النص المفهرس

صفحات 121-140

طاعة، وذَكَر قَولَه بَّهِ: ((واللهِ لأغزونَّ قريشاً)(١) مستدِلاً به على أنَّ
اليمين لا تُكْرِهُ على الطَّاعَةِ؛ [كبَيعة الجهاد](٢).
قال: ويُستثنى أيضاً اليمينُ الواقعةُ في الدَّعاوى إذا كَانَتْ صَادِقةً
فإنها لا تُكْره(٣).
1
وهذا الذي ذكره في كراهة الأَيْمان على الإطلاق وردَ فيه حديثٌ
يخالفُه، ذُكِرَ فيه: ((فإنَّ الله يُحب أن يُحْلَف بِهِ))(٤)، فإنْ صحَّ، أو كان
بمثابةِ ما يَسْتَدِلُ به الفُقهاءُ، لَزِمَ القولُ بخلافه؛ إمَّا فِي نَفْس الأمر، أو
إِلْزَاماً لَهُمْ.
السَّادسة والثَّمانون: إذا كانتِ اليمينُ على فِعْلِ واجبٍ أو تركِ
مُحرَّم، فهي يمينٌ بَرَّةٌ] غيرُ محرَّمَةٍ، ونصَّ بعضُ فقهاءِ الشَّافعيّة على
أنَّها طاعةٌ(٥)، وفيه بحثٌ؛ لأنَّ الطّاعةَ امتثالُ الأمرِ، فيلزَمُ مِنْ كونِها
(١) رواه أبو داود (٣٢٨٥)، كتاب: الأيمان والنذور، باب: الاستثناء في
اليمين بعد السكوت، وابن حبان في «صحيحه)) (٤٣٤٣)، من حديث ابن
عباس رضي الله عنهما. وقد رجح الأئمة إرساله. انظر: ((الدراية)) لابن
حجر (٢ / ٩٢ - ٩٣).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) انظر: ((روضة الطالبين)) للنووي (١٠١ / ٢٠).
(٤) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٧/ ٢٦٧)، والديلمي في ((مسند.
الفردوس)) (٣٣٣)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وإسناده
ضعيف. انظر: ((فيض القدير)) للمناوي (١ / ٢٠٠).
(٥) انظر: ((روضة الطالبين)) للنووي (١١ / ٢٠).
١٢١

طاعةً أنْ يكون الأمرُ متوجِّهاً بها قبلَ وقوعِها، وأقلُّ درجاتِ الأمرِ
النَّدِبُ، فيلزم أن يكونَ الإنسانُ مندوباً إلى اليمينِ على فعلِ الطاعاتِ
وتركِ المحرَّماتِ، وهذا بعيدٌ إذا أُخِذَ على الإطْلاقِ، أمَّا إذا حصلتِ
الدَّاعية إلى فِعْلِ ممنوع أو تركِ واجبٍ، ولم تتعيَّنِ اليمينُ طريقاً لأداءِ
ما يجبُ منَ التَّركِ أو الفعلِ، بلْ كانتْ مُقَرِّبَةً لفعلِ ما يجبُ وتَرْكِ
ما يَحْرُمُ، فحينئذٍ يَصِحُّ القولُ بالنُّدْبِيَّةِ فيها، وإنَّما قلتُ: ولم تتعيَّن؛
لأنَّها لو تعيَّنتْ طريقاً تعيَّنَ الوجوبُ فيها(١).
السابعة والثَّمانون: إذا حلفَ على فعلِ محظورٍ أو تركِ واجب،
فاليمينُ مَعْصيةٌ، وهذا ظاهرٌ؛ لأنّ المختارَ عند جمع من العلماء: أنَّ
العزمَ على المعصية ذنبٌ وإثمٌ(٢)، فكيف يكون الحال في تأكيده
بالحلف؟!
[وما تقدَّمَ من أنّ الطاعة تقتضي تقدُّمَ الأمرِ، ينبغي أن يُنظر فيه،
وهل اقتضاؤها(٣) للأمر الخاص، أو ما هو أعمُّ من ذلك؟](٤).
الثامنةُ والثَّمانون: إذا حلفَ على فعل مُستَحَبِّ؛ كصلاةِ التطوُّع
وصدقةِ التَّطُوُّع مثلاً، فنفي الكراهة حاصلٌ بما نقلناه فيما تقدَّم،
(١) في ((ت)) زيادة: ((وهذا الذي ذكرناه من استلزام كونها طاعة أن يكون الأمر
متوجهاً بها بعينها، فينظر، وأما استلزامها للأمر بها بعينها أو لما هو أعم
منها)» .
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ١٠٧).
(٣) في الأصل و((ت)): ((اقتضاها))، والمثبت من ((ب)).
(٤) سقط من ((ت)).
١٢٢

