النص المفهرس

صفحات 241-260

وقال عباس الدُّوري عن يحيى بن معين: محمد بن عجلان
ثقةٌ أوثقُ من محمد بن عمرو بن علقمة، ما يشك في هذا أحد،
كان داودُ بن قيسٍ يجلس إلى محمد بن عجلان يتحفّظ عنه، ويقال:
إنها اختلطت على محمد بن عجلان(١)؛ يعني: في حديث سعيد
المقبري .
قلت: أما قوله: كان يحيى بن سعيد لا يرضى محمد بن
عجلان: فليس هذا باللفظ المقتضي لما(٢) يوجب سقوطَ الرواية، وقد
يقال مثله فيمَنْ يَكْرَه القائلُ منه شيئاً لا يُوجِب تركَهُ، هذا مع تشديد
الإمام [الجليل)] (٣) أبي سعيد يحيى بن سعيد في الرجال.
وقد ذكر [ابن](٤) شاهين من رواية عباس(٥) الدوري، عن يحيى
ابن معين، قال يحيى بن سعيد: لو لم أروِ إلا عن كلِّ مَنْ أرضى
- أو كلمة نحوها - ما رويتُ إلا عن خمسة (٦).
ومن رواية بُندار قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: وقلت له
عن ثقة فقال: لا تقل عن ثقة، لو حققتُ لك، ما حدثتك إلا عن
(١) انظر: ((تاريخ ابن معين - رواية الدوري)) (٣/ ١٩٥)، و((الجرح والتعديل)) لابن
أبي حاتم (٤٩/٨).
(٢) ((ت)): ((ما)).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) زيادة من ((ت)).
فى الأصل: ((ابن عباس))، والتصويب من ((ت)).
(٥)
(٦) انظر: ((تاريخ ابن معين - رواية الدوري)) (٤ /١٨٩).
٢٤١

أربعةٍ: ابنِ عون، وشعبةَ، ومسعرٍ، وهشامِ الدَّستوائي(١).
ومعلوم قطعاً أنه لا يمكن الاقتصارُ في الاحتجاج على مثل
هؤلاء، ولا عن مثل من هو في طبقتهم، فقد ضعُفَت دَلالةُ اللفظِ
على(٢) التجريح، مع تشديد الإمام أبي سعيد، وكثرة الثناء على محمد
ابن عجلان، مما تبین لك في ذلك.
وأما حديثُ روايته عن سعيد المقبري واختلاطِها وفعلِه فيها:
فهذا قد عُدَّ في النوع المسمَّى بالتسوية، وهو قريبٌ من التدليس في
المعنى، ويفترقان في أن التدليسَ يستعمل فيما بين الراوي وشيخه؛
بأن يسقط ذكر شيخه ويذكر شيخ شيخه، والتسويةَ تُستعمل فيما بين
الراوي وشيخ شيخِه بأنْ يذكرَ الراوي شيخَه ويُسقِطَ شيخَ شيخِهِ،
ویذکر شیخَ شیخٍ شیخِه .
وذكر أبو الحسن ابن القطان: أن ابن عجلانَ كان قد أخذ عن
المقبري ما رواه [عن أبيه](٣)، عن أبي هريرة، [وما رواه عن أبي
هريرة](٤)، وما رواه عن رجل عن أبي هريرة، فاختلطتْ عليه، فجعلها
كلَّها عن أبي هريرة (٥) (٦).
(١) رواه ابن شاهين في ((تاريخ أسماء الثقات)) (ص: ١١٢).
(٢) في هامش ((ت)): ((لعله: عن)).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) سقط من ((ت)).
(٥) في الأصل و((ب)): ((عن أبيه، عن أبي هريرة))، والتصويب من (ت)).
(٦) انظر: ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٩ / ٣٠٤).
٢٤٢

قال: وأنت لا تشاء أن ترى لابن عجلان حديثاً عن المقبري عن
أبي هريرة إلا رأيتَه.
وكان ابنُ القطَّانِ لما ذكر أحاديث ابن عجلان عن المقبري ذكر:
أنه(١) قد اعترف على نفسه بأنه سوّاها؛ يعني: أن ابن عجلان اعترف.
قلت: الذي ذكرتُه عن ابن القطان هو الذي ذكره [أبو](٢) محمد بن
أبي حاتم(٣)، وهو مخالف لما ذكره أبو الحسن بن القطان من وجهين:
أحدهما: أن في اللفظ الذي ذكرناه [عن يحيى](٤) بعضَ شكِّ؛
لقوله: لا أعلم إلا أني سمعت، واللفظ الذي ذكره ابن القطان ليس فيه
ذلك، فإنه جزم بفعل ابن عجلان ما ذكر.
والوجه الثاني: [أن](٥) الذي حكيناه(٦) قولُه: فاختلطت عليَّ
فجعلتُها عن أبي هريرة، والذي قال ابنُ القطانِ: فاختلطت عليه
فجعلَها(٧) عن المقبري، عن أبي هريرة، وبين اللفظين تفاوتٌ؛ فإن
الأولَ أعمُّ من الثاني، وأقربَ إلى التأويل.
(١) ((ت)): ((بأنه)).
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) لم أقف على هذا الكلام عند ابن أبي حاتم في المطبوع من كتابه: ((الجرح
والتعديل))، والله أعلم.
(٤) سقط من ((ت)).
(٥) سقط من ((ت)).
(٦) ((ت)): «حکیته)).
(٧) في الأصل: ((فجعلتها))، والمثبت من ((ت)).
٢٤٣

ثم أقول: إما أن يُؤْخَذَ هذا اللفظُ على أنه قدحٌ في الراوي، أو قدحٌ
في الرواية، فإن أَخِذَ قدحاً في الراوي فهذا يحتاج إلى صيغة لفظه في
الرواية، فإن ذَكَر صيغةً تدل على سماع شيخِه من شيخِ شيخٍ شيخِه الذي
ذكره، مع أنه أسقط ذکر شیخ شیخه، فهذا کذبٌ لا شكَّ فیه، ولا یمکن
أن يثبتَ عن ابن عجلان هذا، ولا يَحِلُّ لمسلم أن يظنَّ [به](١) ذلك،
ومثاله أن يقول: حدثني المقبري قال: سمعت أبا هريرة، وإن ذَكَر صيغةً
لا تدل على السماع كما لو قال: ذكر المقبري عن أبي هريرة، أو استعمل
ما كان يستعمله المتقدمون من ذكر اسم الشيخ من غير أن يذكر روايته،
كما لو قال: المقبري عن أبي هريرة، فهذا وما أشبهه تدليسٌ، ولا تَسقطُ
العدالةُ به مع احتمال الصدق، إلا أن يكون المدلِّسُ أسقطَ مجروحاً
عنده، ويثبت(٢) ذلك عنه، فروَّجَ الحديثَ بتركه، فإن هذا لا يَحِلُّ،
ولا يكاد يثبت عن أحد بإقراره، ولو أُسْقِطَ الراوي بمطلق التدليس، لتُركَ
حديثُ كثير من الأئمة الذين وُصِفوا بالتدليس.
فالذي حكيناه من قوله: فجعلتها عن أبي هريرة، والذي حكاه
ابنُ القطان من قوله: فجعلتها كلَّها عن المقبُري عن أبي هريرة: أمرٌ
مشكوٌ في لفظه(٣)، لا يثبت ما يوجب الردَّ لروايته بعد تواترِ الثناءِ
عليه من الأئمة.
(١) سقط من ((ت)).
(٢) ((ت): ((وثبت)).
(٣) ((ت)): ((لفظ)).
٢٤٤

وأما إن أُخِذَ قدحاً في الرواية دون الراوي: فهذا خارجٌ عما
نحن فيه؛ لأن هذا الحديثَ الذي ذكرناه ليس من رواية ابن عجلان
عن المقبري، ومع هذا فنذكر ما عندنا من هذا القسم فنقول: ما خُرِّجَ
من(١) روايته عن المقبري(٢)، عن أبي هريرة لا إشكال فيه، مثل ما يرويه
عن المقبري عن أبيه عن أبي هريرة، وكذلك ما صرَّح فيه بسماع
المقبري عن (٣) أبي هريرة، وما ليس كذلك فمَنْ يقبل روايةَ المدلِّس
حتى يتبيَّنَ التدليسُ ينبغي أن يقبل، ومن يردُّ روايته حتى يتبين السماعُ
ينبغي أن يرد، والله أعلم.
وقد ذكر الحاكمُ ما معناه: أنَّ مُسلماً روى عن ابن عجلان
ثلاثةَ عشرَ حديثاً، كلّها في الشواهد، وقال: قال المتأخرون من
أئمتنا في سوء حفظه(٤)، والأئمةُ المقتدى بهم في عصره قد أَثْنَوْا
عليه، وقد روى النعمان بن عبد السلام، وإبراهيم بن طهمان، عن
مالك بن أنس، عن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة في
المملوك: ((لَهُ طَعَامُهُ وكِسْوَتُهُ))(٥)، قال مالك رحمه الله تعالى: وهو
(١) في الأصل: ((عن))، والمثبت من (ت)).
(٢) لعل الصواب أنه يقال: عن المقبري، عن رجل ... ، فهذه لا إشكال فيها من
جهة أن فيها مجهولاً، فحكمها معلوم، والله أعلم.
(٣) ((ت)): ((من)).
(٤) انظر: ((المغني في الضعفاء)) (٢/ ٦١٣)، و((ميزان الاعتدال)) كلاهما للذهبي
(٦ / ٢٥٦).
(٥) رواه أبو عوانة في ((مسنده)) (٤ / ٧٤)، وأبو الشيخ في ((طبقات المحدثين
بأصبهان)) (٢/ ٧)، وأبو نعيم في «تاريخ أصبهان» (١/ ٢١٣)، وابن عبد البر=
٢٤٥

