النص المفهرس

صفحات 201-220

الخامسة: المفهومُ هل له عموم، أم لا؟ اختُلِفَ فيه، ونصُّ
الغزالي فيه أنه [قال](١): مَنْ يقول بالمفهوم، فقد يظن للمفهوم عموماً
ويتمسك به، وفيه نظر؛ لأن العمومَ لفظً تتشابه دَلالتُه بالإضافة إلى
مسمَّيات، والمتمسك(٢) بالمفهوم والفحوى ليس يتمسك(٣) بلفظ عامٍّ
لكل مسكوت، فإذا قال: ((في سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ))(٤)، فنفي الزكاة عن
المعلوفة ليس بلفظ حتى يعمَّ اللفظ أو يخص، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُل
◌َُّمَآ أُنٍّ ﴾ [الإسراء: ٢٣] دلَّ على تحريم الضرب لا باللفظ المنطوق به
حتى يُتَمَسَّكَ بعمومه، وقد ذكرنا أن العمومَ للألفاظ، لا للمعاني
والأفعال(٥).
وردَّ ذلك صاحب ((المحصول)) بأن معناه(٦): إن كنت لا تُطلِقُ
عليه لفظَ العامِّ فلك ذلك، وإن كنت تعني به: أنه لا يقتضي انتفاءً
الحكم في جملة [صورِ انتفاء الصفة، فذلك من تفاريع كون المفهوم
(١) سقط من ((ت)).
(٢) في الأصل: ((والتمسك))، والمثبت من ((ت)).
(٣) في الأصل: ((بتمسك))، والمثبت من ((ت)).
(٤) روى البخاري (١٣٨٦)، كتاب: الزكاة، باب: زكاة الغنم، من حديث أنس بن
مالك به الطويل في فرض الصدقة، وفيه: ((وفي صدقة الغنم في سائمتها ... ))
الحدیث .
قال ابن الصلاح: أحسب أن قول الفقهاء والأصوليين: ((في سائمة الغنم الزكاة)»
اختصار منهم. انظر: ((التلخيص الحبير)) لابن حجر (٢ / ١٥٧).
(٥) انظر: ((المستصفى)) للغزالي (ص: ٢٤٠).
(٦) ((ت): ((قال)) بدل («معناه)).
٢٠١

حجةً، ومتى جعلناه حجةً](١) لزم انتفاء الحكم في جملة صور انتفاء
الصفة، وإلا لم يكن للتخصيص فائدةٌ. هذه عبارة بعض مختصري
((المحصول))(٢).
ولقائل أن يقول: إنَّ الحالَ في هذا منقسمةٌ، فحيثُ يكون محلٌّ
النطق إثباتاً [جزماً](٣)، فالحكمُ منتفٍ في جملةِ صورِ المخالفة،
وحيث يكون محلُّ النطق نفياً، لم يلزَمْ أن يثبتَ الحكمُ [في جملة
صور المخالفة](٤)؛ لأنه إذا كان النطقُ إثباتاً، لزم نفيُ الحكم إذا انتفى
عن كل أفراد المخالف؛ لأنه إما أن يدلّ على تناول الحكم؛ أعني:
النفي لكل فرد من أفراد المخالف، أولا، فإن دلَّ فهو المراد، وإن لم
يدلّ فهو دالٌ حينئذ على نفي الحكم عن مُسمَّى المخالف، فيلزم
انتفاؤه عن كل فرد ضرورةَ [أنه يثبت النفي للمسمّى، وما ثبت للأعم،
ثبت لجملة أفراده](٥)، وهذا كتعليق الوجوب بسائمة الغنم، فإن محلّ
النطقِ إثبات، فيقتضي نفيَ وجوب الزكاة عن المعلوفة، فإن كانت
بصفة العموم فذاك، وإلا فهو سَلْبٌ عن مُسمَّى المعلوفة، فيلزم انتفاءُ
الوجوب عن كل أفراد المعلوفة؛ لما (٦) بيَنَّاه.
(١) سقط من ((ت)).
(٢) وانظر: ((المحصول)) للرازي (٢ / ٦٥٤ - ٦٥٥).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) سقط من ((ت)).
(٥) (ت)): ((أن ما سلب عن الأعم مسلوب عن جملة أفراده)).
(٦) ((ت)): ((كما)).
٢٠٢

