النص المفهرس
صفحات 301-320
الاستفصال مع قيام الاحتمال، وقد يَرِدُ على هذا ما يرد على تلك القاعدة من جواز عِلْم النبي ◌َّ بالواقعة(١)، وجوابُهُ عنها على حسب. علمه، إلا أنه هاهنا ضعيفٌ؛ لأنه حَكَمَ على عموم الماء بأنه لا يجنب، ولم یحکم على خصوص ما سئل عنه، وهذا أمر زائد. السادسة: الذين يرونَ أنَّ المستعملَ غيرُ طهور يعتذرون عن الحديث بوجهين : أحدهما: ما قدَّمناه من أمر رواته(٢) على مذهب مَنْ لا يرى الاحتجاجَ بِسِمَاك أو عكرمة، وجوابُهُ ما تقدم من مقتضيات التصحيح. وثانيهما: حملُ لفظةٍ (٣) (في) على معنى (من)، وأن الاغتسالَ و كان منها لا فيها، ومخالِفَهم يتمسك بالحقيقة، وقد يُقوَّى تأويلُهم برواية مَنْ رواه بلفظةِ (من)، وذكر الحافظ أبو حاتم بن حبان: أن أبا الأحوصِ انفردَ بهذه اللفظة (٤)، [واللفظة؛ يعني: لفظة (في)](٥). (١) ((ت)): ((بتلك الواقعة)). (٢) في ((الأصل)): ((راويه))، والمثبت من (ت)). (٣) ((ت)): ((لفظ)). (٤) انظر: ((صحيح ابن حبان)) (٤ / ٧٣)، حديث رقم (١٢٦١). قلت: وقد روى الدارمي في ((سننه)) (٧٣٤)، من حديث يحيى بن حسان، عن يزيد بن عطاء، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قامت امرأة من نساء النبي ◌َ﴿ فاغتسلت في جفنة من جنابة ... ، الحديث. وقال: أخبرنا عبيد الله، عن سفيان، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ( 18 نحوه. وانظر: ((الإمام)) للمؤلف (١ / ١٣٥ -١٣٦). (٥) سقط من ((ت)). ٣٠١ [وهذا](١) إن أُرِيد به أنَّ غيرَهُ لم يذكرْهَا ولا غيرَها، فهذا قريبٌ، وزيادةُ العَدْلِ مقبولةٌ، وإن أُريد به أنَّ غيرَه رواها بلفظ (من) [وهو رواها](٢) بلفظة (في)، [فهذا](٣) اختلافٌ على سِمَاك، فإنْ ظَهر ترجيحٌ لأحد الروایتین عُمِل به. وقد أُكِّدَ كونُ المرادِ الاغتسالَ منها لا فيها، باستبعاد الاغتسال فيها عادةً، ويُقرِّب الاغتسالَ(٤) فيها أنَّ البيوتَ لم تكن واسعةً، والظاهرُ أنها غيرُ مُجَصَّصةٍ ولا مُحَجَّرةٍ، فالاغتسال فيها لأجل أن يَسْلَمَ المكانُ من الابتلال والوَحل، على أنَّ هذا لا يمنعُ من التمسك بطريقة ترك الاستفصال وقوله العليفي: ((إن الماءَ لا يَجْنُبُ))، وخرّج ابنُ حبان هذا الحديث من رواية سفيان، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنَّ امرأةً من أزواج النبيِّ بَّ اغتسلت من جفنةٍ [من جنابة](٥)، فجاء النبيُّ وَله يتوضأُ من فَضْلِها، فقالت له، وقال: ((الماءُ لا يُنَجِّسِهُ شيءٌ))(٦). السابعة: لا يجوزُ أنْ يكونَ المرادُ بـ((إنَّ الماءَ لا يجنبُ)) أنه (١) زيادة من ((ت)). (٢) في الأصل: ((وهذا مع من رواه)»، والمثبت من ((ت)). (٣) زيادة من ((ت)). (٤) (ت): ((الاستعمال)). (٥) زيادة من هامش ((ت)). (٦) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (١٢٤٢). ٣٠٢ لا ينتقلُ إليه حكمُ الجنابة بخصوصه(١)؛ لأنَّ ذلك محالٌ عقلاً، فلا يجوز حملُ [لفظِ] (٢) الشارع عليه، فبقي على أن يُحمَلَ على معنى أعم من هذا المعنى، بأن يُؤخَذَ مطلقُ المنع وجنسُه لا المنع الخاص، ويقال: إن الجنبَ تعلق به منعٌ بسبب الجنابة، ولا يتعلق بالماء منعٌ بسبب الجنابة، هذا إن لم يُزاحم بمعنى آخر ینافيه. قال أبو سليمانَ الخطابيُّ رحمه الله تعالى: قوله: ((إنَّ الماءَ لا يجنبُ)) معناه: لا ينجُس، وحقيقتُهُ: أنه لا يصيرُ بمثل هذا الفعل إلى حالةٍ يُجتنبُ فلا يُستَعملُ، وأصلُ الجنابة البعدُ، ولذلك قيل للغريب: جُنُب؛ أي: بعيد، وسُمِّي(٣) المُجَامِعُ - ما لم يغتسل - جُنُباً؛ لمجانبته الصلاةَ وقراءة القرآنِ، كما يُسمَّى الغريبُ جنباً لبعده عن أهلِه ووطنه . وقد رُوِيَ: ((أربعٌ لا يَجْنُبْنَ: الثوبُ، والإنسانُ، والأرضُ، والماءُ))(٤)، وفسَّروه: أنَّ الثوبَ إذا لاصقه عرقُ الجنب لم ينجُس(٥)، والإنسانَ إذا أصابته الجنابةُ لا ينجس، وإن صافحه جنبٌ أو مشركٌ لم ينجُسْ، والماءَ إذا أَدخلَ يدَه فيه جُنُبٌ أو اغتسلَ لم ينجُس، والأرضَ (١) في الأصل: ((مخصوصة))، والمثبت من ((ت)). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) ((ت)): ((فسمِّي)). (٤) رواه الدارقطني في ((سننه)) (١ / ١١٣)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١ / ٢٧٦)، عن ابن عباس من قوله. (٥) في المطبوع من ((معالم السنن)): ((وفسروه: أن الثوب إذا أصابه عرق الجنب والحائض لم ينجس ... )). ٣٠٣ إذا اغتسل عليها جنبٌ لم تنجُس(١). وأقول: تفسيرُه (لا يجنبُ) بـ(لا ينجسُ) تفسيرٌ لما هو أعمُّ بالأخصِّ، وهو يَحتاج إلى دليل؛ لأنَّ قولَه وَلِهِ: ((إنَّ الماءَ لا يجنبُ)) إما أن يُؤْخَذ من معنى الجنابة، وهو الذي يدلُّ عليه سياقُ الحديث وقولها رضي الله عنها: ((إني كنت جنباً))، فقوله: ((لا يجنب)) على هذا التقدير؛ [أي](٢): لا يكونُ له حكمُ الجنابة، وهو المنع، وهذا أعمُّ من كونِه منعاً لأجل النجاسة أو لأجل عدم الطهورية، فتخصيصُهُ بمعنى(٣) النجاسة يحتاج إلى دليل، وإن أُخِذَ من معنى الاجتناب، فهو أعمُّ أيضاً من الاجتناب لأجل النجاسة، أو لأجل عدم الطُّهورية . الثامنة: من القواعد الأصوليّة: أن العامَ لا يُخَصُّ بسببه على المختار(٤)، فإذا حُمِلَ قولُه التَّهِ: ((لا يجنبُ)) على أنه لا يتعلَّقُ به منعٌ بسبب الجنابة، دلَّ على جواز استعماله مع طهارة الحَدَث والخَبَث معاً، وإن كان سببُ الحكم طهارةَ الحدث. التاسعة: بعد القول بإفساد الاستعمال للماء، وأنَّ الاستعمال(٥) كان من الجَفْنَةِ، قد يؤخذُ منه مسألةُ الاغترافِ إذا لم ينوِ به رفعَ (١) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (١ / ٣٨). (٢) سقط من ((ت)). (٣) ((ت)): ((بمنع)). (٤) انظر: ((البحر المحيط)) للزركشي (٤ / ٥٠٤). (٥) ((ت)): ((الاغتسال)). ٣٠٤ الحدث، ولا مجرَّدَ الاغترافِ، بل غَفَل عنهما حالةَ الاغترافِ، وذلك لترك الاستفصال. العاشرة: إنما يدلُّ على أنه [لم يحصلْ](١) منعٌ بسبب الجنابة، كما حصل للجُنُبِ منعٌ بسببها، ولا يمنعُ [من](٢) ذلك من أنْ يتعلَّقَ به منعٌ بسبب آخرَ، كالمنع بسبب تغيُّرِهِ بما يخالِطُه. الحادية عشرة: إنما يدلُّ على أنه لا يحصُلُ له منعٌ لسبب(٣) الجنابة من التطهير، وإن كان اللفظُ إذا حُمِل على [المعنى] (٤) أعمَّ من هذا، وهذا من باب تخصيص العموم بالسِّياق، لا من باب تخصيص العموم بالسبب، وبينهما فرقٌ نافعٌ في مواضعَ عديدةٍ(٥). الثانية عشرة: إذا حملنا (في) على الظرفية، كما هو الحقيقة، وجعلناه دليلاً على الطهورية، فهو دليلٌ على الطهارة من باب الأَوْلَى. الثالثة عشرة: المحكيُّ عن أصْبَغَ من المالكية رحمهم الله تعالى: أن الماءَ المستعمَلِ غيرُ طَهور (٦)، ولم يعلِّلوه بانتقال مانع ولا بتَأَدِّي عبادة، بل عُلِّلَ بما يلحقُه ويَحُلَّه من الأوساخ والأَدْرَان، (١) سقط من ((ت)). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) ((ت)): ((بسبب)). (٤) زيادة من (ت)). (٥) انظر: ((البحر المحيط)) للزركشي (٤ / ٥٠٣). (٦) انظر: ((المنتقى شرح الموطأ)) للباجي (١ / ٧٥). ٣٠٥ والحديثُ يدلُّ على بطلان هذا التعليل بعد الحمل على كون الاغتسال في الجفنة؛ لأنَّ الاغتسالَ في الجفنة موجودٌ هاهنا، فلو مَنَعَتْ هذه العلةُ التطهيرَ، لامتنعتِ الطهارةُ، [و](١) لم تمتنعْ، فلا تمتنعُ (٢) . الرابعة عشرة: المحكيُّ من مذهب أبي الحسين القَابِسيِّ من المالكية: أنَّ الماءَ القليلَ إذا خالطه طاهرٌ لم يغير[٥](٣)، فهو غيرُ طهور(٤)، والكلامُ فيه كالكلام في المسألة قبلها؛ لأنَّ المخالطةَ غالباً حاصلةٌ، فلو مَنَعت، لامتنع التطهيرُ به. والفرقُ بين هذا والذي قبلَه: أنه يُستدَلُّ هاهنا على بطلان الحكم، وهناك يُستدلُّ على بطلان العلة، فقد يمكنُ أنْ يَسْلَمَ الحكمُ الأصبغَ، ويبطُلُ التعليلُ بما ذُكِرَ. الخامسة عشرة: بعضُ مَنْ أفسدَ الماءَ بالاستعمال علَّلَ بوجهين: تأدِّي العبادة، وانتقالِ المنع، وقولُه التَّةِ: ((إنَّ الماءَ لا يجنبُ)) كالتصريح بردِّ هذه العلةِ الثانيةِ. السادسة عشرة: بطلانُ هذه [العلة](٥) لا يلزمُ منه بطلانُ الحكم الذي هو عدمُ الظُّهورية، فقد يقول مَنْ رأى تأثيرَ الاستعمالِ في الماء: إنما يدلُّ قولُهُ وَّهِ: ((إنَّ الماءَ لا يجنبُ)) على عدم انتقالِ المنعِ إلى (١) بياض في ((الأصل))، والمثبت من ((ت). (٢) أي: لم تمنع التطهير، فلم تمنع الطهارة. (٣) سقط من ((ت)). (٤) انظر: ((المنتقى شرح الموطأ)) للباجي (١ / ٦٠). (٥) سقط من ((ت)). ٣٠٦ الماء، ولا يلزم من [بطلان](١) هذه العلة بطلانُ الحكم، فالاستدلالُ (٢) بهذا اللفظ على بطلان [الحكم](٣) لا يصحُّ، وجوابُهُ: أنَّ ذكرَ هذا الكلام إبطالٌ لقيام المانع من استعماله، وهو دليلٌ على عدم تأثير الاستعمال في الماء، ولاسيَّما مع استعماله بَّه، ولو انفردَ أنَّ الماءَ لا يجنبُ عن إشعارِ الدلالة به على عدم المانع لاتَّجهَ ما قال. السابعة عشرة: إذا أُقيمَ دليلٌ على أنَّ المرادَ الاغتسالُ من الجفنة، لا فيها، كان الحديثُ دليلاً على جوازِ الوضوءِ بفضل طَهور المرأة في الجملة. الثامنة عشرة: ويكون أيضاً دليلاً على الجواز وإن خَلَتْ به؛ لأنها إنما أخبرت النبيَّ ◌َِّ لْتُعْلِمَه ما لم يكنْ عنده علمُهُ، فيحترزُ منه، فقد خَلَتْ به عنه. التاسعة عشرة: مَنْ جمعَ بين كونِ الماءِ يفسدُه الاستعمالُ، وكونٍ الوضوء من فضل المرأة ممنوعاً؛ إما بشرط الخَلْوة به، أو بغير شرطِها، صَعُبَ عليه الاعتذارُ عن هذا الحديث؛ لأنَّ هذا الغسلَ إما أن يكون في الجَفْنة، أو منها، فإن كان الأولُ: فالماء مستعملٌ، ولم تزُلْ طهوريتُهُ بالحديث، وإن كان الثاني: فهو فضلُ امرأةٍ قد خَلَتْ، ولم تزُلْ طهوریتُه بالحديث. (١) سقط من ((ت)). (٢) (ت)): ((والاستدلال)). (٣) سقط من ((ت)). ٣٠٧ و العشرون: إذا حُمِلَ الحديثُ على الاغتسال في الجفنة، فيؤخذ منه طهارةُ عَرَقِ الجُنُبِ، لكنْ بعد تقدير مقدمةٍ أخرى، وهي: تنجُّسُ(١) الماء القليل بوقوع النجاسة فيه. الحادية والعشرون: إذا حُمِلَ على الاغتسال في الجفنة، [لا](٢) منها، فقد يُدَّعى أنَّ الغالبَ أنه يحصُل في الماء تغيُّرٌ ما بسبب ما يُلابِسُ البدنَ من الأَدْرَان والأوساخ، فيؤخذ منه: أنَّ التغيُّرَ باليسير من الطاهرات لا يَضُرُّ. الثانية والعشرون: يُستَدلُّ بوجود العلة على وجود المعلول، وبوجود المعلول على وجود العلة إذا اختصَّ بها، وفي هذا الحديث كلا الأمرين؛ أما الروايةُ [الأولى](٣) التي أوردناها (٤)، ففيها(٥) أخذُ المعلولِ من العلة؛ لأن حكمَهُ الَّ بأنَّه لا يجنبُ، علٌ لجواز الطهارة به، الذي هو المقصود، فذكرَ العلةَ لیدلَّ بها على المعلول، وأما [على](٦) روايةٍ استعماله [له](٧) وَلَّ، فيؤخذَ منه العلةُ من المعلول؛ لأن جوازَ تطهُّرِهِ منه الَّه: لازمٌ لطهوريته، فاستعمالُهُ دليلٌ على طهوريتِهِ دلالةَ المعلول على العلة. (١) ((ت)): (تنجيس)). (٢) بياض في ((الأصل)) والمثبت من ((ت)). (٣) سقط من ((ت)). (٤) ((ت)) ((أفردناها)). (٥) في الأصل: ((ففيه))، والتصويب من ((ت)). (٦) زيادة من ((ت)). (٧) سقط من ((ت)). ٣٠٨ الحديث السادس 0 III عنْ أبي هُرِيرَةَ﴾ قالَ: قالَ رسولُ اللهِوَِّ: ((إذَا وَقَعَ الذُّبابُ فِي شَرابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لِيَنْزَعْهُ، فَإِنَّ في أحَدٍ جَنَاحَيهِ دَاءً، والآخَرِ شِفاءً»، أخرَجَهُ البُخاريُّ(١). (١) * تخريج الحديث: رواه البخاري (٣١٤٢)، كتاب: بدء الخلق، باب: إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، فإن في إحدى جناحيه داء، وفي الأخرى دواء، من طريق سليمان بن بلال، عن عتبة بن مسلم، عن عبيد بن حنين، عن أبي هريرة، به. ورواه البخاري أيضاً (٥٤٤٥)، كتاب: الطب، باب: إذا وقع الذباب في الإناء، من طريق إسماعيل بن جعفر، عن عتبة بن مسلم، به. قال المؤلف في ((الإمام)) (١/ ٢٢١): وليس لعبيد بن حنين في ((الصحيح)) عن أبي هريرة غير هذا. وقد رواه ابن ماجه (٣٥٠٥)، كتاب: الطب، باب: يقع الذباب في الإناء، من طريق مسلم بن خالد، عن عتبة بن مسلم، به. ورواه أبو داود (٣٨٤٤)، كتاب: الأطعمة، باب: في الذباب يقع في الطعام، من طريق ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، به. قلت: وللحديث طرق كثيرة عن أبي هريرة ﴿ه، انظر: ((الإمام)) للمؤلف (١/ ٢٢١) وما بعدها. ٣٠٩ الكلام علیه من وجوه: * الأول: في التعريف بمن ذُكر فيه: أمَّا أبو هُريرَةَ ﴿ه: فقد تقدَّمَ التعريف به. وأمَّا الْبُخَارِيُّ: فهو أبو عبد الله محمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة [بن الأحنف](١) بن بَرْدَزْبِه - مفتوح الباء الموحدة، ساكن الراء مكسور الدال المهملتين، ساكن الزاي المعجمة، مكسور الباء الموحدة، وآخرها(٢) هاء-، جبلٌ في هذا العلم شامِخٌ، وعالمٌ بالصناعة راسِخٌ، طافَ وجَالَ، ووسَّعَ في الطلب المجالَ، فضلَه كبيرٌ، والثناء عليه کثیرٌ. قال الحاكمُ أبو عبد الله الحافظُ في (تاريخ نَّسَابور)): محمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله الجُعفي، إمام أهل الحديث بلا خلافٍ أَعرِفُه بين أئمة أهل النقل فيه، إلا أن يكونَ كما قال الأوَّلُ [من الطويل]: ٠ بِحسبِكَ أَنِّي لا أرَى لكَ عائِباً سِوَى حَاسِدٍ والحَاسِدُونَ كَثِيرٌ قال الحاكم: سمعت أبا الطيِّبٍ محمَّدَ بنِ أحمدَ المُذَكِّرَ يقول: سمعت أبا بكر محمّد بن إسحاقَ بن خُزيمةَ يقول: ما رأيت تحت أدیمٍ هذه السماءِ أعلمَ بحديث رسول الله وَّه وأحفظَ من محمَّدٍ بنِ إسماعيل البخاريٌ(٣) . (١) سقط من ((ت)). (٢) ((ت)): «آخره» . (٣) رواه الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) (ص: ٧٤)، والخطيب في ((تاريخ = ٣١٠ قال: وسمعت يحيى بن عمرو بن صالح يقول: سمعت أبا العبَّاس محمَّد بن إبراهيم الفقيه يقول: كُتِب إلى محمّد بن إسماعيل البخاري من بغداد [من البسيط]: والمُسلِمُونَ(١) بِخَيرِ مَا بَقِيتَ لَهُمْ ولَيسَ بعدَكَ خَيرٌ حِينَ تُفْتَقَدُ (٢) قال: وسمعت أبا عبد الله محمَّد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعت أبي يقول: رأيت مسلمَ بن الحجّاج بين