الحكم في أهل المدينة، فإنه لم يُرْوَ(١) إلا عن ثقة.
ومات محمد بن عجلان سنةً ثمان وأربعين ومئة(٢).
وأما عجلان والد محمد فقالوا: مولى فاطمة بنت عتبة (٣) [بن
ربيعة القرشي، سمع أبا هريرةَ وفاطمةَ بنت عتبة](٤)، [و](٥)روى
= في ((التمهيد)) (٢٤ / ٢٨٤)، والخليلي في ((الإرشاد)) (١ / ١٦٤)، من طريق
النعمان بن عبد السلام، عن مالك، به.
ورواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (١٦٨٥)، والحاكم في ((معرفة علوم
الحديث)) (ص: ٣٧)، وأبو عوانة في «مسنده)) (٤ / ٧٤)، وابن عبد البر في
((التمهيد)) (٢٤ / ٢٨٣)، والخليلي في ((الإرشاد)) (١ / ١٦٤)، من طريق ابن
طهمان، عن مالك، به.
وقد رواه الإمام مالك في «الموطأ» (٢/ ٩٨٠) بلاغاً: أن أبا هريرة قال، فذكره.
قال ابن عبد البر: هذا الحديث محفوظ مشهور من حديث أبي هريرة، وقد رواه
مالك مسنداً عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، إلا أنهم قد تكلموا في
إسناده هذا، انتھی.
وقد رواه مسلم (١٦٦٢)، كتاب: الأيمان، باب: إطعام المملوك، من طريق
عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، عن العجلان مولى فاطمة، عن أبي
هريرة مرفوعاً بلفظ: ((للمملوك طعامه وكسوته)).
(١) ((ت)): ((فإنهم لم یرووا)).
(٢) * مصادر الترجمة :
((التاريخ الكبير)) للبخاري (١ / ١٩٦)، ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم
(٤٩/٨)، ((تهذيب الكمال)) للمزي (٢٦ / ١٠١)، ((سير أعلام النبلاء)» للذهبي
(٦/ ٣١٧)، ((الوافي بالوفيات)) للصفدي (٤ / ٩٢)، ((تهذيب التهذيب)) لابن
حجر (٩/ ٣٠٣).
(٣) ((ت)): ((عقبة)).
(٤) سقط من ((ت)).
(٥) زيادة من ((ت)).
٢٤٦

[عنه](١) بُكير(٢) بن الأشج وابنُه محمد بن عجلان، وقد خَرَّجَ له مسلم
ابن الحجاج في ((الصحيح)) روايةً بكير(٣) عنه عن أبي هريرة في حق
المملوك (٤)، واستشهد به البخاري في بدء الخلق في ذكر إبراهيم عليه
الصلاة والسلام(٥)، والله أعلم(٦).
* الوجه الثالث: في شيء من مفردات ألفاظه، وفيه مسألتان(٧):
الأولى: هذه المادة؛ أعني: مادة [لفظ] (٨) (الجنابة)(٩) دالةٌ على
(١) سقط من (ت)).
(٢) ((ت)): ((بكر)).
(٣)
(ت)): (بكر)).
(٤) رواه مسلم (١٦٦٢)، كتاب: الأيمان، باب: إطعام المملوك مما يأكل، وإلباسه
مما يلبس، ولا يكلفه ما يغلبه.
(٥) قلت: استشهد به البخاري في كتاب: الأنبياء، باب: ﴿وَأَتَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ
خَلِيلاً﴾ [النساء: ١٢٥]، حديث رقم: (٣١٧٨).
(٦) * مصادر الترجمة:
((التاريخ الكبير)) للبخاري (٧ / ٦١)، ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٥/ ٣٠٦)،
((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (٧/ ١٨)، ((الثقات)) لابن حبان (٥ / ٢٧٧)،
((تهذيب الكمال)) للمزي (١٩ / ٥١٦)، ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر
(٧ / ١٤٧).
(٧) ((ت)): ((مسائل)).
سقط من ((ت)).
(٨)
(٩) ((ت): ((جنب)).
٢٤٧

على البعد(١) وما يقاربه من المعنى، قال [الشاعر] [من الطويل](٢):
ينالُ نداكَ المُعْتَفِي عَنْ جَنَابةٍ
وللجَارِ حظٍّ مِنْ نَداك سمينُ (٣)
أي: یناله عن بُعد.
وتجانبَ الرجلان: تباعدَ كلٌّ منهما عن صاحبه،
والجُنُبُ من الرجال: البعيد الغريب، قال الله تعالى: ﴿وَالْجَارِ
اٌلْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦]، وقال الشاعر (٤) [من المنسرح]:
ما ضَرّها لو غَدا لحاجَتِنَا
غادٍ كريم أو رائدٌ جُنُبُ
أي: بعید.
وقد حُمل [عليه](٥) قوله تعالى: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ، عَن جُنُبٍ ﴾ [القصص: ١١]،
فقيل: [أي: ](٦) عن بعد.
ويُثَنَّى هذا [ويجمع](٧) فيقال: [هما](٨) جُنُبَان، وهم جُنُبُون
(١) في الأصل: ((البعيد))، والمثبت من ((ت)).
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) ذكره ابن الأنباري في ((الأضداد)) (ص: ٢٠٢)، ونسبه إلى خلف بن خليفة.
(٤) هو عبيد الله بن الرقيَّات، كما في ((ديوانه)) (ص: ٣)، وعنده: ((بحاجتنا))،
و ((زائر)) بدل ((رائد)).
(٥) زيادة من ((ت)).
(٦) سقط من ((ت)).
(٧) زيادة من ((ت)).
(٨) زيادة من ((ت)).
٢٤٨

وأجناب، قالت الخنساء [من البسيط]:
فابكِي أَخَاكِ لأيتامِ وأرملةٍ
وابكي أخاكِ إذا جَاوَرْتِ أَجْنَابَا(١)
أي: أقوامً(٢) بعداء، وقيل: معنى تَجَنَّبَ الرجلُ الشيءَ إذا جعله
جانباً [وتركه](٣)، فقيل: من هذا يقال: رجل جُنُب؛ أي: أصابته
جنابة (٤)، كأنه في جانب عن الطهارة(٥) .
الثانية: الجنابة - في عرف [حملة] (٦) الشرع - تطلق على إنزال
الماء، أو التقاء الختانين، أو ما يترتَّبُ على ذلك.
قال أبو القاسم الراغب في ((المفردات))(٧): وقوله : ﴿وَإِن
كُنْتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ﴾ [المائدة: ٦]؛ أي: أصابتكم الجنابة، وذلك بإنزال
الماء، أو بالتقاء الختانين، ثم قال: وسُمِّيت الجنابةُ بذلك لكونها سبباً
لتجنّبِ الصلاة في حكم الشرع(٨).
(١) انظر: ((ديوان الخنساء)) (ص: ١١).
(٢) ((ت)): ((قوم)).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) ((ت)): ((الجنابة)).
(٥) انظر: ((المحكم)) لابن سيده (٧/ ٤٦٠)، و((الإمام)) للمؤلف (١ / ١٣٦).
(٦) سقط من ((ت)).
(٧) انظر: ((مفردات ألفاظ القرآن)) للراغب (ص: ٢٠٦).
(٨) نقل هاتين المسألتين الفاكهانيُّ في ((رياض الأفهام)) (ق١٠).
٢٤٩