و[أما](١) إن كان محلُّ النطق نفياً، أو [ما](٢) في معناه، كما في
هذا الحديث الذي نحن بصدده، وهو قولُهُ الَّيْهِ: ((لاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِيْ
الْمَاءِ الدَّائِمِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ»، فإنه يقتضي انتفاءَ الحكم - وهو النفي -
عن المخالف(٣)، فيكون الثابت للمخالف إثباتاً، فإن مُطْلقَ الحكم في
السَّوم ليس يلزم منه العموم، فإن العمومَ له صيغٌ مخصوصةٌ، لا كلُّ
صيغةٍ، فإذا كان بعضُ الألفاظِ المنطوقِ بها لا تدلُّ على العموم إذا
كانت في طرف الإثبات، فما ظَنُّكَ بما لا لفظَ فيه أصلاً؟
ومن ادَّعى أنَّ مقتضى المفهوم يدل على العموم في مثل هذا،
فلابدَّ له من دليل، وقولُ القائل: ومتى جعلناه حجةً لزم أيضاً انتفاءُ
الحكم في جملة صورِ انتفاءِ الصفةِ، وإلا لم يكن للتخصيص فائدةٌ،
ممنوعٌ؛ لأنّا إذا علَّقنا الحكمَ بالمسمَّى المطلقِ كانت فائدةُ المفهوم
حاصلةً في بعض الصور ضرورةً، فلا يخلو المفهومُ عن فائدة، وفي
مثل هذا يتوجَّهُ كلامُ الغزالي.
فهذه مباحثةٌ عرضتُها عليكَ لتنظرَ فيها، ثم بعد ذلك نقول:
قد يُأخَذَ عمومُ الأحكام في أفراد المخالف من أمرٍ خارج عن دلالة
المفهوم، مثل أن يكون الإجماع قائماً على عدم افتراق الأحكام، أو
(١) سقط من ((ت)).
(٢) زيادة من (ت)).
(٣) ((ت)): ((عن المخالف، وهو النفي)).
٢٠٣

يكونَ الحكم في المخالف ثابتاً لمعنى مفهوم، لا(١) يختص ذلك المعنى
ببعض الأفراد دون بعض (٢).
وسيأتي التنبيه [عليه](٣) إن شاء الله تعالى، أو بوجه آخر، والرجوع
بعد هذا الموضع إلى التفريع على العموم في المخالف.
السادسة: في قاعدة تخصيصِ المفهوم للعموم: قد ذكرنا وجه
الحاجة إليها فيما مرَّ، ونتكلم عليها الآن لكثرة ما تدعو الحاجة إليه
[فيها](٤)، وقد تردّد(٥) كلام المتأخرين من الأصوليين في هذا، فقال
بعضُهم: لا نعرف خلافاً بين القائلين بالعموم والمفهوم: أنه يجوز
تخصيصُ العموم بالمفهوم، وسواء كان من قَبيل مفهوم الموافقة، أو
من قبيل مفهوم المخالفة (٦).
وقال غيرُه: إذا قلنا: المفهومُ حجةٌ، فالأشبهُ أنه لا يجوز
تخصيصُ العامِّ به؛ لأن المفهومَ أضعفُ دَلالةً من المنطوق، فكان
(١) ((ت)): ((ولا)).
(٢) من قوله: ((ولقائل أن يقول)) إلى هنا، نقله الزركشي في ((البحر المحيط))
(٤ / ٢٢٣).
(٣) زيادة من ((ت)) و((ب)).
(٤) سقط من ((ت)).
(٥) (ت)): ((يرد)).
(٦) انظر: ((الإحكام)) للآمدي (٢ / ٣٥٣)، و((شرح مختصر ابن الحاجب))
للأصفهاني (٢ / ٣٢٥).
٢٠٤

التخصيصُ (١) به، تقديماً للأضعف على الأقوى، وأنََّ(٢) غيرُ جائز(٣).
ويقال على هذا: إن العملَ بالعموم، فيه إبطالُ العمل بالمفهوم
مطلقاً، ولا كذلك بالعكس، ولا يخفى أنَّ الجمعَ بين الدليلين
- ولو من وجهٍ - أولى من العمل بظاهر أحدِهما وإبطالِ أصلِ الآخر.
وقد رأيتُ في كلام بعض(٤) المتأخرين ما يقتضي تقديم العموم،
فإنه لما أراد الجوابَ عن التمسك بقوله العَيْه: (([وَ](٥) جُعِلَتْ لِيَ
الأَرْضُ مَسْجِدًا، وَتُربَّتُها (٦) طَهُوراً) (٧)، عارضه بالحديث الآخر، وهو
قوله العلمية: (([و](٨) جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا))(٩)، ورَجَّح هذا
بأنه منطوق، وذاك مفهوم.
السابعة: مقتضى المفهوم الفرقُ بين الراكدِ والجاري، وقال به
الحنفيةُ، كما انْطَوى عليه الكلامُ الماضي، وحكيناه عنهم.
(١) ((ت)): ((بالتخصيص)).
(٢) أي: المفهوم.
(٣) في الأصل: ((جازم))، والمثبت من (ت)). وانظر: ((المحصول)) للرازي
(٣/ ١٥٩ - ١٦٠).
(٤) ((ت)): ((بعض كلام)).
(٥) سقط من ((ت)).
(٦) ((ت)): ((وترابها)).
(٧) تقدم تخريجه.
(٨) سقط من ((ت)).
(٩) تقدم تخريجه.
٢٠٥