يدي محمَّد بن إسماعيل البخاري، وهو يسأله سؤالَ الصبيِّ المتعلُّم (٣). قال: وسمعت أبا نصر أحمدَ بن محمّد الورّاق يقول: سمعت أبا حامد أحمد بن حَمْدُون يقول: سمعت مسلم بن الحجاج، وجاء إلى محمّد بن إسماعيل البخاري، فقَبَّلَ بين عينيه، وقال: دعني حتَّى أُقْبِّل رجلَيك يا أستاذَ الأُستَاذِين، و[يا](٤) سيدَ المحدِّثين، ويا طبيبَ الحديثِ في عللِهِ، حدَّثك محمّد بن سلام ... فذكر بقيةَ الحكاية (٥). = بغداد)) (٢/ ٢٧)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٥٢ / ٦٥). (١) (ت)): ((المسلمون)). (٢) رواه الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) (ص: ٧٤)، ومن طريقه: ابن نقطة في ((التقييد)) (ص: ٣٣). ورواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٢ / ٢٢)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٥٢ / ٩٠). (٣) رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٢/ ٢٩)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٥٢ / ٨٩). (٤) زيادة من ((ت)). (٥) رواه الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) (ص: ١١٢ - ١١٣)، والسمعاني في = ٣١١ وروى الخطيبُ بسنده إلى أحمد بن سيَّار قال: محمَّد بن إسماعيل ابن إبراهيم [بن](١) المغيرة الجعفي، أبو عبد الله، طلبَ العلم، وجالسَ الناسَ، ورحَلَ في الحديث، ومَهَرَ فيه، وتبصَّر [وخالط](٢)، وكان حسنَ المعرفة وحسنَ الحفظ، وكان يتفقَّهُ(٣). وروى الحافظُ عبدُ الغنيِّ بنُ سعيد، عن أبي الفضل جعفر بن الفَضْلِ قال: أخبرنا محمّد بن موسى بن يعقوب بن المأمون قال: سُئِلَ أبو عبد الرحمن النسائيُّ عن العلاء وسُهَيل فقال: هما خيرٌ من فُلَيح، ومع هذا ما في الكتب كلِّها أجودُ من كتاب محمَّد بن إسماعيل البخاري(٤). وذكره الحافظُ أبو أحمدَ في كتابه ((الأسماء والكُنَى)) وقال: كان أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجمعِه، ولو قلتُ: إنِّي لم أرَ تصنيفاً يفوق تصنيفَه في المبالغة والحُسن، أو لم أسمعْ بأذني في باب الحديث مثلَه، رجوتُ أن أكونَ صادقاً في قولي . وروى الخطيب من حديث أبي الهيثم الكُشْمِيْهَني قال: سمعت = ((أدب الإملاء والاستملاء)) (ص: ١٣٦)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١٣ / ١٠٢)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٥٢ / ٦٨). (١) زيادة من ((ت)). (٢) سقط من ((ت)). (٣) رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٢/ ٦)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٥٢ / ٥٢). (٤) رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٩/٢)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٥٢ / ٧٤). ٣١٢ محمَّد بن يوسف الفِرَبْرِي يقول: قال محمَّد بن إسماعيل البخاري: ما وضعتُ في كتاب ((الصحيح)) حديثاً إلا اغتسلتُ قبلَ ذلك، وصليتُ رکیتین(١). وذكر أيضاً عن أبي إسحاق المُسْتَملي، عن محمَّد بن يوسف الفِرَبْرِي: أنه كان يقول: سمع كتابَ ((الصحيح)) لمحمَّد بن إسماعيل تسعون ألفَ رجلٍ، فما بقي أحدٌ يرو[يه عنه](٢) غيري(٣). قلت: وهذه الرواية في ((صحيح البخاري)) من جهة الفِرَبْرِي هي المشهورة شرقاً وغرباً، وللمغاربة رواية أخرى من جهة إبراهيم بن معقل النَّسَفي عن البخاري موجودةٌ في فهارسهم وغيرها، ولا أعلمُها اليومَ في جهة أهل الشرق (٤). وكانت وفاة البخاري - رحمه الله تعالى - ليلةَ عيدِ الفطر، سنةً ست وخمسين ومئتين