النص المفهرس
صفحات 261-280
الحديث الرابع روى مسلمٌ من حديث أبي السَّائِبِ مَوْلَى هشامٍ بن زُهرةَ: أَنَه سَمِعٍ أَبَا هريرةَ يقول: قال رسولُ اللَّهِ وَ﴾: ((لاَ يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ، وَهُوَ جُنُبٌ))، فَقَالُوا(١): كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ فقال(٢): يَتَنَاوَلُهُ تَنَاؤُلاً(٣). الکلام علیه من وجوه: * الأول: في التعريف بِمَنْ ذُكِر فيه: أبو السَّائب: هو مولى هشام بن زهرة، ويقال: [هو](٤) مولى (١) (ت)): ((قالوا)). (٢) ((ت)): ((قال)). (٣) * تخريج الحديث: رواه مسلم (٢٨٣)، كتاب: الطهارة، باب: النهي عن الاغتسال في الماء الراكد، والنسائي (٢٢٠)، كتاب: الطهارة، باب: النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم، وابن ماجه (٦٠٥)، كتاب: الطهارة، باب: الجنب ينغمس في الماء الدائم، أيجزئه؟ من طريق عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة، عن أبي هريرة، به . (٤) زيادة من ((ت)). ٢٦١ أبي زُهْرةَ، ويقال: مولى عبد الله بن هشام بن زهرة، ويقال: مولى بني عبد الله بن زهرة. قال الحاكمُ أبو أحمدَ محمدُ بن محمدٍ الحافظُ: وكلُّها عِلْمٌ(١) غيرُ محفوظ إلا من قال: مولى هشام بن زهرة. قال الحافظ (٢): من أصحاب العلاء بن عبد الرحمن وغيرِه، تواطئوا عليه . قلتُ: وأبو السائب المذكور ممن يُعَرفُ بكُنيته، أنصاريٌّ(٣) مدنيٌّ، حديثه في أهل الحجاز، روى عن أبي هريرة وكان من جلسائه، وأبي سعيد، والمغيرة بن شعبة، . روى عنه بُكَيرُ بن الأشجِّ، والعلاء بن عبد الرحمن الخرقي، وشريك بن عبد الله بن أبي نمر القرشي، وأبو عبد الله محمد بن عمرة(٤) العامري، وأبو عثمان عبيد الله بن عمر العدوي(٥)، وصيفي مولى ابن أفلح، وأسماء بن عبيد. ممن انفردَ مسلمٌ بإخراج حديثه عن البخاري، وتابع مسلماً على التخريج عنه بقيةُ الجماعة غيرُ البخاري: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. (١) ((ت)): ((علمي)). (٢) كذا في النسخ الثلاث، ولعل صواب العبارة: ((قال - أي: الحاكم -: الحفاظ من أصحاب ... )). (٣) ((ت)): ((أيضاً)) بدل ((أنصاري)). (٤) (ت): ((عمر)). (٥) ((ت)): ((العدني)). ٢٦٢ قال الحاكم أبو أحمد: وقد ارتفعَ عنه اسمُ الجهالة برواية مَنْ ذكرنا، ودخل في حيِّر المشهورين(١). * الثاني: في تصحيحه: وقد ذكرنا أن مسلماً أخرجه، وهو مِنْ أفراده عن البخاري. * الثالث: في شيء من مفرداته، وفيه مسائل: الأولى: الجُنُبُ: مَنْ أصابته الجنابة، وينطلق على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد، إذا كان مصدراً(٢). الثانية: قولهم: (كيف يفعل يا أبا هريرة؟) يحتمل وجهين: أحدهما: أنه لما أخبرهم بالمنع من اغتسال الجنب في الماء الدائم، احتَمَل أن يكونَ المرادُ الإعراضَ عنه وتركَهُ إلى غيره، ويَحتمِلَ(٣) أنْ يكونَ الاغتسالَ منه (٤) بكيفيةٍ غيرِ الانغماس، فسألوا(٥) عن المراد. (١) * مصادر الترجمة : ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٥/ ٣٠٧)، ((الثقات)) لابن حبان (٥ / ٥٦١)، ((تهذيب الكمال)) للمزي (٣٣/ ٣٣٨)، ((الكاشف)) للذهبي (٢ / ٤٢٨)، (تهذيب التهذيب)) لابن حجر (١٢ / ١١٤). (٢) انظر: ((المحكم)) لابن سيده (٧ / ٤٦٢). (٣) (ت): ((واحتمل)). (٤) ((ت): ((فيه)). (٥) ((ت)): «فسألوه)) . ٢٦٣ وثانيهما: أن لا يكون الترددُ بين تركه وعدم تركه، بل يكونُ السؤالُ مخصوصاً بكيفية ما يُفعَلُ مع تقزُّر أنه يُغْتَسَلُ منه عندهم. الثالثة: قول أبي هريرة: ((يتناوله تناولاً))، يُسأَلُ عن فائدة هذا التأكيدِ بالمصدر(١)، وما وجهُ حُسنِهِ والحاجةِ إليه؟ فيقال فيه: فائدته(٢) إبعاد تركه والإعراض عنه، وكأنه بالمنع من(٣) الاغتسال فيه وقعَ في النفس نفرةٌ منه تُوجِبُ الاحترازَ عنه، فقيل: ((يتناوله تناولاً)) تأكيداً لجواز هذه الصورة، ونفياً لما عساه [أن يكون](٤) حَدَثَ في النفس من الإعراض عنه وشدة النفرة منه، وأنَّ ذلك لا يؤثر. الوجه الثالث: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل: الأولى: النهيُ يدلُّ على فساد المنهي عنه، فمَنْ قال بفساد الغسل بالاغتسال في الماء الدائم فقد جرى على الأصل، ومن لم يقل به، فَبِدليل من خارج، ولقيام معارضات تمنعه من ذلك، وعليه في ذلك البيانُ. الثانية: النھيُ عنه قد یکون لنفسه، وقد يكون لغيره، فمَنْ أفسد (١) (ت)): ((عن فائدة التأكيد بهذا المصدر)). (٢) (ت)): ((فائدة)). (٣) ((ت)): ((عن)). (٤) زيادة من ((ت)) . ٢٦٤ الغسل مطلقاً، واستدلَّ بالنهي، وعمَّمَ الفسادَ في جملة صور الغسل، فالنھيُ عنه لنفسه عنده، ومن أفسده لاعتقاد فساد الماء بالاستعمال، على ما مرَّ من الحكاية فالنهيُ [عنه](١) عنده؛ لأنه وسيلةٌ إلى بطلان الطهارة، وكذلك مَنْ جعل العلة أنه يُفْسِدُهُ على غيره بسبب ما يُحدِثُه فیه من الاستقذار. الثالثة: النهيُ معلَّقٌ بالغسل، فهل يكون الوضوء كذلك، حتى يمنعَ المتوضَّىءُ من غمس أعضاء وضوئه في الماء؟ أما مَنْ لا يرى القياسَ، فلا شكَّ عنده أنه لا يمنعه بهذا النهي، وأما مَنْ يراه، فإلحاقهُ به وعدمُ إلحاقه مرتَّبٌ على تعليل هذا النهي، فمن علَّلَ بفساد الماء - وكونه يصير مستعملاً - ألحقَ الوضوء(٢) به؛ [لكونه](٣) في معناه، ومَنْ علَّلَ بالعِيافة النفسية فقد يُلحقه به، وقد لا يلحقه؛ لأن المعنى في الأصل - الذي هو الغسل - أَزْيَدُ منه في الوضوء، وشرطُ الإلحاق إما استواءُ الأصل والفرع في العلة، أو زيادةُ الفرع، [وقد جاء أنَّ النهيَ ورد في الوضوء أيضاً](٤) (٥). (١) سقط من ((ت)). (٢) في الأصل: ((بالوضوء))، والتصويب من (ت)). (٣) سقط من ((ت)). (٤) زيادة من ((ت)). (٥) وهو ما رواه النسائي وغيره من طريق عوف، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعاً: ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يتوضأ منه)). وقد تقدم تخريجه عند تخريج الحديث الثاني من هذا الباب . ٢٦٥ الرابعة: الحکمُ معلّقٌ(١) بالماء الدائم - وهو الراكد - كما تقدم، وهو تعليقُ الحكم بالصفة، فإما أن يقال بأنه(٢) يدلُّ على نفي الحكم عمَّا عدا(٣) محلِّ الصفة، أو يقال: إن الأصلَ الإباحةُ، والنصُّ إنما ورد في هذا المحل، وهو الماء الراكد، ويؤخَذَ الحكمُ فيما عداه من الأصل، وعلى كلِّ تقديرٍ لا يساوي الجاري الراكدَ في هذا الحكم. الخامسة: قد تقدَّم [لنا](٤) أنَّ القياسَ في معنى الأصل معمولٌ به، [معدودٌ](٥) في فوائد الأحاديث عندنا، وقد تعلّق الحكم فيه بوصف كونِ المغتسلِ جُنُباً، وفي معناه الحائض، فيمتنعُ اغتسالُها فيه، كما امتنع اغتسالُ الجنبِ [فيه](٦)، والظاهريُّ تبعَ(٧) قاعدة مذهبه، فأجازَ للحائض الاغتسالَ فيه؛ لأنَّ النصَ لم يَرِدْ [فيه](٨) إلا في الجنب(٩)، وليس إلحاقُ الحائض بالجنب في هذا، في مرتبة (١) ((ت)): ((يعلق)). (٢) ((ت)): ((لأنه)) . (٣) سقط من ((ت)). (٤) سقط من ((ت)). (٥) سقط من ((ت)). (٦) سقط من ((ت)). (٧) في الأصل و((ب)): ((منع))، والمثبت من ((ت)). (٨) سقط من ((ت)). (٩) انظر: ((المحلى)) لابن حزم (١ / ٢١١). ٢٦٦ إلحاق المتغوِّط في الماء بالبائل فيه؛ لأن ذلك مقطوعٌ به، وهذا دونه في الدرجة، و[هو](١) فوقَ درجةِ الحدث الأصغر الذي أشرنا إلى التردُّدِ فیه. السادسة: النفساءُ كالحائض في هذا المعنى، والحكم فيها كالحكم في التي قبلَها، وهذه المرتبةُ مساويةٌ للتي قبلها، أو متأخرةٌ عنها قليلاً. السابعة: [بعضُ](٢) الأغسال الواجبة تنقصُ عن هذه المرتبة؛ كالغسل للجمعة، والغسل من غسل الميت عند مَنْ يُوجِبُهما، فهي على هذا المذهب مشابهةٌ للجنابة في الوجوب، فالظاهريُّ لا يلحقهما (٣) به لانتفاء الاسم(٤)، وإلحاقها به على مذهب القياس ليس بذلك الشديد القوةِ؛ لأنه إن ألحقه بقياس الشَّبَهِ لاستوائهما في الوجوب، فقياس الشبهِ منحظً الرتبة عن غيره إذا قيل به، وإن ألحقه بعلَّةٍ جامعةٍ، فليستِ المناسبةُ التي تُبْدَى في تعليل النهي عن اغتسال الجنب بالمناسبة [الشديدة القوة في الاعتبار، ومَنْ يتمسك بقياس الشبه في الأحكام، أو يكتفي بمجرد المناسبة](٥) في العِلَيَّة، فقد يلحق بذلك. (١) سقط من ((ت)). (٢) سقط من ((ت)). (٣) ((ت)): ((والظاهري لا يلحقها)). (٤) انظر: ((المحلى)) لابن حزم (٢ / ٤٠). (٥) سقط من ((ت)). ٢٦٧ الثامنة: الأغسالُ المستحبَّةُ؛ كالغسل للعيدين والكسوف مثلاً، هل تُلْحَقُ بالغسل للجنابة؟ هذه المرتبة دونَ التي قبلَها، فمن اقتصر على اللفظ فلا إلحاقَ، ومن يقيس، فمَنْ زعم أنَّ العلةَ الاستعمالُ وإفسادُ الماء، وَجَبَ أن يُخرِّجَ على وجهين: وهو أن الاستعمال في نفل الطهارة هل يجعلُ الماءَ مستعملاً؟ فيه خلاف. ومَنْ علَّلَ بغير ذلك، فإنْ ساوى(١) الفرعُ الأصلَ في العلة - أو رَجَح عليه(٢) - أُلحق، وإلا امتنع، وذلك كالتعليل بالعِيافة النفسية، فقد(٣) يُدَّعَى أنها في هذه الأغسال(٤) ناقصةٌ عنها في(٥) الغسل من الجنابة. التاسعة: الغسلُ للتبرُّد وغيرِه من الأغسال المباحة التي لا تتصفُ بوجوب ولا استحباب ناقصُ الرتبة عن المرتبة التي قبلها، وهو أضعف المراتب، والأمر فيه - كما ذكرنا - إما في اتباع اللفظ، أو القول بالمفهوم، أو أنَّ الأصلَ الإباحةُ فيما عدا المنصوصِ عليه، ويزيد (١) في الأصل: ((ساوت). (٢) ((ت)): ((فإن ساوت العلةُ في الفرع العلةَ في الأصل أو رجحت عليها))، وهما بمعنى . (٣) ((ت)): ((وقد)). (٤) (ت)): ((الأقسام)). (٥) ((ت)): ((من)). ٢٦٨ هنا (١) ضعفُ هذه المرتبةِ(٢) في الإلحاق عن جميع ما قبلَها. العاشرة: قولهُ اَلجه: ((لا يغتسلُ أحدُكُمْ فِى الماءِ الدائِمِ وهوَ جُنُبٌ)) يظهر منه أن المرادَ: لا يغتسلُ - وهو جنب - من الجنابة، هذا هو السابق إلى الفهم، وعليه يدلُّ الحديثُ الآخرُ: ((ولا يغتسلُ فيهِ منَ الجنابةِ))(٣)، إلا أنَّ هذا اللفظَ لا يدلُّ عليه بنصه وصريحه، إذْ يُمكنُ أن يغتسلَ، وهو جنبٌ، لا عن الجنابة، ولهذا زعم الظاهريُّ في مَن كان جنباً ونوى بانغماسه في الماء الراكد غسلاً من الحيض أو الجمعة، أو الغسل من غسل الميت: لم يُجْزِىء عن الجنابة، ولا عن شيء من هذه الأغسال(٤)، وسببُ هذا أنه قد اغتسلَ في الماء الدائم وهو جنب، [و](٥) قال ◌َله: «لا يغتسلُ أحدُكُمْ فِى الماءِ الدائِمِ، وهوَ جُنُبٌ». الحادية عشرة: هذا الذي ذكرنا أنه السابق إلى الفهم ينبغي أن يُبْحَثَ عن سببه مع كون اللفظ لا يدلُّ عليه، ولعل سببه: أنه لما تقرر أنَّ الأصلَ في الماء الطهوريةُ، فالنهيُ عنه إنما يكون لمانع، ثم تقرر في النفوس مناسبةُ الجنابة لمعنى الإبعاد، لترتيب المنع من عبادات عليها، ولِمَا جاء أنه: ((لا تدخلُ الملائكةُ بيتاً فيهِ (١) (ت): ((هذا)). (٢) (ت)): ((الرتبة)). (٣) تقدم تخريجه . (٤) انظر: ((المحلى)) لابن حزم (٢ / ٤٠). (٥) زيادة من ((ت)). ٢٦٩ جُنُبٌ))(١)، مع مناسبة الاستقذار، فحصلَ من مجموع ذلك أنَّ الحدثَ هو المانعُ، فإذا (٢) لم يقع الاغتسال عن الجنابة زال المانع(٣)، ومع هذا فاللفظُ كما ذكرنا لا يدلُّ عليه، والله أعلم. الثانية عشرة: لو قال قائل: قوله پا﴾: «لا يغتسلُ أحدُكُمْ فِي الماءِ الدائِمِ وهوَ جُنُبٌ)) عامٌ أو مطلقٌّ في الأحوال، وقولُه في الحديث الآخر: ((ولا يغتسلُ فيهِ منَ الجنابةِ) خاصٌّ أو مقيّدٌ [فيها] (٤)، فأحمِل هذا على ذاك، ويكونُ الممنوعُ هو الغسل من الجنابة لا الغسلُ المطلقُ مع قيام الجنابة . فالاعتراضُ عليه: أنَّ حملَ المطلقِ على المقيد والعامِ على الخاص يكون عند التعارض، كما إذا دلَّ العامُّ على إباحة شيء، ودلّ الخاصُّ على تحريم بعضه، فلو عملنا بالعام أبطلنا دلالةَ الخاص، فجمعنا بالحمل، أما إذا لم يقعْ تعارضٌ فدلالةُ العام تتناول جميعَ صورِ مدلوله، فإذا ذكر الحكم في بعضها موافقاً لذلك العام، فلو (١) رواه أبو داود (٢٢٧)، كتاب: الطهارة، باب: في الجنب يؤخر الغسل، والنسائي (٢٦١)، كتاب: الطهارة، باب: في الجنب إذا لم يتوضأ، وغيرهما من حديث علي بن أبي طالب ظُه مرفوعاً. وإسناده ضعيف؛ للكلام في عبد الله ابن نُجي - أحد رواته -. انظر: ((ميزان الاعتدال)) للذهبي (٧/ ١٧)، و((نصب الراية)) للزيلعي (٢ / ٩٨). (٢) ((ت)): ((وإذا)). (٣) (ت)): ((المنع)). (٤) سقط من ((ت)). ٢٧٠ خصصنا العامَّ به لزم تركُ دلالةِ اللفظ العام فيما عدا الصورة الخاصة من غير معارِضٍ، وتركُ الدليل من غير معارِضٍ ممتنعٌ، وهاهنا كذلك؛ لأنه إذا نهى عن الاغتسال في الماء الدائم لمن هو جنب، عمَّ اغتسالُه عن الجنابة و[عن](١) غيرها، ثم إذا نهى عن الاغتسال من الجنابة فليس معارضاً لنهيه عن الاغتسال مع الجنابة، فلو خصصنا ذلك العام بالاغتسال