ولكن النَّظر في كونِها مستحبَّةً أو طاعةً، وفيه ما قدَّمناه من
البحث، وأنّ مقتضى كونِه طاعةً أن يتقدَّمَ الأمرُ بها، ومقتضى ذلك:
أنْ يكونَ الإنسانُ مندوباً إلى أن يحلفَ على فعلِ المستحبَّاتِ
[أو ما في](١) معناها، وفي هذا بُعدُ، إلاّ أنْ يعرضَ ما يقتضي
تركَها وتكون اليمين مقرِّبَةً لفعلها، فحينئذٍ يتّجه القولُ باستحبابِ
اليمينٍ؛ لما فيها من الحثِّ على فعلِ الطاعةِ.
التاسعة والثمانون: حَلَفَ على فعلِ مكروهٍ، فاليمينُ مكروهٌ؛
لأنَّها وسيلةٌ إلى فعلِ المكروهِ، والتوسُّلُ إلى المكروهِ مكروهٌ، وهذا
ظاهر.
التُّسعون: هذهِ الأقسامُ التي ذكرناها في حُكْمِ الأيمان علی تَقْدِیرِ
أنْ يُحْمَلَ إبرارُ القَسَمِ على أن يكون ذا بِرّ، فإن تعيّن(٢) ذلك،
فالظَّاهرُ أنَّ المرادَ طلبُ أنْ تكونَ اليمينُ حاصلاً فيها البرّ؛ أي:
موجوداً، وقد يراد به: أنّه لا إثمَ فيها، وهو أعمُّ من الأوَّلِ، فإنَّ
عَدمَ الإثمِ أعمُّ من وجودِ البرِّ.
وإذا حملنا الأمرَ على الوجوبِ، فيصيرُ التَّقديرُ: أنَّه يجبُ أن
تكونَ اليمين برَّةً؛ أي: طاعةً، فيتعيَّنُ حينئذِ التّخصيصُ؛ لأنَّ ذلك
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((صحّ)).
١٢٣

[(إنما](١) يكونُ في اليمينِ على الماضي، فإنَّه يجب أن تكونَ صادقةً،
والصِّدقُ واجبٌ، فهي متَّصفةٌ بطاعةٍ واجبةٍ، وأمَّا اليمينُ على
المستقبل فلا يتأتَّى فيها ذلك، فإنَّ اليمينَ على المستقبلِ؛ إمَّا على
فعلٍ واجبٍ أو تركِهِ، أو تركِ محرَّم أو فعلِهِ، أو فعلِ مُستَحَبٌّ أو
مكروهٍ، أو تركِ مستحَبٍّ أو مكروهٍ(٢)، وكلُّ ذلك لا تكونُ اليمين فيه
متَّصفةً بطاعةٍ واجبةٍ؛ لأنَّ أعظمَ الدَّرجاتِ أن يكونَ على تركِ محرَّم أو
فعلٍ واجبٍ(٣)، ولا تجبُ اليمينُ على شيءٍ منهما عندَ الإطلاق،
والمكروهُ لا يتعلَّق به الوجوبُ، وكذلك المستحبُّ لا يتعلق الوجوبُ
بفعله، ولا باليمين على فعله، وأمّا وجوب الوفاء عند الحلف على
فعلِ الواجب أو تركِ المحرم، فليس مما نحنُ فيه؛ لأنَّا نتكلم على أنه
يجب أن تكونَ اليمينُ ذاتَ برّ؛ أي: مشتملةً على وجوب، وهذا غير
وجوب الوفاء، فاعلمْهُ.
أما إذا حملنا كونها ذاتَ برّ على أنها ليست بمعصية، فلا
تخصيصَ؛ لأنّه لا واحدَ - ولا شيء - من الأيمان إلا ويجب أن
لا يكون معصية، وهذا الحمل يكون مجازاً؛ أعني: حملَ كونِها بَرَّة،
على أنه لا معصيةً فيها، إذا كان حمله على أن يكون طاعةً هو
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((إما على فعل واجب، أو ترك محرم، أو فعله، أو فعل مستحب أو
مکروه» .
(٣) (ت)): ((على فعل محرم أو ترك واجب)).
١٢٤

