النص المفهرس
صفحات 201-220
الحادية والأربعون بعد المئتين: قد يحصل طريقان في النصر، ويختلفون في تعيين أحدهما، فمن ذلك ما قدّمناه في الممتنع من أداء الحق الماليِّ إذا قدرنا على ماله، وتمكنًا من بيعه. ومنه إذا امتنع المُؤْلي من الفَيْئَةِ أو الطلاق، فهل يطلِّق عليه الحاكمُ أو يُحْبَسُ حتى يُطلِّق؟ فيه خلاف عند أصحاب الشافعي رحمهم الله تعالى(١)، ولعل السببَ في هذا الخلاف معارضةُ القاعدة(٢) لتطليق غير الزوج المالكِ للعصمة، كما قيل: الطلاقُ بيد من أخذ بالسَّاق(٣) . وكذلك في المسألة قبلَها: بيعُ مالِ الرشيد من غير رضاه، ولا توكيلِهِ، مخالفٌ القياسَ، ويقول هذا القائل: الإلجاءُ إلى الوفاءِ بالحبسِ طريقٌ إلى إيفاء الحقِّ مع المشي على قاعدة القياس. الثانية والأربعون بعد المئتين: ومنه مُؤَنُ المرهون؛ كالنَّفقة على الحيوان عند من يُوجب النفقةَ على الراهن عيناً، إذا امتنع فهل يُجْبَرُّ على الإنفاق، أو لا يجبرُ ويبيعُ الحاكمُ جزءاً ينفقُ منه؟ فيه اختلاف (٤). (١) أصح القولين وأظهرهما: أنه يطلقها الحاكم طلقة. انظر: ((الوسيط)) للغزالي (٦ / ٢٥)، و((روضة الطالبين)) للنووي (٨ / ٢٥٥). (٢) أي: مناقضةُ قوله: (الطلاقُ بيد من أخذ بالسَّاق) لحكمٍ تطليق غير الزوج. (٣) جاء من حديث ابن عباس مرفوعاً، رواه ابن ماجه (٢٠٨١)، كتاب: الطلاق، باب: طلاق العبد، وإسناده ضعيف، كما قال الحافظ ابن حجر في ((التلخيص الحبير)) (٢١٩/٣). (٤) انظر: ((الوسيط)) للغزالي (٣ / ٥٠٨). ٢٠١ الثالثة والأربعون بعد المئتين: إذا امتنع الزوجُ من الكسب لنفقة زوجتِهِ، وهو قادرٌ عليه، فهل للمرأة رفعُ النكاح؟ اختلف العلماءُ فيه، وأظهرُ قولي الشافعي ﴿ه: أن لها ذلك. والذين قالوا: لها ذلك، اختلفوا؛ هل رَفْعُه بالطلاق، أو بالفسخ؟ [و](١) فيه قولان عند الشافعية رحمهم الله تعالى(٢). فإذا وجبَ على الزوج الكسبُ لنفقة الزوجة، فامتنعَ مع القدرة فهو ظالمٌ مُضرٌّ بالمرأة(٣)، ورفْعُ ضررِها بارتفاع النكاح نصرٌ لها، وقد وُجِدَ طريقان كلُّ واحدٍ يرفعُ الضررَ: الطلاقُ والفسخُ، واختلفوا في التعیین. الرابعة والأربعون بعد المئتين: إذا جعلنا رفعَه بالطلاق، أَمَره الحاكمُ [به](٤)، فإن أبى فهل يطلِّق عليه، أو يحبِسُه حتى (٥) يطلِّقَ؟ فيه اختلافٌ كما ذكرنا في الإيلاء. (١) زيادة من ((ت)). (٢) انظر: ((الوسيط)) للغزالي (٦/ ٢٢٢ - ٢٢٣)، و((روضة الطالبين)) للنووي (٩ / ٧٤). (٣) ((ت)): ((للمرأة)). (٤) زيادة من ((ت)). (٥) في الأصل: ((على أن))، والمثبت من ((ت)). ٢٠٢ القول في مسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ذكرناها هاهنا لتعلق ما نحن فيه بها . الخامسة والأربعون بعد المئتين: لمّا كان الأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكر أعمَّ من نصرة المظلوم، كما تبين مما ذكرناه(١)، كانت الشروط التي في الأعم شروطاً في الأخص، وكان عدمها في الأخص مانعاً أو مساوياً للمانع، فلزم(٢) التخصيصُ في النص الذي نحن بسبيله. السادسة والأربعون بعد المئتين: الشروط المذكورة منها ما يُسقِطُ عدمُه الوجوبَ، ومنها ما يُسقِطُ الجوازَ أيضاً، وكلاهما يقتضي التخصيصَ؛ لأنَّ ظاهرَ الأمرِ الوجوبُ، والجوازُ من لوازم الوجوب، وأعني بالجواز: إباحةَ الإقدام على الفعل، فإذا انتفى الجوازُ انتفى الوجوبُ بالضرورة. السابعة والأربعون بعد المئتين: يُشترط في الآمر والنّاهي أن يكون عالماً بالمعروف والمنكر، وفيما نحن فيه يجب أن يكون محقّقاً لكون الفعل ظُلماً، وقد يختلف العلماءُ في ذلك كما مرَّ، وهذا الشرط إذا انتفى انتفى الوجوبُ والجوازُ معاً؛ لأن من لا علمَ عندَه (١) ((ت)): ((ذكرنا)). (٢) ((ت)): ((لزم)). ٢٠٣ بذلك قد يرى المنكرَ معروفاً والمعروفَ منكراً، كما نشاهد من العامة العَمْيَاء، ولهذا قيل: العامّي ينبغي(١) أن لا يحتسبَ إلا في الجَلِيَّات المعلومات؛ كشرب الخمر والزنا وتركِ الصلاة. الثامنة والأربعون بعد المئتين: إذا عَلِمَ أنَّه لا يُفيدُ إنکارُه، ولكنه [لا](٢) يَخاف مكروهاً، فقد أُسقط الوجوبُ؛ لعدم الفائدة، وأُثبت الاستحبابُ؛ لإظهارِ شِعَار الإسلام، وتذكيرِ الناس بأمور(٣) الدين. التاسعة والأربعون بعد المئتين: وإن كان غالبُ الظن أنّه لا يُفيد، ولكن يحتمل أن يُفيدَ، وهو مع ذلك لا يتوقع مكروهاً، فقد ذكر في ((الإحياء)) اختلافاً في وجوبه، وجعل الأظهرَ وجوبَه، ووجه هذا: أن المقتضي للوجوب - وهو الأمر - قائم، فلا يُترك إلا لمعارضٍ خوفِ الضرر، أو اليأس من فائدة الأمر، ولا ضررَ هاهنا ولا يأسَ، فيُعمل بالمقتضي (٤). الخمسون بعد المئتين: عَلم أنه لا ينفع كلامُه، وينالُه ضررٌ إن تكلّم، فالنظر في الوجوب والجواز. أما الوجوب: فإذا سقط الوجوب عندنا(٥) إذا لم يخفِ الضررَ، (١) ((ت)): ((لا ينبغي أن)). (٢) سقط من ((ت)). (٣) ((ت)): ((بأمر)). (٤) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٢ / ٣٢٠). (٥) ((ت)): ((عندما)). ٢٠٤ فَلأنْ يسقطَ إذا خاف الضررَ أولى، وهذا ظاهرٌ. وأما الجواز: ففي ((الإحياء)) فيما إذا علم أنه لا ينفع كلامُه، ويتضرر إن تكلم: لا يجب عليه الحِسْبةُ، بل ربما يحرُم في بعض المواضع، قال: نعم يلزمه أن لا يحضرَ موضعَ المنكر، ويعتزلَ في بيته حتى لا يُشَاهِدَ، ولا يخرجَ إلا لحاجة مهمة أو واجب، ولا يلزمه مفارقةُ البلد والهجرةُ إلا أن يُرهقَ إلى الفساد، أو يُحملَ على مساعدة السلاطين في الظلم والمنكرات، فيلزمه الهجرةُ إن قدر عليها، فإن الإكراه لا يكون عذراً في حقٍّ من يقدر على الهرب من الإكراه(١). وقال غيرُه من المتكلمين: إن غلب على ظن المُنْكِر أن الذي يُنْكِرِ عليه لا يترك المنكَر، ويُوصِلُ إليه الضررَ الكبيرَ، لم يجزْ [له](٢)؛ لأنه مفسدةٌ محققة من غير وجود مصلحة. ورأيت في ((المحيط))(٣) من كتب الحنفية في كتاب ((السير))، وذكره عن ((السير الكبير)»: أنه لا بأس بأن يحملَ الرجلُ وحدَهُ على العدو إذا كان بحيث يُنْكِي فيهم ظاهراً، ووجَّهَ ذلك، ثم ذكر بعده : وإن كان يعلم أنه لا يُنْكِي فيهم، بل يُقْتَل، فإنه لا يحلُّ له أن يحملَ (١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٢ / ٣١٩). (٢) زيادة من ((ت)) . (٣) للإمام شمس الأئمة محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي الحنفي المتوفى سنة (٤٣٨هـ)، كتاب ((المحيط)) في الفقه في عشر مجلدات، صنفه أولاً ثم لخصه قال: جمعت فيه عامة مسائل الفقه مع مبانيها ومعانيها . انظر: ((كشف الظنون)) لحاجي خليفة (٢ / ١٦٢٠). ٢٠٥ عليهم؛ لأنه لا يحصُل بحمله(١) شيء مما يرجع إلى إعزاز الدين، بل يكون مُلْقياً نفسَه إلى التهلكة، قال: بخلاف ما إذا كان يرى قوماً من فُسَّاق المسلمين