* الوجه الرابع: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل:
الأولى: قد تقدَّم أنَّ دلالةَ هذا الحديث على النهي عن الشيئين
على الجمع، والذي قبله على النهي عن الجمع، ومقتضى النهي على
الجمع تعلّقه بكل واحد منهما على انفراده.
الثانية: ظاهرُ النهي التحريمُ، فمن يقول بالظاهر يذهب إليه،
ومن [رأى](١) ذلك مكروهاً غيرَ محرَّم فقد خرج عن الظاهر، فیحتاجُ
إلى دليل يقتضي ذلك، وليس الطريق هاهنا كالطريق في الحديث الذي
قبله؛ لأن ذلك(٢) الحديث يرجع الأمرُ فيه إلى النهي عن الوضوء أو
عن الغسل بعد البول فيه، فمَنْ قام عنده الدليلُ على أنَّ الماء لا يَنجُسُ
إلا بالتغيُّرِ، جعل ذلك مانعاً من إجراء النهي على ظاهره، وصرفه إلى
الكراهة، وكذلك من قام عنده الدليلُ على أنَّ القلتین فما زاد لا ینجس
إلا بالتغيُّرِ، مَنَعَهُ ذلك من إجراء النهي على ظاهره في عموم التحريم،
وأما في هذا الحديث فلا تَعَرُّضَ للوضوء ولا للغسل، فلا يتأتَّى فيه
مثلُ تلك الموانع، فيحتاج إلى صارف آخرَ عن إجراء اللفظ على ظاهره.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: ونهيه الصَّهي عن البول(٣)
في الماء الراكدِ أو الدائمِ الذي لا يجري، ثم يغتسل منه، وهو
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) ((ت): ((ذاك)).
(٣) (ت)): ((بول الرجل))، وكذا هو في المطبوع من ((إكمال المعلم)).
٢٥٠

يسير (١) الراكد، هذا منه العَّ على طريق التنزُّهِ والإرشادِ إلى مكارم
الأخلاق، والاحتياط على دين الأمة، وهو في الماء القليل آكدُ منه في
الكثير لإفساده له، بل ذَكَر بعضُهم: أنه کالوجوب فيه؛ لأنه [قد](٢) يتغيّر
به ويَفْسُد، فيظن مَنْ مَرَّ به أن فساده لقراره ومُكْثِهِ، وكذلك يكثر تكوُّ(٣)
البائلين في الكثير حتى يغَيرَهُ(٤)، فحمى عليه الصلاة والسلام هذا العارضَ
في الماء الذي أصلُهُ الطهارةُ بالنهي عن ذلك(٥).
وهذا الكلام في أوله حكمٌ بالكراهة وعدم التحريم، وحكايتُه
عن بعضهم تقریبٌ لذلك لا تصریحُ.
الثالثة: هذا النهيُ معلَّلٌ بالاستقذار الحاصل في الماء بسبب
البول، وهذه علةٌ عامَّةٌ للقليل(٢) والكثير، فإن كان الماء قليلاً؛ فمَنْ
يرى تنجيسَه بوقوع النجاسة فيه نشأت فيه علةٌ أخرى، [وهي إفساده
وتعطيلُ منافعِه على غيره.
وزاد بعضُهم علةً أخرى](٧) فيما إذا كان بالليل، وهو ما قيل: إن
(١) في المطبوع من ((إكمال المعلم)): ((تفسيره)) .
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) (ت)): ((تكرار)).
(٤) في المطبوع: ((يعتريه ذلك)).
(٥) انظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٢/ ١٠٥).
(٦) ((ت)): ((في القليل)).
(٧) سقط من ((ت)).
٢٥١

الماء باللیل للچِنِّ، فلا يُبال فيه ولا يُغتسل منه خوفاً من آفة تصيب من
جهتهم، وهذا أمر(١) لا يثبت ولا ينبغي أن يُنسَبَ إليه زيادةُ الكراهة،
اللهم إلا أن يُجعلَ مجرَّدُ احتمالِ صحته سبباً للكراهة من غير (٢) أن يُرَدَّ
إلى ثبوته وصحته، فقد يكون لذلك وجهٌ، والله أعلم.
وهذه العلةُ التي ذكرناها من الاستقذار، وشبهُها، دليلَها المناسبةُ،
ءُ
وإسنادُ الحكم إليها بعينها ليس بالقوي، وقد يترجَّح عليه المتمسكون
بالظاهر القاصرون عليه من غير تعليلٍ به، والله أعلم.
الرابعة: الذي قدَّمناه في الحديث السابق، من الحكم بالتساوي
في البول في الماء والبول خارج الماء في النهي عن استعماله في
الوضوء [أو الغسل] (٣)، هو جارِ هاهنا [في النهي عن البول، وجَعْلُنا
الغائطَ ونحوَه من النجاسات في معنى الأصل جارٍ هاهنا](٤)، وهو
قياسٌ في معنى الأصل.
الخامسة: العمومُ يقتضي الاستواءَ في الحكم بالنسبة إلى الماء
الكثير والقليل، والعلةُ المذكورة من الاستقذارِ والعِيافةِ النفسية موجودةٌ
في الكثير أيضاً، فتعاضَدَ(٥) ظاهرُ اللفظ والعلةُ.
(١) ((ت)): ((الأمر)).
(٢) (ت): ((من أن غیر)).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) زيادة من ((ت)) .
(٥) ((ت): ((فيتعاضد)).
٢٥٢