الحقيقة، وهو الأقرب(١).
الحادية والتسعون: الحملُ على أنّ المرادَ بكونها برّةً
عدَمُ الإثم فيها، مجازٌ لا يلزم فيه التخصيصُ كما ذكرناه،
وحملُه على أن يكونَ طاعةً، يلزم فيه التخصيصُ على تقدير الحمل
على الوجوب كما ذكرناه من أنه يختص باليمين على الماضي، فمن
أراد ترجيحَ أحد المَحْمَلين على الآخر، فهذا موضعُ تعارضِ المجاز
والتخصيص، وقد قالوا: إنّ التخصيصَ أولى(٢)، والله أعلم.
الثانية والتسعون إلى تمام السابعة: وإذا حملنا إبرارَ القَسَمِ على
الوفاء بمقتضى اليمين، وهو الظاهر كما تقدم في المفردات، فما
كانت اليمينُ فيه على فعل واجبٍ، فالوفاءُ واجبٌ، والحِنث محرَّمٌ،
وكذلك ما كان فيه على ترك محرم، وإن كانت على ترك واجبٍ أو
فعل محرم، فالوفاء بمقتضى هذه اليمينِ محرّمٌ، وإن كانت على
[فعل](٣) محبوب، فالوفاء مستحبٌّ والمخالفة مكروهةٌ، وإن حلف
على ترك محبوبٍ، فالوفاء مكروهٌ [والإقامة عليها مكروهة](٤)،
ويستحبُّ أن يحنّثَ نفسَه.
(١) (ت)): ((الأقوى)).
(٢) انظر: ((البحر المحيط)) للزركشي (٣/ ١٢٨).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) زيادة من ((ت)).
١٢٥

هذا(١) مقتضى ما ذكره الشافعية - رحمهم الله تعالى -، أو من
ذكره منهم(٢)، وهو ظاهر، ويدل على الأخير منه قوله تعالى:
﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُواْ أُوْلِ الْقُرْبَى وَالْمَسَكِينَ
وَاُلْمُهَجِرِينَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ﴾ [النور: ٢٢].
والمرادُ بالنهي عن اليمين في الآية: النهيُ عن الوفاء بمقتضاها
- والله أعلم - إطلاقاً لاسم الابتداء على الدوام، ويُحتمل أن يكون
النّهيُ على ظاهره متناولاً للمستقبل، وإذا تحقق النهيُ [عنه] (٣) في
المستقبل، كان الأمرُ باختيار الحنث لازماً من لوازم هذا الأمر، والله
أعلم.
فهذه ستُّ مسائل تنضاف(٤) على العدد السابق، واعلمْ أن حملَ
القَسَم على أن تكون اليمينُ برّةً يحتاج إلى أن تتأمله لتخرِّجَه على
القواعدِ النَّحوية.
الثامنة والتسعون: حلفَ على مباح؛ كدخول دار، وأكل طعام،
ولُبْسِ ثوب، وتَرَك ذلك، فله أن يقيمَ عليه، وله أن يحنّث نفسه.
وأطلق القول في ((التهذيب)) المالكي فقال في يمين الرجل: والله
(١) في الأصل: ((وهذا))، والمثبت من ((ت)).
(٢) انظر: ((روضة الطالبين)) للنووي (١١ / ٢٠).
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) ((ت)): ((تنساق)).
١٢٦

لأفعلنّ، ووالله لا فعلتُ: أنه إن رأى الحنثَ أفضل، حَنَّث نفسَه(١).
وفي الأولى في صورة الحلف على المباح أوجه للشافعية
رحمهم الله :
الأول: أن الوفاء أولى؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَقُضُواْ الْأَيْمَنَ بَعْدَ
تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١]؛ لما (٢) فيه من تعظيم اسم الله تعالى.
والثاني: الحنثُ أولى؛ لقوله تعالى: ﴿كُواْ مِنَ الطِّبَتِ ﴾ [المؤمنون: ٥١]،
ولينتفعَ المساكينُ بإخراج الكفارة.
والثالث: أنه مخيّرٌ بين الوفاء والحنث ولا ترجيح، كما قيل
[في] اليمين(٣).
والذي يقتضيه اللفظُ في الحديث أن يُحمل على كل وفاء،
ويخرج عنه ما تعيّن إخراجُه؛ كاليمين على فعل الممنوع وترك
الواجب، وكذلك يخرج منه اليمين على فعل المكروه، ويبقى اليمينُ
على فعل المستحب وترك المكروه، وعلى المباح، إلا أن يقومَ دليلٌ
خارجٌ عن هذا العموم، فيصار إليه، والله أعلم.
التاسعة والتسعون: حلف لا يأكلُ طيباً ولا يلبسُ ناعماً، اختلف
فيه الشافعية رحمهم الله تعالی:
(١) انظر: ((تهذيب المدونة)) للبراذعي (١ / ٢٧٩).
(٢) ((ت)): ((ولِمَا)) .
(٣) انظر: (المهذب)) الشيرازي (٢/ ١٢٩)، و((روضة الطالبين)) للنووي
(١١/ ٢٠).
١٢٧

