النص المفهرس

صفحات 41-60

النبيُّ بَّه قد تعدَّدت صيغةُ الأمر في لفظِه بالنّسبة إلى [بعض](١)
هذه الأمور [دون بعض] (٢)، فأمرَ ببعضها بصيغةٍ مفرَدَةٍ له، وأمر
بأُخرَ بصيغةٍ مفردةٍ، وأرادَ بإحداهما الوجوبَ، وبالأخرى النَّدبَ،
فلا يلزم في لفظه ◌َ ﴿ أن يكونَ لفظاً واحداً استُعمِلَ في حقيقتِهِ
ومجازِهِ(٣).
وأمَّا لفظُ الراوي، وهو قوله: ((أمرنا))، فهل يكون مستعملاً للفظ
في حقيقتِهِ ومجازِه؟ فيه نظرٌ دقيقٌ عندي، فيُلْمَح هاهنا ما قيل في علم
الأصول: أنَّ مدلولَ اللفظِ قد يكونُ لفظاً، ومذهبُ من يرى أنَّ الأمرَ
حقيقةٌ في الوجوب(٤)، مع أن بعضَ هذه الأوامرِ للوجوب جَزْماً،
وتأمَّلْ [في](٥) ذلك.
السَّادسة: ومما يترتَّب على ذلك أيضاً أنه قال: (وعن الحريرِ
والإستبرقِ والدِّيباج))، ولقائلِ أَنْ يسألَ ويقول: ما الفائدةُ في التَّكرارِ
وكلُّه حریرٌ؟
فيقال فيه: إنَّما يكونُ تَكراراً لو كانَ إخباراً عن الجمع، بمعنى :
أنه أخبر عن الرسول ﴿ أنه نهى عن هذه الثَّلاثةِ في وقتٍ واحدٍ،
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) انظر: ((البحر المحيط)) للزركشي (٢/ ٣٩٩)، (٣/ ٢٥٩).
(٤) انظر: ((الإحكام)) للآمدي (٢ / ١٦٢)، و((الإبهاج)) للسبكي (٢ / ٥).
(٥) زيادة من ((ت)).
٤١

فحينئذٍ يُحتاج إلى الجوابِ وإظهارِ الفائدةِ في الجمع بين(١) النَّهي عنها
مع إمكانِ الاكتفاءِ بذكر الحرير، أمَّا إذا كان جمعاً في الإخبار بأنْ
يكونَ سمعَ النَّهيَ عن الحرير في وقتٍ، [وعن الإستبرقِ في وقتٍ](٢)،
وعن الدِّيباج في وقتٍ، فلا يلزَمُ طلبُ الفائدةِ؛ لأنَّ السؤالَ إنَّما يقرُبُ
إذا كان النَّهيُ عن الجميع في وقت واحد، فأردنا(٣) أن نبيّنَ تعلُّقَ [هذه](٤)
الألفاظِ بهذه القاعدة، واحتمالِ الجوابِ بها.
[المسألة](٥) السابعة: هذا الذي ذكره الصحابيُّ - صُ - في
جانب الأمر يتعلَّقُ النَّظرُ فيه بالأمِر، والمأمور، والمأمورِ لأجله؛ لأنَّا
بينًّا أنها كلَّها حقوقُ المسلم على أخيه على رواية المُقْسم. وأما (٦) الأمرُ
فيُنْظَرُ فيه؛ هل هو على الوجوب، أو الندب؟
وأمَّا المأمورُ فهم المخاطَبون، فيُنْظَر هل تناولَهمُ الأمرُ على
الأعيان، أو على الكفاية؟
وأمَّا المأمورُ من أجله فيُنظر في عمومه وخصوصه.
ويَنْشَأُ من هذه الأنظار أقسامٌ متعدِّدةٌ، بعضُها يتعذَّر الحَمْلُ
(١) ((ت)): ((عن)).
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) ((ت)): ((ولكن أردنا)).
(٤) سقط من ((ت)).
(٥) سقط من ((ت)).
(٦) ((ت)): ((فأما».
٤١

عليه، وبعضُها يُمكِنُ ويتوقَّفُ على الدّليل.
القسم الأول: أن يكونَ الأمرُ للوجوبِ على الأَعيان، والعمومُ
بالنسبة إلى المأمور من أجله.
الثَّاني: أنْ يكونَ الوجوبُ على الأعيان لا على العمومِ بالنسبة
إلى المأمور من أجله.
الثالث: أنْ يجبَ على الكفاية على العموم بالنسبة إلى أفرادِ
المأمور من أجله.
الرابع: أن يجبَ على الكفاية لا على العموم بالنسبة إلى أفراد
المأمور من أجله.
الخامس: أن يكونَ الأمرُ للنَّدب، ويكونَ فيه هذه الأقسام
الأربعةِ كلِّها.
وهذه الأقسامُ تجري في كل نوع من هذه السَّبعةِ المذكورة في
الحديث، فتزيد الأقسام وترتقي إلى ستّةٍ وخمسين قسماً من ضرب
ثمانية في سبعة.
الثامنة: في مقدمةٍ يُحتاج إليها فيما بعد: اختلفَ الأصوليُّون في
أن فرض الكفاية؛ هل يتعلق بالجميع ويسقط بفعلِ البعض؟ أو يتعلق
ببعضٍ منهم؟ واختاروا القولَ الأولَ(١).
التاسعة: في مقدمةٍ أخرى؛ وهو أن فرض الكفاية إذا باشَرَه أكثرُ
(١) انظر: ((الإبهاج)) للسبكي (١٠٠/١).
٤٣