على منكر، وهو يعلم أنهم لا يمتنعون بنهيه وأنهم يقتلونه، فلا بأسَ بالإقدام عليه، وهو العزيمة، وإن كان يجوز له أن يترخَّص في السكوت؛ لأن هناك القوم يعتقدون ما يأمرهم به وما ينهاهم عنه، فلا بدَّ [من](٢) أن يكون نهيُه مؤثراً في باطنهم، فأمَّا الكفار فغيرُ معتقدين ما يدعوهم إليه، فالظاهر أنهم يقتلونه، فلا يسعُهُ الإقدامُ عليه(٣) . [قلت: في هذا وانتظامِهِ على قانون واحد نظرٌ ](٤). الحادية والخمسون بعد المئتين: علمَ - أو ظنَّ - أنَّه يزولُ المنكرُ، ولكنه يخاف مكروهاً ينزل به، فالنظر في الوجوب والجواز. أمَّا الوجوب: فقد أُسقط للضرر. وأما الجواز: ففي ((الإحياء)) أنه يجوز للمحتسب، بل يُستحب أن يعرِّض نفسَه للضرر والقتل إذا كان للحسبة(٥) تأثيرٌ في رفع المنكرات، أو كسرٍ جاه الفاسق، أو في تقوية قلوب أهل الدين(٦). وهذا اكتفاء في الاستحباب بما هو أعمُّ في زوال المنكر، فإنه (١) في الأصل: ((بحملته))، والمثبت من ((ت)). (٢) سقط من ((ت)). (٣) انظر: ((المبسوط)) للسرخسي (٢٤ / ١٥٤). (٤) سقط من ((ت)). (٥) ((ت)): ((لحسبته)). (٦) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٢/ ٣١٩ _٣٢٠). ٢٠٦ جَعلَ لكسرِ جاهِ الفاسق وتقويةِ [قلوب](١) أهل الدين تأثيراً في هذا الحكم، ولم يقصِرْه على زوال المنكر فقط. قال: فأمَّا إن رأى فاسقاً متغلباً(٢) وحدَه، وعنده سيفٌ، وبيده قَدَحٌ، وعلم أنه لو أنكر عليه لشربَ القدحَ، وضربَ رقبَتَه(٣)، فهذا ما لا أرى للحسبة فيه وجهاً، وهو عين الإهلاك، فإنَّ المقصود أن يؤثر في الدين أثراً ويفديه بنفسه، فأمَّا تعريضُ النفس للهلاك من غير أثر فلا(٤) وجهَ له في الدين(٥)، فينبغي(٦) أن يكون هذا حراماً، أو كما قال(٧). واستدل لهذه(٨) المسألة بالخبر الذي أورده في فضل كلمة حقٍّ عند إمام جائر (٩)، ولا شكَّ أن ذلك مَظِنَّةُ الخوف، وقال: فإن قيل: (١) زيادة من ((ت)). (٢) في النسخ الثلاث: ((منفلتاً))، والمثبت من المطبوع من ((الإحياء))، ولعله الصواب. (٣) ((ت)): ((شرب القدح ضرب رقبته)). (٤) ((ت)): ((فهذا لا)). (٥) في ((ت)) زيادة: ((أن يغريه بنفسه)). (٦) ((ت)): ((بل قد ينبغي)). (٧) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٢/ ٣٢٠). (٨) ((ت)): ((في هذه)) . (٩) وهو قوله بقي: ((أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر))، رواه أبو داود (٤٣٤٤)، كتاب: الملاحم، باب: الأمر والنهي، والترمذي (٢١٧٤)، كتاب: الفتن، باب: ما جاء أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر، وقال: حسن غريب، وابن ماجه (٤٠١١)، كتاب: الفتن، باب: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من حديث أبي سعيد الخدري ، وهو حديث حسن . ٢٠٧ فما معنى قوله: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى النَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]؟ قلنا: لا خلافَ في أن للمسلم الواحد أن يهجُمَ على صفِّ الكفارِ ويقاتلَ، وإن علم أنه يُقْتَلُ، وهذا ممَّا ظُنَّ أنه مخالف لموجب الآية، وليس كذلك، فقد قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: ليس التهلكةُ ذلك، بل بذلُ النفقةِ في غير طاعةِ اللهِ رَقٌ(١). قلت: قسم محمودٌ الخوارزميُّ(٢) [تلميذُ أبي الحسين البصري](٣) الأمرَ فيما إذا عَلم أنه يزول المنكر، ولكنْ يصلُ إليه الضررُ، فإن كان ما يتركه أيسرَ مما يفعله من الضرر (٤) به، مثل أن يتركَ شربَ الخمر ويقتلَه، فذكر أنه لا يجوز، ووجه هذا: أن فيه دفعَ المفسدة الدنيا باحتمال الكبرى. وإطلاقُ القاضي أبي الوليد بن رشد يقتضي أيضاً هذا، فإنه شرطَ أن يأْمَنَ من أن يؤدِّي إنكارُ المنكر إلى منكرٍ آخرَ أعظم (٥) منه، وهو أن ينهى عن شرب خمر فيؤول نهيُهُ عن ذلك إلى قتلِ نفسٍ (١) رواه ابن جرير في تفسيره)) (٢/ ٢٠٠ - ٢٠١) عن ابن عباس قال: ليس التهلكة أن يُقتل الرجل في سبيل الله، ولكن الإمساك عن النفقة في سبيل الله. (٢) هو العلامة الزمخشري صاحب ((الكشاف)). (٣) زيادة من ((ت)). (٤) (ت)): ((المضرة)). (٥) ((ت): ((أشهر)). ٢٠٨ وما أشبه ذلك، فهذا الإطلاق يدخلُ تحته أن يؤديَ إلى قتلٍ نفسه، ویمکن أن یرید به(١) قتل نفسٍ غیرهِ. هذا إذا كان ما يتركه أيسرَ مما يفعله، فأمّا إن كان ما يتركه أعظمَ مما يفعله، فحكى محمود عن مشايخه اختلافاً، قال: قال قاضي القضاة؛ [يعني: عبد الجبار بن أحمد] (٢): إنَّ هذا الإنكار قبيحٌ. قال: وقال شيخُنا أبو الحسين: إنه حسنٌ، واتَّفقوا على أنه غير واجب؛ لأن الله تعالى أباح [لنا](٣) كلمةَ الكفر في حال الإكراه خوفاً على النفس؛ [أي](٤): فلأَنْ يباحَ لنا أن نتركَ غيرَنا يفعل المنكر خوفاً على النفس أولى. قال: واحتج قاضي القضاة بأن هذا الإنكارَ مفسدةً؛ يعني: بخلاف تركِ إظهارٍ كلمة الكفر؛ لأنَّ فيه إعزازَ الدين، وقال الشيخ أبو الحسين: لا فرقَ بينهما؛ إذْ في كل واحد منهما إعزازُ الدين. قلت: مشايخ محمود هذا معتزلة . الثانية والخمسون بعد المئتين: هذا الذي حكيناه من الخلافِ في الإنكار على شرب الخمر إذا أدى إلى قتل المُنْكِرِ، له عندي تعلُّقٌ بمسألة جواز الاستسلام للصائل المسلم على النفس، وفيه اختلافُ قولٍ عند الشافعية - رحمهم الله -، فإِنْ أبحناه فهذا أولى بالإباحة؛ لِمَا (١) في الأصل ((له))، والمثبت من (ت)). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) زيادة من (ت)). (٤) زيادة من ((ت)). ٢٠٩ فيه من إذهاب المنكر وزوالِهِ، والقيام بحقوق الشرع وشعارِ الإسلام. وإذا أجزنا الاستسلامَ ففي استحبابِهِ وجهان للشافعية(١)، وهاهنا أولى بالاستحباب كما ذكرناه. أما إذا منعنا الاستسلامَ فسببُه أن النفس حقٌّ لله څ، وليست من حقوق العبد التي له إسقاطَها، فإن الله تعالى حرَّم على العبد قتلَ نفسه، وتعلَّقَ به الوعيدُ الشديدُ، وإذا كان قتلُ نفسه محرماً عليه لحق الله تعالى، فهو بمنزلة قتل غيره، فكما ليس له أن يُنْكِرَ على الخمر بحيث يؤدي إلى قتل مسلمٍ غيره، فكذلك في قتلِ نفسِهِ . ولا يعارض هذا إلا ما فيه [من](٢) القيام بالشعار وزوال المفسدة، وعلى هذا التقدير يكون المقتضي للمنع قائماً، وما يقال في ذلك من إقامة الشعارِ وإهانة العاصي، فهو من قبيل المعارض، ومحل النظر فيه: أنه هل يساوي ذلك المقتضي - أو يَرجُح عليه - حتى يُقدَّمَ علیه، ویباحُ الإنكارُ مع قيام المفسدة لأجل معارض المصلحة؟ ومما يستدل به على الجواز: الحديثُ عن أبي سعيد الخُدْرِي - -: أن النّبِيِ نَِّ قال: ((إنَّ أفضلَ الجهادِ كلمةُ عَدْلٍ عند سلطانٍ جائرٍ». وهذا الحديث أخرجه الترمذي في ((جامعه)) من رواية عطيّة، عن أبي سعيد الخُدْري، وقال فيه: وهذا حديث حسن غريب(٣). (١) انظر: ((الوسيط)) للغزالي (٦ / ٥٢٩). (٢) سقط من ((ت)). (٣) تقدم تخريجه قريباً. ٢١٠ والأمر كما قال؛ لعدم تهمة عطية بن سعيد(١) بالكذب، ورواية الأكابر عنه، لكنه ممسوسٌ بالضعف(٢). الثالثة والخمسون بعد المئتين: لمَّا حَكَمَ في ((الإحياء)) بأنه يستحب الإنكارُ في حالة خوف الضرر، وبَسطَ الكلامَ فيه، [وشرَطَ](٣) أن يقتصرَ المكروهُ عليه، فإنْ علمَ أنه يُضرب معه من أصحابه أو أقاربه أو رفقائه، فحكمه أنه لا يجوز له الحسبة، بل يحرم؛ لأنه عَجزَ عن دفع المنكر، إلا أن يُفضي ذلك إلى منكرٍ آخرَ، وليس [ذلك] من القدرة في شيء (٤). الرابعة والخمسون بعد المئتين: علم أنه لو احتسب ◌َبَطل ذلك المنكرُ، ولكنْ كان سبباً لمنكرٍ آخرَ يتعاطاه غیرُ المُحتسبِ علیه، فذکر في ((الإحياء)): أنه لا يحل له الإنكارُ على الأظهر؛ لأنَّ المقصودَ عدمُ مناكير (٥) الشرع مطلقاً لا من زيدٍ أو عمروٍ؛ وذلك بأن يكون مع الإنسان مثلاً شرابٌ حلالٌ نجسٌ بسبب وقوع نجاسة فيه، وعلم أنه لو أراقه لشرب صاحبُه الخمرَ، أو شربَ أولادُه؛ لإعوازه الشراب الحلال، فلا معنى لإراقته ذلك. قال: ويحتمل أن يقال: إنه يريقُ ذلك فيكون هذا مبطلاً للمنكر، (١) ((ت)): ((سعد)). (٢) انظر: ((شرح علل الترمذي)) لابن رجب (٢/ ٨٢٣). (٣) زيادة من ((ت)). (٤) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٢/ ٣٢٠). (٥) ((ت)): ((مناکر)). ٢١١ وأما شُرب [الآخر](١) [الخمرَ](٢) فهو المَلومُ فيه، والمحتسب غيرُ قادرِ على منعه من ذلك المنکر، وقد ذهب إلى هذا ذاهبون، وليس ببعيد. قال: هذه مسائل فقهية لا يمكن فيها الحكمُ إلا بظنٍّ، ولا يبعد أن يفرقَ بين درجات المنكر، وينكرها الذي تُفضي إليه الحِسْبةُ والتغييرُ، فإنه إذا كان يذبحُ شاةً لغيره ليأكلها، وعلم أنه لو منعه ذلك الذبح إنساناً وأكله، فلا(٣) معنى لهذه الحسبة، نعم لو كان مَنْعُهُ من ذَبْحِ إنسانٍ وقَطْعِ طرفِهِ يحملُهُ على أخذ ماله، فذلك له وجهٌ(٤). الخامسة والخمسون بعد المئتين: ذكر غيرُ واحد هذا(٥) الذي أذكر معناه، واللفظ لبعضهم، وهو: أن سبيل مُنْكِرِ المُنْكَر أن ينكرَهُ بقدر ما يظن زوالَه فقط، فإن أمكن زوالُه بالتخويف والوعظ والزجر اقتصر على ذلك، ولم يبسط يدَه إلى سواه، وإن احتاج فيه إلى فعلٍ مع القولِ، اقتصر على أيسرِ ما يمكن زوالُه به، ولم يجاوز ذلك، وإن احتاج إلى القتال قاتَلَ عليه. ورتَب ذلك على حسب ما يؤدِيه اجتهادُه وغلبةُ الظنِّ، فإن لم يمكن إنكارُه بلسان، ولا يد، أنكر بقلبه، ورغب إلى الله تعالى في إزالته. قال: هذا الذي أشرتُ إليه. ولا يبلغ مُنْكِرُ المُنْكَرِ بالسيف (١) سقط في ((ت)). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) في الأصل: ((ولا))، والمثبت من ((ت)). (٤) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٢/ ٣٢٠). (٥) في الأصل: ((ما هذا))، والمثبت من ((ت)). ٢١٢ والسلاح إلا مع السلطان (١)، ولكن ينكر بما دونَ السيفِ والسلاح(٢). [و](٣) هذا التدريج الذي حكينا، ذهب إليه غيرُ واحد من الأشعريةِ والمعتزلةِ، والذي ذكرته آنفاً هو عن بعض الأشعرية. ورأيت بعضَ المتكلمين، وبعضَ من تكلم في التفسير [قد](٤) استأنس في ذلك بقوله(٥) تعالى: ﴿وَإِن طَيِفَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ﴾ [الحجرات: ٩]، فأمرَ أولاً