السادسة: قد قدَّمنا في الحديث السابقِ أنَّ الماءَ المُستبحِرَ یَخرُجُ
عن ذلك النهي، ويُخصَّ [ذلك](١) العمومُ بالنسبة إليه، وليس يساويه
الحكمُ المُستفادُ من هذا الحديث؛ لأن الاتفاقَ حاصلٌ على أن مثل
ذلك [الماء] (٢) لا يؤثِّر البولُ في إفساده ومنع(٣) التطهير(٤) فيه، فيجب
أن يُخَصَّ من عموم اللفظ، وهذا الحديث ليس فيه إلا النهيُ عن البول
في الماء، ولا تَعَرُّضَ فيه للطهارة، فإنْ قام الإجماعُ على عدم كراهة
البول في ذلك الماء المستبحر وجبَّ التخصيصُ أيضاً في هذا الحكم،
فإن(٥) لم يثبتْ قيامُ الإجماع على ذلك، فمن يرجع إلى التعليل
بالمناسبة التي ذكرناها في الاستقذار - وما في معناه(٦) - خَصَّصَ أيضاً؛
لأن تلك العلة في مثل ذلك الماء منتفيةٌ إذ لا استقذارَ في مثله، ومَنْ
لم يرَ ذلك، واختار الرجوعَ إلى مَدلولِ اللفظ، فهذا يرجعُ إلى أنَّ
العمومَ هل يُخَصُّ بالمعتاد في مثله والغالب، أم لا يُخَصُّ؟ فمن قال
بالأول صرفَ النهيَ إلى المياه المعتادة في الاستعمال غالباً، وأخرجَ
عن ذلك ما يَنْدُرُ استعمالُه ولا يكادُ يخطر ببال المتكلم، ومن لم
يَخُصَّ العمومَ بذلك، فلا يبعُدُ أن يُجرِيَ اللفظَ على ظاهره؛ لأنا نتكلم
(١) سقط من ((ت)).
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) ((ت)): ((مع)).
(٤) ((ت)): ((التطهر)).
(٥) ((ت): ((وإن)).
(٦) ((ت)): ((معناها)).
٢٥٣

على تقدير عدم ثبوت الإجماع على عدم الكراهة في مثل ذلك الماء،
وعلى تقدير أن لا يُرَجَعَ إلى التعليل بالمناسبة، ويقالَ بانتفاءِ الحكم
عند انتفاء العلة المذكورة، وعلى تقدير أن لا يُخَصَّ العمومُ بالغالب
والمعتاد، فحينئذٍ يكون اللفظُ عاماً مقتضياً سالماً عن معارضةِ [مثل](١)
هذه الأمور، فيُعمَلُ به، والله أعلم.
السابعة: فيه تقييدُ الحكم بصفةٍ كونِ الماءِ دائماً، فمَنْ يقول
بالمفهوم يلزمُهُ المخالفةُ في الحكمِ عندما يكون جارياً.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وقوله: ((الَّذِي لا يَجْري))،
دليلٌ على أنَّ الجاري بخلافه(٢).
الثامنة: ذُكِرَ في تعليل المخالفة بين الجاري والراكد: أنَّ البولَ
لا يستقرُّ فيه، وأن جريَهُ يدفع النجاسةَ، وتَخلَفُه على التوالي الطهارةُ،
وأنَّ الجاري في حكم الكثير الغالب، ما لم يكنْ ضعيفاً يغلبه البولُ
ويغيِّرُهُ(٣).
التاسعة: منطوقُهُ دالٌّ على النهي عن الاغتسال من الجنابة في
الماء الدائم.
العاشرة: هو عامٌ بالنسبة إلى المغتسلين [من الجنابة](٤)، فيدخلُ
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) انظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٢/ ١٠٥).
(٣) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(٤) سقط من ((ت)).
٢٥٤