مِمَّن يَحْصُل به تأدِّي الفرض، هل يُوصَف فعلُ الجميع بالفَرْضِيَّة؟
تكلَّموا فيه(١)، ونحن إذا قُلنا في بعض الأقسام الآتية: إنه يُسْتحَبُّ في
حقِّ مَنْ حصلتِ الكفايةُ بغيره، أرَدْنا به أنَّهَ يُستحبُّ الشُّروعُ والابتداءُ،
ولم نُرُدْ به أن يقعَ مُستحبّاً في حَقُّه، إذا شَرَعَ فيه مع غيره، فإنَّ ذلك
لا غرضَ لنا فيه(٢).
العاشرة: كلُّ ما نَصِفْهُ بالوجوبِ أو بالجوازِ أو بالاستحبابِ على
العموم، إنَّما نعني به في محلٌّ (٣) الإمكان، ولا نريدُ العمومَ بالنسبةِ إلى
حالة الاستحالة، حتَّى نجعلَ اللفظَ مخصوصاً بالنّسبة إلى تلك
الحالةِ، فإنَّ من جُملة المُخصِّصاتِ العقلَ، لكنَّا إنما نريدُ العمومَ في
محلِّ الإمكانِ كما قلنا؛ مثلاً: [إن](٤) عيادةَ المريض فَرْضٌ على
الكفاية في حقِّ عمومِ المرضى، فلا نعني به مرضى بلادِ السِّنْدِ والهندِ،
والغائبين الذين يعسُر - أو يُتعَذَّر - الوصولُ إليهم.
الحادية عشرة: قد نُطلقَ القولَ بالأحكام بالنّسبة إلى بعضٍ
الأمورِ، ولا نريدُ به إلا ذلكَ الأمرَ من حيثُ هو هو، وقد يكون ثَمَّ
عوارضُ وموانعُ في خُصوص بعض الصُّور، فليس مرادُنا العمومَ
(١) انظر: ((الموافقات)) للشاطبي (١ / ١٧٦).
(٢) نقله عن المؤلف: الزركشي في ((البحر المحيط)) (١ / ٣٢٧).
(٣) في الأصل و ((ب)): ((محمل))، والتصويب من ((ت)).
(٤) سقط من ((ت)).
٤٤

فيها، وليس(١) محلَّ ذكرِها في هذا الموضع، وإنَّما محلُّ ذكرها
حيث نتعرض إلى المُخصِّصاتِ، وما يُستثنى من العُمومات، قال الله
تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أَلْمَيْنَةُ ﴾ [المائدة: ٣]، وهذا حكمٌ بالنَّظر إليها
من حيثُ هي مَيْتَةٌ، وقد يعرِض الوجوبُ في بعض الصُّور عند
خوف الهَلاكِ.
ولم يزلِ الفقهاءُ يفعلون هذا، فيقولون: هذا واجبٌ على
الأعيان، ولا يريدون به وجوبَه على المجنونِ، ولا على الصبيِّ،
ولا مَنْ يقومُ به بعضُ الموانع(٢)، وكذلك يقال: الصَّيْدُ حلالٌ،
ولا نعني به في كلِّ حال، فقد يقوم مانعٌ يحرِّمه، أو مقتضٍ يوجبُه في
بعض المواضع، وكذلك نقول: النكاح مستحبٌّ، وقد يعرض
ما يُوجبه أو يُحرِّمه، وكذلك قولنا(٣) : الإجابةُ لدعوةِ العُرس فرضٌ،
لا نريد به معَ قيامِ الموانع؛ كحضورِ الخمرِ والمنكرِ، وإنَّما ذكر هذا
عند التعرض للموانع.
الثانية عشرة: القانونُ في معرفة فرض الكفاية: [أنَّ](٤) ما كان
المقصودُ منه تحصيلَ المصلحةِ منه، أو دفعَ المفسدة، ولم يتعلَّقِ
(١) في الأصل: ((وليس ذلك))، والمثبت من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((المواضع)).
(٣) (ت)): ((قوله)).
(٤) سقط من ((ت)).
٤٥

