النص المفهرس
صفحات 121-140
الرابعة عشرة: الحنفيةُ يستدلون بكون الماء مطهِّراً وطَهوراً على أنه لا تُشترَط النيةُ في الوضوء، وحملوا على ذلك من الاستدلال قولَه تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ،﴾ [الأنفال: ١١]، نصٌّ على كون الماء مُطَهِّراً، ولو توقفتِ الطهارةُ على النية، لم يكنْ مجردُ الماءِ مطهراً، قال بعضهم: وهو التمسك بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]. ولفظةُ الطَّهور موجودةٌ في الحديث، [فالذي قيل في لفظِ الآية يقال في الحديث](١)(٢). وهذا استدلالٌ من اللفظ بما لا يظهر أنه المقصودُ منه، وسيأتي في هذا قاعدةٌ من حيثُ إن المقصودَ من هذا اللفظ إثباتُ أنَّ الماءَ من شأنه التطهير، أما أنه هل يكفي ذلك في التطهير، أو هل يُشترَط فيه الشرطُ المعيَّن؟ فممَّا (٣) لا يظهر كونُهُ مقصوداً، فإن تبيَّن [بذلك](٤) اشتراطُ أمر آخر كان راجحاً عليه، وسيأتي أنه لا يُشترَط في معارضة ما لا يُقصد بالعموم من القوة، ما يشترط في معارضة ما يُقصد بالعموم، وعلى كلِّ حالٍ، فهذا الاستدلالُ أقربُ من مسائلَ تأتي. (١) سقط من ((ت)). (٢) انظر: ((البحر الرائق)) (٦٩/١)، و((فتح القدير)) (١ / ٨٨ -٨٩). (٣) ((ت)): ((فما)). (٤) (ت)): ((بدليل)). ١٢١ الخامسة عشرة: يدلُّ على جواز التطهير(١) بماء البحر، وهو المقصودُ بالذات من الحديث، وعنه وقع(٢) السؤالُ، وذلك هو مذهبُ الجمهورِ من الأئمة، وعليه فقهاءُ الأمصار. قال الحافظ أبو بكر بن المنذر: وممن روينا عنه أنه قال (٣): ماء البحرِ طهور، أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وابن عباس، وعقبة بن عامر، وبه قال عطاءٌ، وطاوسُ، والحسنُ البصري، ومالك، وأهلُ المدينة، وسفيانُ الثوري، وأهلُ الكوفة، والأوزاعي، وأهلُ الشام، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو (٤) عبيد، وبه نقول. ثم قال: وقد روينا عن ابن عمر أنه قال في الوضوء بماء البحر: التيممُّ أحبُّ إليَّ منه(٥). وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: لا يُجزىء من الوضوءِ ولا من الجنابة، والتيممُ أعجبُ(٦) إليَّ منه(٧). (١) (ت)): (التطهر)). (٢) في الأصل و(ب)): ((وقوع))، والمثبت من ((ت)). (٣) (ت)): ((أنَّ)) بدل («أنه قال)). (٤) في ((الأصل)): ((وأبي))، والصواب ما أثبت كما في ((ت)) و(ب)). ورواه أبو عبيد في ((الطهور)) (٢٣٦)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٣٩٣). (٥) (٦) ((ت)): «أحبُّ)). (٧) تقدم تخريجه في حديث: ((إن تحت البحر ناراً، وتحت النار بحراً ... )) الحديث . ١٢٢ وعن ابن المسيِّب أنه قال: إذا أُلجئتَ إليه فتوضَّأ منه(١). فيحصل من هذا المقول(٢) ثلاثةُ مذاهبَ: الطهوريةُ مطلقاً، ومقابله، والوضوءُ به عند الاضطرار. فأما الأول: فقد ذكرنا دلالةَ الحديث عليه، وفيما مضى إشارة إلى وجه الدليل، وهو وجوب كون الجواب عن السؤال(٣) مفيداً للحكم المسؤول عنه، وإلا لم يكن جواباً. وما وقع في كلام بعض فضلاء الأصوليين: أن الجوابَ يجب أن يكون مطابقاً للسؤال(٤)، إنما يريد ما ذكرناه من تناوله لمحل السؤال، ولا يريد المطابقة، بمعنى عدم الزيادة والنقصان. وأما القول الثاني: المحكي عن عبد الله بن عمرو وعبد الله بن : فإن القاضي أبا الوليد الباجي حكى عن القاضي عمر أبي الحسن، أنه أنكر أن