فقيل: اليمينُ مكروهةٌ، لقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَِّىّ
أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وهذا اختيار أبي حامد
منهم.
وقيل: اليمين طاعةٌ، لاختيارِ السلف خشونةَ العيش، وهذا
اختيار أبي الطَّيب.
. وقيل: يختلف ذلك باختلاف أحوال الناس وقصودهم وفراغِهم
للعبادة، ولتمتعاتهم(١) بالضيق والسعة (٢).
وينبني على كونِها مكروهةً استحبابُ الحنثِ وعدمِ
الوفاء، وعكسُه على كونِها طاعةً، ويقتضي لفظُ الحديث الوفاءَ،
إلا أن المعارض في هذه الصورة قد يقوى بالتسبب(٣) إلى ذلك
العموم.
والأصحُّ عندي ــ مع اعتبار القصد -: أن لا يخرجَ الفعلُ إلى
التنطُّع والتشديد والتشبُّه بأفعال المترهبين (٤)، والخروج عن سيرة
السلف، وحينئذٍ أقدِّمُ المعارضَ في هذه الصورة على العموم لقوته،
والله أعلم.
(١) ((ت)): ((وتمتعاتهم)).
(٢) قال النووي: وهذا أصوب. انظر: ((روضة الطالبين)) له (٢٠/١١).
(٣) ((ت): ((بالنسبة)).
(٤) (ت)): ((المترفهّين))، وفي ((ب)): ((المرتهبين)).
١٢٨

المُوفِيّة(١) المئة: قد ذكر في الحديث(٢): ((إبرار المقسم)) على
ما (٣) ذكره من الترديد(٤)، وهو محمول على أن يجعلَ يمينَه بَارّةً؛ أي:
لا یحنث(٥) فیھا، وله صور :
منها: أن يحلفَ عليه إنسانٌ: ليفعلنَّ كذا، أو لا يفعلنَّ كذا،
فإبرارُ يمينه أن يوافقَ مقتضاها، ولا يحنثه، وهذا يختلف الحكم فيه
بحسب حکم تلك الیمین :
فإن كانت يميناً على فعل محرم أو تركٍ واجب، فلا شكّ في
تحريمِ إبرارٍ قسمِهِ.
وإن كانت على فعلٍ واجب أو تركِ محرم، فلا شكّ في وجوب
إبرار قسمه، لا من جهة اليمين، بل بأصل الشَّرع.
وإن كانت على فعل مستحبّ، فالإبرارُ مستحبٌ، وكذلك على
ترك المكروهِ.
وإن كانت على ترك مستحبٍ أو فعلٍ مكروه، فالإبرارُ مكروهٌ،
[و](٦) هذا ما تقتضيه الأصولُ المتقدِّمةُ.
(١) أوفى الشيءُ: تمَّ، وقوله: ((الموفية مئة))؛ أي: تمام المئة.
(٢) في الأصل: ((حديث))، والمثبت من ((ت)).
(٣) في الأصل: ((وما))، والمثبت من (ت)).
(٤) أي: التردُّد بين إبرار القسم وإبرار المقسم.
(٥) في الأصل: ((يحنثه))، والمثبت من ((ت)).
(٦) زيادة من ((ت)) ..
١٢٩

وإن كانت على فعل مباح أو تركه، فالأقرب أن يكون الإبرار
مستحباً؛ لدخوله تحت اللفظ حيث يقول: إنّ إبرارَ يمينِ المُقْسِم
مستحبٌّ، فمن مصلحته سلامةُ المقسم عن غرامة كفارة اليمين إذا كان
قد بتّ اليمين، و[قد](١) تعارضه مصلحةُ انتفاع المساكين بالكفارة على
تقدير عدم الإبرار لقَسَم الحالف، وقد تُقَدَّمُ مصلحةُ سلامته عن غرامة
الكفارة على مصلحة انتفاع المساكين بها، كما يقتضيه ظاهرُ لفظٍ
الحدیث، كما(٢) ذكرناه.
فلك أن تسأل: لِم قُدِّمَتْ مصلحةُ سلامةِ الحالف على مصلحة
انتفاع المساکین؟
فيمكن أن يقالَ فيه: إن المصلحتين لو تساوتا بحيث لا يظهرُ
الترجيحُ بينهما، لكان في جانب المُقْسِم مصلحةٌ أخرى، وهو الإحسان
إليه بفعل ما تعلق غرضُه به، وأكّد اليمينَ عليه، وفي تحنيثه إيحاشُ له
ومعاندةٌ في فعل مقصوده، وذلك أمر زائد على إلزامه غرامةَ الكفارة.
ووجهٌ ثانٍ: وهو أنّ في إبرار يمينه مع سلامته من غرامته(٣)
الكفارة أمرٌ زائد، وهو تعظيمُ اسم الله تعالى بالوفاء بما أكّد وجودَهُ
به، فإذا تقابلت مصلحةُ المقسم ومصلحةُ المساكين، ترجح هذا
(١) سقط من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((وكما)).
(٣) ((ت)): ((غرامة)).
١٣٠

