النص المفهرس
صفحات 361-380
* الوجه الثالث: في شيء من مفرداته، وفيه مسائل : الأولى: استسقى: استفعل من السَّقي، وهو بمعنى طَلَبَ منه السَّقْيَ، وذلك أحد ما تدل عليه هذه الصيغة، ويجيء لمعان أُخَرَ، لا مدخل لها هاهنا (١). الثانية: المجوسيُّ: يحتمل أن يكون نسبة إلى أب، كما تنسب القبائل إلى أبيها، فيقال: تميمي وهاشمي مثلاً، ويحتمل أن يكون نسبة إلى مذهب أو (٢) دين، وقد أنشد سيبويه(٣) [من الوافر]: كَنَارِ مَجُوسَ تستعرُ اسْتِعَارا (٤) الثالثة: هذا المجوسيُّ قد ورد ذكرُه بأعمَّ من هذا الوصف وبأخصّ منه، ففي رواية : [شهدتُ](٥) حذيفةَ استسقى بالمدائن، فأتاه (١) انظر: ((المحكم)) لابن سيده (٦/ ٤٨٩)، (مادة: سقى). (٣) في ((الكتاب)) له (٣/ ٢٥٤)، باب: مالم يقع إلا اسماً للقبيلة. (٢) ((ت)): ((و)) . (٤) هذا عجز بيت للتوأم اليشكري، وصدرہ ۔ وهو لامریء القيس -: أحار أريك برقاً هبَّ وهناً كذا قال ابن بري. قال أبو عمرو بن العلاء: كان امرؤ القيس ينازع كل من قال: إنه شاعر، فنازع التوأم اليشكري، فقال له: إن كنت شاعراً فملّط أنصاف ما أقول وأجِزْها، فقال: نعم، فذكر هذا في جملة أبيات أُخر. انظر: ((لسان العرب)) لابن منظور (٦ / ٢١٣ - ٢١٤). (٥) سقط من ((ت)). ٣٦١ فأتاه إنسانٌ بإناء من فضة(١)، وفي رواية عبد الله بن عُكَيم: فجاءه دُهْقان بشراب في إناء من فضة (٢). والدُّهقان - بكسر الدال وضمها -: الزعيم في القرية من الفرس. قال القاضي: ويَحتمل أن يكون سُمِّ بِهِ من جَمع الماء(٣) وصَبِّه(٤) ومِلءِ الأوعية به، يقال: أدْهَقْتُ الماءِ إدهاقاً، ودَهَقْتُهُ، وأَدْهَقُه: إذا أفرغتُه إفراغاً، ودَهَقَ لي دَهْقَةً من المال: إذا أعطانيه، وأَدْهَقْتُ الإناءَ: ملأْتُهُ. قال الشاعر [من المنسرح]: دِهْقَانةٌ تَسْجُدُ الملوكُ لها يُجبَى إليها الخَرَاجُ في الحَربِ (٥) (٦) (١) تقدم تخريجه عند مسلم برقم (٢٠٦٧)، (٣ / ١٦٣٧). (٢) رواه مسلم (٢٠٦٧ / ٤)، كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء. (٣) في النسخ الثلاث: ((المال)) بدل ((الماء))، وكذا في المطبوع من ((إكمال المعلم))، ولعل الصواب ما أثبت. (٤) ((ت): ((وضمه)). (٥) ((ت)): ((الخرب)). (٦) لم أقف على قائله. وقد ذكره ابن نقطة في ((تكملة الإكمال)) (١ / ٣٣٥) في ترجمة بوران بنت كسرى، ولها يقول الشاعر ذلك. ٣٦٢ أو يكون من اللين، والدّهْقَنَة: لِيْنُ الطعام، والدَّهاقين؛ لأنهم يُلَيِّنون طعامَهم وعيشهم لِسَعَةِ مالِهِم(١)، أو يكونُ دَهْقَنَةَ الطعام ولينَهُ مستفادٌ (٢) من اسمهم، إذ هي عادتهم، والله أعلم، وقيل معناه: الحِذْقُ والدَّهاء والنُّهَى (٣) (٤). الرابعة: في هذه الرواية: [فرمى به](٥)، وفي رواية عبد الله بن ◌ُکَیْم: فرماه، وفي رواية عن ابن أبي ليلى: فرماه به. فأما رواية: رمى به، فالضميرُ للقدح، والفعلُ يتعدى(٦) بالباء، يقال: رميتَ الشيء، ورميت به: إذا طرحتَه من يدك، هذا هو الظاهر. وأما رواية: رَمَاه به، ففيها