يكونَ ذلك قولاً لأحدهما(٥). وقريبٌ(٦) منه ما قاله الحافظُ أبو عمرَ بنِ عبد البرِّ، فإنه قال: وجاء عن عبد الله ابن عمرو وعبد الله بن عمر كراهيةُ(٧) الوضوء بماء البحر، (١) ورواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٣٩٠). وانظر: ((الأوسط)) لابن المنذر (١ / ٢٤٨ - ٢٥٠). (٢) ((ت)): ((القول)) و(ب)): ((المنقول)). (٣) (ت)): ((السؤال عن الجواب)). انظر: ((المستصفى)) للغزالي (ص: ٢٣٥). (٤) انظر: ((المنتقى في شرح الموطأ)) للباجي (١ / ٥٥). (٥) (٦) (ت)): ((وقریباً)). (٧) ((ت)): ((كراهته)). ١٢٣ ولا يصحُّ(١) عنهما، وعامةُ العلماءِ على خلافه(٢). قلتُ: وفي هذين القولين نظرٌ؛ أعني: قول القاضي أبي الحسن وابن عبد البر ، والذي ذُكِرَ في علة هذا القول، أنه ((نارٌ في نارٍ))، وأسندوہ حديثاً، وأُجيب عنه بوجهین : أحدهما: [أنه](٣) أراد بقوله: ((البحرُ نارٌ في نارٍ)» أن البِحارَ تصير يومَ القيامة ناراً، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِرَتْ﴾ [التكوير: ٦]، ﴿وَالْبَحْرِ الَْسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]، فوصفه بما يؤول إليه حالُه، وذلك من مذاهب العرب جائزٌ. والثاني: [أنه](٤) أراد أن البحرَ في إهلاكه لراكبه، كالنار في الصفة، ولهذا يقال: السلطان نار؛ أي: فعلُه فعلٌ يُهْلِكُ كفعل النار (٥). وأما القول [الثالث] المحكي عن سعيد: فإنه [إن] (٦) صحَّ حملُه على عدم التطهر به إلا عند الضرورة، فقد أشار بعضُهم إلى تعلّقه بهذا ءِ الحديث، بناءً على أحد القولين في مسألة أصولية في العام الوارد على سبب، فنذكرها، ونذكر ما أشار إليه. (١) (ت)): ((والأصح)) بدل ((ولا يصح عنهما)). (٢) انظر: ((التمهيد)) لابن عبد البر (١٦ / ٢٢١). (٣) زيادة من ((ت)). (٤) زيادة من ((ت)). ((ت)): ((أهل النار)). (٥) (٦) زيادة من ((ت)). ١٢٤ السادسة عشرة: استُدِلَّ به على أن الماءَ المتغيِّرَ بقَراره طهورٌ، بناءً على أن الأصلَ في ماء البحر العُذُوبةُ، وتغيره بسبب مروره على أجزاء سَبِخَةٍ مالحة، وهذا الاستدلالُ يتوقف على إثبات هذه المقدمة؛ أعني: أن الأصلَ فيه العذوبة، وتغيُّرَهُ باعتبار المرور، وقد ذُكِرَ ذلك عن غيرِ واحد من الفضلاء، ولكنه أمرٌ لابُدَّ من إثباته بدليل يدل عليه، إذا نُوزِعَ فيه. السابعة عشرة: هذا الحديث مذكور في علم الأصول في مسألة العام الوارد على سبب، حيثُ قالوا: إن الجوابَ إذا كان مستقلاً عن السؤال، عاماً في لفظه (١)، لا يتقيد بسببه، من حيثُ إن العمومَ إنما يخصصه ما يناقضُ عمومَه، وليس في ورود العام(٢) على سبب خاص ما يناقض عمومَه، وذكروا اختلافَ(٣) الشافعي - څبه - في هذه المسألة (٤). وإنما ننبه فيها [على](٥) شيء رأيتُ بعضَهم يغلَطُ بسببه؛ وذلك أن السؤالَ والجوابَ قد يكون اتساقُهما وسياقُهما مقتضياً(٦) (١) ((ت)): ((لفظ)). (٢) ((ت): ((ورد)). (٣) ((ت)): ((خلاف)). (٤) انظر: ((شرح مختصر ابن الحاجب)) للأصفهاني (٢ / ١٤٨) وما بعدها، و((البحر المحيط)» للزركشي (٤ / ٢٦٩) وما بعدها، وغيرهما. (٥) سقط من (ت)). (٦) في الأصل: ((مقتض))، والتصويب من ((ت)) و(ب)). ١٢٥ للتخصيص، وقد لا يكون، فإن كان الأولُ اقتضى ذلك التخصيصَ؛ لأن السياقَ مبيِّنٌ للمجمَلات، مرجِّحٌ لبعض المحتمَلات، مؤكِّدٌ للواضحات، وإن كان الثاني: فهي المسألة الخلافية . فقد يجيء بعض الضَّعَفَة، فيرى السؤال والجوابَ حيثُ يقتضي السياقُ [التخصيصَ](١)، فيحمله على المسألة الخلافية، ويرجحُ(٢) ما رجَّحه الجمهور من القول بالعموم، وهو عندنا غلط في مثل هذا المحل، فليتنبّة له(٣). وقد أشار بعضُ فقهاء المالكية المتأخرين إلى تصحيح قول سعيد ابن المسيِّب: أنه إنما يتوضأ به إذا أُلْجِىء إليه، من هذا الحديث؛ لأنه ورد جواباً عن قوله: ((إنْ (٤) توضَأْنا به عَطشْنا))، وأجابَ: بأن حمله على المسألة الأصولية المرجح [في ذلك](٥) عند الأكثرين القول بالعموم(٦)، وقال: إنَّما يلزمُ ذلك الشافعيَّ الذي يختار تخصيصَ العامِّ بسببه . الثامنة عشرة: في قاعدة يُبتنىَ عليها ما لا يُحصى من المباحث (١) سقط من ((ت)). (٢) ((ت)): ((ویرجحه)). انظر: ((البحر المحيط)) للزركشي (٤ / ٢٨٩ - ٢٩٠). (٣) (٤) ((ت)): «فإن)) . سقط من ((ت)). (٥) (٦) في الأصل و((ب)): ((في العموم))، والمثبت من ((ت)). ١٢٦ المتعلقة بهذا الحديث وغيره، [و](١) نذكرها هنا بما فيها وعليها، ليُستغنَى(٢) عن إعادتها فيما يأتي إن شاء الله تعالى، فنقول: المتأخرون يقولون - أو من قال منهم -: إن اللفظَ العامَّ ينطلقُ باعتبار الأزمان والبقاع والأحوال والمتعلقات، وإن كان عاماً في الأشخاص، وقد يستعمل ذلك في دفع كثير من الاستدلالات بالألفاظ من الكتاب والسنة، فيؤْتَى إلى بعض الأحوال التي يُتَّفَقُ عليها بين الخصمين فيقال: إن اللفظَ مطلقٌ في الإجمال(٣)، وقد عملنا به في الصُّورة الفلانية(٤)، والمطلق يكفي في العمل به مرةً واحدة، فلا يلزم العملُ به في صورة النزاع(٥). (١) سقط من ((ت)). (٢) ((ت)): ((لنستغني)). (٣) ((ت)): ((الأحوال)). (٤) (ت)): ((وقد عملنا في الصورة الفلانية به)). (٥) ذكر الإمام ابن دقيق العيد هذه القاعدة أيضاً في ((شرح العمدة)) (١ / ٥٤) فقال: ((أولع بعض أهل العصر وما يقرب منه بأن قالوا ... )) ثم قال: وهذا عندنا باطل، ثم ذكر قريباً مما ذكره ههنا. وقد خالف الإمام ابن دقيق في ((شرح العمدة)) (٣/ ١٠٩) هذه القاعدة، فقال في حديث بيع الخيار: إن الخيار عام ومتعلقه وهو ما يكون فيه الخيار مطلقاً، فيحمل على خيار الفسخ، وهذا اعتراف منه بمقالة المتأخرين التي نقدها. كما أفاده الزركشي في ((البحر المحيط)) (٤ / ٤٢ - ٤٣). وانظر القاعدة والكلام حولها في: ((شرح تنقيح الفصول)) للقرافي (ص: ١٩٩)، ولعله من المقصودين بكلام ابن دقيق في القاعدة، و(الإحكام)) للآمدي (٢/ ٢٧٤)، و((الإبهاج)) للسبكي (٢ / ٨٦)، و((البحر المحيط)) للزركشي (٤/ ٣٨)، و((القواعد والفوائد الأصولية)) لابن اللحام (ص: ٢٣٦). ١٢٧ وأنا أقول: أمَّا كونُ اللفظِ العام في الأشخاص مطلقاً في الأحوال وغيرها مما ذَكر، فصحيح، وأما الطريقة المذكورة في الاستدلال [فنقول فيها](١): إذا(٢) لزم من العمل بالمطلق في صورة دونَ غيرها عَوْدُ التخصيص إلى صيغة العموم، وجبَ القولُ بالعموم في تلك الأحوال، لا من حيثُ إنَّ المطلقَ عامٌّ باعتبار الاستغراق، بل من حيث إنَّ المحافظةَ على صيغة العموم في الأشخاص واجبةٌ (٣)، فإذا وُجِدَت صورةٌ، وانطلق عليها الاسم، من غير أن يثبتَ فيها الحكمُ، كان ذلك مناقضً(٤) للعموم في الأشخاص. فالقولُ بالعموم في مثل هذا، من حيث وجوبُ الوفاء بمقتضى الصيغة العامة، لا من حيث إنَّ المطلقَ عامُّ عموماً استغراقياً. وأما قولهم: إن المطلق يكفي في العمل به مرةً [واحدة](٥)، فنقول: يُكتَفَى فيه بالمرة فعلاً أو حَمْلاً؟ الأول مسلَّمٌ، والثاني ممنوعٌ. وبيان ذلك: أنَّ المطلقَ إذا فُعِل مقتضاه مرةً، ووُجدت الصورةُ الجزئية التي يدخل تحتها الكليُّ المطلق، كفى ذلك في العمل به، كما إذا قال(٦): أعتقْ رقبة، ففعل ذلك مرةً، لا يلزمه إعتاقُ رقبةٍ أخرى؛ (١) سقط من ((ت)). (٢) ((ت): ((فإذا)). (٣) ((ت)): ((واجب)). (٤) (ت)): ((فإن ذلك مناقض)). (٥) زيادة من ((ت)). (٦) (ت)): ((قيل)). ١٢٨ الحصول الوفاء بمقتضى الأمر من غير اقتضاءِ اللفظِ العمومَ. وكذا إذا قال: إنْ دخلتِ الدارَ فأنت طالقٌ، فدخلتْ مرةً وحنث، لا يحنَثُ بدخولها ثانياً؛ لوجود مقتضى اللفظ فعلاً من غير اقتضاء [اللفظِ للعموم] (١). أما إذا عمل به مرةً حَمْلاً؛ أي: في صورة من صور المُطْلق، لا يلزمُ التقييد بها، فلا يكون وفاءً بالإطلاق؛ لأن مقتضى تقييد الإطلاق بالصورة المعينة حَمْلاً، أن لا يحصلَ الاكتفاءُ بغيرها، وذلك يناقضُ الإطلاقَ. مثاله: إذا قال(٢): أعتقْ رقبةً، فإنَّ مقتضى الإطلاق [أنْ](٣) يحصلَ الإجزاء بكل ما يُسمَّى رقبةً؛ لوجود المطلَقِ في كل مُعتَق من الرِّقاب، وذلك يقتضي الإجزاءَ به، فإذا خصَّصنا الحكمَ بالرقبة المؤمنة، منعنا إجزاءَ الكافرة، ومقتضى الإطلاق إجزاؤها إن وقع العتق لها، فالذي فعلناه خلافَ مقتضاه. فتنبّهْ لهذه المواضع التي تَرِدُ عليك من ألفاظ الكتاب والسنة، إذا كان الإطلاق في الأحوال أو غيرها، مما يقتضي الحملَ على البعض فيه عَوْدُ التخصيص إلى محلِّ العموم - وهي الأشخاص -، أو مخالفةً لمقتضى الإطلاق عند الحمل، فالحكمُ [بالتخصيص أو التقييد مع (١) في ((الأصل)) و(ب)): ((العموم))، والتصويب من ((ت)). (٢) ((ت)): ((قيل)). (٣) زيادة من ((ت)). ١٢٩ وجوب الوفاء بمقتضى العموم أو الإطلاق، لا يكون إلا لدليل مُنفصِل](١). أما إذا كان الإطلاقُ في صورة لا تقتضي مخالفةَ صيغة العموم، ولا ينافي مُقتضَی الإطلاقِ، فالكلامُ صحيحٌ. ويتصدَّى النظرُ بعدَ القول بالعموم بالنسبة إلى ما ذكرناه في أمر آخرَ، وهو أن ينظَرَ إلى المعنى المقصود بالعموم، فإن اقتضى إخراجَ بعض الصور، وعدمَ الجري على ظاهر العموم، وجب أن ينظرَ في قاعدة سنذكرها قريباً، وهي: أن اللفظَ العام إذا قُصِدَ به معنىً، فهل يُحتَجُّ به فيما لم يُقْصَد [به](٢)، أم لا؟ فإن قلنا بالأول، فلا حاجةَ بنا بعدَ العمل بمقتضى الصيغة إلى النظر في هذه القاعدةِ، وإن قلنا بالثاني، احتجنا إلى النظرِ في هذه القاعدة الثانية بعدَ الوفاء بمقتضى صيغة العموم. والقولُ بأنَّ الوفاءَ بمقتضاها واجبٌ، [فهذا ما](٣) عندي في هذا الموضع. والذي يُؤكِّده ويزيده إيضاحاً: أن اللفظَ إذا كان مطلقاً في هذه الأحوال، ولم يلزمْ منه العملُ بمقتضى العموم، يلزم أن لا يصحّ (١) ((ت)): ((فالحكم بالتخصيص ثم في وجوب الوفاء أو التقييد لا يكون بمقتضى العموم أو الإطلاق إلا لدليل منفصل)). (٢) سقط من ((ت)). (٣) في الأصل و(ب)): ((فهنا))، والتصويب من ((ت)). ١٣٠ التمسكُ بشيء من العمومات أو أكثرِها، إذْ ما من عامٌّ إلا وله أحوالٌ متعددة بالنسبة إلى الذوات التي يتعلّقُ بها العمومُ، فإذا اكتفينا في العمل بحالة من الحالات، تعذَّرَ الاستدلالُ به على غيرها، وهذا خلافُ ما دَرَج عليه الناس، و - أيضاً -: فإن الأصوليين يعتمدون في إثبات العموم على (حُسن اللَّوْم) فيمن خالف مقتضى العموم. ولو قلنا بهذا القول: لزم أن يكون السيدُ إذا قال لعبده: من دخل الدار فأعطه درهماً، فدخل الدار أقوامٌ لا يُحصَون فلم يعطهم شيئاً: أن لا يتوجَّهَ اللومُ على العبد؛ لأن له أن يقول: لفظُك عامٌّ في الذوات، مطلقٌ بالنسبة إلى الأحوال والأزمان، فأنا أعمل بلفظك فيمن دخل من الطّوال، ولا أعمل به في غيرهم، أو فيمن دخل آخرَ النهار، أو آخرَ العمر، وأكونُ قد عملت بمقتضى اللفظ، لكنَّ ذلك سببُ اللومِ جزماً. التاسعة عشرة: اللفظُ العامُّ وضعاً، تارةً يظهر فيه قصدُ التعميم وتأسيسُ القواعد، فلا إشكالَ في العمل بمقتضى عمومه، وتارةً يظهر فيه أنه قُصِد به معنى غيرُ عام، فهل يُتمسّك بعمومه؛ لأن القصدَ إلى بيان معنى لا ينافيه تناولُ اللفظَ لغير ما قُصِدَ، فلا تتعارض إرادتُهما معاً؟ أو يقال: إن الكلامَ في غير المقصود منه مُجَمَلٌ يُبيّن من جهةٍ أخرى؟ هذا ما تكلم فيه أهل الأصول(١)، ومُثِّل بقوله وَّهِ: ((فيما سَقَتِ (١) انظر: ((البرهان)) للجويني (١ / ٣٥٤)، و((المستصفى)) للغزالي (ص: ٢٠١)، و((البحر المحيط)) للزركشي (٤ / ٧٧)، وما بعدها، وقد نقل عن الإمام ابن دقيق كلامه هنا . ١٣١ السَّمَاءُ العُشْرُ)) الحديث(١)، فإن اللفظَ عامّ في القليل والكثير، لكنْ ظهرَ أن المقصودَ منه بيانُ القَدْر(٢) المُخرَج، لا بيانُ القدر المُخرَجِ منه، ويؤخَذُ ذلك من قوله وَّهِ: ((فِيمَا دُونَ خَمْسَةٍ أَوْسُقِ صَدَقةٌ))(٣). والتحقيقُ عندي: أنَّ دَلالته على ما لم يُقصَدْ به أضعفُ من دَلالتِهِ على ما قُصِد به، ومراتبُ الضعف متفاوتةٌ، والدَّلالةُ(٤) على تخصيصٍ وتعيينِ المقصود مأخوذةٌ(٥) من قرائنَ، قد تَضعُف تلك القرينة عن دلالة اللفظ على العموم وقد تَقْوَى، والمرجعُ في ذلك إلى ما يجده الناظرُ بحسَب لفظٍ لفظٍ. وإنما قدمتُ هذا؛ لأني سأذكر وجوهاً من الاستنباط يظهر في بعضها أنه بعيدٌ عن المقصود بأصل الحديث، فنبهت على كلام الأصولیین، وأنه غیرُ خارج عن مذهب بعضھم، و کذلك-أيضاً - استدل الفقهاء والخلافيون في مسائلَ كثيرةٍ بمثل هذا العموم فيما لا يُقصَد باللفظ، فهو غير خارج عن استدلالاتهم. (١) رواه البخاري (١٤١٢)، كتاب: الزكاة، باب: فيما يسقى من ماء السماء وبالماء الجاري، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. (٢) ((ت)): ((قدر)). (٣) رواه البخاري (١٣٤٠)، كتاب: الزكاة، باب: ما أدي زكاته فليس بكنز، ومسلم (٩٧٩)، في أول كتاب: الزكاة، من حديث أبي سعيد الخدري (٤) ((ت)): ((والدليل)). (٥) ((ت)): ((مأخوذ)). ١٣٢ ومن فوائد هذه القاعدة: أنَّ ما كان غير مقصود يُخرَج عنه بدليل(١) قريبٍ الحال لا يكونُ في مرتبة الذي يُخرج به عن العموم المقصود(٢). ومراتبُ الضعف كما قدمناه(٣) فيما لم يُقصد من اللفظ متفاوتةٌ، ومِنْ بعيدِها ما كان في حُكم الطوارىء والعوارض التي لا يكادُ يستحضرُها مَنْ تجوزُ عليه الغفلةُ عنها. ولصيغةِ العموم مرتبةٌ أخرى: وهي أن لا يظهرَ قصدُ الخصوص ولا قصدُ العموم، ولذلك حكمٌ يتعلَّق بالتخصيص بالقياس، سنذكره إن شاء الله تعالى. وقد عقد القاضي أبو محمد عبد الوهاب المالكي (٤) باباً في(٥) وقف العموم على المقصود، قال: وقد اختلف أصحابُنا في ذلك، فذهب متقدِّموهم إلى وجوب وقف العموم على ما