الجانبُ بهذا الوجه، وهو تعظیم اسم الله تعالی.
ووجهٌ ثالث: وهو أنّ المساكينَ غيرُ معيَّنين، فعلى تقدير إبرار
القسم، لا يلحق الضررُ بفرد معين منهم، بل قد لا يُعلَمُ أحدٌ منهم،
فتتعلق أطماعُه بالكفارة، وأما تحنيثُ الحالف(١) فضررٌ لا حقٌ به بعينه،
والضرر الذي لا يتعين من يلحقه أخفُ من الضررِ الذي يلحق
المتعين(٢)، والله أعلم.
الحادية بعد المئة: إبرارُ المقسم أعمُّ من مقسمٍ تلزمُه الكفارةُ
بحثه، ومقسم لا تلزمُه الكفارةُ بحنثه، كالصبيِّ مثلاً؛ فإذا حلف
الصبيُّ على غيره: ليفعلنَّ كذا، فهل يستحب أن يُوفِيَ بمقتضى يمينه؟
لا شكَّ أن اسمَ المُقْسِم يتناولُه لغةً، [و](٣) لكنه قَسَمٌ لا تتعلق به
الكفارةُ، وليس يلزم من كونه قسماً لا تتعلق به الكفارةُ أن لا يكونَ
قسماً، واعتبارُ لزوم الكفارةِ يقتضي أنّ العلةَ في إبرار المُقْسِم صيانته
عن غُرم الكفارة، فإذا انتفت هذه العلةُ انتفى الأمرُ بإبرار المُقْسِم،
لكن ليس في اللفظ إيماءٌ إلى هذا التعليل، ولا تنبيهٌ عليه، وإنما هو
مجردُ مناسبةٍ، وهي مُزاحَمَةٌ بغيرها (٤)، ونحن نذكر ما قلنا من
(١) ((ت)): ((الحانث)).
(٢) ((ت)): ((بالمتعيّن)) .
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) ((ت)): ((لغيرها)).
١٣١

مناسبات(١) في ذلك:
أحدها: سلامةُ المقسم من لزوم الكفارة.
والثانية: تعظيمُ اسم الله تعالی بموافقة مقتضی الیمین به.
والثالثة: الإحسان إلى المقسم بموافقة غرضه، ومتابعتِه على
مقصودِه، وعدم إيحاش نفسه بالمخالفة.
فأما الأولى: فمنتفية في حقٌّ من لا تلزمه الكفارةُ بالحنث.
وأما الثانية: فموجودةٌ في حق من تلزمه الكفارةُ ومن لا تلزمه.
وأما الثالثة: فإذا كان الإحسان موجوداً في حقٍّ من تلزمه الكفارة
ومن لا تلزمه، والإحسان أمرٌ مطلوب شرعاً بالنسبة إلى سائر
المسلمين، والله يحبُّ المحسنين، واللفظ بعمومه يتناولُ(٢) الصبيَّ،
فلا مانعَ من استحباب الموافقة.
الثانية بعد المئة إلى تمام السادسة :
[الثانية بعد المئة]: هذا الذي قدَّمناه إذا تحققتِ اليمينُ من
المخاطب، وقد يصدرُ منه ما لا يكون مقتضاه اليمين، أو يحتملُ أن
لا يكونَ كذلك، فإن(٣) قال: أُقسم عليك بالله، أو أقسمتُ عليك، أو
أسألُك بالله لتفعلنّ، قال أصحابُ الشافعيِّ - رحمة الله عليهم - أو من
(١) ((ت)): ((ونحن نذكر ما يمكن من أسباب)).
(٢) في الأصل: ((تناول))، والمثبت من ((ت)).
(٣) ((ت)): ((فلو)).
١٣٢

قال ذلك منهم: إنَّه إِنْ قصدَ به المناشدةَ؛ ليُقرِّبها (١) للغرض، لم تكن
يميناً.
قلت: وإن لم تكن يميناً، فلا يبعدُ أن تندرجَ تحتَ إبرارِ المقسم
القائل: أقسمتُ عليك، أو أُقْسم عليك، حتى يُؤمَر أنْ يوافِقَه
المخاطَبُ في مقتضى كلامِهِ.
[الثالثة بعد المئة]: قال: وإن قصدَ القائلُ عقدَ اليمين عليه، لم
يكن ذلك يميناً لا في حقُّه ولا في حقِّ القائل؛ أمّا في حقه فلأنَّه لم
يوجد منه لفظ ولا قصد، وأمّا في حق القائل فإنَّ(٢) اللفظ ليس صريحاً
في القسم، وهو قصدَ اليمينَ على غيره لا على نفسه.
[الرابعة بعد المئة]: قال: وإن قصدَ عقدَ اليمين على نفسِهِ كان
يميناً كأنه قال: أسألُك، ثم حَلَف أنَّه يفعل، والإنسان قد يحلف على
فعلِ نفسِهِ، وقد يحلف على فعلِ غيرِه.
قال الرافعيُّ رحمه الله: وفي کتاب القاضي ابن کَجِّ وجهٌ عن ابن
أبي هريرةَ رحمهم الله: أن (٣) لا يكون يميناً وإن قصده، وهو بعيد(٤).
[الخامسة بعد المئة]: قال: قال في ((التهذيب)): ويُستحبّ
(١) ((ت)): ((لقربها)).
(٢) ((ت)): ((فلأن)) .
(٣) ((ت)): ((أنه)).
(٤) انظر: ((روضة الطالبين)) للنووي (١١ /٤).
١٣٣