زيادةُ ضمير المفعول في رماه، وهو المجوسيّ. وأما رواية: رماه، فيحتمل أن يكون الضمير للمجوسي، ويحتمل أن يكون للإناء، وينبغي أن يكون المعنى على رواية: رماه به؛ لدلالتها على ما دلّ عليه الروايتان الأخریان وزيادة. (١) ((ت)): ((حالهم)). (٢) ((ت)): ((مشتقاً)) . ((ت)): ((الحذق والذكاء والدهاء)). (٣) انظر: ((إكمال المعلم) للقاضي عياض (٦ / ٥٦٨ - ٥٦٩). (٤) (٥) زیادة من «ت)» . (٦) ((ت)): ((معدی)) . ٣٦٣ الخامسة: في قاعدة حروف الجرّ: يسميها الكُوفيون صفاتٍ؛ لنيابتها عن الصفات، ويترجم على هذا: باب(١) دخول بعض الصفات على بعض؛ أي: کون معنى هذا الحرف بمعنی هذا. قال أبو محمد بن السِّيْد الأندلسيُّ - رحمه الله تعالى -: هذا الباب أجازَه قومٌ من النحويين أكثرُهم كوفيون، ومنع منه آخرون أكثرُهم بصريون، وفي القولين جميعاً نظر؛ لأن من أجازه دون شرط وتقیید لزمه أن يُجیز: سرت إلى زيد، وهو يريد: مع زيد، قياساً على قولهم: إن فلاناً لظريف عاقل إلى حسب ثاقب، أي مع حسب ثاقب، قال: ويلزمه أن يجيز: في زيد ثوب؛ أي: عليه، قياساً على قول عنترة(٢) [من الكامل]: بَطَلٌ كأنَّ ثيابَهُ في سَرْحَةٍ (٣) وهذه المسائل لا يُجيزها مَنْ أجازَ إبدال الحروف. ومن مَنع ذلك على الإطلاق لزمه أن يتعسَّف في التأويل [التعسُّفَ](٤) الكثيرَ، [وأورد](٥) في هذا الباب أشياء كثيرةً يبعد تأويلُها (١) ((ت)): ((الباب)). (٢) في الأصل: ((غيره))، والمثبت من ((ت)). (٣) انظر: ((ديوان عنترة)) (ص: ٦٥) من معلقته المشهورة، وعجزه: يُحذي نِعِالَ السِّبْتِ ليس بتوْأَمِ (٤) سقط من ((ت)). (٥) ((ت): ((مما)). ٣٦٤ على غير وجه البدل(١)، كقوله [من الطويل]: إذا [ما] امرؤٌ ولَّى عليَّ بِوُدِّه (٢) وقوله [من الوافر]: إذا رضيتْ عليَّ بنو قُشَيْرِ (٣) ولا يمكن المنكر لهذا أن يقول: هذا من ضرورة الشعر؛ لأنَّ هذا النوع قد كثُر وشاع، ولم يخصَّ الشعر دون الكلام، فإذا لم يصح إنكار المُنْكِر له، وكان المجيزون لا يجيزونه في كل موضع، ثبت بهذا أنه موقوف على السماع، غيرُ جائزِ القياس عليه، ووجب أن يُطلب له وجهٌ من التأويل يزيل (٤) الشناعة عنه، ويُعرفَ كيف المأخذ فيما يُورَد (١) في ((خزانة الأدب)) للبغدادي حيث نقل عن ابن السيد هذا الكلام: ((ومن منع ذلك على الإطلاق لزمه أن يتعسف في التأويل لكثير مما ورد في هذا الباب؛ لأن في هذا الباب أشياء كثيرة، يتعذر تأويلها على غير وجه البدل)). (٢) صدر بيت لدوسر بن غسان اليربوعي، كما ذكر ابن السيد في ((الاقتضاب)) (ص: ٤٣٣)، وعجزه: وأدْبَرَ لم يصدُر بإدباره وُدِّي (٣) صدر بيت للقُحيف العُقيلي، كما نسبه ابن قتيبة في ((أدب الكاتب)) (ص: ٥٠٧)، والبغدادي في ((خزانة الأدب)) (٤/ ٢٤٧). وعجزه: لعمرُ اللهِ أعجبني رِضَاها (٤) في النسخ الثلاث: ((يجيز))، والتصويب من ((خزانة الأدب)) للبغدادي. ٣٦٥ منه، ولم يأتِ فيه (١) للبصريين تأويلٌ أحسن من قولٍ ذكره ابن جني في كتاب ((الخصائص))(٢)، وأنا أورده في هذا