قُصِد به، وأنه لا يُتعدَّى به إلى غيره ممَّا لم يُقصَدْ به إلا بدليل(٦)، وإن كان إطلاق (١) في الأصل: ((بذلك))، والتصويب من ((ت)). (٢) أي: أن الحكم المستنبط من نص غير صريح الدلالة على هذا الحكم يمكن تركُه بأي دليل قريب، في حين أن مثل هذا الدليل لا يعين على ترك حكم استنبط من نص صريح الدلالة عليه. (٣) ((ت)): ((قدمنا)). (٤) في كتابه ((الملخص في أصول الفقه)) كما سماه الزركشي في ((البحر الميحط)) (٤/ ٧٦). وسماه القاضي عياض في ((ترتيب المدارك)) (٢ / ٦٩٢): ((التلخيص)). (٥) ((ت)): ((من)). (٦) ((ت)): ((الدليل)) ١٣٣ الصيغةِ يقتضيه، وذهب إلى هذا بعضُ أصحاب الشافعي - رحمهم الله تعالى -؛ منهم أبو بكر القَفَّال، وغيره. قال: وذهب أكثرُ متأخري أصحابنا إلى منع الوقف فيه، ووجوب إجرائه على مُوجِب اللغة. قلتُ: ومثّلَ القاضي صورةَ المسألة بأنْ يُستدَلَّ بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الْصِيَاءِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَالْكَنَ بَشِرُوهُنَّ وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اَللَّهُ لَكُمْ ﴾ [البقرة: ١٨٧] على إباحة نوع مُختَلَفٍ في جواز أكله، أو شرب بعضٍ ما يُختلَف في شربه، وقد عُلِمَ منه أنَّ الأكل والجماع في ليلة الصوم لا يَحرُمُ بعدَ النوم (١). ثم مثَّلَ بقوله(٢) تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكِْرُونَ الذَّهَبَ وَاُلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]، على وجوب الزكاة في [قدرٍ](٤) مُخْتَلَف فيه، أو نوع مُختَلَف (٣) في تَعلُّق [قدر](٤) الزكاة به. وكذلك التعلق بالخطاب الخارج على المدح والذم(٥)، نحوُ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٥ -٦] (١) (ت)) زيادة: ((شيء مما تقدم)). (٢) (ت)): ((وبقوله)) بدل ((ثم مثَّل بقوله)). (٣) ((ت)) زيادة: ((فيه)) . (٤) زيادة من ((ت)) و((ب)). (٥) في الأصل: ((وكذلك المتعلق بالخارج عن المدح أو الذم))، والتصويب من (ت)). ١٣٤ في جواز الجمع بين الأختينِ في الوَطء بمِلْك اليمين، وما أشبه ذلك. العشرون: إضافةُ الماءِ إلى البحر لا يُشتَرَطُ في صحتها أن تكونَ في المَقَرِّ؛ لأنه يَنطِلِقُ عليه ماءُ البحر، وإن أُخِذَ منه كما هو في العُرْف، فيمكنُ أن يُستدَلَّ بذلك على مسائلَ بعدَ نقله عن ماء البحر، إلا أنه قد يُضْعِفُ الدَّلالةَ في بعضها؛ لكون (١) ذلك من الأحوال الطارئة التي لم تُقْصَدْ، [كما مرَّ ويأتي] (٢)، والله تعالى أعلم. الحادية والعشرون: دَلالةُ اللفظ على الشيء نسبةٌ بينَهُ وبين [المدلول](٣)، فإذا ثبتت تلك النسبةُ، فليس من شرط ثبوتها ألاَّ تكونَ (٤) مُعَارَضةً بما هو أقوى منها، والذي نحن نقصده أن تكونَ الدَّلالةُ صحيحةً، وعلى مُدعي المعارضةِ إقامةُ الدليل على رجحانها، فإِذا أقامه ثَبَتَ ما يدَّعيه، ولا يناقضُ ذلك دلالةَ اللفظ على خلاف ما يدعيه؛ لأن دلالة اللفظ إما صفةٌ راجعةٌ إليه، وإما فهمُ السامعِ للمعنى(٥) عند سماع اللفظ إذا كان عالماً بالوضع، وكلاهما يثبت، وإن كان ثَمَّ معارِضٌ راجح. وكثيراً ما يقول الطلبة: هذا لا يَدُلُّ، ويُبْدُون مُعارِضاً أو (٦) (١) في الأصل: ((ككون))، والتصويب من ((ت)). (٢) سقط من ((ت)). (٣) سقط من (ت)). (٤) في الأصل، وكذا ((ت)): ((إلا أن تكون))، والمثبت