للمخاطَبِ إبرارُه في قسمه(١)، لما روي عن البراء بن عازب ظه: أنَّ
النّبِيَّ ◌َِّ أَمْرَ بسبع؛ قلت: وذكر في الحديث: ((إبرار المقسم))، من غيرِ
تردُّدٍ وقال: ((ونصرُ المظلومِ من الظَّالمِ)).
قلت: اندراجُه تحتَ الحديثِ بعد صحة كونه مقسماً لا إشكالَ
فيه .
[السادسة بعد المئة]: قال الرافعيُّ: وإن أطلقَ ولم يقصد شيئاً
فهو محمول على المناشدة(٢).
السابعة بعد المئة: الرواية التي أوردناها في الأصل فيها تردُّدٌ كما
قدمناه بين إيرار القَسَم وإبرارِ المُقْسِم، فإنْ كان الواقعُ إبرارَ القسم: فهو
متناولٌ لليمين التي يقسم بها الحالف، ولليمين التي يحلِفُ عليه بها،
وكلاهما داخلٌ تحتَ اللفظِ، ولا مانعَ من الحمل عليهما.
وإن كان الواقعُ إبرارَ المقسم: فهو متناولٌ لليمين التي يُقسم
بها الغيرُ على الإنسان، ولا يتناول يمينَ الحالفِ نفسه إلا على بُعْدِ
بَعيد، ووجهُ تناولِه: أنَّ التقدير: إبرارُ يمين المقسم، والحالفُ
مقسمٌ.
(١) قال النووي بعد أن أورد هذا الكلام: قلت: يسن إبرار المقسم، كما ذكر؛
للحديث الصحيح فيه، وهذا إذا لم يكن في الإبرار مفسدة، بأن تضمن
ارتكاب محرم أو مكروه. انظر: ((روضة الطالبين)) له (١١ / ٤).
(٢) المرجع السابق، الموضع نفسه.
١٣٤

الثامنة بعد المئة: نذرُ اللَّجاج والغضبِ، وهو ما يُقصَدُ به حثُّ على
فعلٍ أو منع منه، فيه عند الشافعية - رحمهم الله - أقوالٌ: وجوبُ الوفاء بما
التزم، وكفارةُ يمين، والتخييرُ بينهما(١)، ومذهب مالك هو الأول(٢).
وهذا القدر قد يطلق عليه يمين اللَّجاج، والغضب، ويمين
الغَلَق، فقد يجري هذا الإطلاقُ على ظاهره، ويُستدلُّ على وجوب
الوفاء بالحديث المذكور، وهذا لا يصحُّ؛ لأن إطلاقَ اليمين عليه
مجازٌ من مجاز التشبيه؛ لأنَّ هذا النذرَ يشبهُ اليمينَ من حيث إنَّ
مقصودَه الحثُّ أو المنعُ، وقوله وَيَّ: ((كفّارةُ النَّذر كفَّارةُ اليمين))(٣)،
أو (كفارةُ نذرٍ كفارةُ يمينٍ)»(٤)، لا يلزمُ منه أن يكونَ يميناً، وإنما فيه
تنزيلُهُ منزلةَ اليمينِ في الكفارة.
(١) الأصح عندهم: التخيير بين ما التزم وكفارة اليمين. انظر: ((المجموع
شرح المهذب)) للنووي (٨/ ٣٥٠ - ٣٥١).
(٢) انظر: ((المنتقى شرح الموطأ)) للباجي (٢٢٩/٣).
(٣) رواه مسلم (١٦٤٥)، كتاب: النذر، باب: في كفارة النذر، من حديث
عقبة بن عامر څ .
(٤) رواه أبو داود (٣٢٩٠)، كتاب: الأيمان والنذور، باب: من رأى عليه
كفارة إذا كان في معصية، والنسائي (٣٨٣٥)، كتاب: الأيمان والنذور،
باب: كفارة النذر، والترمذي (١٥٢٤)، كتاب: النذور والأيمان، باب:
ما جاء عن رسول الله وَلقر أن لا نذر في معصية، وابن ماجه (٢١٢٥)،
كتاب: الكفارات، باب: النذر في معصية، من حديث عائشة رضي الله
عنها، بلفظ: ((لا نذر في معصية، وكفارته كفارة اليمين)).
١٣٥