الموضع، وأَعضُده بما يشاكله من الاحتجاج المقنع، إن شاء الله. قلت: ثم ذكر أشياءَ كثيرةً، حاصلَها يرجع إلى المعنى الذي يُسمَّى التضمينَ، وهو تضمينُ لفظ (٣) معنى آخر؛ ليفيد المعنيين، ومما اشتهر فيه قوله [من الرجز]: قَدْ قَتَلَ اللهُ زياداً عنِّي(٤) قيلَ: ضمّن (قتلَ) معنى صرفَ؛ ليفيد الصَّرْف بالقتلِ، وأنه وَقَعَ به لا بغیرہ. وذكر ابن السِّيْد فيه وجهاً آخر فقال: وقد يجوز أن يكون بمنزلة قولهم: حَجَجْتُ البيتَ عن زيدٍ، أي نِبْتُ في ذلك منابَه، وفعلتُ في (١) ((ت)): ((ولم نر فيه)). (٢) انظر: ((الخصائص)) لابن جني (٢ / ٣٠٦). (٣) ((ت)): «كلمة» . (٤) للفرزدق كما نسبه إليه ابن سيده في ((المحكم)) (٦ / ٣٣٢)، والعسكري في ((جمهرة الأمثال)) (١ / ٢١١)، وابن جني في ((الخصائص)) (٢ / ٣١٠)، وابن منظور في ((لسان العرب)) (١١/ ٥٥٢)، وغيرهم. وذلك أن زياداً قد نفى الفرزدق وآذاه، ونذر قتله، فلما بلغ موتُه الفرزدقَ شمِت به، فقال: كيف تراني قالباً مِجَنِّي أقلِبُ أمري ظهرَهُ للبطْنِ قد قتلَ اللهُ زياداً عنِّي ٣٦٦ ذلك مرادَه، فيكون معنى: قَد قتل الله زياداً عني؛ أي: فعل به ما كنتُ أفعلُ أنا به لو قَدِرْتُ علیه. وهذا يتعلق بهذا المثال الخاص، والأمثلة كثيرة في التضمين : ومنه: [قائدها السِّيادة](١). إذا [ما] امرؤٌ ولَّى عليَّ بودِّه قيل: إنَّما عُدِّي فيه ((ولى)) بـ ((على))، وكان القياس أن يعدِّيهَا (٢) بـ ((عن))؛ لأنَّه إذا ولى عنه بودِّه، فقد ضنَّ عليه به وبخل، فأجرى التولِّيَ بالودِّ مجرى الضَّنانة، والبخلَ بودِّه مجرى السُّخط؛ لأنّه تولية عنه [بودِّه](٣)، [والتولي](٤) لا يكون إلا عَنْ سُخْطٍ عليه، ومنه ما تقدَّم [من الوافر]: إذا رضيتْ عليَّ بنو قُشيرٍ قيل: إنما عُدِّي فيه ((رضي)) بـ ((على))؛ لأنَّ الرضى بمعنى الإقبال(٥). قلتُ: المانِعون لهذا الباب(٦) إمَّا أن يمنعوا الاستعمالَ على (١) سقط من ((ت)). (٢) ((ت)): ((يعدي فيه)) . (٣) سقط من ((ت)). (٤) زيادة من ((ت)). (٥) وانظر: ((أدب الكاتب)) لابن قتيبة (ص: ٥٠٦) وما بعدها. (٦) ((ت)): ((قلت: قوله: المانعون لهذا الباب نحن نقول فيه)). ٣٦٧ سبيل الحقيقة والمجاز معاً، أو على سبيل الحقيقة فقط، ويجيزونه على سبيل المجاز. والقائلون بالجواز إمَّا أن يدَّعوا في الاستعمال الحقيقة، أو يقولوا بالمجاز فیه. فإن ادَّعى المانعون العمومَ بالنسبة إلى الحقيقة والمجاز، لم يصحَّ لهم ذلك؛ لأنهم إذا ردُوا على المجيزين، جعلوا مدلولَ اللفظ حقيقة معنى من المعاني، ثم ردُّوا الاستعمالاتِ التي يذكرها المجوِّزون بالتأويل إلى ذلك المعنى، وهذا التصرف هو تقريرُ المجاز وبيانُ وجهه؛ لأنَّ اللفظ المستعمَلَ في ذلك المعنى ليس موضوعاً له، واستعمالُ اللفظ في غير ما وُضِعَ له مجازٌ، مثاله: إذا ضمَّنَّا (قتل) معنى (صرف)، فقد استعملنا لفظة (قتل) في غير ما وضعت له، وكذلك إذا ضمنًا (رضيَ) معنى (أقبل)، فلم توضع لفظة (رضي) لمعنى (أقبل)، فهي مجاز فيه، وكذلك