من (ب)). (٥) ((ت)): ((المعنى)). (٦) ((ت)): (و)). ١٣٥ احتمالاً مرجوحاً، وهو غلطٌ إلا إذا كان الترددُ والاحتمالُ(١) فیما یَرجعُ إلى دلالة اللفظ على المعنى المُدَّى من غير ترجيح، وهو (٢) صحيح. الثانية والعشرون: ترتَّبَ على ما قدَّمناه من هذه القواعد الثلاث(٣) الاستدلالُ على غير ما مسألة من مسائل المياه، وقد يكون مُتَفَقاً على طهوريتها والخلافُ في الكراهية (٤)، والاستدلالُ على طهوريتها يكون صحيحاً؛ إذ(٥) بيَّنا أنه ليس من شرط ما يُستنبَط من الحديث أن [لا] يكون مختلفاً فيه، ولا أيضاً من شرطِهِ أن لا يدلّ عليه نصٌ آخر. وأما عدمُ كراهيتها(٦) بعدَ ثبوتِ طهوريتها، فيثبتُ بناءً على مقدمة أخرى، وهو (٧) الأصلُ، وعلى مدعي أمرِ زائد بيانُه، ويمكن أن يكونَ من هذا الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسةٌ لم تغيِّرْه، وسنذكر غيرَ ذلك إن شاء الله تعالى. ٠٬٠٠ الثالثة والعشرون: اختلف قولُ الشافعي - ظه - في وجوب (١) (ت)): ((الاحتمال والتردد)). (٢) ((ت)): ((فهو)). (٣) وهي القواعد المارة في المسألة الثامنة عشرة، والتاسعة عشرة، والحادية والعشرين . (ت)): ((الكراهة)). (٤) (٥) ((ت)): ((إذا)). (ت)): ((كراهتها». (٦) (٧) (ت)): ((وهي)). ١٣٦ التباعد عن النجاسة الجامدة في الماء الكثير، وجديدُ قوليه وجوبُه، والفتوى عند أصحابه على القديم(١)، فيمكن أن يُستدَلَّ بالحديث على صحة القول بعدم الوجوب؛ لاندراجه تحتَ العموم في ماء البحر المحكوم بطهوريته. الرابعة والعشرون: حَرِيمُ النجاسة، وهو ما يُنسَبُ إليها بتحريكه إياها، وانعطافه عليها، و(٢) التفافه عليها، في وجوب اجتنابه في الماء الراكد وجهٌ للشافعية رحمهم الله تعالى(٣)، ويمكنُ أن يستدلَّ لعدم الوجوب بالحديث. الخامسة والعشرون: ذكر بعضُ المباحثين المتعلّقين بعلم المعقول ما تحصيله(٤) وتقرير(٥) معناه: الفرق بين مطلق الماء والماء المطلق، فالحكمُ المعلَّق بمطلق الماء يترتَّب على حصول(٦) الحقيقة من غير قيد، والمُرتَّب على الماء المطلق مُرتَّبٌ على الحقيقة بقيد (١) قال الإمام النووي في ((المجموع)) (١ / ١٩٧): وهذه من المسائل التي يُفْتَى فيها على القديم، وقد حكى الشيخ أبو علي السِّنجي: أن الشافعي نص في كتابه: ((اختلاف الحديث)) على موافقة القديم، وحينئذ لا يسلم كون الإفتاء هنا على القدیم. (٢) ((ت)): ((أو)). (٣) قاله الغزالي في ((الوسيط)) (١/ ١٨٧). قال النووي في ((المجموع)) (١ / ١٩٨): وهذا الذي قاله شاذ متروك مخالف لما اتفق عليه الأصحاب، وقد صرح هو في ((البسيط» بموافقة الأصحاب، فقطع بأن الراكد لا حریم له يجتنب. (٤) ((ت)): «تلخيصه)). (٥) في الأصل: ((وتقريره))، والتصويب من ((ت)). (٦) في الأصل: ((حصول الماء)). ١٣٧ الإطلاق، والإطلاقُ بالتفسير الفقهي قيدٌ من القيود اللَّحقةِ بالحقيقة، ولا يلزَمُ من حصول الحكم على مطلق الحقيقة توقُّفُهُ على الحقيقة المقيدة، وهذا معنى صحيحٌ، إلا أن الفقهاءَ يرَوْن أَنَّ الأمرَ المرتَّبَ على الماء يقتضي العُرفُ أن يكون مرتباً عليه بوصف الإطلاق، بدليل أنه لو قال لعبده أو لوكيله: ائتني بماء، فأتاه بماء ليس بمطلق بالتفسير الفقهي، لم يعدَّ ممتثلاً، فيكون أَخْذَ هذا القيد ء من أمر عرفي في إطلاق الاستعمال لا من تعليق الحكم بمطلق الماء، ولعلَّ ذلك يتأيَّدُ بحصول الإجماع