الثامنة: فرَّق الشافعيةُ والحنبلية (١) بين الراكد والجاري من وجهٍ
آخر، وحَكَمَا بأنَّ الجاري متفاصلُ الأجزاء، لا يتعدَّى حكم جِرْيَةٍ (٢)
إلى ما فوقَها و[لا] (٣) إلى ما تحتَها، فإن كلَّ واحدة من الجِريات طالبةٌ
لما بين يديها، هاربةٌ عمَّا خلفَها، بخلاف الراكد، فإنه متراٌ متُعَاضِد،
ولا شكَّ أن الاتصالَ في الماء الجاري موجودٌ حساً، ولا يمكن أن
يُكتفَى في الحكم الشرعي بمجرد هذا المعنى، أعني: الترادَّ والتفاصلَ
بالتفسير المذكور، فإنَّ الشارعَ لو حكم بتعدي النجاسة إلى جميع
الجِريات صحَّ، وإذا كان كذلك، فلا بدَّ لمدعي هذا الحكم من دليل
شرعي يقتضي عدمَ اعتبارِ الاتصال المحسوس بالنسبة إلى حكم
النجاسة، والذي استُشهدَ به على هذا: أنه لو قُلِبَ الماءُ من إناءٍ إلى
نجاسة، فإن الماءَ الذي في الإناء والذي هو في الطريق طاهرٌ.
وعبَّر عن هذا بعضهم في بعض مسائل الجاري فقال - استشهاداً
بما أجمعوا عليه: من أن (٤) إبريقاً لو صُبَّ من بُزالِهِ(٥) على نجاسة،
كان الماء الخارج من البُزال طاهراً ما لم يلاقِ النجاسة، وإن كان
(١) انظر: ((المجموع في شرح المهذب)) للنووي (١/ ٢٠١)، و((المغني)) لابن قدامة
(١ / ٤٨).
(٢) قال الإمام النووي: الجِرية - بكسر الجيم -: هي الدفعة التي بين حافتي النهر في
العرض، هكذا فسرها أصحابنا. انظر: ((المجموع)) له (١ / ٢٠١).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) ((ت)): ((بأن)) بدل قوله: ((من أن)).
(٥) البُزال - بضم الباء -: فم الإناء وثقبه.
٢٠٦

جارياً إليها -: فكذلك(١) كلُّ ما جرى إلى نجاسة.
وهذا الاستشهادُ إنما يتمُّ فيما إذا كان الماءُ الذي لاقَى النجاسةَ
أولاً لم تحصلْ به طهارةُ المحل.
ثم قد يُمِكِنُ أن يُقالَ: إن ذلك للضرورة، فإنا لو قلنا: لا يطهر
الثوبُ مثلاً إلا بأن يُغمَسَ في ماء كثير، أو(٢) يُصَبَّ عليه ما يكفي في
إزالةِ حكمٍ [النجاسة](٣) دُفعةً، لشقَّ ذلك وضاق.
التاسعة: هذا الترادُ في الراكد، والتفاصلُ(٤) في الجاري، تارةً
يقتضي التطهيرَ، وتارةً يقتضي التنجيسَ.
أما اقتضاءُ الراكدِ للتطهير: ففي الماء الكثير الراكد الذي وقعت
فيه نجاسةٌ لم تغيره، وأنَّ(٥) ترادَّه يقتضي تعاضدَه ويقوَى(٦) بعضُهُ
ببعض، وذلك مناسبٌ لدفع حكم النجاسة عنه.
وأما اقتضائه للتنجیس: فمنه ما إذا تغير بعضُ الراكد بالنجاسة،
فإنَّ ترادَه يقتضي اتحادَه، وذلك يناسب الحكم بنجاسة جمیعِه، وقد
قيل به، ذكره الشيخُ أبو إسحاق في ((المهذب))(٧).
(١) ((ت)): ((وكذلك)).
(٢) ((ت)): ((و)).
(٣) زيادة من ((ت)) و(ب)).
(٤) ((ت)): ((والفاصل)).
((ت)): («فإن».
(٥)
(٦) (ت)): ((يتقوی)).
(٧) انظر: ((المهذب)) الشيرازي (١ / ٧).
٢٠٧

وأما اقتضاءُ التفاصل (١) للتطهير: ففيما فوقَ النجاسة وفيما تحتَها،
مما لم يصلْ إلى النجاسة، ولا وصلت هي إليه.
وأما اقتضاؤه التنجيسَ: ففيما إذا كانت النجاسةُ جامدةً، والماءُ
يجري عليها وينفصلُ عنها، فالمنفصِلُ نجسٌ [إذا كان قليلاً](٢)، على
ما سنذكره أنه المذهب، ولو امتدَّ فراسخَ على المختار عند الشافعية،
ما لم يجتمع في مكانٍ مترادٌّ، فيكون طهوراً حينئذ(٣).
العاشرة: مراتبُ المناسبة تختلف في القوة والضعف، وهذه
المناسبةُ - في بعض الصور - من ضعيفِها، والاعتمادُ على ظواهر
النصوص أقوى، وقد تعارضَ حيثُ يقتضي الترادُّ التطهير، والتفاصلُ
التنجيس، بأنَّ جريانَ الماء أبلغُ في مَحْقِ النجاسة وذهاب أثرها من
تعاضد الراكد، فيُنظَرُ - عند وقوع التعارض بين النص وبين ما يناسب
[هذا المعنى](٤) - أيُّهما أولى بالعمل؟ [ويُتَّبِعُ](٥).
الحادية عشرة: إذا فرَّعنا على أنَّ للمفهوم عموماً مطلقاً، اقتضى
ذلك إباحةَ التوضؤ بالماء الجاري بعد وقوع النجاسة فيه، وجريانُ
الماء صفة محسوسة، وهي حركته المقابِلَةُ لسكونه، فيقتضي ذلك أن
يُبَاحَ الوضوءُ من كل ماءٍ موصوفٍ بالجريان والحركة من حیث العمومُ
(١) (ت)): ((الفاصل)).
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) انظر: ((المجموع في شرح المهذب)) للنووي (١ / ٢٠١).
(٤) سقط من ((ت)).
(٥) سقط من ((ت)).
٢٠٨