تضمينَ (ولَّى) معنى (ضَََّ) و (بَخِل). وكذلك إذا قلنا في قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِيَنَّكُمْ فِي جُذُوعٍ النَّخْلِ ﴾ [طه: ٧١]: إنه يعود إلى معنى الظرفية؛ لاستقرارِ المصلوب على الجذع استقرارَ الشيء في ظرفه فهو مجاز وبيان لوجه(١) علاقته. فإذا كان الأمر على هذا، وسلَّم الكوفيون أنَّ الاستعمالَ في (١) في الأصل: ((وجه))، والمثبت من ((ت)). ٣٦٨ المعاني التي يوردونها مجاز، وكان تصرُّف البصريين آيلاً إلى المجاز، فهذا ينبغي أن يكونَ الخلافُ [فيه](١) في ترجيح أحدٍ المجازين على الآخر، لا في المنع من الاستعمال، [والحمل](٢) أو الجواز فيهما. وإن كان الكوفيون يروْنَ الاستعمالَ في هذه المعاني التي يوردونها حقيقةً، والبصريون يقولون هي مجاز، فقد تقررَ في علم الأصول أنَّ المجاز خيرٌ من الاشتراك، والاشتراكُ لازم على هذا القول؛ لأن الفريقين يتفقون على استعمال اللفظ في معنى حقيقته، والكوفيون على هذا التقدير يرون استعمالَه في معانٍ حقيقةً، فيلزم الاشتراك على هذا التقدير جزماً، ولست أذكر التصريح من مذهب المجوِّزين بأنه حقيقة، وإنما المشهور قولُهم: ويكون كذا بمعنى كذا، وليس في هذا دليل على أنه حقيقة فيه. السادسة: المجاز يحتاج(٣) إلى العلاقة والقرينة، والعلاقةُ (٤) هي المجوِّزة للاستعمال، والقرينة هي الموجبة للحمل، فإن كان الواقع ما قدَّمناه من رجوع الخلاف إلى ترجيح أحد المجازَين على (١) زيادة من ((ت)). سقط من ((ت)) . (٢) (٣) ((ت)): ((محتاج)). (٤) ((ت)): ((فالعلاقة)). ٣٦٩ الآخر، فهذا المقام قد يقع الترجيح فيه (١) بسبب العلاقة، وقد يقع بسبب القرينة . أما بسبب العلاقة: فأن (٢) يكون أظهرَ للذهن، وأحصر عند الفهم(٣)، كما في مجاز الملازمة مثلاً، فإنَّ رُتَبَ التلازم متفاوتةٌ، ويكون بعضُها أقربَ (٤) من بعض. وأما بسبب القرينة: فالقرائن لا تُحصى رُتبها، فقد تختلف بالكثرة والقلة، وبالظهور والخفاء، وغير ذلك، على هذا التقدير يُحتاج إلى النظر الجزئي بالنسبة إلى مواقع الاستعمال في(٥) علاقته وقرينتِهِ، والذي يدل على ما قلناه من رجوع المعنى إلى ترجيح مجاز على مجاز: أنه إذا قلنا: إنَّ (في) للظرفية، نحوَ: المال في الكيس، وزيد في الدار، فإذا (٦) قال بعضهم: إنها تكون بمعنى (على)، واستدل عليه بقوله ◌ّك: ﴿وَلَأُصَلِبَنَّكُمْ فِي ◌ُذُوعِ النَّخْلِ ﴾ [طه: ٧١]، ويقول الشاعر (٧) [من الكامل]: (١) ((ت)): ((فيه الترجيح)). (٢) ((ت)): ((فقد)» . ((ت)): ((وأخصر للفهم» . (٣) (٤) ((ت)) زيادة: ((وأظهر)). (٥) ((ت)): ((وإلی)). في الأصل: ((وإذا))، والمثبت من ((ت)). (٦) (٧) هو الفرزدق كما تقدم. ٣٧٠ بطلٌ كأنَّ ثيابَهُ في سَرْحَةٍ فقال خصمُه: لا حجةَ في ذلك؛ لأن الجذوعَ صارت لهم بمنزلة المكان؛ لاستقرارهم فيها، وكذلك السَّرْحةُ بمنزلة المكان؛ لاستقرار الثياب فيها . فيقال له: هاهنا هيئةٌ للمصلوب بالنسبة إلى الجذع، هي المدلول عليها بالكلام المذكور، فهذه الهيئة المعينة، هل حقيقة الظرفية والوعاء موجودة فيها، كما في قولنا: المال في الكيس، وزيد في الدار، أم لا؟ فإن لم تكن موجودة فقد استعملت في التي موضوعها الظرفية والوعاء فيما ليس كذلك، فهي مجاز، وإن ادَّعيت أنها موجودة فهي خلاف ما ذكر من الظرفية في قولك: [المال في الكيس، وكفى دليلاً على أنها مجاز قولك: إن الجذوع](١) صارت لهم بمنزلة المكان لاستقرارهم فيها، فإن الشيء لا يكون بمنزلة نفسه، فهي إذن غيرُه. ثم يقول: إن (على) للاستعلاء، فهذه الهيئة المعيَّنة هل وجدت هذه الحقيقة فيها، أو لا؟ فإن وجدت فاللفظ الموضوع لهذه الهيئة هو (على) وهي(٢) معناها، ولم يستعمل فيها، واستعمل فيها (في)، فقد استعملت (١) زيادة من ((ت)). (٢) ((ت)): ((وهو)). ٣٧١ [في](١) حيث يكون المعنى معنى (على)، ولا نعني بقولنا: إنها بمعنى (على) إلا أنها استعملت حيث يكون المعنى لـ (على)، فعلى كل حالٍ فالمجاز لازمٌ، والاختلاف في طريقه وتعيينه، وكذلك نقول في سائر ما يُدَّعى أنه لا حجةَ فيه، ونعتذر عنه بالتضمين أو بالحذف، فالتضمين والحذف مجازان، كما اعتذر عن استدلال من قال إن (على) تكون بمعنى الباء بقول(٢) الشاعر(٣) [من الكامل]: فكأَنَّهُنَّ رِبَابٌ وكأَنَّهُ يَسَرٌ يُفِيضُ على القِدَاحِ ويَصْدَعُ ويصدع مفسَّر بأنه يتكلم بالحق والعدل، فيبلغ ذلك أسماعَهم فيشقها [به](٤)، من قوله تعالى: ﴿ فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤]؛ أي: فشُقَّ بها أسماعَهم. فقيل في الجواب: إنه لا حجة فيه؛ لأنه قد تضمن (يفيض) معنى يَحمل(٥)، كأنه قال: يحمل (٦) على القداح، والتضمين مجاز؛ لأنه استعمال اللفظ في غير ما هو موضوع (٧) له، وكذلك أجيب عن (١) زيادة من ((ت)). (٢) في الأصل: ((لقول))، والمثبت من (ت)). (٣) هو أبو ذؤيب الهذلي، كما في ((ديوانه)) (ص: ١٥٢). (٤) زيادة من ((ت)) . (٥) في الأصل و((ب)): ((يحيل))، والمثبت من ((ت)). (٦) في الأصل و((ب)): ((يحيل))، والمثبت من ((ت)). (٧) ((ت)): ((في غير ما وضع)). ٣٧٢ الاستدلال بقوله: اركب على اسم الله؛ أي: بسم الله، فقيل: لا حجة في ذلك؛ لأن (على) تحتمل أن تكون متعلقة بمحذوف، ويكون المجرور في موضع الحال، فكأنه قال: اركب متكلاً على اسم الله، فهذا من مجاز الحذف، ويقال أيضاً: إنَّ (على) حقيقة في الاستعلاء(١) كما ذكرتم، فهذه الحقيقة موجودة(٢) في محل الاستعمال على بابها، أو لا؟ الأول(٣): باطل قطعاً، والثاني: يوجب أن يكون استعملت في غير موضوعها، فهي مجاز. وأما ما ذكره أبو محمد بن السِّيْد - رحمه الله تعالى - من أن مُجوِّز(٤) ذلك من غير شرط وتقييد يلزمه أن يجيز(٥): سرت إلى زيد، وهو يريد: مع زيد، قياساً على قولهم: إن فلاناً ظريف عاقل إلى حسب ثاقب؛ أي: مع حسبٍ ثاقب. فنقول فيه: إن حملْتَ كلامَهم على عدم اشتراط شيء أصلاً، وأنهم يحملون اللفظ المشترك على أحد معنييه حملاً بلا قرينة، تعيَّنَ (١) ((ت)): ((إن (على) للاستعلاء)). (٢) في الأصل: ((هل