المقصودُ بأعيانِ الفاعلين وامتحانِهم، فهو فرضُ كفايةٍ، وما لم يظهرْ
فيه ذلك، واقتضى الخطابُ فيه العمومَ، فهو فرضُ عينٍ، إلا لمعارضٍ
خارجٍ يُخرج اللفظَ عن عمومِهِ(١).
الثّالثة عشرة: فيما يمكن من هذه الأقسام بالنّسبة إلى عيادة
المريض(٢)؛ أمّا القسمُ الأول فمقتضاه: أن يجبَ على كلِّ مسلم عيادةُ
كلِّ مريضٍ، وهذا القسم ممتنعٌ جزماً، ولا استمرَّ عليه عملُ الأمَّةِ.
وأمَّا القسم الثاني فمقتضاه: أن يجبَ على كلِّ مسلمٍ عيادةُ مُطْلَقٍ
المرضى؛ أي: أنَّه يجبُ على كلِّ مسلم القيامُ بهذه الوظيفةِ بالجملة،
حتى يعصيَ من مات ولم يَعُدْ مريضاً ما (٣)، وهذا ممكن، بل هو
مقتضى الحديث إذا قلنا بالعموم بالنِّسبة إلى المخاطَبين، وقد تعذَّر
العمومُ بالنسبة إلى المرضى، فيجيءُ منه ما قلناه، وهو أنْ يجبَ على
الجميعِ عيادةُ مطلَقِ المرضى، أو مطْلَقُ عيادةِ المرضى، فإن
قامَ الإجماعُ على أنَّ هذه الوظيفةَ لا تجبُ على الأعيانِ بالنسبة إلى
مطلقِ العيادة، أو مطلقِ المرضى، امتنعَ هذا(٤) القسْمُ لأمرٍ من خارجٍ،
لا لعدمِ دَلالةِ اللفظِ عليه.
(١) انظر: ((البحر المحيط)) للزركشي (١/ ٣٢٢).
(٢) (ت)): ((المرضى)).
(٣) يعني: مَنْ مات ولم يَعُدْ مريضاً فإنّه يُعَدُّ عاصياً.
(٤) في الأصل: ((بهذا))، والتصويب من ((ت)).
٤٦

واعلمْ أنَّه قد وردَ في بعض فروض الكفايات ما يدل على مثل
[هذا](١) الحكم، وهو قوله ◌َّ في الحديث الصحيح: ((مَنْ ماتَ، ولَمْ
يَغْزُ، ولَمْ يحدِّثْ نَفْسَهُ بالغَزْوِ، ماتَ على شُعْبَةٍ من النِّفَاقِ)»(٢)، فإنَّ
لَفْظَ ((مَنْ)) للعموم، فيقتضي طلبَ الجهاد، أو العزمَ مِنْ كلِّ أحدٍ
عليه (٣) ؛ أي: على مُطْلَقِ الجهاد.
وأما القسمُ الثالث - وهو الوجوبُ على الكفاية مع العموم في
المرضى - فمقتضاه: أن تجبَ في حقِّ كلِّ مريض عيادةُ عائدٍ وجوباً
على الكفاية، يسقطُ بفعل البعض، فهذا قسمٌ مُخْتَلَفٌ فيه؛ لأنّ بعضَ
الناس يُوجِبُ عيادةَ كلِّ مريضٍ على وجهٍ سنذكره إن شاء الله تعالى،
فهذا يقول بهذا القسم وهو محافظ(٤) على صيغة العموم في المريض،
وليس محافظاً على العموم في ضمير المخاطَبِيْن، وأمَّا على المذهب
المشهور فإنَّما يجب عيادةُ مريضٍ يضيعُ بترْكِ عيادَتِهِ، فلا يستقيمُ
الوجوبُ في حقِّ جميع المرضى على هذا.
وأما القسمُ الرابع: وهو أن يجبَ على الكفاية عيادةُ مطلقٍ
المريض، لا على العموم، فهذا ثابتٌ على مذهب الجمهور؛ لأنّه
(١) سقط من ((ت)).
(٢) رواه مسلم (١٩١٠)، كتاب: الإمارة، باب: ذم من مات، ولم يغز، ولم
يحدث نفسه بالغزو، من حديث أبى هريرة
ـتَّه .
(٣) ((ت)): ((فيقتضي طلب الجهاد أو الغزو والعزم عليه من كل أحد)).
(٤) ((ت)): ((يحافظ)).
٤٧