وإنما ذكرنا هذا دفعاً لِمَا عَسَاه [أن](١) يقعَ [من](٢) الغَلَطِ، فقد
سقط بعضُ المشهورين في مثل هذا من عَلُ، فاعتقد فيمن جعل على
نفسِهِ المشيَ إلى مكة، أو فيمن حنثَ فيها: أنه لا يلزمُه [شيء](٣)؛
للدليل الدال على منع اليمين بغير الله تعالى، وكأنه أوقعه في ذلك
إطلاقُ الفقهاءِ قولَهم: إذا حلف بالمشي إلى مكة، وهذا مجازٌّ منهم؛
فأما جعلُهُ على نفسه المشيَ إلى مكة فنذرٌ، وإن علّقه بشيء فهو تعليق
لا يمين، وأمّا اليمين التي لا تلزم، [فأن](٤) يقول: والمشي إلى مكة
لا فعلتُ، أو لأفعلنَّ، فهذا لا يلزمه شيءٌ للدليل المذكور.
التاسعة بعد المئة: إذا أردنا أن نجعلَ إبرارَ القسم متناولاً لجعله
ذا برٍّ وللوفاء بمقتضاه معاً، فهو من حمل اللفظ على معنيين مختلفين،
وإن أمكنَ أن يُجعلَ لقدرٍ مشتركٍ ينطلق عليهما، خرجَ عن ذلك.
العاشرة بعد المئة: نصرُ المظلوم من باب إنكار المنكر، وهو
من فروض الكفايات كما مرَّ في التقاسيم التي أوردناها، وقد تكررتِ
الأحاديثُ وكثرت؛ أعني: في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، ولا خلافَ في الوجوب، وهو من فروض الكفايات؛ لأنَّ
المقصودَ زوالُ المفسدة، وذلك يتأدَّى بفعل البعض.
الحادية عشرة بعد المئة: إذا ثبت أنّه فرضُ كفاية، فهل دخله
تخصيصٌ بالنسبة إلى المخاطَبِين؟
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) ((ت)): ((أن)).
١٣٦

هذا يُبتنى [على](١) أن فرض الكفاية على بعضٍ منهم، أو على
الجميع، ويسقط بفعل البعض؛ فعلى القولِ الأول: يلزم التخصيصُ
لدلالة اللفظ - [الذي هو ((أمرنا))](٢) - على التعميم، وعلى القول
الثاني: لا يلزم، والله أعلم.
الثانية عشرة بعد المئة: لا يشترط في مُنكِر المُنْكَر أن يكون
عَدْلاً، حتى يجب على متعاطي الكأس أن يوجِّهَ الإنكارَ إلى الجُلاَّس؛
لأن النَّهيَ عن المنكر واجبٌ، وتركَ ارتكاب المحرم واجبٌ،
والإخلال بأحد الواجبين لا يمنعُ من وجوب الفعلِ الآخر.
ونُقُل عن بعضهم: أنه ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف وینھی
عن المنكر استدلالاً بقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ
أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]، ذكره في مَعْرِضِ الذنب، وقال تعالى: ﴿لِمَ
تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ) كَبُرَ مَقْنًا عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُواْ مَا لَا
تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣].
وربما شنَّع على القائلين بما ذكرناه، بأنه يلزم عليه أنَّ الزاني
بالمرأة ينكر عليها كشفَ وجهها(٣).
وجوابُه: أن الجمع بين الأمر بالبرِّ ونسيانِ النفس، وردَ لبيان
زيادة القُبْح وتعظيم ما ارتكبوه، لا أنه يشترط في الإنكار عدمَ نسيانِ
(١) سقط من ((ت)).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٢/ ٣١٢ - ٣١٣).
١٣٧

الأنفس، وأما التشنيعُ بالصورة المذكورة فيلزمه(١) للدليل المذكور.
إذا ثَبَت هذا، فهل يُؤخذ هذا الحكمُ من الحديث؟
فيه نظرٌ، تُقدَّم عليه مسألة (٢) نذكرها الآن.
الثالثة عشرة بعد المئة: في قاعدة الخطاب مع الموجودين
في زمن النّي وَِّ، لا يتناول مَنْ بعدَهم إلا بدليل منفصلٍ، هكذا
عبّر بعضُ الأصوليين عن هذه المسألة(٣)، وذكر بعضُهم أخصَّ من هذه
العبارة، وفَرَضَ المسألةَ في نحو: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢١]،
و﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [البقرة: ١٠٤]، والمنسوبُ إلى الحنابلة
و(٤)
التعميمُ (٤).
وقال بعض المتأخرين: مسمَّيات الألفاظ لها حالتان:
تارةً تكون محكوماً بها نحو: زيدٌ قائمٌ، أو مخاطبةً بخطاب
المواجهة نحو : يا زيد ویا عمرو.
وتارةً تكون متعلق الحكم، نحو: اصحبِ العلماءَ.
فالمسميّات في الحالة الأولى يجب أن تكون موجودةً حالةً
(١) ((ت)): ((فنلتزمه)).
(٢) ((ت)): ((ينبني على مسألة)). وكتب في الهامش: ((تقدم عليه مسألة)) ورمز
عندها بحرف الخاء، إشارة إلى أنها في نسخة أخرى كذا.
(٣) انظر: ((المحصول)) للرازي (٢ / ٦٣٤).
(٤) انظر: ((الإحكام)) للآمدي (٢ / ٢٩٤).
١٣٨