موجودة)). (٣) ((ت)): ((والأول)). (٤) في الأصل: ((يجوز))، والمثبت من ((ت)). (٥) ((ت)): ((يجوز)). ٣٧٣ المراد، و(١) يحملون اللفظ على المعنى المجازي من غير شرطي المجاز، وهما (٢) العلاقة والقرينة، فما ذكرت لازم على هذا التقدير، ولكنه لا نسلم أن دعواهم كذلك؛ لأنّ المواضع التي يستشهدون بها، والاستعمالات التي يوردونها، لم تعرَ من العلاقة والقرينة إذا(٣) ادُّعِي المجاز، أو من القرينة في الحمل إذا (٤) اذُّعِي الاشتراك، وأما امتناع سرت إلى زيد، بمعنى: مع زيد، فإما أن يُفرض انتفاءُ قرينة تدل على معنى (مع)، أو لا يفرض، فإن فُرِضَ انتفاءُ القرينة(٥)، فهو ممتنعٌ لانتفاء شرط الحمل على المجاز إذا جعلنا الاستعمالَ مجازياً، وليس امتناعُ الحمل على المجاز مع عدم شرط المجاز مما يوجب امتناعَ الحمل حيث يوجد شرط المجاز في الاستعمالات التي يدَّعونها، وإن منعت استعمالها في هذا الموضع(٦) مع وجود القرينةُ الدالة على أنها بمعنى (مع) فلا نسلّم امتناعَه، ولو قامت القرينةُ على أنه أراد بقوله: سرت إلى زيد، [مع زيد](٧) بكلام تقدم، أو بحالة (١) ((ت)): ((أو)). (٢) في الأصل: ((وهي))، والمثبت من ((ت)). (٣) (ت)): ((إن)) . (٤) ((ت)): ((إن)) . (٥) (ت)): ((قرينة)). (ت)): ((وإن حملت كلامهم على الاستعمال)». (٦) (٧) زيادة من ((ت)» . ٣٧٤ مُشاهَدَةٍ(١) تدلُّ على المراد، لجاز ذلك، والله أعلم. السابعة: قول ابن السِّيْد - رحمه الله تعالى -: وإذا لم يصح إنكار المنكر له، وكان المجيزون لا يجيزونه في كل موضع، ثبت بهذا أنه موقوف على السماع غيرُ جائز القياس عليه. فهذا كلام يحتاج النظر فيه إلى قاعدة أصولية، وهي أنَّ المجاز هل يتوقف على السمع، ويشترط فيه الوضعُ، أم لا؟ وتحقيق القول في ذلك، فنذكر هذه القاعدة. الثامنة: فرض الأصوليون مسألةً في [أن](٢) المجاز هل يتوقف على السمع؟ وذكروا الدليل من الجانبين. قال بعضهم: القائلون بأن المجاز يفتقر إلى الوضع خصَّصوا ذلك بالأنواع دون جزئيات المجاز الشخصية(٣)، فيقولون: لابد أن تضعَ العربُ نوعَ التجويز(٤) بالكل إلى الجزء، وبالسبب إلى المسبب، وغيرهما من الأنواع. وأما وضعها للتعبير بهذا الكلِّ المعين عن هذا الجزء المعين، أو التجوز بهذا السبب المعين إلى هذا السبب المعين، فلا يشترطه أحد اتفاقاً(٥). (١) ((ت)): ((شاهدة)). (٢) سقط من ((ت)). (٣) ((ت)): ((الجزئيات الشخصية)). (٤) ((ت)): ((التجوز)). (٥) انظر: ((الإحكام)) للآمدي (١ / ٥٤)، و((مختصر ابن الحاجب مع شرحه للأصفهاني)) (١ / ١٨٧)، و((التمهيد)» للأسنوي (ص: ١٩٦)، و((المحصول)) = ٣٧٥ ولم يزل الأدباءُ في الأعصار والأمصار يكتفون بمجرد العلاقة من غير فحص عن الوضع(١). فأقول: إن أراد(٢) ابن السِّيْد قَصْرَه على السماع في الجزئيات، فالذي حكيناه آنفاً يمنع من ذلك، وإن أراد قصرَه على السَّماع في الأنواع، ففيه ما ذكرنا من الخلاف، ويرجع إذاً الخلاف هاهنا(٣) إلى أنه هل يثبت السماع في هذا النوع، أم لا؟ التاسعة: في وجه تعلّقِ الحديث بما ذكرنا من القاعدة وما بعدها بعضُ من(٤) یری استعمالَ حرف بمعنى آخر، قال: إن (في) تكون بمعنى (من) وأنشد فيه، قال الشاعر [من الطويل]: ثلاثون شهراً في ثلاثة أحوال (٥) للرازي (١ / ٤٥٦)، و((الإبهاج)) للسبكي (١ / ٣٠٥)، و((البحر المحيط)) = للزركشي (٣/ ٥٩). وقد اختار ابن الحاجب وغيره أنه يفتقر إلى الوضع، واختار إمام الحرمين والرازي وغيرهما أنه لا يفتقر إلى الوضع ولا يتوقف على السمع، وتوقف فيه الآمدي. (١) هذا كلام ابن الحاجب في ((أماليه))، كما نقله الزركشي في ((البحر المحيط)) (٣/ ٦١). (٢) ((ت)): ((إما أن يريد)). (٣) ((ت)): ((وسيأتي هاهنا رد الخلاف في المسألة)). في الأصل: ((ما)»، والمثبت من ((ت)). (٤) (٥) عجز بيت لامرىء القيس، كما تقدم (١/ ٣١) من هذا الكتاب، إلا أنه قال فیه: «ثلاثین شهراً) وصدره: وهل يَعِمَنْ مَنْ كان أحدثُ عهدِهِ ٣٧٦ وقال: المعنى من ثلاثة أحوال. ءُ ولفظة (في) هاهنا مستعملة حيث يقول اصليه: ((ولا تأكلوا في صِحَافها))، فانظر هاهنا في أنَّ كلمةَ (في) محمولةٌ على الظَّرفية، أو بمعنى (من) على مذهب من يرى ذلك، والحكم الشرعي في التحريم يتعلق بذلك. العاشرة: الذي يمنع من حمله (١) على الظرفية أنه لو كان قوله ويقرر: ((لا تشربوا في آنيةِ الذَّهب والفضّة، ولا تأكلوا في صِحافها)) محمولاً على الظرفية والوعاء الذي مُثُّل بقولهم(٢): زيد في الدار، والمال في الكيس، لما كان اللفظ متناولاً إلا لتحريم الأكل والشرب، بحیث یکون الإناءُ ظرفاً لهما، وذلك بعید و(٣) ممتنع. أما أولاً: فإنه حمل اللفظ على صورةٍ مخالفة للعادة لا تقع إلا نادراً، وحينئذ يحرم. وأما ثانياً: فلأنه لا يكونُ تحريمُ (٤) الصورة المعتادة بطريق اللفظ، وهذا إن صحَّ فيه القياسُ لم نَرَ أحداً فَعَلَهُ، وليس صحة القياس فيه بالظاهر(٥)، وأعني بالصورة المعتادة: أن يأخذَ المأكولَ من الإناء (١) (ت)): ((من أن يحمل)). في الأصل: ((قولهم))، والمثبت من ((ت)). (٢) (٣) ((ت)): ((أو)). (٤) ((ت)): ((لا يكون الحكم فى)). (٥) ((ت)): ((بالظهارة» . ٣٧٧ ٠ ويرفعه إلى فيه ويأكله. وأما ثالثاً(١): فلأن أهلَ العرف يطلقون على من فعل هذا أنه أكل في صِحَاف الذهب والفضة، وإذا كان كذلك(٢) على معنى (من) فيتناول حينئذ الصورةَ المعتادةَ، ولا تنافي بين معنى (من) الذي هو لابتداء غاية الأكل، وبين معنى الظرفية، فيكون حينئذ اللفظُ متناولاً لهما معاً، إلا أنه يُعَدُّ حملُ اللفظ على مجازه بسبب تعذَّرِ حملِهِ على حقيقته، أو يُعدُّ حمله على حقيقته(٣)، فالذين يمنعون من كون (في) بمعنى (من): إن ردُّوه إلى معنى الظرفية بطريق التأويل فهو مجاز، ويتعين ترجيح أحد المجازين [على الآخر] (٤)، وإن قصروه على معنى الظرف، فعليهم الجواب عما ذكرناه مما یبعُد حمله على ذلك، ولیس يبعد(٥) أن ينازِعَ منازِعٌ منهم في معنى الظرفية، وأنها لا تقتضي الاقتصارَ على الصورة التي استبعدناها، وهو أن يكون الإناء ظرفاً للفم عند