بالإصلاح، وفي الأخير بالقتال. قال المفسِّرُ بعد أن تلا الآيةَ: قدَّمَ الإصلاحَ على القتال، وهذا يقتضي أن يبدأ - في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - بالأرفقِ فالأرفقِ مترقياً إلى الأغلظ فالأغلظ، قال: وكذا قوله تعالى: ﴿وَأَهْجُرُ وهُنَّ فِىِ الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤]، وإذا لم يتمَّ الأمرُ بالتغليظ والتشديد، وجب عليه القهرُ(٦) باليد، فإنْ عَجَزَ فبالقلب(٧) . قلت: هذا الذي ذكر من التدريج إن كان على سبيل الاستحباب فلا بأسَ، وإن كان على سبيل الوجوب، فيُشكل عليه حديثُ أبي (١) ((ت)): ((سلطان)). (٢) في الأصل زيادة: ((إلا مع السلطان ولا ينكر)). (٣) زيادة من ((ت)). (٤) زيادة من ((ت)). (٥) في الأصل: ((بذلك في قوله))، والمثبت من ((ت)). (٦) ((ت)): ((التغيير)). (٧) انظر: ((التفسير الكبير)) للرازي (٨ / ١٤٧). ٢١٣ يه - الصحيح: ((منْ رأى مُنْكَراً فَلْيُغيِّرِه بيدِهِ، فإنْ لم سعيد الخُدْري - ضـ يستَطِعْ فبلسانِهِ، فإن لم يستطِعْ فبقلبِهِ، وذلكَ أضعفُ الإيمان))(١). فأمرَ بالتغيير أولاً باليد، وشرطَ في الاكتفاء بتغيير اللسان عدمَ الاستطاعة بتغيير اليد، وماذكره من الاستشهاد على ذلك بقتالِ البغاة، وكذلك ما يمكن أن يُستشهد به عليه من دفع الصائل، فإنه يجب البَداءةُ فيه (٢) بالأهون فالأهون، فالسببُ فيه أنَّ قتلَ المسلمِ مفسدةً [عظيمة](٣) [أعظمُ](٤) عند الله من زوال الدنيا(٥)، فيجب أن لا تُوْقَع هذه المفسدةُ مهما أمكن ذلك، وكذلك ضربُ المرأةِ مفسدةٌ لا تُوْقَعُ إلا بعد العجز عن دفعها بما دونه لقيام المانع، فإن كان إنكارُ المنكر مما يؤدي إلى مثل هذا من إيقاع المفاسد المحظورةِ شرعاً، فهو مثل تقدم تخريجه . (١) (٢) ((ت): ((فيها» . (٣) سقط من ((ت)). (٤) في الأصل و((ت)): ((أهونُ))، والمثبت أشير إلى تصحيحه في هامش ((ت)) . (٥) روى النسائي (٣٩٨٧)، كتاب: تحريم الدم، باب: تعظيم الدم، والترمذي (١٣٩٥)، كتاب: الديات، باب: ما جاء في تشديد قتل المؤمن، من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً: ((لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم)). وقد رجح الترمذي وقفه. قلت: الأحاديث في تحريم قتل المسلم كثيرة جداً قد يبلغ مجموعها حدَّ التواتر، وقد أفردها غير واحد من العلماء بالتصنيف. ٢١٤ ما ذُكِرِ سواء، لكنه أمرٌ عارضٌ، فلا ينبغي أن يُجعلَ ذلك حكماً عاماً في إنكار المنكر حيث لا يؤدي إلى وقوع المفاسد المحرمة شرعاً، والكلامُ في درجة الوجوب. فإن قلت: الإغلاظُ سببٌ في ثوران نفس الظالم المرتكِبِ للمنكر، ولجاجِهِ فيما هو فيه، وأحبُّ شيء إلى الإنسان ما مُنِعَ، وربَّما أدى ذلك إلى فتنة. قلت: إن كانت هذه قضيةً جزئية تفرضها، وكانت البداءة بالإغلاظ (١) توقع في مثل هذه المفسدة المذكورة في قتل الباغي ودفع الصائل، سلَّمناه، فلا (٢) يجوز في هذه الصورة إلا ما يجوز في دفع الصائلِ والباغي من التدريج. وإن جعلتَ هذه المفسدةَ مقتضيةً لوجوب التدريج مطلقاً، فهذه مفسدةٌ ألغى الشارعُ اعتبارَ دفعِها؛ لأنها عامةٌ غالبة في حق مرتكب المنكر، فلو اعتُبِرَ ذلك مطلقاً أدى إلى مخالفة النص المذكور في حديث أبي سعيد، وقد يكون الشارعُ اعتَبرَ مصلحةَ الإغلاظ(٣) على مرتكب المنكر عقوبةً له على تجرُّئه على