في المفهوم، فمَنْ أخرج شيئاً من ذلك، احتاج إلى دليل، والله أعلم.
الثانية عشرة: للشافعي - ﴿ه - قولٌ قديم: أنَّ الماء الجاري
لا يَنجُسُ إلا بالتغير، واختاره بعضُ أتباعه، والمذهبُ الذي عليه
الجمهور: الفرقُ بين القليل والكثير، كما في الراكد، وأنَّ القليلَ
يَنجُسُ بمجرد الملاقاة(١)، وهذا الحديث يُستدلُّ به للمذهب الأول
- بعد القول بالعموم للمفهوم -؛ لتناوله حينئذٍ لهذه الصورة المذكورة،
أعني: القليلَ الجاري، وحديثُ القلتين يقتضي الفرقَ بين القليل
والكثير، ودلالته على نجاسة القليل بطريق المفهوم، ودلالة هذا
الحديث - الذي نحن في شرحه - على جواز استعمال الجاري قليلاً أو
كثيراً بطريق المفهوم أيضاً، فالتعارضُ إذا٢ً) بين مفهومين.
فإذا قال أحدُ الخصمين: هذا العمومُ في الماء الجاري مخصوصٌ
بالكثير؛ لحديث القلتين.
قال خصمُه: مفهوم حديث القلتين مخصوصٌ بالماء الراكد؛
لهذا الحدیث.
والسببُ في ذلك: أنَّ كلَّ واحد من المفهومين - إذا قلنا بالعموم -
عامٌّ من وجه [و](٣) خاصٌّ من وجه، فإنَّ مفهومَ حديثِ القلتين عامٌ
بالنسبة إلى الجاري والراكد، خاصٌّ في المقدار، وهذا الحديث عامٌّ
(١) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) الرافعي (١/ ٢٣١)، و((المجموع)) للنووي
(١ / ٢٠١).
(٢) ((ت)): ((أيضاً)).
(٣) زيادة من ((ت)).
٢٠٩

في المقدار، خاصٌّ في الجاري، فكل واحد بالنسبة إلى الآخر عامٌّ من
وجه خاصٌّ من وجه، وما كان كذلك، فلابدَّ فيه من الترجيح، فيمكن
مَنْ يُرَجِّحُ العملَ بهذا الحديث أن يقولَ: هو أصحُّ من حديث القلتين؛
للاتفاق على صحته، وسلامته من الاضطراب الذي في حديث
القلتين، ولأن صاحِبَي الصحيح أخرجاه، بخلاف حديث القلتين.
ويمكن لخصمه(١) أن يقولَ: عمومُ مفهوم هذا الحديث وقعَ
الإجماعُ على تخصيصه؛ لأن عموم مفهومَه يقتضي جوازَ الوضوء بكل
ماء جارٍ وقعت فيه نجاسةٌ، وذلك مخصوص بالمتغير بالنجاسة
إجماعاً، أما عمومُ مفهوم حديث القلتين فلم يقع الإجماعُ على
تخصيصه؛ لأن مفهومَه: أنَّ ما دونَ القلتين إذا وقعت فيه نجاسةٌ
ينجُسُ، وهذا المفهوم قد قال بعمومه الشافعيُّ ﴾، وقضی بنجاسة كلِّ
فرد من أفراد الماء القاصر عن القلتين إذا وقعت فيه نجاسة، والعمومُ
الذي تطرّق إليه التخصيصُ بالإجماع، أضعفُ من العموم الذي لم
يتطرّقْ إلیه التخصیصُ بالإجماع، فوجب ترجيحُ الأقوى علیه.
ويمكن ترجيحُ الأول بوجهٍ آخرَ، وهو عضدُ العمومات الدالة
على طهورية الماء مطلقاً، وما جاء في الأحاديث: أنَّ الماءَ لا يَنْجُس(٢).
الثالثة عشرة: هذا الترجيحُ الذي ذكرنا من جانب المذهب
الثاني؛ أعني: القولَ بأنَّ الجاري القليل ينجس بالتغير، وهو أنَّ عمومَ
(١) ((ت)): «خصمه)) .
(٢) تقدم تخريجه بألفاظ متعددة.
٢١٠