يجب عيادةُ مريضٍ يضيعُ بترك العيادة وجوباً على الكفاية، هذا إذا
حُمِلَ الأمرُ على الوجوبِ .
أما إذا حُمِلَ على النَّدب؛ فالقسمُ الأولُ: وهو (١) أنْ يُستحبَّ
لكل أحدٍ عيادةُ كلِّ مريض، فهذا لا يتأتَّى؛ لأنَّ بعضَ المرضى واجبُ
العيادة على بعض النَّاس، وذلك يُضَادُّ الاستحبابَ في حق الجميع.
والقسم الثاني: وهو أن يُستحبَّ في حقِّ كل أحدٍ عيادةُ بعضٍ
المرضى، فهذا ثابتٌ.
والقسم الثالث: وهو أن يُستحبَّ في حقِّ البعض عيادةُ كلِّ
مريضٍ، فهذا ثابتٌ في حقٍّ من سقط الفرضُ عنه.
والقسم الرابع: وهو أن يُستحبَّ في حقِّ البعض عيادةُ بعض
المرضى، ولا شك أيضاً في وقوع هذا، ولا خلاف فيه.
الرابعة عشرة: في الكلام على هذه الأقسام بسبب اتباع الجنائز(٢)؛
أمَّا على حمل الأمر على الوجوب، فاتَّباع(٣) جَنازةٍ يُحتاج فيها إلى
الاتِّباع؛ لسقوطِ الفرضِ الواجبٍ منَ الدَّفن وغيره، واجبٌ على الكفاية:
[فأمَّا القسمُ الأول: وهو الوجوب على الكلِّ في حق الكلِّ، فهو
ممتنعٌ.
(١) ((ت)): ((هو)).
(٢) ((ت)): ((الجنازة)).
(٣) في الأصل: ((باتباع))، والمثبت من ((ت)).
٤٨

والثَّاني](١): وهو الوجوبُ على الكلِّ في حقِّ البعض، ممتنعٌ،
وهو ظاهرُ اللفظِ في العموم بالنسبة إلى المخاطَبين، فالقولُ به - إذ (٢)
مَنعَ منه الإجماعُ - ممتنعٌ.
والثالث: وهو وجوبُ الاتِّباع على البعض في حقِّ كلِّ جَنازةٍ،
وهذا ليس بثابتٍ؛ لأنَّ بعضَ الجنائز لا يجب اتّباعُه على أحد، وهو
ما يتأدَّى(٣) الفرض فيه من الصَّلاة والدفن من غير حَمْلِ؛ بأن يُصلّى
عليه ويدفنَ في مكانه، هذا إذا حملنا الاتّباعَ على الاتباع الحسّيّ(٤).
[وأما الرابع: وهو الوجوبُ على الكفاية، لا في حق كلِّ جَنازةٍ](٥)،
فهو ثابتٌ؛ لأنّه يصيرُ معناه: أنَّ بعضَ الجنائزِ لا يجب اتباعُه، وذلك
ثابتٌ لما ذكرناه في القسم قبلَه.
أمّا إذا حُمِلَ الأمرُ على الاستحباب؛ فالقسم الأولُ ممتنعٌ؛ لأنَّ
بعضَ الاتِباع واجبٌ، وذلك ما يقوم به الفرضُ، ونَفْيُ الوجوبِ الكليِّ
يناقضه إثباتُ الوجوبِ الجزئيِّ.
أما القسمُ الثاني: وهو أن يُستحبَّ في حقِّ كل أحدٍ اتِّباعُ
(١) سقط من ((ت)).
(٢) في الأصل: ((إن))، والمثبت من ((ت)).
(٣) في الأصل: ((يتأدی به))، والمثبت من ((ت)).
(٤) في ((ت)) زيادة: ((وذلك الاتباع الحسي ثابت لوجوب اتباع من يقوم به.
الفرض في الحمل والدفن والصلاة بالنسبة إلى كل جنازة يُحتاج إلى
الاتباع في سقوط الفرض فيها، ولا يكون عاماً في كل جنازة)).
(٥) سقط من ((ت)).
٤٩

مطلق الجنازة، فهذا أيضاً ممتنع؛ لأنَّ بعضَ الاتباع فرضُ كفايةٍ،
وفرضُ الكفايةِ إما واجبٌ على الجميع ويسقط بفعل البعض، وإما
على البعض، وكيف(١) ما كان، فالاستحبابُ الكليُّ ينافيه(٢)
الوجوبُ الكليُّ والجزئيُّ معاً.
وأما القسم الثالث: وهو الاستحباب في حقِّ البعض أنْ يتّبع
كلَّ جَنازة، وذلك ثابتٌ في حقِّ البعض الذين سقط فرضُ الاتباع
بغيرهم، بالنسبة إلى الجنائز المتّبعة، وأما إذا أخذناه(٣) عموماً [في
الجنائز](٤)، لم يقعْ هذا القسْمُ بخروج الجنازة التي لا تُتَّبَعُ، ويلزمُ
منه جوازٌ.
القسم الرابع: وهو الاستحبابُ في حقِّ البعض أن يتّبع البعض؛
لأنه إذا ثبت في حق البعض، وهم الذين سقط الفرضُ بغيرهم اتّباعُ
كلِّ جَنازةٍ، لزمَ منه اتباعُ جَنازةٍ بالضرورة.
الخامسة عشرة: في هذه الأقسام بالنسبة إلى تشميت العاطس:
المشهورُ في تشميتِ العاطس أنَّه مُستحبٌّ بخلافِ ردِّ السَّلام(٥)،
(١) ((ت)): ((فكيف)).
(٢) (ت)): ((يناقضه)) .
(٣) ((ت)): ((أخذنا)»
(٤) زيادة من ((ت)).
(٥) انظر: ((الاستذكار)) لابن عبد البر (٨ / ٤٨٣).
٥٠