عن الجنابة، تركنا دلالةَ العمومِ السابقِ على المنع من الاغتسال ما دامت الجنابة لا عن الجنابة، وهذا الترك من غير معارض، وهذا على تقدير مراعاة اللفظ دونَ النظر إلى ما يُفهَم منه بَدَئِيَا(٢)، [ولا بدَّ - مع ذلك - من النظر في المفهوم ومعارضته للعموم] (٣). الثالثة عشرة: لو نوى الجنبُ شيئاً من الأغسال مع غسل الجنابة، فعلى رأي الظاهري لا يُجْزِئُه لجنابة ولا لسائر الأغسال (٤)، وبهذا(٥) حَكَم في نية غسل الجنابة مع نية غسل الحيض والنفاس وغسل الجمعة وغسل الميت(٦)، وهذا منطبقٌ جارٍ على (٧) قاعدته في امتناع الغسل مع بقاء الجنابة، وبل أولى في هذه الصورة؛ لحصول نية (١) سقط من ((ت)). (٢) ((ت)): ((بديّاً)). (٣) سقط من ((ت)). (٤) (ت)): ((لا يجزئه إلا للجنابة لا لسائر الأغسال)). (٥) ((ت)): ((ولهذا)). (٦) انظر: ((المحلى)) لابن حزم (٢ / ٤٠). (٧) ((ت)): ((مع)). ٢٧١ الغسل من الجنابة، [وكذا على مذهب غيره إن كان التشريك في الغسل لا يمنع صحةَ الغسل من الجنابة، كالمرأة تنوي غسلَ الحيضِ والجنابةِ، والله أعلم](١). الرابعة عشرة: إذا شرَّك بين غسل الجنابة وغيرها من الأغسال التي ليست بواجبة، فلا خفاءَ بالامتناع على مذهب الظاهرية(٢)؛ لأنه مغتسلٌ وهو جنب، وأما على رأي غيره فالنظرُ في هذا التشريك، هل يمنع الصحة؟ وقد اختلف الفقهاء الذين لا يَرون غسل الجمعة واجباً فيمِنْ نوى غسل الجنابة والجمعة(٣) معاً، هل يصحُّ غسله عن الجنابة؟ وهذا الخلاف موجود في مذهبي مالك والشافعي(٤) و(٥) أصحابهما، رحمهم الله تعالى، فإنْ قلنا: [إنه](٦) لا يمنع صحةَ الغسل عن الجنابة، فقد حصل مُسمَّى المنهي عنه، وإن قلنا: إنه يمنع (١) زيادة من ((ت)). (٢) (ت)): ((الظاهري)). (٣) ((ت)): ((الجمعة والجنابة)). (٤) مذهب المالكية والشافعية صحة الإجزاء عن غسل الجنابة والجمعة، وحكي في المذهبين عدم الإجزاء، وليس بالمعتمد. انظر: ((الكافي)) لابن عبد البر (١ / ٢٠)، و((المجموع شرح المهذب)) للنووي (٤ / ٤٥٤). (٥) في الأصل: ((أو))، والمثبت من ((ت)). (٦) سقط من ((ت)). ٢٧٢ نظرا١ً) إلى العلة، رجعَ الأمر إلى اعتبار شروط القياس في صحة الإلحاق أو عدمِه. الخامسة عشرة: اختلفوا فيمن شَرَّك بين نية الجنابة والجمعة في [صحة](٢) غسل الجمعة أيضاً، فإذا كان ذلك بالانغماس في الماء الدائم فهو جارٍ على المباحث المتقدمة (٣). السادسة عشرة: غَسل بعضَ بدنه بنية غُسْل الجنابة، هل يكون كغَسْل جمیعِه، أم لا؟ ذكر الظاهريُّ أنه لو غسل شيئاً من جسده في الماء الدائم لم يُجْزِه، ولو أنه شعرةٌ واحدة؛ لأن بعض الغسل غسل (٤)، واعترضه(٥) القاضي أبو محمد عبد الحق بن عبد الله بن عبد الحق الأنصاري(٦) في كتابه الذي ردَّ فيه على ابن حزم، وذكر بعد(٧) حكاية لفظه: أن فساده (١) ((ت): ((ونظرنا)). (٢) سقط من ((ت)). (٣) (ت)): ((المقدمة)). (٤) انظر: ((المحلى)) لابن حزم (٢ / ٤٢). (٥) (ت)): ((واعترض)). (٦) هو القاضي عبد الحق بن عبد الله بن عبد الحق أبو محمد الأنصاري المغربي المهدوي، قاضي الجماعة بمراكش وإشبيلية، كان من العلماء المتفنِّتين، فقيهاً مالكياً، حافظاً للمذهب، نظاراً، بصيراً بالأحكام، صليباً في الحق، وكتابه في الرد على ابن حزم دلَّ على فضله وعلمه، وأفاد بوضعه، توفي سنة (٦٣١هـ). انظر: ((الوافي بالوفيات)) للصفدي (١٨ / ٣٦). (٧) في الأصل و(ب)): ((بعض))، والتصويب من (ت)). ٢٧٣ وخطأه أظهرُ من أن يحتاج إلى تنبيه(١)، وهل يطلق على من غسل يده في غدير(٢)، أو شعرة من(٣) جسده، أنه اغتسل في ماء دائم؟ لا الظاهرَ اتّبعَ، ولا القياسَ استعمل، ولا اللغة وقف عندها، ولا المعنى لَحَظَ. قال: ومن هذا قوله: لأن بعض الغسل غسل، ومتى قال الشارعُ ◌َّى: لا يغسلُ الجنب؟! وإنما قال: ((لا يغتسلُ))، ومَنْ لا يفرق بين هاتين اللفظين، كان الواجبُ عليه ألا يعرِّض نفسه لما عرضها له، ولا يتعاطى ما تعاطى. قلتُ: نسبة (اغتسل) إلى الاغتسال كنسبة (غسل) إلى الغسل، والذي أنكره القاضي: أنه ينطلق على من غسل يده في غدير، أو شعرة من جسده، أنه اغتسل في ماء دائم، صحيح جارٍ على الإطلاق العرفي، ولا يندرجُ تحتَ اللفظِ عرفاً كما قال، وكأن(٤) سببَهُ أنَّ الاغتسال أضيف إلى المغتسِل، وهو حقيقةٌ في الجميع مجازٌّ في البعض. وأما الفرقُ بين الغسل والاغتسال في الانطلاق على البعض فقد يقال فيه: إنه ليس سببه افتراق مدلول اللفظتين؛ لأن (غَسَلَ) بالنسبة إلى الغسل كـ(اغتسلَ) بالنسبة إلى الاغتسال، فإن كان بعضُ الغسل (١) ((ت): ((تبيينه)). (٢) ((ت)): ((الماء)) بدل ((غدير)). (٣) (ت)): ((في)). (٤) (ت)): ((فكأن)). ٢٧٤ غسلاً، فبعض الاغتسال اغتسال، وإنما جاء هذا من حيثُ إضافةُ الاغتسال إلى المغتسِل، وهو حقيقةٌ في جميعه مجازٌّ في بعضه، فصحَّ نفيُهُ بأنْ يقال: ما اغتسل في الماء الدائم؛ لأن من أمارة المجاز صحةً النفي، وأما الغسل فإما أن يضاف إلى البدن أو يطلق، فإن أضيف إلى البدن فبعضُهُ ليس غسلاً للبدن، فيصح نفيُه كما في الاغتسال، وإن أطلق من غير إضافة كما إذا قيل: لا يقعُ منك غسلٌ، فإنه حينئذٍ يكون (١) مخالفاً لغسل بعض البدن؛ لأن (٢) بعض الغسل غسلٌ، والله أعلم. السابعة عشرة: استدلَّ بعضُ الأكابر ممن يرى تأثيرَ الاستعمال في سلب الماءِ الطهوريةَ بالنهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم، وعلَّلَ [في](٣) ذلك بأن النهيَ يدُّل على الفساد. والاعتراضُ عليه من وجوه: الأول: أن هذا الحكمَ مخصوصٌ بالماء القليل، فيلزَمُ التخصيصُ للنصِّ. الثاني: أنه يلزم مَنْ سلك هذه الطريقة أن [لا](٤) يقولَ بكراهة الاغتسال في الماء الدائم [الكثير](٥) غير مستند(٦) إلى النهي فيه، مع (١) ((ت)): ((يكون حينئذ)). (٢) ((ت)): ((فإن)) . (٣) سقط من ((ت)). (٤) زيادة من ((ت)). (٥) سقط من ((ت)). (٦) ((ت)): ((ولا يستند)). ٢٧٥ وجود هذا في كلامهم. الثالث: أن النهي إنما يدل على فساد المنهي عنه، والمنهيُّ عنه هو الاغتسال، فيكون الاغتسال هو الفاسد بمقتضى استدلاله، لكنَّ فسادَ الاغتسالِ يلزم منه عدمَ فسادِ الماء؛ لأن الماء إنما يفسُد بالاغتسال إذا كان الاغتسالُ صحيحاً رافعاً للحدث. فإن قيل: ما ذكرتموه أنه يقتضي(١) فسادَ الغسل يلزمُ منه طهورية الماء، ويلزم من ذلك أن لا يجتمع (٢) فسادُ الغسل وفساد