بخِرْتَنْكَ، مكسور(٥) الخاء المعجمة، ساكن الراء، مفتوح ثالث الحروف، ساكن النون، [و](٦) آخره كاف(٧) . (١) رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٩/٢)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٥٢ / ٧١). (٢) بياض في الأصل، والمثبت من ((ت)). (٣) رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٩/٢)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٧٤/٥٢). (٤) (ت)): ((المشرق)). (٥) ((ت)): ((بکسر)). (٦) زيادة من ((ت)). (٧) * مصادر الترجمة : ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (٧/ ١٩١)، ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم = ٣١٣ الوجه الثاني : في تصحيحه: وقد ذكرنا أنَّ البخاريَّ أخرجه، وحسبُك بذلك، وهو من أفراده، انفرد به عن مسلم، رحمهما الله تعالى، أخرجه في موضعين من كتابه: أحدهما في بَدْء الخلق، والثاني في كتاب الطب. وهو عنده من طريقين: أحدهما عن سليمان بن بلال، والثاني من حديث إسماعيل بن جعفر، كلاهما عن عتبة بن مسلم، عن عبيد ابن حُنين، عن أبي هُریرَةَ، ـة (١) . الوجه الثالث: في شيء من مفرداته، وفيه مسائل : الأولى: قال الجوهري: الذُّبَابُ معروفٌ، الواحدة ذُيَابة، ولا يقال: ذِبَّانة، وجمع القِلَّة: أَذِيَّة، والكثير: ذِبَّان، مثل غُراب وأغرِبة وغِربان(٢). = (ص: ٧٤)، ((تاريخ بغداد)) للخطيب (٢ / ٤)، ((الإرشاد)) للخليلي (٣ / ٩٥٩)، ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر (٥٢/ ٥٠)، ((تهذيب الأسماء واللغات)» للنووي (١/ ٨٦)، ((تهذيب الكمال)) للمزي (٢٤ / ٤٣٠)، ((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٤ / ١٨٨)، ((سير أعلام النبلاء)). (١٢ / ٣٩١)، ((تذكرة الحفاظ)) كلاهما للذهبي (٢ / ٥٥٥)، ((طبقات الشافعية)) للسبكي (٢/ ٢١٢)، («البداية والنهاية)) لابن كثير (١١ / ٢٨)، ((مقدمة فتح الباري))، ((تهذيب التهذيب» كلاهما لابن حجر (٤١٠/٩). (١) وقد تقدم تخريج الطريقين قريباً. (٢) انظر: ((الصحاح) للجوهري (١ / ١٢٦). ٣١٤ وقال أبو هلال العسكري في ((التلخيص)): والذُّبَاب واحد، والجمع: ذِيَّان، والعامةُ تقول: ذُبابة للواحد، والذُّبان للجمع، وهو خطأ، وتقول(١) للأنثى: ذبابة (٢). الثانية: الشرابُ أعمُّ من الماء، فيدخل تحته بعضُ المائعات، قال الله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ﴾ [النحل: ٦٩]، وسنذكر ما يترتَّبُ علیه إن شاء الله تعالی. الثالثة: الجَناحُ حقيقة فيما للطائر، ويُستعار لغيره، فمنه جناحُ الآدمي، وجناح العسكر، والاستعارة للمشابهة الحسيّة في حصول الطرفين عن الجانبين والواسطة بينهما، وأما الجناحُ في قوله تعالى: ﴿ وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ﴾[الإسراء: ٢٤]، فهو مُستعارٌ لأجل المشابهة المعنوية بين التواضع والنُّزولِ المعنوي، وبين النزول الحسِّيِّ(٣). وفي الآية معنى آخرُ، وهو قوله تعالى: ﴿جَنَاحَ الذُّلِّ﴾، ولم يقل : جناح العزِّ، وفيه وجهان: أحدهما: أن تكون الإضافة من باب عِرْق النَّسا(٤). (١) ((ت)): ((ويقال)). (٢) انظر: ((التلخيص)) لأبي هلال العسكري (٢ / ٦٥٧). قلت: وقد نقل ابن سيده في ((المحكم)) (١٠ / ٥٤) عن أبي عبيدة، عن الأحمر تجويز ما زعم العسكري أنه خطأ . (٣) ويسمى هذا النوع استعارة تخييلية. (٤) أي: إضافة الشيء إلى نفسه، قال الزَّجَّاجُ: لا تَقُلْ عِرْق النَّسَا؛ لأنَّ الشيءَ = ٣١٥ والثاني: أن هذه الإضافة تدل - من الأمر بالتواضع - على