مفهوم هذا الحديث مخصوصٌ بالإجماع، وعمومُ مفهوم حديث
القلتين ليس مخصوصاً بالإجماع، إنما يتأتَّى في المفهومين، ولا يتأتّى
في المنطوقين، فإن كلَّ واحد منهما مخصوصٌ بالإجماع.
بيانه: أنَّ منطوقَ هذا الحديث يقتضي المنع من الغسل في الماء
الدائم بعد البول فيه، وذلك مخصوصٌ بالإجماع على أن المُستبحِرَ
لا يثبت فيه هذا الحكم، ومنطوق حديث القلتين يقتضي أنَّ ما بلغهما
لا يحمل الخَبَث، وذلك مخصوص بالإجماع، على أن المتغيِّرَ منه
نجس، والله أعلم.
الرابعة عشرة (١): إذا كان بعضُ الماء جارياً، وبعضُه راكداً، فقد
أُعطيَ كلُّ واحد منهما حكمَهُ، وهو منصوصٌ عليه عند أصحاب
الشافعي رحمهم الله تعالى(٢)، وهذا جارٍ على اتباع الحقيقة في كلِّ
واحدٍ منهما.
الخامسة عشرة: فإذا حَكَمَ للجاري الذي له الحركةُ بحكم
الراكد الساكن، كان ذلك على خلاف الأصل، فيَحتاج إلى دليل،
فالماءُ إذا كان يجري في مستوٍ من الأرض، أو كان مجرى الماء فيه
(١) جاء في هذه الفائدة في ((ت)): ((مفهوم هذا الحديث الذي نحن في شرحه نجس))
كذا. ثم جاء في الفائدة التي تليها وهي الخامسة عشرة، ما هو موافق لما في
الأصل ((م)) في الفائدة الرابعة عشرة هنا، وعلى هذا، فقد زادت فوائد هذا
الحديث في النسخة ((ت)) فائدة؛ لتصبح ستاً وعشرين فائدة، والمثبت هاهنا من
الأصل ((م)) وهو خمسٌ وعشرون فائدة.
(٢) انظر: ((المجموع في شرح المهذب)) للنووي (١ / ٢٠١ -٢٠٢).
٢١١

ارتفاعٌ، فالماء يترادُّ، ولكنه قد يجري مع ذلك جَرياً متباطئاً.
وقد اختلف الشافعية - رحمهم الله تعالى - في أنَّ حكمَهُ حكمُ
الراكد أو لا؟ وذكر إمام الحرمين: أنَّ ظاهرَ المذهب أنَّ حکمه إذا كان
كذلك حكمَ الماء الراكد، قال: ومن أصحابنا من أجراه مجرى الماء
الجاري، وقال: [و](١) لا أَعدُّهُ من المذهب(٢).
قلت: ولا شكَّ أن صفةَ الحركة والجريان ثابتةٌ له، ولا يمنع
البطءُ من انطلاق اسم الجاري عليه، فيندرج تحت اسمِ الجاري، ومَنْ
ذهب إلى خلاف ذلك، كأنه نظر إلى المعنى الذي استنبطهُ من الترادٌ.
السادسة عشرة: ذكر صاحب ((النهاية))(٣) أنه: لو كان يتلولبُ (٤)
الماءُ من طرف النهر ویستدیر، قال: فهو في حکم الراكد عندي؛ لأن
الاستدارة في معنى التراد، والتدافع يزيد على الركود.
وهذه كالمسألة قبلَها، أو فوقَها في المرتبة، وهذا أوجبه له
ما قال من اعتبار معنى الترادِّ، وهو عدولٌ عن اندراجه تحت الجاري
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) وانظر: ((المجموع في شرح المهذب)) للنووي (١ / ٢٠٢).
(٣) لإمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله الجويني الشافعي، المتوفى سنة (٤٧٨هـ)
كتاب: ((نهاية المطلب في دراية المذهب))، قال ابن النجار: إنه يشتمل على
أربعين مجلداً، ثم لخصه ولم يتم، قال عنه ابن خلكان: ما صُنِّف في الإسلام
مثلُه. انظر: ((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٣/ ١٦٨)، و((كشف الظنون))
لحاجي خليفة (٢ / ١٩٩٠).
(٤) يعني: يستدير.
٢١٢