الماء، لكنه يجتمع : أما أوَّلاً: فللوجه المحكي عن الخِضْرِيِّ(٣) من أتباع الشافعي - رضي الله عنهما - فيما إذا انغمس الجنب في ماء قليل ناوياً للغسل لم ترتفعْ جنابتُه، وصار الماء مستعملاً؛ لأنه بأول ملاقاة جزء من بدنه الماء مع النية فسدَ الماءُ (٤)، فإذا انغمس بعد ذلك فسد الغسل، (١) ((ت)): ((يقتضي أن)). (٢) ((ت)): ((يجتمع)). (٣) هو الإمام العلامة أبو عبد الله محمد بن أحمد الخضري المروزي الشافعي، صاحب القفال المروزي، من أساطين المذهب، ومتقدمي الأئمة، وكبار أصحاب الوجوه، وله وجوه غريبة نقلها الخراسانيون، وكان موثقاً في نقله، وله خبرة بالحديث. انظر: ((تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي (٢ / ٥٥١)، و((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٤ / ٢١٥) وذكر أن وفاته كانت في عُشْرِ الثمانين والثلاث مئة، و((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (١٨ / ١٧٢) وقال: كان حياً في حدود الخمسين إلى الستين وأربع مئة . (٤) انظر: ((الوسيط)) للغزالي (١/ ١٢٤ - ١٢٥). قال الغزالي: هو غلط؛ إذ حكم= ٢٧٦ فالغسل فاسد والماء فاسد، فقد اجتمعا. وأما ثانياً: فعند غيره من أصحاب الشافعي فيما إذا أخرج عضوَهُ من الماء، ثم انغمس بعد ذلك، فإنَّ الماءَ فاسدٌ والغسلَ فاسدٌ، فقد اجتمعا أيضاً(١). قلنا: على المذهبين إنما فسد الماء لارتفاع الحدث عن العضو الذي لاقى الماء، إلا أنه لا يُشترَطُ الانفصالُ عن الماء في ثبوت حكم الاستعمال على الوجه المحكي عن الخِضْرِيّ، ويشترط على المذهب الآخر، فالاتفاق على أن فساد الماء إنما هو بارتفاع الحدث عن ذلك العضو، وإنما الاختلاف(٢) في اشتراط الانفصال أو عدم اشتراطه، فلو لم يرتفع الحدثُ عن العضو الملاقي للماء، لَمَا صار الماءُ مستعملاً، فصحَّ أنه إنما يفسُد الماءُ لصحة الغسل. فإن قيل: المنهيُّ عنه هو الغسل الكامل المتعقب الإباحة الصلاة، وهذا الغسل الكامل يجتمع فساده مع فساد الماء، إما بأول الملاقاة على مذهب الخِضْرِيِّ، وإما بأن ينفصلَ العضوُ ثم يقعَ الانغماسُ في الماء بعد ذلك على مذهب غيره، فيصير التقدير: لا تغتسلوا الغسلَ الكاملَ بالانغماس في الماء الدائم، فإن الماء يفسد قبلَ كمال الغسل، فلا يصحُّ الغسلُ. = الاستعمال إنما يثبت بالانفصال، ولا يثبت حالة تردده على الأعضاء. (١) المرجع السابق، (١ / ١٢٧). (٢) ((ت)): ((الخلاف)). ٢٧٧ قلنا: الجوابُ عنه من وجھین: الوجه الأول: أنه إذا كان المنهيُّ عنه هو الغسل الكامل لزمَ التخصيصُ مرتين، وفي ذلك زيادةُ مخالفةِ الدلیل. بيانُهُ: أن النصَّ يُخَصُّ أولاً بالماء القليل؛ لأن الاستعمال لا يؤثر إلا فيه، ثم إذا قلتم: إن النهيَ منزلٌ على الغسل الكامل، لم يدلّ على فساد الغسل إلا بواسطة فساد الماء بالغسل الناقص(١)، وفسادُ الماء بالغسل الناقص(٢) مخصوصٌ لا يعمُّ جميعَ صورِ الاغتسال في الماء الراكد [القليل](٣)؛ لأنَّ مِنْ صوره: ما إذا نوى بعد تمام الانغماس واستواء الماء على رأسه، فإنه حينئذ يرتفع الحدث اتفاقاً، فلا(٤) يكونُ الغسلُ فاسداً، فلا يكون النصُّ دالاً على فساد هذه الصورة