أكثر مما (١) تدلُّ عليه الإضافةُ إلى العز؛ لأن هذا يقتضي ذُلاً يخفضُ جناحَه، فأصلُ الذلِّ تواضعٌ، والجناحُ المخفوضُ زيادةٌ في ذلك، بخلاف جناح العز؛ فإنَّه لا يدل على مثل هذه الزيادة. وأيضاً ففيه مبالغةٌ أخرى من جهة لفظ الذُّلِّ، ودلالتُهُ على أزيدَ مما يدلُّ عليه لفظُ التواضعِ . الوجه الرابع: في شيء يتعلَّق بالعربية، وفيه مسألتان(٢): الأولى: هذا الحديث على الرواية التي ذكرناها (٣) يتعلق بمسألة جواز العطف على عاملين، وقد اختلفوا في ذلك، ورأيتُ في كتاب ((القوانين)) للأستاذ ابن أبي الرَّبيع عصريِّنا - رحمه الله - وقد ذكر العطفَ على عاملين: لا أعلمُ أحداً من النحويين أجازه غيرَ الأخفش(٤). = لا يُضافُ إلى نَفْسِه، أو كما قال في لسان العرب (١٠ / ٢٨): هذا من باب إضافة العامّ إلى الخاصّ، كقولهم عِرْقُ النَّسا، وإن كان العرق هو النسا من جهة: أَنّ النسا خاصّ والعِرق عامّ لا يخصُّ النسا من غيره. وانظر: ((إصلاح المنطق)) لابن السكيت (ص: ١٦٤)، و((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥ / ٥٠). (١) ((ت)): ((ما)). (٢) في الأصل و(ب)): ((مسائل))، والمثبت من ((ت)). (٣) ((ت)): ((ذكرها)). (٤) انظر: ((الملخص في ضبط قوانين العربية)) لابن أبي الربيع الإشبيلي (١ / ٥٧٧). ٣١٦ وفي كون هذا القولِ مطابقاً لما في نفس الأمر نظرٌ، قال ابنُ يَعيشَ شارحُ ((المفصل)) لما تكلّم على المَثَل (مَا كُلُّ سَودَاءَ تَمْرَةٌ، ولا [كُلُّ](١) بيضاءَ شَحْمةٌ) قال: وكان أبو الحسين(٢) الأخفش - رحمه الله تعالى - وجماعةٌ من البصريين يحمِلون ذلك وما كانَ مثلَهُ على العطفِ على عاملين، وهو رأيُ الكوفيين، رحمهم الله تعالى(٣). فقد(٤) حُكِيَ هذا المذهبُ عن الكوفيين وجماعةٍ من البصريين. ووجهُ تعلُّقِ الحديث بهذه المسألة: أنه إذا جُرّ قولُه ◌َّ : (والآخر))، ونصب قولُه: ((شفاء))، فقد عطف (الآخر) على (أحد)، وعطف (شفاء) على (داء)، والعامل في (أحد) حرف الجر الذي هو (في)، والعامل في (داء) (إن)، فقد شَرِّكت الواو في العطف على ء العاملين اللذين هما (في) و(إن)، وذلك ما يقولُه الأخفشُ ومن معه، وحاصله: عطف شيئين على شيئين، والعامل فيهما شيئان مختلفان، وسيبويه لا يجيز ذلك، وقد استدلَّ الأخفشُ بأشياءَ منها المَثَلُ المذكور، فاحتاج ناصرو مذهبٍ سيبويه إلى تخريجها وتأويلها، فقالوا في المثل: إنه على حذف المضاف وإبقاءٍ عمله، والتقدير: ما كل سوداء تمرة، ولا كل بيضاء شحمة، فحذفَ (كلَّ) بعد حرف العطف (١) سقط من ((ت)). (٢) في الأصل: ((الحسن))، والصواب ما أثبت كما في ((ت)). (٣) انظر: ((شرح المفصل)) لابن يعيش (٣/ ٢٧٠). (٤) (ت)): ((وقد)). ٣١٧ وأبقَى عملَها، فكأنها ملفوظُ بها، ولو كانت ملفوظاً بها لما وقع العطف على عاملين، فكذلك إذا حُذفت، فكانت(١) کالملفوظ به، وكذلك قالوا في قراءة حمزة والكِسائي: ﴿ وَأَخْلَفِ اَلَيْلِ وَاَلنََّارِ﴾ إلى قوله تعالى ﴿ءَايَتٌ﴾ [الجاثية: ٥]، وهي ممَّا (٢) استُدِلَّ بها لمذهب الأخفش، فقالوا: إنه على حذف حرف الجر وإبقاء عمله، والتقدير: في(٣) اختلاف الليل والنهار، وعلى مساق هذا يقولون في الخبر المذكور ((والآخر)): إنَّ حرفَ الجر محذوفٌ مبقيُّ العملِ، والتقدير : وفي الآخر شفاء(٤). (١) ((ت)): ((وكانت)). (٢) ((ت)): ((ما)) . (٣) ((ت)): ((وأنه في)). (٤) قال ابن هشام في ((مغني اللبيب)) (ص: ٦٣٢) في مسألة العطف على معمولي عاملين: فإن لم يكن أحدُهما جاراً فقال ابن مالك: هو ممتنع إجماعاً