فيه المغتسلُ وعلى بدنه أذى، والمغتسل وليس على بدنه، وهو
منصوصٌ في ((المُدَوَّنة)) للمالكية(١)، وفي كلام القاضي عياض
ما يُخُصَّصُ ذلك بالقليل؛ أعني: الكراهةَ، وإنْ غَسَل ما به من أذى،
وعلَّله بأنه لا يَسلمُ الجسمُ من أذى ووسخ، فقد يُغيِّرِه(٢)، والله أعلم.
الحادية عشرة: وهو عامٌ بالنسبة إلى نوعي الجنابة؛ أعني: إنزالَ
الماء والتقاءَ الختانين.
الثانية عشرة: عامٌّ أيضاً بالنسبة إلى الأغسال المختلفة باختلاف
نِيّاتها، من غُسْلِ ينوي [فيه](٣) رفعَ الحدث، أو أداءَ فرض الغسل، أو
استباحةَ الصلاة، أو استباحةَ ما لا يُستَباح إلا بالغسل، فإن(٤) كلَّه غسلٌ
من الجنابة .
الثالثة عشرة(٥): فيه تقييد الحكم بالصفة؛ أعني: صفة الدوام،
فيفيد نفي الحكم عما يخالف تلك الصفة، وهو الماء الجاري عند من
يقول بتلك الصفة، فیباح الغسل فيه.
الرابعة عشرة: فيه أيضاً تقييدُ الغسلِ بكونه عن الجنابةِ، فيخرج
(١) انظر: ((المدونة)) (١ / ٢٧).
(٢) انظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٢ / ١٠٦).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) (ت): ((فإنه)) .
(٥) سقطت هذه المسألة من الأصل، وأثبتت من ((ت))، و((ب)) وعليه فقد زادت
مسائل هذا الحديث مسألة عن الأصل لتصبح إحدى وعشرين مسألة.
٢٥٥

عنه ما ليس بغسل جنابة، كالغسل تبرداً وتنظيفاً (١)، وهذا قد يخدش
في التعليل بالاستقذار والعِيافة، فإن ذلك قد يحصل بمجرَّد الاغتسال
وإن لم يكنْ عن جنابة، إلا أنها في الجنابة أقوى إن لم تتحقَّقْ (٢) سلامةُ
البدن من الأذى.
الخامسة عشرة: ما ليس بغسلٍ جنابةٍ ينقسم قسمين :
أحدهما: ما لا يدخل في باب القَرَبِ، كما مثلناه من التبرد
والتنظف(٣).
والثاني: ما هو داخلٌ في باب القُرَبِ كالأغسال المسنونة؛ مثل
غسل العيدين، والكسوف، وغيرهما، فظاهرُ التقييد بغسل الجنابة
يقتضي إباحةَ ذلك، ولكنْ فيه نظرٌ يَخْتَصُّ به، وينفرد عن القسم
الأول، وهو أداءُ العبادة [به](٤)، والله أعلم.
السادسة عشرة: في قاعدة يُبتَنَى عليها غيرُها: اختلفوا في أن
الحدثَ هل يرتفع عن كل عضو بإكمال غسلِهِ، أم لا يرتفع إلا بإكمال
الطهارة؟
وأدقُّ المذهبين أنه لا يرتفع إلا بالإكمال(٥)؛ لأنَّ الحدث الذي
(١) ((ت)): ((أو تنظيفاً)).
(٢) في الأصل: ((يحقق))، والمثبت من ((ت)) و((ب)).
(٣) في الأصل: ((والتنظيف))، والمثبت من ((ت)) و(ب)).
(٤) زيادة من ((ت)).
(٥) انظر: ((المجموع في شرح المهذب)) للنووي (١ / ٥٢٩).
٢٥٦

يُتصوَّر فيه الرفعُ، على ما تقرر وتحقق، إنما هو المنعُ من أمور ترتَّبت
على أسباب مخصوصة، وهذا المنع لا يزول إلا بإكمال الطهارة، وإذا
كان لا يزول إلا بالإكمال، وهو معنى ارتفاع الحدث، فلا ارتفاعَ للحدث
إلا بعد الإكمال، واستُدِلَّ على طهارة كلِّ عضو بإكماله بقوله ◌َّ في
ثواب الوضوء: ((فإذا غسلَ وجهَهُ خرجَتْ الخطايا مِنْ وجهِهِ))(١)، وكذلك
في بقية الأعضاء، ووجهُهُ: أَنَّ خروجَ الخطايا مرتّبٌ على الطهارة،
فيُستَدَكُّ به على حصول الطهارة، ويلزم من حصول الطهارة ارتفاعُ
الحدث ضرورةً؛ لأنه إمَّا معناها، أو لازمٌ لمعناها (٢).
السابعة عشرة: إذا غسلَ الجُنُبُ بعضَ بدنه خارجَ الماء، ثمَّ
غمسَ بقيةَ بدِنِه في الماء، هل يتعلق به الحكمُ المذكور؟
إن(٣) قلنا: إن الحدث لا يرتفع إلا بإكمال الطهارة تناولَه النھيُ؛
لأنَّ مُسمَّى الغسل إنما تحقق بالإكمال، والإكمال وقع في الماء
الراكد، [فمسمى الغسل وقع في الماء الراكد] (٤)، وإن قلنا: إن
(١) رواه النسائي (١٠٣)، كتاب: الطهارة، باب: مسح الأذنين مع الرأس، وابن
ماجه (٢٨٢)، كتاب: الطهارة، باب: ثواب الطهور، والإمام مالك في
((الموطأ)) (١/ ٣١)، والإمام أحمد في «المسند» (٤ / ٣٤٨)، وغيرهم من
حديث عبد الله الصنابحي څ، وهو حديث صحيح.
(٢) ((ت)): ((لازم لها)).
(٣) ((ت): ((وإن)).
(٤) زيادة من ((ت)).
٢٥٧