حينئذٍ، مع أن اللفظَ يتناول هذه الصورة؛ إذ يصحُّ أن يقال: اغتسل في الماء الدائم. الوجه الثاني: إنكم استدللتم بالنهي الدالِّ على الفساد على فساد الماء بالاستعمال، فيكون فسادُ الماء بالاستعمال لازماً لهذه الدلالة، وإلا لم يصحَّ الاستدلالُ، وإذا حملتم النهي على الغسل الكامل لم يكن فسادُ الماء لازماً للنهي [عن الغسل الكامل](٥)، ولا ناشئاً (١) (ت)): ((الكامل)). (٢) ((ت): ((الكامل)) . (٣) سقط من ((ت)). (٤) ((ت)): ((فلا)) . (٥) سقط من ((ت)). ٢٧٨ عنه؛ لأنه إنما أنشأ(١) عن صحة الغسل [الناقص](٢)، لا عن النهي عن الغسل الكامل. وأيضاً: فإذا توقفت دلالة النهي - كما(٣) ذهبتم إليه - على فساد الماء بالغسل الناقص، [الذي](٤) لا يَتِمُّ إلا بعد ثبوت تأثير الاستعمال في إفساد الماء، فتكونون قد استدللتُم بشيء على أمر لا يتمُّ ذلك الاستدلالُ به إلا بعد ثبوتٍ ذلك الأمر؛ لأنكم استدللتم حينئذ بالنهي عن الغسل الكامل على فساد الماء بالاستعمال، المتوقّفِ على فساده بالغسل الناقص، المتوقفِ على مطلق فساده بالاستعمال، وذلك غيرُ جائز. [وقد استدلَّ بعضُ المتأخرين بنهي النبي ◌َّر عن الاغتسال في الماء الراكد على مسألة الماء المستعمل من وجه آخر، وهو أنه لو لم يَفْسُدِ الماءُ، لم يكنْ للنهي عنه معنى، هذا معنی ما ذَكَرَ. وهذا إنما يلزم إذا انحصرت الفائدةُ فيما ادَّعاه، ومخالفوه ينازعون في ذلك، وهو أن تكون علةُ النهي بضرر غيره بالاستقذار الناشىء عن الاغتسال فيه مع الجنابة، أو لأنَّ إباحةَ ذلك طريقٌ إلى تكرره، وتكررُهُ سبيلٌ إلى إفساده على المستعملين في الشرب وغيره](٥). (١) ((ت)): «نشأ)). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) ((ت)): ((على ما)). (٤) زيادة من ((ت))، وفيها أيضاً: ((وفساد الماء بالغسل الناقص)). (٥) سقط من ((ت)). ٢٧٩ الثامنة عشرة: نستنتجُ(١) من قول أبي هريرة ﴾: ((يتناولُه تناولاً)) أحكاماً(٢)، إلا أنَّ حاصلَها - إذا صحَّت - يَرجِعُ إلى قوله ومذهبه؛ [أعني: إلى قول أبي هريرة ومذهبه] (٣)؛ لأن ذلك اللفظَ لم يرفعه إلى رسول الله وَّر، فمن ذلك ما ذكره البغوي - رحمه الله تعالى - في آخر باب النهي عن البول في الماء الدائم بعد إيرادِ ألفاظِ أحاديثَ(٤) - الظاهرُ أنه أراد هذا الحديث منها -: وفيه دليلٌ على أنَّ الجنب إذا أدخل يده فيه ليتناولَ الماء لا يتغيَّرُ به حكمُ الماء، وإن أدخلها ليغسلَها من الجنابة تغيَّر حكمه(٥) . قلت: أما أنه لا يغير حكم الماء إذا أدخل يده لتناول [الماء](٦)، فظاهرٌ [إن كان المرادُ التناولَ باليد](٧)، وأما أنه إن أدخلها فيه ليغسلَها من الجنابة تغير حكمُه، فليس ذلك من الحديث، ولا يدلُّ عليه [لفظاً، لكن لعله يُؤخَذُ من جهة التفريق بين التناول وغيره، فيكون بطريق المفهوم](٨)، فإن كان أراد به كلاماً مبتدأ غير مستنبط له من الحدیث بدلیل (١) ((ت): ((يُستنتج)). (٢) ((ت)): ((أحكامٌ)). (٣) زيادة من ((ت)). (٤) ((ت)): ((الحديث)). (٥) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٢ / ٦٨). (٦) سقط من ((ت)). (٧) زيادة من ((ت)). (٨) زيادة من ((ت)). ٢٨٠