نحو: كان آكلاً طعامَك عمروٌ وتمرَك بكر، وليس كذلك، بل نقل الفارسيُّ الجواز مطلقاً عن جماعة، وقيل: إن منهم الأخفش، وإن كان أحدهما جاراً؛ فإن كان الجارُّ مؤخراً نحو زيد في الدار والحجرة عمروٌ، أو وعمروٌ الحجرة، فنقل المهدويُّ أنه ممتنع إجماعاً، وليس كذلك، بل هو جائز عند من ذكرنا، وإن كان الجار مقدماً نحو في الدار زيد والحجرة عمروٌ؛ فالمشهور عن سيبويه المنع، وبه قال المبرد وابن السراج وهشام، وعن الأخفش الإجازة، وبه قال الكسائي والفراء والزجاج، وفصّل قوم - منهم الأعلم - فقالوا: إن ولي المخفوضُ العاطف كالمثال جاز؛ لأنه كذا سُمع، ولأن فيه تعادل المتعاطفات، وإلا امتنع نحو في الدار زيدٌ وعمروٌ الحجرة. وانظر المسألة في ((شرح الرضي على الكافية)) (٢ / ٣٤٤ -٣٤٨). ٣١٨ واعلمْ أنه وردَ في مواضعَ ما ظاهرُه العطفُ [على](١) عاملين، وتأويلُه وتخريجُه بحذف المضاف أو حذفِ حرف الجر خلافَ الظاهر، وهو أيضاً ضعيفٌ؛ أعني: حذفَ الجار وإبقاءَ عملِه في القياس والاستعمال معاً كما ذكروه، كما أنَّ العطفَ على عاملين ضعيفٌ في القياس والاستعمال، فالفِرار من العطف على عاملين لضعفه قياساً واستعمالاً إلى حذف المضاف وحرف الجر مبقياً عملهما(٢) مع ضعفه في القياس والاستعمال معاً لابُدَّ فيه من ترجيح(٣). وليس غرضنا هاهنا المناظرة، ولكنَّ الذي نبّه(٤) عليه: أن المقصودَ بالعربية إنما هو النطقُ بالصواب، وذلك حكمٌ لفظيٍّ، وما عداه من التقديراتِ وغيرِها ممَّا لا يقدح في اللفظ، ليس هو بالمقصود(٥) في علم العربية بالذَّات، فمتى احتجَّ محتجٌّ بشيء مسموع عن العرب و لمذهبٍ(٦) له، فذَكِرَ فيه تأويلٌ، وكان ذلك التأويل مما يطَّرِد في جملة (١) زيادة من ((ت)). (٢) ((ت)): ((مبقي عملها)). (٣) قلتُ: ذهب المصنف إلى ضعف حذف المضاف، ولكن قد قال ابن جني في ((الخصائص)) (١ / ١٩٢): وأما أنا فعندي أن في القرآن مثل هذا الموضع نيفاً على ألف موضع، وقَلَّت آيةٌ تخلو من حذف المضاف، نعم، وربما كان في الآية الواحدة من ذلك عدة مواضع. (٤) (ت)): ((ذنبه)) . (٥) ((ت)): ((بمقصود)). (٦) (ت): ((العربية بمذهب)). ٣١٩ مواردِ الاستعمال، فحينئذٍ لا يظهر للاختلاف (١) فائدةٌ لفظية؛ لأن اللفظَ جائزُ الاستعمالِ على الصورة والهيئة المذكورة [و](٢) على كل تقدير، إما من غير تأويل كما يذهب إليه المستدلُ، وإما بتأويل مطَّرد [كما](٣) في الموارد كما يذكر المجيب، فلا يظهر للاختلاف فائدة في الحكم اللفظي، وهو المقصود من علم العربية، مثالُه فيما نحن فيه: أنَّا إذا قلنا: فإن في أحدٍ جناحيه داء والآخرِ شفاء، فأوَّله مؤول بحذف حرف الجر، وأوَّل قولنا: (ما كلُّ سَوداءَ تَمرةٌ، ولا بيضاءَ شحمةٌ) بحذف المضاف، فاللفظُ على الهيئة المذكورة جائزٌ غيرُ خارج عن الصواب، وغايةُ ما في الباب أن يكونَ الخلافُ وقعَ في وجه جوازِهِ، فقائل يقول: هو على حذف المضاف وإبقاء عمله، وهو جائز، وقائل يقول: هو على تقدير العطف على عاملين، وهو جائز، فالاتفاق وقع على الجواز، واختُلِف في علَّتِهِ، وذلك لا يُفيدُ فائدةً لفظيةً، اللَّهِمَّ إلا إذا بُيِّنَ(٤) في بعض المواضع فائدةٌ؛ بأن يكون الجواز مختصّاً بأحد المذهبين دونَ الآخر، فحينئذٍ تظهر الفائدةُ المحقَّقةُ المعتبرةُ في علم العربية. فانظر هذا فإنه يقعُ في مواضعَ من مباحثٍ النحويين، وقد وقع في بعض الروايات في الحديث: ((وفي الآخرِ (١) ((ت)): ((في الاختلاف)). (٢) سقط من ((ت)). (٣) زيادة من ((ت)). (٤) (ت)): ((تبين)) . ٣٢٠