حدود الله تعالى. السادسة والخمسون بعد المئتين: قد قدمنا الحكايةَ عن بعض (١) في الأصل: ((بالأغلظ))، والمثبت من ((ت)). (٢) ((ت)): (ولا)). (٣) ((ت)): ((الإنكار)). ٢١٥ متكلمي الأشعرية، فإنه لا يبلغ مُنْكِرُ المنكر بالسيف والسلاح [إلا مع السلطان، ولكن يُنكر بما دون السيف والسلاح](١). م وذكر محمود الخوارزميُّ المعتزليُّ تلميذَ أبي الحسين البصري اختلافاً فيما بعد النهي بالقولِ من المنع بالضرب والقتال قال: فقال قومٌ: إنَّ ذلك واجبٌ على الإمام ومن يَلِي منه دونَ غيرِهِ. قال: وقال شيوخُنا: بل ذلك واجب على الكل، والدليل لذلك قوله تعالى: ﴿وَإِن طَيِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ﴾ إلى قوله: ﴿فَقَائِلُواْ الَّتِى تَبْغِى﴾ [الحجرات: ٩]، والأمرُ في الآية بالقتال يتناول جميعَ المكلفين. وقال بعضُ مصنّفي الشافعية الفقهاء(٢): ومن رأى مرتكباً لمحرَّم؛ كشرب الخمر وغيره من أنواع المحرمات، وافتقر في إزالته إلى شهرٍ السلاح، فقد منعه الأصوليون اتفاقاً، وأجازه طوائفُ من الفقهاء(٣). السابعة والخمسون بعد المئتين: الصَّائلُ لأخذ المال: المشهور أنه يجوز قتالُه، وحُكِيَ عن قديم الشافعي -﴿ه -: أنه إنْ أدى إلى قتل الصَّائل - أو (٤) إتلافِ بعض أعضائه(٥) لم يجزْ، (١) سقط من ((ت)). (٢) ((ت)): ((من الفقهاء)). (٣) انظر: ((روضة الطالبين)) للنووي (١٠ / ١٨٩). (٤) (ت): ((و)). (٥) ((ت)): ((بعضه)). ٢١٦ والمذهبُ خلافُه(١)، والحديثُ الصحيح، وهو قوله ◌َّ: ((من قُتِلَ دُوْنَ مالِهِ فهو شهيدٌ))(٢) يدلُّ على الجواز، هذا في المال الكثير. الثامنة والخمسون بعد المئتين: لا يجوز إنكار المنكر بمباشرة فعلٍ محرمٍ شرعاً إلا لمعارض، لاسيما إذا كان ما يُبَاشَرُ أعظمَ مفسدةً مما يُنْكَر، فمن بَسط لسانَه بالغيبةِ والقذفِ مثلاً، فخطر ببالِ المتولِّي أن ينكرَ عليه بقطع لسانه [لم يجزْ](٣). وقد (٤) نقلوا ما معناه: أن عمر - - عزم على قطع(٥) لسان الخُطَيْئَةِ بسبب الهجوِ(٦)، فإنْ صحَّ ذلك فهو من باب العزم على المصالح المرسلة، فحَمْلَهُ على التهديد الرادع للمصلحة أولى من حَمْلِهِ على حقيقة القَطْع للمصلحة، وهذا يجرُّ(٧) إلى النظر فيما يسمَّى (١) انظر: ((روضة الطالبين)) للنووي (١٠ / ١٨٦). (٢) رواه البخاري (٢٣٤٨)، كتاب: المظالم، باب: من قاتل دون ماله، ومسلم (١٤١)، كتاب: الإيمان، باب: الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره بغير حق، كان القاصد مهدر الدم في حقه، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. (٣) سقط من ((ت)). (٤) ((ت): ((فقد)). (٥) ((ت)): ((همَّ بقطع)). (٦) رواه أبو ذر الهروي في «فوائده)) (١/ ١٢٠)، عن زيد بن أسلم، عن أبيه. (٧) ((ت)): ((ينجر)). ٢١٧ مصلحةً مرسلةً، والاسترسالُ في ذلك(١) عظيمٌ، ويقع فيه منكراتٌ عظيمةُ الوقع في الدين، واسترسال قبيح في أذى المسلمين، ولست أنكِرُ على من اعتبر أصلَ المصالح المرسلة، لكن يحتاج إلى نظر شديد، وتأملٍ سديدٍ، وعدم التجاوز للحد المعتبر. التاسعة والخمسون بعد المئتين: تكلَّموا في إنكار الولد على الوالد(٢)، قال بعضُ المالكية: فإذا رأى الرجلُ أحدَ أبويه على منكرٍ من المناكير فَلْيَعِظْهُما برفق، وليقل لهما في ذلك قولاً كريماً، كما أَمَرَ الله تعالى حيث