وظاهرُ الحديثِ الوجوبُ(١)، وكذلك ظاهرُ (٢) قولِهِ وَّهِ: ((حقُّ المسلم
علی المسلمٍ خمس»(٣)، فإن قيل به:
فالقِسْمُ الأولُ: وهو العموم في حقِّ كل سامع لكلِّ عاطس،
فهذا لا يمتنعُ القولُ به، وهذا بخلافِ هذا (٤) القسم في عيادةِ المريضِ،
حيث منعناه؛ لأنّه لا يتأتَّى أن يُوْجَبَ على كلِّ واحدٍ(٥) عيادةُ كلِّ
مريض يمكن أن يُعاد؛ لمخالفته لعملِ الأمَّةِ، وليس من الممتنع [أن
يجبَ على كلِّ سامع للعاطس تشميتُ كلِّ عاطسٍ سَمِعَ.
والقسم الثَّاني: وهو عمومُ الوجوب لبعض العاطسين، وهو](٦)
أن يجبَ على كلِّ مَنْ سمع التشميت، لا في حقِّ [كل عاطس، بل في
حق](٧) البعض، ولا يتجه لهذا وجهٌ من حيثُ المعنى عند الإطلاق(٨).
(١) انظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (١٠ / ٦٠٣)، قال الحافظ: والأحاديث
الصحيحة الدالة على الوجوب لا تنافي كونه على الكفاية؛ فإن الأمر
بتشميت العاطس وإن ورد في عموم المكلفين، ففرض الكفاية يخاطب به
الجميع على الأصح، ويسقط بفعل البعض.
(٢) في الأصل: ((وظاهره))، والمثبت من ((ت)) و(ب)).
(٣) تقدم تخريجه قريباً عند الشيخين.
(٤) (ت)): ((ذلك)).
(٥) (ت)): ((أحد)).
(٦) سقط من ((ت)).
(٧) سقط من ((ت)).
(٨) جاء على هامش ((ت)): ((سقط القسم الثاني وهو أن يجب على العموم
تشميت بعض العاطسين، فلينظر من نسخة أخرى)). قلت: السقط المبين
قريباً يُظهر الخلل الواقع في هذا الموضع من النسخة ((ت)).
٥١

والقسمُ الثَّالث: وهو الوجوبُ على الكفايةِ في حقِّ كلِّ عاطس
سَمِعَ، وهذا ممكنٌ، لكنَّه مخالفٌ للعموم في حقِّ المخاطَبين.
القسم الرابع: وهو الوجوبُ على الكفاية في حقِّ بعض
العاطسين، وهذا يخالف العمومَ في المخاطبين وفي العاطسين،
ولا يتَّجه معنى في تخصيص بعض العاطسين عند الإطلاق، هذا
الكلامُ علی طَرَفِ الوجوب.
وأمَّا [الكلام](١) على طَرَفِ الاستحباب فلا يمتنعُ الاستحبابُ
عموماً في حقِّ السامعين وحقِّ العاطسين إلا لمعارِضٍ، لكنْ فيه
مخالفةُ ظاهرِ الأمر، وفيه وفاءٌ بالعمومَين؛ أعني: العمومَ في المخاطَبين
وفي العاطِسين.
[وأمَّا الاستحبابُ عموماً في حقِّ السامعين، وخصوصاً في حقِّ
العاطسين، فمخالفٌ للعموم في العاطسين، مع عدم اتّجاه معنى
يقتضي التخصيصَ عند الإطلاقِ.
وأما الاستحبابُ كفايةً في حقِّ بعض السامعين، وعموماً في حقٍّ
العاطسين، فمخالفٌ للعموم في حقِّ المخاطبين.
وأما الاستحباب كفايةً في المخاطبين في حق بعض العاطسین،
فمخالفٌ للعمومين معاً؛ أعني: العمومَ في المخاطَبين والعاطسين](٢)،
(١) سقط من ((ت))
(٢) سقط من ((ت)).
٥٢

معَ أنَّه لا يظهر معنى في التَّخصيص ببعض العاطسين عند الإطلاق.
السادسة عشرة: في الفَرْقِ بين الفرض على الكفاية والاستحبابِ
على الكفاية؛ لتعلَّقِهِ بما قبلَه: أنَّ الفرض على الكفاية لا ينافيه
الاستحبابُ في حقٌّ من زادَ على القَدْرِ الذي سقطَ به الفرضُ.
وأما الاستحبابُ على الكفايةِ: فمعناه أن (١) يقعَ الامتثالُ لأمر
الاستحباب بفعل البعض، فتنقطعُ دلالةُ النَّصِّ على الاستحباب فيما
زاد على ذلك، ولا يبقى مستحباً، بل هو (٢) داخلٌ في حيِّز المباح أو
غيرِه(٣).
فالفرضُ على الكفاية لا ينافيه الاستحبابُ فيما زاد، والاستحبابُ
على الكفاية ينافيه الاستحبابُ فيما زاد من ذلك الوجهِ الذي اقتضى
الاستحبابَ.
السابعة عشرة: في الكلام في الأقسام بالنّسبة إلى إبرار القسم،
ولنتكلمْ أولاً فيما إذا حملنا إبرارَ القَسم على الوفاء بمقتضى اليمين،
ولا شكَّ أن من الأيمانِ ما يحرُم الوفاءُ بمقتضاه؛ كالوفاء بمقتضى
اليمينِ على فعل المحرَّم، ومنها ما يجب الوفاءُ بمقتضى اليمينِ فيه،
(١) ((ت)): ((أنه)).
(٢) في الأصل: ((هو بل))، والمثبت من ((ت)).
(٣) مثال الاستحباب على الكفاية: الأذان، والإقامة، والتسمية عند الأكل،
وغيرها.
٥٣

