الشرب. ٣٨٨ العشرون والحادية والعشرون: تعرَّضَ لمیزاب ذهب أو فضة من غير قصدٍ قاصدٍ، أو لماء يفور من ذهب أو فضة من غير قصد قاصد؛ فشرب منه، هو كالمسألة التي قبلَها. الثانية والثالثة والعشرون: قد عُلم أنَّ من جملة ما يقع فيه النظر من أحكام هذا الحديث كيفيةَ الشرب والأكل، وهيئةَ الاستعمال، ولا شكَّ أن التحريمَ في هذه الأمور ليس للأكل والشرب بمجرَّدِهِ، وإنما هو لهما بقيدِ الإضافة إلى إناء الذهب والفضة، فلا بدَّ من اعتبار تلك النسبة للإضافة، فكل ما يُسمى شرباً وأكلاً من الإناء، فهو مندرجٌ تحت اللفظ، فوضعُ اللقمة في الإناء ورفعُها إلى الفم، أو وضعُ آلة الشرب في الإناء ورفعُ المشروب إلى الفم، لا شكّ في انطلاق الأكل والشرب من الإناء على ذلك، أما إذا رفع المأكول من إناء الذهب والفضة، ووضعه بين يديه على غير الإناء، ثم أكل، فهل يحرم، أم لا، ويجعل ذلك خارجاً عن الأكل من إناء الذهب والفضة؟ بلغني عن بعض الناس: أنه فعل هذا، وأخذ مأكولاً من الإناء، ووضعه على رغيف وأكل، والقصد بذلك. وهذا عندي يختلف (١) الأمرُ فيه باختلاف ما يرفع من الإناء، وما تقتضيه العادة، ويُطلِقِه أهلُ العُرف في كونه أكلاً من الإناء، أم لا . فأقول: إن الكثيرَ الذي لم تجرِ العادةُ برفع جميعه، بل بأن يُرفعَ منه ويؤكل، ليس كالشيء اليسير الذي تجري العادةُ بأن يرفعَ من الإناء (١) ((ت)): ((لا يختلف))، والسياق يقتضي ما أثبته . ٣٨٩ إلى الفم؛ فالأولُ - إذا رُفع ووُضع في غير الإناء وأكل منه - أقربُ من الثاني إلى الجواز على كلِّ حال، فالممتنعُ المُسمَّى، وما ينطلقُ عليه اسم الأكل والشرب من الإناء. الرابعة والعشرون: غَرفَ بإناء فضة أو ذهب ماءً، ثم صبَّ في إناء غيرهما، فشرب أو استعمل، هل يمتنع؟ أما الأكلُ والشربُ المضافُ(١) إلى إناء الذهب والفضة فمنتفٍ؛ لأن اللفظ إنما يدل على منع أن يكونَ ابتداءُ الأكل والشرب من الإناء، وهذا القدر ليس كذلك، وكذلك إذا اعتبرنا الاستعمالَ المنسوبَ إلى الأكل والشرب. وأما مطلقُ الاستعمال فإنَّ هذا الاغترافَ هل يحرُم؛ لأنه استعمالٌ في الجملة؟ فهذا من غير اللفظ الذي في الحديث. الخامسة والعشرون: وضع إناء خزف في إناء فضة أو ذهب أكبر منه، وأكل من الخزف: إن لم يَفضِ المأكولُ حتى يتصلَ بإناء الذهب والفضة لم یأثمْ. السادسة والعشرون: اسم الإناء معتبر، فحيث لا يُسمَّى إناءً لا يدل اللفظ عليه، فلو وضع شحطاً من فضة، ووضع عليه مأكولاً، فأكل، أيبنى الأمرُ فيه على اسم الإناء؟ فإن سُمِّ به حَرُم باللفظ، وإن لم يسمَّ به لم يحرمْ إلا بالقياسِ والنظرِ إلى المعنى. (١) ((ت)): ((فالمضاف)). ٣٩٠ ٠ C الحديث الثالث مِنْ الْبَاب عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ اللهِن ◌َ ◌ّه قال: ((أيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فقدْ طَهُرَ)) أخرجوه إلا البخاريّ (١). (١) * تخريج الحديث: رواه مسلم (٣٦٦)، (١/ ٢٧٨)، كتاب: الحيض، باب: طهارة جلود الميتة بالدباغ، وأبو داود (٤١٢٣)، كتاب: اللباس، باب: في أهب الميتة، والنسائي (٤٢٤١)، كتاب: الفرع والعتيرة، باب: جلود الميتة، والترمذي (١٧٢٨)، كتاب: اللباس، باب: ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت، وابن ماجه (٣٦٠٩)، كتاب: اللباس، باب: لبس جلود الميتة إذا دبغت، من طريق سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم، عن ابن وَعلة، عن ابن عباس، به . ورواه مسلم (٣٦٦)، (١ / ٢٧٨)، كتاب: الحيض، باب: طهارة جلود الميتة بالدباغ، والترمذي (١٧٢٨)، كتاب: اللباس، باب: ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت، من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن زید بن أسلم، به. ورواه مسلم (٣٦٦/ ١٠٥)، كتاب: الحيض، باب: طهارة جلود الميتة بالدباغ، من طریق سلیمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، به. = ٣٩١ أما التعريف بابن عباس - رضي الله عنهما - فقد مرَّ. ثم الكلام علیه من وجوه : * الأول: في التصحيح: وقد ذُكِرَ في الأصل أنهم أخرجوه، والضمير للمصنَّفين الستة؛ البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، رحمهم الله أجمعین، وقد استثنی البخاريّ، فدخل مسلم - رحمه الله - فيمن أخرجه، فهو من شرطه في الصحيح، وليس تظهر لنا العلةُ في ترك البخاري له، إلا التوهم في أن يكونَ ابنُ وَعْلةَ عند البخاري في حيِّز الستر الذي لم يبلغْ به إلى الرتبة التي يعتبرها. وليس يُعلم في ابن وعلةَ مطعناً، وهو عبد الرحمن بن السَمَيْفع ابن وَعْلة السَّبَأي(١)، وقد روى عنه أبو الخير مرثد بن عبد الله اليَزَني، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وزيد بن أسلم، فقد ارتفعت الجهالة عنه على ما عُرف من مذاهب المحدثين، هذا وقد ذكر الحافظ أبو سعيد بن = ورواه مسلم (٣٦٦/ ١٠٧)، كتاب: الحيض، باب: طهارة جلود الميتة بالدباغ، والنسائي (٤٢٤٢)، كتاب: الفرع والعتيرة، باب: جلود الميتة، من طريق جعفر بن ربيعة، عن أبي الخير، عن ابن وعلة، به، بلفظ فيه قصة. ورواه مسلم (٣٦٦/ ١٠٦)، كتاب: الحيض، باب: طهارة جلود الميتة بالدباغ، من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن ابن وعلة، به، بلفظ فيه قصة أيضاً. (١) ((ت)): ((النسائي))، والصواب ما أثبت. والسبأي: بالسين المهملة المفتوحة، والباء ثاني الحروف. كما ضبطه المؤلف في ((الإمام)) (١ / ٣٠٤). ٣٩٢ يونس المصري المؤرخ بمصر: أنه كان شريفاً بمصر في أيامه، وله وفادة على معاوية، وصار إلى أفريقيا، وبها مسجده ومواليه(١)، وهذه شهرة شهيرة تزيد على رواية الجماعة عنه، مع تخريج مالك - رحمه الله - لحديثه في ((الموطأ))(٢)، والله أعلم. * الوجه الثاني : في شيء من مفرداته، وفيه مسائل : الأولى: قال محمد بن جعفر التميمي في كتاب ((جامع اللغة)) في مادة (أي ي): يستعمل من (أي ي) اسم يقع مواقع، منها الشرطُ إذا قلت: أيّاً تضربْ أضربْ، وأيُّ يكرمْك أُكرمْه. فمعنى (أيّ) هاهنا التبعيض، ويسقط المضاف إليه لعلم المخاطب به. وتقع (أيّ) في الاستفهام على وجهین : إن أضيفت إلى معرفة طلبت الاسمَ إذا قلتَ: أيُّ الرجلين أخوك؟ فالجواب: زيد أو عمرو. وإن أضيفت إلى نكرة طلبت الصفةَ، فإذا قيل: أيُّ رجلين أخوك؟ قلتَ في الجواب: قصير أو طويل. (١) انظر: ((التاريخ الكبير)) للبخاري (٣٥٩/٥)، و((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (٥/ ٢٩٦)، و((الثقات)) لابن حبان (٥/ ١٠٥)، و((تهذيب الكمال)) للمزي (١٧ / ٤٧٨). (٢) روى مالك له في ((الموطأ)) (٢ / ٤٩٨) هذا الحديث، وروى له (٢ / ٨٤٦) حديثاً آخر في تحريم بيع الخمر. ٣٩٣ وهي في الاستفهام والمجازاة بغير صلة؛ لأن صلةَ الشيء تبيينٌ له، وأنت لا تدري ما يستفهم عنه، فمحالٌ أن تبیّنه. فتكون (أيُّ) نعتاً في النكرة إذا قلت: رأيت رجلاً أيَّ رجلٍ، وأتاني رجلٌ أيُّ رجل، وتكون حالاً مع المعرفة إذا قلت: جاءني زيدٌ أيَّ رجل . وتقع في الاستفهام عن النكرة، فإذا قال الرجل: جاءني رجل، قلتَ: أيْ؟ ساكنة، فإنْ وصلت قلت: أيُّ يا هذا؟ تنصب مع النصب، وتخفض مع الخفض، وتُثنِّي مع التثنية، وتجمع مع الجمع، وتنوِّن، ولك أن تقول: أيُّ، في كل الوجوه، مع التثنية والجمع، والتذكير والتأنيث، بالرفع. فإن استفهمت بها عن المعرفة جئت بالمعرفة بعدَها، وإذا قلت: جاءني زيدٌ، قلت: أيُّ زيد، فإن رُفع أو نُصب أو جُرَّ، رفعت في كل الوجوه. وتجري (أيُّ) مجرى الأسماء في الأفراد، قال الشاعر [من الوافر]: فأتِّيَ ما وأيُّك(١) كانَ شرّاً فِقِيْدَ (٢) إلى المقامةِ لا يَرَاها (٣) (١) ((ت)): ((فأياً ما وأيًّاً)). (٢) ضبط في ((ت)): ((فَقِيدٌ)). (٣) البيت للعباس بن مرداس، كما نسبه سيبويه في ((الكتاب)) (٢/ ٤٠٢)، والزمخشري في ((المفصل)) (ص: ١١٨)، والبغدادي في ((خزانة الأدب)) (٤ / ٣٦٧)، وابن منظور في ((لسان العرب)) (١٢ / ٤٩٦). ٣٩٤ المقامة: مجلس القوم. وقال آخر [من الوافر]: رَأيْتُهُما بأنَّهَما منَ ايِّ ومشتبهانِ لستُ أرَی إذا ما وليسَا عندَ مخبرِهِ بشيِّ وكلُّ اسمٍ بصاحبِهِ يُسمَّى وإنما يريدُ الماءَ العذب والمالح. [ونصلُ بها](١) الهاء، ونجعلُها للنسبة والتخصيص، ولا يكون هذا المنادي ينادي غيرَه، وإنما هو مثل قولك: أما أنا فأفعلُ كذا وكذا أيُّها الرجل، لم تُرِد بقولك: أيُّها الرجل، غيرَك، ولكن أردت أن تُشخِّص نفسَك، وكذلك: نحن نفعل كذا وكذا أيَّتُها العُصَابة. قال - هو أو غيره -: ويقول في النداء: يا أيُّها الرجل، فـ (أي) الاسم المنادى، وها للتنبيه، والرجل نعتٌ لـ (أي). وقال الجوهري في ((الصحاح)): وأيُّ : اسم معرب يُستفهم به ويُجازى، فيمن يعقل وفيمن لا يعقل، تقول: أيُّهم أخوك؟ وأيُّهم يكرمْني أَكرِمْه، وهو (٢) معرفة للإضافة، وقد تتركُ الإضافةُ وفيه معناها . ((ت)): ((نص بهما)). (١) (٢) ((ت)): ((هي)). ٣٩٥ وقد تكون بمعنى (الذي) فتحتاج إلى صلة، فتقول: أيُّهم في الدار أخوك. وقد تكون نعتاً [للنكرة] فتقول: مررت برجلٍ أيِّ رجل وأَيِّما رجل، ومررت بامرأة أيِّ امرأة، وأيَّةِ امرأة، وبامرأتين أيَّتِما امرأتين، وهذه امرأة أيَّةُ امرأة، وأيَّتُما امرأتين، وما زائدة. قال: و (أيُّ) قد يُتعجّب بها، قال جميل [من الطويل]: بُثَيْنُ الْزَمِي: لا، إِنَّ (لا) إِنْ لَزِمْتِهِ على كثرةِ الواشينَ أيُّ مَعُونِ(١) الثانية: (ما) في قولنا: أيّما، زائدة كما قدمناه في الحكاية عن الجوهري، ومن زعم أنها للعموم؛ ليعضِدَ بذلك تقويةَ هذه الصيغة في الدلالة على العموم؛ لاجتماعها مع (أي)، فقد وَهَلَ وغَلِط . الثالثة: اختلفوا في (الإهاب)؛ هل ينطلق لفظه على الجلد مطلقاً، أم يُخصُّ بما لم يُدبغ؟ فقال أبو منصور الأزهري في ((تهذيبه)): والإهاب: الجلد، وجمعه أَهَب، وأُهُب، وفي الحديث: وفي بيتِ رسولِ اللهِو ◌َ أُهُبُ (١) انظر: ((ديوان جميل)) (ص: ٢٢٠). وانظر: ((الصحاح)) للجوهري (٦ / ٢٢٧٦). ٣٩٦ [عَطِنَةٌ](١)؛ أي: جلود في دِباغِها(٢). وقال محمد بن جعفر التميمي في كتاب ((جامع اللغة)) في مادة (أهب): استعمل منه الإهاب، وهو الجلد، يسمى بذلك مدبوغاً وغير مدبوغ، وفي الحديث: ((وفي البيتِ أَهُبٌّ عَطِنَةٌ)) فسماها أهباً وهي قد عطنت، وفيه: ((أَيُّمَا إهابٍ دُبغَ))، فقد سماه إهاباً وهو غير مدبوغ، وجمعه أَهَبٌّ على فَعَلَ. قال: وهذا المثال إنما جاء في إهاب وأَهَب، وعَمُود وعَمَد، وأَفِيقِ وأَفَق، والأَفِيق: الحَبْل، وأَدِيم وأَدَم. قال أبو الحسين بن فارس في ((مجمل اللغة)): الإهاب: وهو كل جلد، وقال قوم: هو الجلد قبل أن يُدبغَ، والجمع أَهَب، على فَعَل(٣). وقال الجوهري في ((الصحاح)): الإهاب: الجلد ما لم يدبغ، والجمع أَهَب؛ يعني: بفتح الهمزة والهاء معاً، قال: على غير قياس، (١) رواه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (١ / ٤٦٦)، عن الحسن مرسلاً. (٢) انظر: ((تهذيب اللغة)) للأزهري (٦ / ٢٤٥)، (مادة: أهب). (٣) انظر: ((مجمل اللغة)) لابن فارس (١ / ١٠٥). ٣٩٧ [مثل]: أَدَمِ وأَفَقٍ وعَمَدٍ، جمع: أَدِيم وأفَيِقٍ وعَمُود، وقد قالوا: ◌ُمُب ۔ بالضم -، وهو قياس(١). وذكر عبد الغافر الفارسي في ((مَجْمعه))(٢): أديماً وأدماً، وأفيقاً وأفقاً، وقضيماً وقضماً. وهذه(٣) زائدة على ما ذكره التميمي، واقتضى لفظُه الحصرَ فیما ذكره من إهاب وأَهَب، وعمود وعَمَد، وأفيق وأَفَق، وأديم وأَدَم. الرابعة: في اشتقاق هذه اللفظة: وفسّر الزمخشري في ((الفائق)) الإهاب بالجلد، وقال: قيل: لأنه أهبة للحيِّ، وبناء للحماية على جسده، كما قيل له: المِسْك؛ لإمساكه ما وراءه(٤). الخامسة: قال الجوهري: يقال: دَبَغَ فلانٌ إهابَهُ، يدبُغُهُ، ويدبغُهُ دَبغاً ودِباغاً ودِباغةً، وفي الحديث: ((دِبَاغُهَا طَهُورُهَا))(١) . (١) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (١ / ٨٩)، (مادة: أهب). (٢) هو كتاب: ((مجمع الغرائب في غريب الحديث)) للإمام عبد الغافر بن إسماعيل أبي الحسن الفارسي المتوفى سنة (٥٢٩هـ). انظر: ((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٣/ ٢٢٥)، و((سير أعلام النبلاء)» للذهبي (٢٠ / ١٦). (٣) ((ت)): ((هذا)). (٤) انظر: ((الفائق في غريب الحديث)) للزمخشري (١ / ٦٧). ٣٩٨ والدِّباغ أيضاً: ما يُدبغ به، يقال: الجلد في الدباغ، وكذلك الدَّبْغِ والدِّبغُ بالكسر، والدَّبغة - بالفتح -: المرة الواحدة، ويقال: دبغت الجلد فاندبغ (٢). وذكر التميمي: والجلد مدبوغ ودبيغ، والصناعة الدِّباغة، قال: والدَّبغ الرماد كلَّ ساعة، فهذا لفظ مشترك. السادسة: قال الجوهري في ((الصحاح)): طَهَر الشيءُ، وطَهُرَ أيضاً، طهارةً فيهما، والاسم الطُّهْرُ(٣). * الوجه الثالث: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل : الأولى: المشهور والجمهور على أنَّ جلد الميتة نَجِس (٤). وحكي عن الزُّهري أنه قال: جلدُ الميتة لا ينجس، وحكاه أبو سعيد المتولي الشافعي وجهاً، وعزاه إلى ابن القطان(١). (١) رواه أبو داود (٤١٢٥)، كتاب: اللباس، باب: في أهب الميتة، واللفظ له، والنسائي (٤٢٤٣)، كتاب: الفرع والعتيرة، باب: جلود الميتة، من حديث سلمة بن المحبق . وإسناده صحيح. انظر: ((التلخيص الحبير)) لابن حجر (١ / ٤٩). (٢) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٤ / ١٣١٨)، (مادة: دبغ). (٣) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٢ / ٧٢٧)، (مادة: طهر). (٤) انظر: ((المغني)) لابن قدامة (١/ ٥٣)، و((المجموع شرح المهذب)) للنووي (١/ ٢٦٨) . ٣٩٩ وإنما الزُّهومةُ التي في الجلد نجسةٌ، فيؤمر بالدبغ لإزالة الزُّهومة، كما يغسل الثوبُ عن النجاسة. والذي رأيته في مصنف عبد الرزاق، من رواية الديري عنه، عن معمر: وكان الزهري يُنكِرُ الدِّباغَ، ويقول: يُستمتَعُ به على كلِّ حال(٢) . قلت: يستدلُّ بالحديث على نجاسة الجلد كما هو مذهب الجمهور، ووجه الدليل: أنَّ مقتضى اللفظِ من الشرط والجزاء ترتّبُ الطهارة على الدباغ، ومن ضرورة ذلك تقدُّمُ النجاسة على الدباغ؛ لأن تطهيرَ الطاهر محالٌ. الثانية: الصيغة من صيغ العموم؛ أعني: ((أيّما))، وهي من أقوى الصيغ في الدلالة على العموم؛ لأنها موضوعة لتأسيس (١) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) الرافعي (١/ ٢٩٠)، وعنه نقل المؤلف رحمه الله . (٢) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٨٥)، ومن طريقه: أبو داود (٤١٢٢)، كتاب: اللباس، باب: في أهب الميتة. قال ابن المنذر في ((الأوسط)) (٢ / ٢٦٨): مع أنَّا قد روينا من حديث الوليد بن الوليد الدمشقي، عن الأوزاعي، عن الزهري: أن دباغها طهورها. قال محمد بن نصر المروزي: وما علمت أحداً قال ذلك قبل الزهري. كما نقله ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (٥ / ٣٠١). ٤٠٠