تعاطي الأكل والشرب، لكنه مقتضى تمثيلهم(٦) بقولهم: المال في (١) في الأصل و(ب)): ((بالباء))، والتصويب من ((ت)). (٢) ((ت)): ((ذلك)). (٣) في الأصل بعد قوله: ((حقيقته)): ((الحادية عشرة: الذين يمنعون ... )). وقد أثبت ما في ((ت)) هنا؛ لاتساق الكلام مع سابقه وانتظامه . (٤) زيادة من ((ت)). (٥) (ت)): ((ببعيد)). (٦) ((ت)): ((يقتضي تمثيله)). ٣٧٨ الكيس، وزيد في الدار، وقد قال: سعيد بن الدَّهان النحوي في کتاب ((الغُرَّة)) (١): المفهوم من معنى (في) هو اشتمال مقرًّ الشيء أو محله(٢). على ما يلاقيه، كقشر البيضة والمُحِّ(٣)، نقول: زيد في الدار، والمال في الکیس. الحادية عشرة: قوله (٤): ((فإنَّها لهُمْ في الدُّنيا، ولَكُم في الآخرة))، وفي رواية عن عبد الله بن عُكَيم: ((لا تشربوا في آنية الذَّهبِ والفِضَّةِ، ولا تَلبسوا الدِّيباجَ والحريرَ، فإنَّه لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة))(٥)، فأمّا على هذه الرواية في تذكير الضمير في قوله وَّ (فإنه) (وهو)، فينبغي أن يعودَ على المذكور أولاً من إناء الذهب والفضة والحرير والديباج على تقدير، فإن ذلك(٦) كما ذكر عن رؤبة في قوله (١) للإمام الأديب النحوي سعيد بن المبارك بن علي الأنصاري، أبو محمد، المعروف بابن الدهان، المتوفى سنة (٥٦٩هـ) كتاب: ((الغرَّة في شرح اللمع لابن جني)) وهو شرح كبير، لا مثيل له مع كثرة شروح ((اللمع)). انظر: ((كشف الظنون)) لحاجي خليفة (٢ / ١٥٦٢)، و((هدية العارفين)) للبغدادي (١ / ٢٠٥). (٢) في الأصل: ((مصلحته))، والتصويب من ((ت)). (٣) المُحُّ، وكذا المُحَّة: صفرة البيض. انظر: ((لسان العرب)) لابن منظور (٢ / ٥٨٩)، (مادة: محح). (٤) في الأصل: ((قولهم))، والتصويب من (ت)). (٥) تقدم تخريجه . (٦) ((ت)): ((ذاك)). ٣٧٩ [من الرجز]: كأنَّه في الجِلْدِ توليعُ البَهَقْ فيها خُطُوطُ من سَوَادٍ وبَلَقْ وإنه قيل له: لمَ لا تقول(١) (كأنها) فتحمله على الخطوط، أو (كأنهما) فتحمله على السواد والبَلَق؟! فغضب، وقال: ذلك - ويلك - الذي بها تولیعُ البهق(٢). وأما على رواية تأنيث الضمير: ((فإنها لهُم في الدُّنيا، وهي لكم في الآخِرَةِ))، فيحتمل أن يعودَ على الآنيةِ والصِّحاف، ويحتمل أن يعودَ على الجميع على معنى : فإن تلك المذكوراتِ، وما يقرُب منه. * الوجه الرابع: [في الفوائد](٣)، وفيه مسائل: الأولى: فيه الشرب من آنية المجوس، وسيأتي الشُّرب من آنية الكفار. الثانية: حذيفة - ﴿ه - كان على المدائن، فيؤُخذ منه أنَّ مثل هذا (١) في الأصل: ((لو لم))، والتصويب من ((ت)). (٢) انظر: ((مجالس ثعلب)) (٢/ ٣٧٥)، و((خزانة الأدب)) للبغدادي (١ / ٨٨)، و(لسان العرب)) لابن منظور (٨ / ٤١٠)، وعندهم: قال أبو عبيدة: قلت لرؤية: إن كانت الخطوط فقل: ((كأنها))، وإن كان سواد وبياض فقل: ((كأنهما)»؟ فقال: كأنَّ ذا ـ ويلك - توليع البهق، قال ابن منظور: قال ابن بري: ورواية الأصمعي: ((كأنها)) أي: كأن الخطوط. (٣) سقط من ((ت)). ٣٨٠