وهو اليمينُ على فعلِ الواجب، لكنْ ليس الوجوبُ من جهته، بلْ من
جهة الخطابِ الأصليِّ.
فعلى هذا يمتنع القِسْمُ الأولُ: وهو أن يجبَ على كلِّ حالفٍ
الوفاءُ بمقتضی کلِّ یمین.
ويمتنع أيضاً القسمُ الثالثُ: [وهو](١) أن يجبَ على بعض
المخاطَبين الوفاءُ بمقتضى كلِّ يمين.
ويجوز القسمُ الثاني: وهو أن يجبَ على العموم الوفاءُ بمقتضى
بعض الأيمانِ، وهو اليمينُ على فعلٍ (٢) الواجبات.
وكذلك الرابعُ: وهو أن يجبَ على بعض المخاطَبين الوفاءُ
بمقتضى بعض الأيمان، وهذا الكلام في طَرَفِ الوجوبِ.
أمَّا في طَرَفِ الاستحبابِ، فالنَّظرُ إلى ما قدمناه، وهو وجوبُ
الوفاءِ بمقتضى بعض الأيمان، وتحريمُهُ في بعض الأيمان، يقتضي (٣)
منعَ القولِ بالاستحباب عموماً في المخاطبين، وفي حقِّ [جميع](٤)
الأقسام؛ لأنَّ بعضَ الوفاء واجبٌ وبعضَه محرمٌ، والوجوبُ الجزئيُّ
والتحريمُ الجزئي يضادُّ الاستحبابَ الكليَّ.
(١) سقط من ((ت)).
(٢) (ت): ((بعض)) بدل ((فعل)).
(٣) (ت)) زيادة ((أيضاً)).
(٤) سقط من ((ت)).
٥٤

وبهذا يمتنعُ أيضاً الخصوصُ بالنسبة إلى المخاطَبين، وعمومُ
الاستحبابِ بالنسبة إلى الأقسام، بمعنى أنه: يُستحَبُّ لبعض الناس
إبرارُ جميع الأقسام؛ لما ذكرناه من الوجوبِ في البعض والتحريمِ في
البعض، معَ أن التخصيصَ خلافُ ظاهرِ العموم في المخاطبين.
وأمَّا الخصوصُ بالنسبة إلى بعض المُقْسِمين، والخصوصُ
بالنسبة إلى بعضٍ الأقسام، فهذا واقعٌ؛ لأنَّ المُقْسِم (١) على فعل
المُستحبِّ يُستحَب له الوفاءُ، هذا إذا حملنا إبرارَ القسم على الوفاء
بمقتضى اليمين، أما إذا حملناه على جعلِ القَسَمِ بارّاً؛ أي غير آثم،
فلا أحسب أحداً من المُقْسِمين إلا ويجبُ عليه أن يكونَ قَسَمُه باراً؛
أي : غير ذي إثم.
أما إبرارُ المُقْسِم؛ أي: الحالف عليك بالشيء، فإبرارُ قَسَمِهِ أن
تفعل ما حلف على فعلك له، أو تترك ما حلفَ علی ترکِك له.
ولا يمكنُ العموم في الأقسام؛ لاحتمال أن يحلفَ على
فعلِ معصيةٍ، أو تركِ واجبٍ، فيحرمُ إبرارُ يمينه(٢)، فالتخصيصُ
لا محالةَ واقعٌ في هذه الصورة، وأمَّا العموم في المخاطبين فممكن،
ويكون المرادُ أمرَ جميع المخاطَبين بإبرار بعضٍ الأقسام، وذلك
ثابتٌ؛ لوجوب إبرار يمين المُقسم على فعلِ الواجبِ أو تركِ المحرَّم،
لكنَّ هذا الوجوبَ ليس ناشئاً عن كونِهِ إبراراً للمُقْسم، بل هو ثابتٌ
(١) (ت)): ((القسم)).
(٢) ((ت)): ((قسمه)).
٥٥