يقول: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] الآية إلى قوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَرْحَمْهُمَا كَا رَبِّيَانِ صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤]. وغيرُهُ رتَّب الحِسْبةَ خمسَ مراتب : الأولى: التعريف. والثانية: الوعظ بالكلام اللطيف. والثالثة: السب والتعنيف، قال: ولست أعني بالسبِّ الفحشَ، بل أن يقول: يا جاهل! يا أحمق! أما تخاف الله؟! وما يجري هذا المجرى. (١) ((ت)): ((والاسترسال في ذلك، وشاورني بعض القضاة في قطع أنملة شاهد، والغرض منعه عن الكتابة بسبب قطعها، وكل هذه منكرات عظيمة الوقع ... )). (٢) ((ت)): ((الوالد على الولد)»، وهو خطأ. ٢١٨ والرابعة: القهرُ(١) بطريق المباشرة؛ ككسر الملاهي، وإراقةٍ الخمر، واختلاعِهِ الثوبَ الحريرَ من رأسه، واستلابِ الشيء(٢). المغصوب منه ورده علی صاحبه. و[الخامسة]: التخويف بالتهديد بالضرب، أو مباشرة الضرب له حتى يمتنعَ عمَّا هو عليه(٣). وجعلَ للولد الحسبةَ بالرتبتين الأوليين وهو التعريف، ثم الوعظ والنصح باللطف، قال: وليس له الحِسبةُ بالسبِّ والتعنيف والتهديد، ولا بمباشرة الضرب، وهما الرتبتان الأخيرتان، وهل له الحسبة بالرتبة الأخيرة(٤) بحيث يؤدي إلى أذى الوالد وسخطِهِ؟ قال: فيه نظرٌ، وهو أن يكسرَ [مثلاً](٥) عودَه، ويريقَ خمرَه، ويَحِلَّ الخيوطَ من ثيابه المنسوجةِ بالحرير، ويردّ إلى الملأَكِ ما يجده في بيته من المال الحرام الذي غصبه أو سرقَه أو أخذه عن(٦) إدرار (١) (ت)): ((والمنع بالقهر)) بدل ((والرابعة: القهر))، وفي المطبوع من ((الإحياء)) للغزالي، وعنه نقل المؤلف: ((المنع بالقهر)). (٢) في المطبوع من ((الإحياء)) للغزالي: ((واختطاف الثوب الحرير من لابسه، واستلاب الثوب ... )). (٣) انظر: ((إحياء عوم الدين)) للغزالي (٢/ ٣١٥). (٤) أي: التي لم يوضح أمرها بعد، وهي الرابعة، فقد ذكر جواز الأولى والثانية، وامتناع الثالثة والخامسة. (٥) سقط من ((ت)). (٦) في الأصل و((ب)): ((من))، والمثبت من ((ت)). ٢١٩ ورزق من ضريبة المسلمين، إذا كان صاحبه معيناً، ويُبطل الصورَ المنقوشةَ على حيطانه، والمنقوشةَ في خشب بيته، ويكسرَ أوانيَ الذهب والفضةِ، فإنَّ فِعْلَه في هذه الأمور ليس يتعلق بذات الأب، بخلاف الضرب والسبّ، لكن الوالد قد يتأذى به ويسخطُ بسببه، إلا أنّ فعلَ الولدِ حقٌّ، وسخطَ الأب(١) منشؤه حبُّه للباطل والحرام. والأظهر في القياس أن يثبتَ ذلك للولد(٢)، بل يلزمه أن يفعلَ ذلك، ولا يبعد أن ينظرَ إلى قُبح المنكر؛ كإراقة خمرِ مَنْ لا يشتدُّ غضبُه، فذلك ظاهر(٣)، فإن كان المنكرُ فاحشاً والسخطُ شديداً؛ كما لو كانت آنيةَ بلور أو زجاج على صورة حيوان، وفي كسرها خُسرانٌ مالٍ كثير، فهذا مما يشتد فيه الغضب، وليس تجري هذه المعصيةُ مجرى الخمرِ وغيرِهِ، فهذا كلَّه مجالُ النظرِ (٤). قلت: أمّا إِباحةُ التعريف، والوعظ بالقول اللطيف، فلا شكَّ في [إباحة](٥) ذلك. وأما المنع من السبِّ فصحيح أيضاً، بل لو طُولبنا بدليل على (١) ((ت)): ((الوالد)). (٢) ((ت)): ((للولد ذلك)). (٣) ((ت)): ((ولا يبعد أن ينظر إلى قبح المنكر وإلى مقدار الأذى والسخط، فإن كان المنكر شديداً وسخطه عليه قريباً؛ كإراقة خمر ... )). (٤) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٢ / ٣١٨). (٥) سقط من ((ت)). ٢٢٠