الحكمِ والخطابِ، فإنَّ القضاءَ بالحقيقة (١) في الخارج فرِعُ وجودها،
[وكذلك التكلم معها ونداؤها](٢).
وفي الحالة الثانية: لا تجبُ أن تكونَ موجودةً في الخارج، بل
اللفظُ حقيقةٌ فيما وُجِدَ وسيُوجد منها، كقول الوالد لولده: اصحبٍ
العلماءَ، لا فرق فيه بين من كان عالماً قبل الخطاب ومن سيصير عالماً
بعد ذلك، وكذلك: اقطعوا السارق، وحُدُّوا الزُّناة، واقتلوا
المشركين، والله تعالى أعلم(٣).
(١) ((ت)): ((القضايا الحقيقية)).
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) نقل هذه القاعدة والكلام عنها عن المؤلف: الزركشي في ((البحر المحيط))
(٤ / ٢٥١) وذكر أنه قال ذلك في كتابه الآخر: ((شرح العنوان)).
قال الشوكاني في ((إرشاد الفحول)) (ص: ٢٢٣) بعد أن نقل كلام المؤلف
في ((شرح العنوان)) عن خطاب المواجهة وهو قوله: ((الخلاف في أن
خطاب المشافهة هل يشمل غير المخاطبين، قليلُ الفائدة، ولا ينبغي أن
يكون فيه خلاف عند التحقيق؛ لأنه إما أن ينظر إلى مدلول اللفظ لغة،
ولا شك أنه لا يتناول غير المخاطبين، وإما أن يقال إن الحكم يقصر على
المخاطبين، إلا أن يدلَّ دليل على العموم في تلك المسألة بعينها، وهذا
باطل؛ لما علم قطعاً من الشريعة أن الأحكام عامة إلا حيث يرد
التخصيص، انتهى. قال الشوكاني: وبالجملة فلا فائدة لنقل ما احتج به
المختلفون في هذه المسألة؛ لأنا نقطع بأن الخطاب الشفاهي إنما يتوجه
إلى الموجودين وإن لم يتناولهم الخطاب، فلهم حكم الموجودين في
التكليف بتلك الأحكام حيث كان الخطاب مطلقاً، ولم يرد ما يدل على
تخصیصهم بالموجودین)» .
١٣٩

الرابعة عشرة بعد المئة: [هل يترتب على هذه القاعدة حكمٌ
في](١) قول البراء - ﴿ه -: أمرنا رسولُ اللهِوَل﴿ بسبعٍ، ونهانا عن سبعٍ؟
هل يقتضي أن [يكون](٢) ذلك الأمرُ خطابَ مواجهةٍ (٣) حتى ينبنيَ
على هذه المسألة السابقةِ ويدخلَ تحتَها؟
قد يسبق إلى الفهم ذلك، [و](٤) لكنه غيرُ متعيِّنٍ له؛ لأنه يصحُ
أن يُقالَ: أمرنا، بطريق خطاب المواجهة، وأن يكون(٥) الصادر من
النَّبِي وَلِّ أمراً يتناولهم لا بطريق خطاب المواجهة.
فلو قال قائل - بسبب سَبق الفهم الذي قدمناه ـــ: إنْ بنينا على أنَّ
خطابَ المواجهة [لا] يخصُّ المخاطَبين إلا بدليلٍ من خارج،
والخطابُ هاهنا مع الموجودين من الصحابة، فلا يتناولُ غيرَهم، على
ما عُرفَ عند الأصوليين من عدالة جميعهم، ولا يكون اللفظُ متناولاً
لمن ليس بعدل بطريق العموم، وإن بنينا على العموم أمكنَ ذلك؛
لأنَّ الخطاب على هذا التقدير يتناولُ العدلَ وغيرَه، ويحتاج على
المذهب الأول في تناوله غير العدل إلى دليل منفصل يقتضي دخولَ
غيرِ المخاطبين ممن لا يتَّصفُ بوصفهم، وهو العدالة، أو دليلٍ
(١) سقط من ((ت)).
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) ((ت)): ((بخطاب المواجهة)).
(٤) سقط من ((ت)).
(٥) أي: ويصح أن يكون.
١٤٠