الذي تناوله(١) المفهومُ؛ لأجل المعنى المذكور، وإنما جَعَلْتُ هذه
المسألةَ في الرتبة فوقَ الأولى؛ لأن [المعنى](٢) الذي يعتبره من الترادٌ
فيها أقوى .
السابعة عشرة: إذا كانت نجاسةٌ في ماء راكدٍ قليلٍ في عُمقٍ
الماء، وماءٌ ضعيفٌ يجري فوقَ ذلك الماءِ الراكدِ، فالماءُ الراكد
نجسٌ، وحاشيةُ الجاري تلقى في جريانها نجاسةً واقفةً، وهي(٣) الماء
الراكد، فقد يقتضي ذلك نجاسةَ الماء الجاري الضعيفِ، ولو كانت
النجاسةُ طافيةً على الماء الجاري تُسْنَدُ على استنان جريه، وله عمق
- أعني: الماء الجاري - لم ينجسِ [الماء](٤) الراكد بذلك، فاقتضى
ذلك تعدِّي حكمَ نجاسة الراكد إلى الجاري، لا تعدِّي حكمَ الجاري
إلى الراكد، وهذا [ما هو](٥) من ذلك النوع الذي ليس فيه اعتبار
مسمى الجريان والركود، بسبب ما اعتبروه من المعنى.
الثامنة عشرة: ما هو في معنى المنصوص عليه قطعاً يُلحَقُ به في
الحكم، وکذلك ينبغي أن يُذكر في فوائد الحدیث والكلام علیه.
والعُذْرة في معنى البول قطعاً، فإذا ثبتَ هذا فنقول: للشافعيِّ
(١) (ت)): ((يتناوله)).
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) ((ت)): ((وهو)).
(٤) زيادة من ((ت)).
(٥) سقط من ((ت)).
٢١٣

قولٌ جديد: أنه يجب التباعدُ عن النجاسة الجامدة بمقدار قلتين،
والقديمُ على خلافه، وهو المرجَّحُ عند أصحابه على خلاف المعتاد(١)،
وقد عُلِّلَ (٢) بأنَّ ما دونَ القلتين مما يجاوِرُ النجاسةَ لو كان وحدَهُ لكان
نجساً، فكذلك إذا كان معه غيرُه، وأثرُ الكثرة دفعُ النجاسة عمَّا وراءَ
ذلكِ القدرِ، وهذا التعليلُ يقتضي إفرادَ ما دونَ القلتين في الاعتبار عما
اتَّصلَ به، وجعلَهُ كالمتفرد، فإنْ صحَّ ذلك فله أن يستدِلَّ بهذا
الحديث؛ لأنه ماءٌ [قد](٣) اغتسل منه بعدَ [ما هو في معنى](٤) البول
فيه، [وهو ما دون](٥) القلتين مما يجاور النجاسة، إلا أنه يردُّ ذلك بأنَّ
الجميعَ ماءٌ واحد محكومٌ له بالكثرة.
(١) تقدم ذكر هذه الفائدة عند المؤلف في الحديث الأول عند المسألة الثالثة
والعشرين منه. وذكرت هناك أن الإمام النووي قال في ((المجموع)) (١ / ١٩٧):
وهذه من المسائل التي يفتى بها على القديم، وقد حكى الشيخ أبو علي
السِّنجي: أن الشافعي نص في كتابه ((اختلاف الحديث)) على موافقة القديم،
وحينئذ لا يسلم كون الإفتاء هنا على القديم.
قلت: وقد عدَّ النووي في ((المجموع)) (١ / ٦٦) نحو عشرين مسألة يفتى فيها
بالقديم، وقد يُختلف في كثير منها. ثم قال: ثم إن أصحابنا أفتوا بهذه المسائل
من القديم، مع أن الشافعي رجع عنه، فلم يبق مذهباً له، هذا هو الصواب الذي
قاله المحققون، وجزم به المتقنون من أصحابنا وغيرهم. وانظر في ذلك:
((فتاوى ابن الصلاح)) (١ / ٦٨)، و((أعلام الموقعين)) لابن القيم (٤/ ٢٣٩).
(٢) أي: القول الجديد للشافعي رحمه الله.
(٣)
سقط من ((ت)» .
(٤) سقط من ((ت)).
(٥) ((ت)): ((أعني مقدار)).
٢١٤

التاسعة عشرة: إذا انفصل الماءُ الجاري عن النجاسة، وكانت
كلُّ جِريةٍ دونَ القلتين، فالصحيحُ من المذهب عند الشافعية: أنَّ
ما تحتَ النجاسة [مما مرَّ عليها](١) نجسٌ.
وحُكيَ عن القديم قول: أنه لا يصير نجساً(٢)، وعُلِّلَ بأنه ماء قد
ورد على نجاسة، فصار كالماء الذي يُصَبُّ على النجاسة، وأجيب عن
هذا، بأنه يخالف ما لو صُبَّ الماءُ على النجاسة؛ لأن الحاجةَ داعيةٌ
إليه، فإنه لا يتصور الغسل [بالصب](٣) إلا كذلك، والذي يقتضيه
مفهومُ [هذا](٤) الحديث - الذي نحن في شرحه - الطهارةَ، وإنما يُعدَلُ
عنه بدليل من خارج، وهو المقتضي لتنجيس(٥) الماء القليل إذا اجتمع
مع النجاسة، [وقد قدمنا البحثَ فيه](٦).
العشرون: إذا حُكِمَ بنجاسة هذا المنفصل عن النجاسة، فاغترفَ
إنسانٌ من مكان، يكون الماء الذي بينه وبين محل النجاسة قلتين، ففيه
اختلافُ وجهين عند الشافعية، والصحيح عندهم: أنه لا يجوز ذلك،
ولو امتدَّ فراسخَ حتى يجتمع في موضع واحد مترادٌّ قدرَ القلتين (٧)،
(١) سقط من ((ت)).
(٢) انظر: ((الوسيط)) للغزالي (١ / ١٨٣)، و((المجموع في شرح المهذب)) للنووي
(١ / ٢٠٢).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) زيادة من ((ت)).
(٥) ((ت)): ((النجاسة)).
(٦) سقط من ((ت)).
(٧) ((ت)): ((قلتين)).
٢١٥