الحدث يرتفع عن كل عضو بغسله، فيمكن أن يقال: تحصل الكراهة
لحصول ارتفاع الحدث عما غسل من الأعضاء في الماء الراكد.
ويمكن أن يقال: إن الحكمَ مرتَّبٌ على اغتسال الجنب، وذلك حقيقة
في كلِّه، مجازٌ في بعضه، والله أعلم.
الثامنة عشرة: في قاعدة أخرى: اختلفوا في دلالة القِران بين
الشيئين على الاستواء في الحكم، والمذكورُ عن أبي يوسف والمزني
ذلك، والذين اختاروا غيره تمسكوا(١) بقوله تعالى: ﴿كُلُواْ مِن
ثَمَرِهِ: إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، [و](٢) الأول
غيرُ واجب، والثاني واجبٌ(٣).
التاسعة عشرة: استُدِلَّ لأبي يوسف - رحمه الله تعالى - على أن
الماءَ المستعمل نجسٌ بهذا الحديث، بناءً على القاعدة المذكورة، فإنه
قرن(٤) بين الغسل فيه والبول فيه، والبولُ فيه ينجسه، فكذلك الغسل.
وجوابُهُ عند غيره: منعُ الدلالة كما تقدم، وذكر أبو محمد
الحسين بن مسعود البَغَوي الفراء الفقيه في كتاب ((شرح السنة)) أنَّ فيه
دليلاً على أن اغتسال الجنب في الماء القليل الراكدِ يسلبُ حكمَه،
(١) في الأصل: ((واختاروا غيره تمسكاً))، والمثبت من (ت)).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) انظر: ((البحر المحيط)) للزركشي (٨ /١٠٩).
(٤) في الأصل: ((فرق))، والتصويب من ((ت)).
٢٥٨

كالبول فيه يسلبُ حكمه، غيرَ أن البولَ فيه ينجسه؛ لأنه(١) نجس،
والغسل لا ينجسه؛ لأن بدنَ الجنب ليس بنجس، لكنْ يسلب الطهوريةَ،
ويستدل به مَنْ لا يُجَوِّزُ(٢) الوضوءَ بالماء المستعمل(٣).
وهذا منه استدلالٌ بالقِران، إلا أنه أخذ الوصفَ الأعمَّ من التنجيس،
وهو سلبُ حكم الماء، وتخصيصُهُ بالقليل ليس من هذا الحديث.
العشرون: هل يتعدَّى [هذا](٤) الحكم إلى الوضوء، حتى يُكرَهَ
أنْ يغمِسَ المحدِثُ أعضاءَهُ في الماء الراكد للطهارة الصغرى؟
أما مَنْ لا يقول بالقياس، فلا شَكَّ أنه لا يُعَدِّيه إليه، وأما من
يقول به، فيمكن أنْ يُعَدِّيَه بجامع الطهارة عن الحدث، إلا أنَّ هذا ليس
قياساً في معنى الأصل، فيكون ملحقاً بفوائد الحديث، وليس أيضاً
بقوي؛ لأنه إن أَخَذَ قياسَ شَبَهٍ(٥) - على ضعف قياس الشَّبهَ - فالاختلاف
بين الحدث الأكبر والأصغر في الأحكام كثير، يُضعِفُ ذلك القياس،
وإن أخذ قياسَ عِلَّةٍ، فالعلةُ المذكورة في هذا [الحديث](٦) من الاستقذار
والعِيافة، قد لا يساوي فيها الحدثُ الأصغرُ الحدثَ الأكبرَ، فيمتنع
القياسُ لفقدان شرطِهِ، والله أعلم.
(١) ((ت)): ((لأن البول)).
(٢) ((ت)): ((يجيز)).
(٣) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٢ / ٦٨).
(٤) سقط من ((ت)).
(٥) ((ت)): ((الشبه)).
(٦) سقط من ((ت)).
٢٥٩