بأصل الخطابِ الشَّرعيِّ.
وإن حلفَ على فعلِ مُحرَّمِ أو تركِ واجبٍ، فالإبرارُ محرَّمٌ، وإن
حلف على فعل مكروهِ، فالإبرارُ لقَسمِهِ مكروهٌ إلا لمُعَارض، وذلك
عندما تكون المَفْسَدُ في عدم الإبرار أعظمَ من المفسدة في فعلٍ
المكروه.
فتلَخَّص من هذا: أنه لا سبيلَ إلى الحملِ على الوجوب مُستِداً
إلى إبرار القسم، بل بأصل الشرع، ولا على الوجوب مطلقاً بالنسبة إلى
فعل المحرَّم، ولا على الوجوب بالنسبة إلى فعل المكروه إلا لمُعارِضٍ،
ولا عليه بالنسبة إلى اليمين على (١) فعل يستحب إلا لمعارض.
أما إذا حُمِل الأمرُ على الاستحباب، فلا شكَّ في تعذّرِ الحمل
على العمومِ؛ لتحريمِ إبرار القَسَم على فعل المعصية أو تركِ الواجب.
وإذا تعذَّرَ الحملُ على العموم في المُقْسِمين والأقسام معاً؛ أي:
على سبيل الجمع بالضرورة، فبطل القسمُ الأول.
وأما الثاني: وهو الاستحبابُ لكلِّ أحدٍ أن يَبَرَّ بعضَ أقسام
المُقْسمين، فهذا ثابتٌ عندما يكون قد حلفَ عليك أن تفعلَ مُسْتَحَبّاً،
أو تفعلَ مُبَاحاً.
والثالثُ: وهو الاستحبابُ لبعض المخاطَبين إبرارُ كلِّ الأقسام،
وهو ممتنعٌ.
(١) في الأصل: ((إلا))، والتصويب من ((ت)).
٥٦

والرابعُ: وهو إبرارُ بعضِ المخاطَبين لبعضِ الأقسامِ واقعٌ،
لكنَّ فيه البحثَ الذي قدمناه في الفرقِ بين الفرض على الكفايةِ
والاستحبابِ على الكفاية، وإنَّ مقتضى الاستحباب على الكفاية أن
ينقطعَ الاستحبابُ عمَّن حصلَ المقصودُ بغيره، وذلك بهذا الاعتبار
غيرُ ثابت، إذ(١) يُستَحبُّ لكلِّ المخاطَبين أن يَبَرُّوا بعضَ الأقسامِ،
والله أعلم.
الثامنة عشرة: في هذه الأقسام بالنسبة إلى نصرِ المظلوم.
أما الوجوب عموماً؛ أعني: عموماً بالنسبة إلى المظلومين،
فهذا ثابتٌ من حيثُ المظلوميَّةُ والنظرُ إليها مجرداً عن العوارض، إذ
لا شيءَ ولا واحدَ من الظلّم - من حيث هو ظلمٌ - إلا وهو واجبٌ
الإزالةِ.
وأما بالنسبة إلى المُنْكِرِين؛ أعني: العالِمِين بالظّلم، فلا عمومَ
فيه؛ لأنَّ الأمرَ بالمعروف والنَّهيَ عن المنكر من فروض الكفايات،
وإن كان ظاهرُ اللفظِ يقتضي العمومَ بالنسبة إلى المخاطبين، وذلك لما
مَرَّ في المسألة الثّانية عشرة من قانون فرض الكفاية، وعلى هذا؛
أعني: القولَ بفرض الكفاية، امتنعَ القولُ بالوجوب عموماً بالنسبة إلى
المخاطبين والمظلومين؛ أعني: العمومَ بصفة الاجتماع في الفريقين،
على ما هو القسمُ الأول؛ لأنه إذا امتنعَ العمومُ بالنسبة إلى المخاطبين،
(١) ((ت)): ((أو)).
٥٧

امتنعَ بالنسبة إليهم وإلى المظلومين معاً ضرورةً.
وأمَّا العمومُ في الناصرين، والخصوصُ في المظلومين، والخصوصُ
في الناصرين، والعمومُ في المظلومين، وهو مقتضى القولِ بكونه
فرضَ كفايةٍ، فهنا يظهر الفرقُ بين القولِ بأنَّ فرضَ الكفاية على
الجمیع أو على البعض، وقِسْ على(١) أمثاله فيما تكلّمنا فیه من فروض
الكفايات.
وأمَّا الخصوصُ بالنسبة إلى النَّاصرين، والخصوصُ بالنسبة
إلى المظلومين فممتنعٌ أيضاً؛ لوجوب العموم بالنسبة إلى
المظلومين من حيث هم مظلومون، أمَّا الاستحبابُ فلا مساغَ
للقول به(٢) في العمومَين معاً؛ أعني: أن نجعلَه عاماً بالنسبة إلى
النّاصرين والمظلومين؛ لأنَّ نصرَ المظلومين واجبٌ، والاستحبابُ
يضادُّ الوجوبَ، وبه يمتنعُ الحملُ على العموم في حقِّ الناصرين،
والخصوصِ في حقِّ المظلومين، من حيث هم مظلومون؛ لوجوبٍ
نُصرة كلِّ مظلوم من حيث هو مظلوم، ولأن بعض المخاطبين ثَبَتَ
الوجوبُ(٣) في حقُّه.
وأما استحبابُه في حقِّ بعض الناصرين وكل المظلومين، فذلك
في حق القوم الذين باشَر(٤) إسقاطَ فرض الكفاية في النَّصْرة غيرُهم
(١) ((ت)): ((عليه)).
(٢) ((ت)): ((أما الاستحباب فلامتناع القول به)).
(٣) (ت)): ((الاستحباب)).
(٤) في الأصل: ((باشروا))، والمثبت من ((ت)).
٥٨