على عدم الحكم في بعض المواضع بِحصول مطلَقِ الماء في المنتقِل إلى اسمٍ آخرَ كالمرقةِ والخِبْرِ(١). السادسة والعشرون: مَن يجوِّز الطهور بالماء المتغيِّر بما يُستغنى عنه، وتمسك بحصول مطلق الماء فيه، ورأى أنَّ الحكمَ إنما تعلق(٢) به، أمكنه أن يستدِلَّ بالحديث على هذه المسألة، والله أعلم. السابعة والعشرون: ذُكر في فوائده(٣): الزيادة في الجواب عن السؤال. قال القاضي أبو بكر بن العربي: قولُه: ((الحِلُّ ميتتُهُ)) زيادةٌ عن (١) ذكر هذه المسألة القاضي تقي الدين السبكي، كما في ((فتاويه)) (ص: ١٣٢). وأورد ابنه تاج الدين في ((الإبهاج)) (١ / ٣٤٠) كلام الإمام ابن دقيق هذا، وزاد عليه من كلام والده جملة حسنة، فلينظر عنده. (٢) ((ت)): ((يتعلق)). (٣) (ت)): ((فوائد)). ١٣٨ الجواب، وذلك من محاسن الفتوى؛ بأنْ يأتيَ بأكثرَ مما يُسأل عنه تتميماً للفائدة، وإفادة لعلم آخر غيرِ المسؤول عنه(١). وقد يُؤكّد هذا بظهور(٢) الحاجة إلى هذا الحكم؛ لأنَّ من توقف في طهورية ماء البحر، فهو عن العلم بحلِّ ميتته - مع ما تقدم من تحريم الميتة - أكثرُ توقَّفاً، فالسؤالُ عن الحكم الأول يُظهِرُ الحاجةَ إلى معرفة الحكم الثاني. الثامنة والعشرون: هذا الحديث مذكورٌ في الأصول في مسألة (الخطاب الوارد جواباً لسؤال سائل) حيثُ قُتِّمَ إلى ما لا يَستَقِلُّ بنفسه، وإلى ما يستقل، وقُسِّمَ المسْتِقِلُّ إلى ما يكون مساوياً للسؤال وأعمَّ وأخصَّ، وقُسِّم الأعمُّ إلى أعم في ذلك الحكم وغيره، وإلى أعم من السؤال في غير ذلك الحكم، ومُثَّلَ(٣) العامُّ في غير ذلك الحكم بما ورد في هذا الحديث من قوله العمليه: (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ)). وقيل: لا خلافَ في العموم في ((حِلِّ ميتته))؛ لأنه عام مبتدأ(٤) لا في معرض الجواب، إذْ هو غيرُ مسؤول عنه، ووردَ مبتدأً بطريق (١) انظر: ((عارضة الأحوذي)) لابن العربي (١ / ٨٩). (٢) ((ت)): ((ظهور)). (٣) (ت): ((ومثال)). (٤) في الأصل: ((متبد)) والتصويب من ((ت)) و(ب). ١٣٩ الاستقلال، فلا خلافَ في عمومه عند القائلين [بالعموم](١) (٢). وهاهنا تنبيه، وهو: أن وحدةَ اللفظِ العامِّ بالنسبة إلى مواردها المتعددة معتبرةٌ فيها لا في غيرها، فلو(٣) ادُّعي أن المراد بالعموم هاهنا جواز الوضوء وحل الميتة لم يصح، ولفظ الحديث [هاهنا](٤) بالنسبة إلى طهورية الماء وحلِّ الميتة ليس عاماً بالنسبة إليهما، بل هما لفظان، كلُّ واحدٍ منها منفردٌ عن الآخر، نعم كلُّ واحد منهما عامُّ فيما یتناوله. وقال بعضُ المتأخرين: إنه ليس هاهنا لفظ مفرد(٥) [هو](٦) أعمُّ من ماء البحر، بل مجموع اللفظين: الماءِ والميتةِ هو الأعمُ (٧) من السؤال، فالجواب أعمُّ من السؤال. وأنت تعلم أنه مع تعدد اللفظ لا يحصل العمومُ الاصطلاحي، بل حاصله أن الأحكامَ المستفادةَ من الجوابِ [المتعددِ لفظُه أكثرُ من الأحكام المستفادة من الجواب](٨) المختصِّ بما وقعَ عنه السؤالُ، (١) سقط من ((ت)). (٢) انظر: ((المستصفى)) للغزالي (ص: ٢٣٥)، و((الإحكام)) للآمدي (٢ / ٢٥٧)، و((شرح مختصر ابن الحاجب)) للأصفهاني (٢ / ١٤٩)، و((البحر المحيط)) للزركشي (٤ / ٢٦٩). ((ت)): «وإذا». (٣) زيادة من ((ت)) . (٤) (ت)): ((منفرد)). (٥) سقط من ((ت)). (٦) (ت)): ((فالمجموع من لفظ الماء والميتة أعم)). (٧) (٨) سقط من ((ت)). ١٤٠