النص المفهرس

صفحات 81-100

* الوجه الخامس: في ذكر شيء من علم العربية:
وفيه نظران:
النظر الأول: أن العربَ قد تحذف الموصوفَ وتُبقي الصفة
وبالعكس، وإنما يصحُّ الحذفُ إذا فُهِم المعنى، طلباً للاختصار مع
حصول المقصود، وذكر بعضُ فضلاء النحاة المتأخرين: أن إقامة
الصفة مقامَ الموصوف ضعيفةٌ، ويحسُنُ إذا كانت الصفة مختصةً، وإذا
كان الموصوفُ ظرفاً، وإذا كانت موصوفةً، كما تقول: مررتُ بعالم
من بني فلان، وإذا كانت المقصودة نحو قوله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اُللَّهِ
عَلَى الَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].
ومثالُ المختصةِ: رأيت العالم، وغيرِ المختصةِ: رأيت الأسود،
ومثالُ الظرف: جلست قريباً منك، وبعيداً منك، وقد جاء حذفُ
الصفة مع بقاء الموصوفِ في الكتاب العزيز كثيراً.
واعلمْ أنه قد وردَ في هذا الحديث حذف الصفة وإبقاءُ
الموصوف، لدلالة السياق عليه، وهو قوله: ((ونحمل معنا القليل من
الماء)»، فإنَّ المعنى المراد: الماءُ العذب، فحذف الصفة.
وأما في لفظ البحر، فهو يَبتني على ما قدمناه من انطلاق هذه
اللفظة على العذب والملح معاً، أو كونها أصلاً في الدلالة، أو غالبة
في الدلالة عليه، فإن قلنا بالأصالة والغلبة، فلا حاجةً إلى تقرير حذف
الصفة في لفظ (البحر)، وإن قلنا بعموم الدلالة، احتيجَ إلى تقرير
الحذف في البحر أيضاً.
٨١

النظر الثاني: في إعرابِ قوله الَّهُ: ((هو الطهورُ ماؤُهُ»، قد أنهاه
بعضهم إلى قريبٍ من عشرين وجهاً، في كثير منها تكلفٌ أو إضمارٌ
لا تظهر الدلالةُ عليه، فتركنا أكثرها واقتصرنا على أوجهٍ أربعة:
الأول: أن يكون (هو) مبتدأً، و(الطهور) مبتدأً ثانياً خبره
(ماؤه)، والجملةُ من هذا المبتدأ الثاني وخبرِه خبرُ المبتدأ الأول.
الثاني: أن يكون (هو) مبتدأ، و(الطهور) خبره، و(ماؤه) من بدل
الاشتمال، وفي هذا الوجه بحثٌ دقيق.
الثالث: أن يكون (هو) ضمير الشأن، و((الطهور ماؤه)) مبتدأً
وخبراً، ولا يمنع من هذا تقدُّمُ ذكرِ البحر في السؤال، لأنه إذا قُصِد
الإنشاءُ وعدمُ إعادة الضمير في قوله (هو) على (البحر)، صحَّ هذا
الوجه، وهذا كما قالوا في ﴿هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ ﴾ [الإخلاص: ١]: إنَّهُ ضميرُ
شأنٍ مع ما رُوِيَ من تقدم ذكر الله تعالى في سؤال المشركين حيثُ
قالوا: انسب لنا ربك(١).
(١) رواه الترمذي (٣٣٦٤)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة الإخلاص، والإمام
أحمد في («المسند» (٥/ ١٣٣)، وغيرهما من حديث أبي بن كعب ﴾.
ورواه الترمذي (٣٣٦٥)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة الإخلاص،
من حديث أبي العالية مرسلاً. قال الترمذي: ولم يذكر فيه ((عن أبي بن كعب))
وهذا أصح.
قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) (٨/ ٧٣٩): وصحح الموصولَ ابنُ
خزيمةَ والحاكمُ، وله شاهد عند أبي يعلى، والطبري، والطبراني في ((الأوسط)).
٨٢