وفيه وجهٌ: أنه يجوز ذلك(١)، وهذا الوجه مندرجٌ تحتَ عموم المفهوم
في هذا الحديث، مع زيادة إمكان إدراجه(٢) تحت حديث القلتين.
وإنما أوجب هذا عندهم ما ذُكِرَ من المعنى، وهو تفاصُلُ
جريات الماء، وأن كلَّ جِرية منفردةٌ في الحكم، فلم يوجد هاهنا إلا
جريانُ الماء النجس من محل إلى محل، والجريانُ لا يوجب الطهارةَ.
الحادية والعشرون: قالوا: الأنهارُ الكبيرة - وهي التي يمكن
التباعد فيها من(٣) جوانب النجاسة بقدر القلتين (٤) - يُجتَنَبُ فيها حریمُ
النجاسة، وفُسِّرَ الحريمُ بما يتغيَّرُ شكلَه بسبب النجاسة، بتحريكه
إياها، وانعطافِه عليها، والتفافِه بها(٥)، وفيه وجه: [أنه](٦) لا يُجتَنَبُ
كغيره(٧)، فيمكن (٨) توجيهُ هذا الوجه بأنَّ صفةَ الجريانِ ثابتةٌ [له](٩)،
فيندرجُ تحت مفهوم الحديث، والذي عُلَّلَ به اجتنابُهُ: أنه في العِيافة
والاستقذار كالمتغير بالنجاسة (١٠).
(١) انظر: ((المجموع شرح المهذب)) للنووي (١ / ٢٠١).
(٢) ((ت)): ((اندراجه)).
(٣)
(ت)): ((في)).
(٤) (ت): ((قلتين)).
(٥) ((ت)): ((إليها).
(٦) زيادة من ((ت)).
انظر: ((الوسيط)) للغزالي (١ / ١٨٦ - ١٨٧).
(٧)
(٨) ((ت): ((ويمكن)).
(٩) سقط من ((ت)).
(١٠) ((ت): ((بنجاسة)).
٢١٦

الثانية والعشرون: قد ذكرنا أنَّ ما هو في معنى الأصل قطعاً، أو
قريبٌ(١) من الأصل، فهو كالمنصوص عليه.
فلتفرض النجاسةُ راسبةً في أسفل الماء الجاري وقرارِهِ، وليس
تمرُّ بها الطبقةُ العليا [من الماء](٢)، وإنما تمرُّ بها السفلى، قال بعضُ
أكابر الشافعية: فالماءُ(٣) طاهرٌ ما لم ينتهِ إليها، فإذا انتهى إليها كانت
[الطبقة](٤) السفلى من الماء نجسة لمرورها على النجاسة، وإنما
اختلف أصحابنا في نجاسة الطبقة العليا على وجهين:
أحدهما: أنها طاهرة؛ لأنها لم تجرِ على النجاسة ولا لاقتها،
فصار كالماء المتقدِّم عليها .
والوجه الثاني: أنها نجسةٌ أيضاً؛ لأنَّ جِريةَ الماء إنما تمنع
من اختلاطه بما تقدم وما تأخر، و[أما](٥) ما علا منه، وما سفل
من طبقاته، فهو بالراكد أشبهُ، والراكد لا يتميزُ حكمُ أعلاه وأسفلِه
في الطهارة والنجاسة(٦).
ولاشكَّ أن الحكمَ بنجاسة ما مرَّ عليها من الطبقة السفلى خلافُ
(١) (ت)): ((وقريباً)).
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) ((ت)): ((الماء)) .
(٤) سقط من ((ت)).
(٥) سقط من ((ت)).
(٦) انظر: ((الحاوي)) للماوردي (١/ ٣٤١)، و((حلية العلماء)) للقفال (١ / ٧٩).
٢١٧