ممن يكفي في ذلك، فيستحبُّ لغيرهم المشاركةُ في دفع الظلمٍ،
وهنا (١) تظهرُ فائدةُ المسألةِ التَّاسعة.
وأما الاستحبابُ في حق بعض الناصرين وبعض المظلومين،
ففي مثالِ هذا القسمِ قبلَه يقعُ هذا، وهو استحبابُ شُروعٍ مَنْ باشرَ
الفرضَ غيرُه ممن يكفي في ذلك، والله أعلم.
التاسعة عشرة: في هذه الأقسام بالنسبة إلى إجابة الدَّاعي.
إن حملناه على الإجابة بالفعل، فقد اختلف الفقهاء في وجوبٍ
إجابة الدّاعي إلى وليمة العُرس(٢)، فإن قام الإجماعُ على أنه لا يجبُ
(١) (ت)): ((وهاهنا)).
(٢) قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) (١٠ / ١٧٩): لا أعلم خلافاً في وجوب
إتیان الوليمة لمن دُعي إلیھا، إذا لم یکن فيها منکر ولهو .
قال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (٩/ ٢٤٢): وكذا نقل عياض، ثم
النووي الاتفاق على القول بوجوب الإجابة لوليمة العرس. قال الحافظ :
وفيه نظر. نعم المشهور من أقوال العلماء الوجوب، وصرح جمهور
الشافعية والحنابلة بأنها فرض عين، ونص عليه مالك، وعن بعض
الشافعية والحنابلة: أنها مستحبة، وذكر اللخمي من المالكية: أنه
المذهب، وكلام صاحب ((الهداية)) يقتضي الوجوب مع تصريحه بأنها
سنة، فكأنه أراد وجبت بالسنة وليست فرضاً كما عرف من قاعدتهم، وعن
بعض الشافعية والحنابلة: هي فرض كفاية. ثم حكى الحافظ ابن حجر
عن الإمام ابن دقيق في ((شرح الإلمام)) محل وجوبها.
وانظر: ((روضة الطالبين)) للنووي (٧/ ٣٣٣)، و((الفروع)) لابن مفلح
(٢٢٦/٥)، و((مواهب الجليل)) للخطاب (٤ / ٢).
٥٩

إجابةُ كلِّ داعٍ بل البعضِ منهم، امتنعَ الحملُ على العموم في الداعين
والمدعُوِّين معاً؛ أعني: على سبيل الجمع؛ لأنه إذا امتنع في أحدِهما
امتنعَ فيهما قطعاً، فبطلَ القسمُ الأول على هذا التقدير، وكذلك يبطلُ
الحملُ على العموم في الدَّاعين والخصوصِ في المدعُوِّين لهذا بعينه
على هذا التقدير، وأردنا بالداعين(١) هاهنا الداعين إلى وليمة العُرسِ.
وأما العمومُ في حق المدعُوِّين، والخصوصُ في حقِّ الداعين؛
فمنْ أوجبَ الإجابةَ إلى وليمة العرس فقط، أو إلى دعواتٍ مخصوصة،
فهذا القسمُ واقعٌ عندَه؛ لأنه يجب على كل مدعُوِّ إجابةُ هذا الدَّاعي
الخاص، وهو الداعي إلى وليمة العرس مثلاً.
وأما الخصوصُ بالنسبة إلى الداعين والمدعُوِّين: فغيرُ واقعٍ عند
من يرى وجوبَ إجابةِ كلِّ مدعوِّ إلى وليمةِ العرس، ولا يخفى عليك
أنَّ هذا النظرَ في العموم والخصوص إنما هو بالنسبة إلى المدعُوِّين،
لا إلى كل المكلفين.
أما إذا حملنا الأمرَ على الاستحباب؛ فمن يُوجب الإجابةَ
إلى وليمة العرس تعذّر على قوله القسمُ الأولُ، وهو الحملُ على
العموم في الدَّاعين والمدعوِّين معاً؛ لأنَّ إجابةَ وليمة العرس واجبةٌ،
فلا مَدْخَلَ للاستحباب فيه، ومن لم يوجبِ الإجابةَ إليها - ولا إلى
غيرها - أمكنَ عندَه هذا القسمُ؛ أي: يُستحبُّ لكلِّ مدعوّ إجابةُ كلِّ
(١) في الأصل: ((بالفاعلين))، والمثبت من ((ت)).
٦٠