مفهومِ الحديث، وإنما يُخَصُّ - إن خُصَّ - بدليلٍ من خارج.
وأما تنجيسُ العليا لأجل ما ذُكر من المعنى الأول، وكونُهُ أشبهَ
بالراكد، فقد يُمنَعُ؛ لما فيه من الحكمِ التقديريِّ المخالفِ للحقيقة في
نفس الأمر، وَيَرَى المانعُ: أنَّ تقديمَ ظاهرِ النص على هذا المعنى أولى.
الثالثة والعشرون: إذا كان الماءُ يتراجعُ من موضع النجاسة إلى
ما فوقها، فحکمُ ما فوقها إلى موضع التراجع کحکم ما تحتَها، كما
ذكره بعضُ مصنفي الشافعية، والعلةُ فيه ما ذكر من المعنى، والعمومُ
من المفهوم يتناوله.
وقد ذكر القائلون بما حكيناه من الفرق بين الجاري والراكد
بسبب التفاصل والتراد فروعاً متعددة، فلنقتصر على ما ذكرناه، ونذكر
قاعدةً نعتبر بها ما مرَّ من المسائل المبنية على هذا الفرق، ونعتبر بها
أيضاً غيرَ ذلك مما لا يُحصَى.
الرابعة والعشرون: العمومُ تتفاوتُ درجاتُه في القوة والضعف
بالنسبة إلى آحاد الأفراد، وقد يكون لبعض الأفراد دليلٌ راجح بالنسبة
إلى ذلك الفرد على تناول العموم له فيُرجَّحُ؛ لأن العموم قد يُقصد به
الحكمُ على الشيء من غير تعرُّضٍ للمانع عند الإطلاق، وهذا
مستعمَلٌ في كثير من تصرفات الفقهاء، كما إذا سُئِلنا عن النكاح فقلنا:
هو مُستحَبٌّ، فهذا نظرٌ للنكاح من [حيثُ](١) هو نكاح من غير اعتبار
مانع، وقد يَعرِضُ ما يُوجِبُهُ في بعض الصور، وما يُحَرِّمُهُ في بعضها،
(١) سقط من ((ت)).
٢١٨

وكذلك لو سُئِلنا عن الصيد لقلنا: هو مباح، وقد يعرض له(١) ما يُحرِّمه.
ومما يُضعِفُ العمومَ أن يظهرَ المقصودُ من الكلام، وأنَّ
ما وقع فيه النزاع خارجٌ عن ذلك المقصود، وهذا قد اختلف فيه
الأصوليون.
فهذه المسائل [التي](٢) ذكرناها، وذكرنا أنَّ عمومَ المفهوم
يتناولها، [و](٣) إنما خُولِفَ العمومُ فيها - أو في كثير من صورها -
للمعنى المذكور من الترادِّ والتفاصُلِ وإقامة مانع يمنع (٤) من العمل
بالعموم، فلو قَوِي هذا المعنى المذكور، وظهر أنَّ الشرعَ أدار عليه
الحكم كان أقوى من التمسك بالعموم في كثير من هذه الصور، ولکنَّ
الشأنَ في قوته، فلتجعلْ ذلك محطّ(٥) النظر، والله أعلم.
الخامسة والعشرون: قد قدمنا ما شَنِّع به على الظاهرية في مسألة
مفردة، وابن حزم منهم تجلَّد وتشدَّد وتلبّد، وكان من حقه أن
يتلدَّد(٦)، وأورد على مخالفيه أشياءَ قَصَدَ بها أن يساويَ بينه وبينهم،
فقال في أثناء كلامه: وهل فَرْقُنا بين البائل وغير البائل، إلا كفرقهم
(١) ((ت)): ((أنا)).
زيادة من («ت)) .
(٢)
سقط من ((ت)).
(٣)
(٤)
((ت)): ((منع)).
(٥)
((ت)): ((محل)).
(٦) تلدد: تلقَّت يميناً وشمالاً، وتحيَّر متبلداً وتلبث. انظر: ((القاموس المحيط))
للغيروز أبادي (ص: ٤٠٥).
٢١٩

معنا بين الماء الراكد المذكور في الحديث، وغير الراكد الذي لم
◌ُذكَر(١).
فنقول: سببُ الشناعة التفريق مع قيام الدليل على التساوي
٩
الناشىء عن مقدمتين لا يشكُّ فيهما ناظرٌ مُنصِفٌ، لم يتقدمْهُ ما يميلَه
إلى أحد الطرفين، ولم يحرِفْه حتى يكون في ميزان نظره عين، إحدى
المقدمتين قطعية، والثانية مقاربة لذلك :
أما المقاربة: فهي علمنا بأنَّ المنعَ من الغسل والوضوء إنما كان
بسبب وقوع النجاسة، ولأجل تجنبها فيما يُتقرَّب به إلى الله تعالى .
وأما القطعية: فمساواةُ حال البائل خارج (٢) الماء إذا جرى البول
إليه، وحالِ البائل فيه، بالنسبة إلى معنى التنزُّه عن النجاسة في
الصلاة، وأن ذلك ليس إلا لاستقذارها وطلب إبعادها عن حال القُربة
لهذا المعنى.
ومن زعم أنه لا فرقَ في اجتناب الماء بين أنْ يردَ الشرعُ باجتنابه
إذا وقعَ فيه البولُ، أو باجتنابه إذا وقع (٣) فيه المِسْكُ والعنبر، أو (٤) وَرَدَ
في معنى الاستقذار وعدمه، فليس له نظرٌ صائب، وإنَّ سماعَ مثلٍ هذا
لمن المصائب، فإن ذكرتَ لخصمك ما يشبه هذا النظر، فقد أدركت
(١) انظر: ((المحلى)) لابن حزم (١ / ١٥٧).
(٢) (ت)): ((بخارج)).
(٣) ((ت)): ((إذا وضع)).
(٤) ((ت)): ((لو)).
٢٢٠