الرابع: أن يكون (هو) مبتدأً، و(الطهور) خبرَه، و(ماؤُه) فاعلاً؛
لأنه قد اعتمد فاعله وعامله بكونه خبراً(١).
* الوجه السادس: في إيراد شيء يتعلقُ بعلم البيان ومحاسن الكلام:
ونذكر الآن نکتاً من ذلك:
الأولى: إن بعضَ المصنفين في علم البيان لما ذَكَر عطف الجمل
التي لا محلَ لها من الإعراب على الجمل (٢)، انتهى الكلامُ إلى قوله
تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ وَلَيْسَ أَلْبِرُّ
بِأَن تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] إلى أن قال: ويجوزُ أن
يكونَ ذلك على طريق الاستطراد، لما ذَكَر أنَّ الأهلة مواقيتُ للحج،
كأنه كان مراجعاً لهم في الحج، ومنه قوله وّ لما سُئِل عن ماء البحر
قال: ((هو الطهور ماؤه، الحل ميتته))(٣).
النكتة الثانية: لضمير الشأن في محاسن الكلام شأنٌ عند أهل
البيان، وكأن السببَ فيه أنه يُشِعرُ بالجملة الآتية بعدَه إشعاراً كلياً،
(١) نقله عن المؤلف: السيوطي في ((عقود الزبرجد)) (٢/ ٤٣١).
(٢) أي: التي لها محل إعرابي.
(٣) وانظر: ((دلائل الإعجاز)) للجرجاني (ص: ١٨٨)، و((الفصول المفيدة في الواو
المزيدة)) للخليل بن كيكلدي العلائي (ص: ١٣٨).
٨٣

فتتشوقُ النفسُ إلى تفسير الآتي بعدَ الإبهام، فإذا أتى قَبِلَتْهُ قَبَولَ
الطَّالبِ لمطلوبه، والعاشقِ لمعشوقهِ، فترجَّحَ بهذا أحدُ الوجوه
المذكورة في قسم الإعراب(١).
النكتة الثالثة: الجملُ قد يؤتَى بها معطوفاً بعضُها على بعض
بحرف العطف، وقد لا يكونُ كذلك، ولترك هذا العطف في بعض
المواضع حُسْنٌ وجمال تكلَّمَ أهلُ البيان عليه في مَحالِّه، ويمكن أن
يُعلَّلَ هذا الحسنُ حيثُ يقع في بعض المواضع، بأنَّ العطفَ يوجب
تبعيةَ المعطوفِ للمعطوف عليه، والاعتناء بها يقتضي تركَ العطفِ
لزوال الموجب لكونها تبعاً، وهو حرف العطف، وهذا يجرُّ إليه
قولُه التَّ: ((هو الطهور ماؤه، الحل ميتته))، من غير عطف إحدى
الجملتين على الأخرى.
النكتة الرابعة: في سياق هاتين الجملتين معنىَّ لطيف، وهو أنَّ
هذا السياقَ قد يُستعمل في بيان الشرف والتعظيم في تعداد الخواصِّ
والمحاسن، كما يقال: فلان فقيه، ويقال: هو الفقيه النحوي
الأصولي، وهذا المعنى لا يتأنَّى في مطلق الجواب بطهوريته.
وقد قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله في قوله: ((الحل
میتته)): بيانٌ أن البحرَ کلَّه برکةٌ ورحمة، ماؤه طهور، ومیتته حلال،
وظهرُهُ جَوارٍ، وقعرُه جواهر(٢).
(١) وهو الوجه الثالث من الوجوه الأربعة التي ذكرها المؤلف فيما سبق.
(٢) انظر: ((عارضة الأحوذي)) لابن العربي (١ / ٨٩).
٨٤

* الوجه السابع: في المباحث المتعلقة به والفوائد المستنبطة منه،
وهو المقصود الأعظم والمهم الأكبر، وفيه مسائل:
الأولى: فيه دليلٌ على جواز ركوب البحر في الجملة، وقد ورد
في بعض الروايات ركوبُه للصيد(١)، فيدل دلالةً خاصة على ركوبه في
طلب المعيشة، وقد ورد ما یعارض ذلك، وهو حديث رواه أبو داود
من طريق عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله وَلا ير: ((لا تركب البحر
إلا حاجًّاً أو مُعتمراً أو غازياً في سبيلِ اللهِ)) الحديث(٢). وذُكِرَ عن
عبد الله بن عمر - أيضاً - ما يناسب هذا(٣)، وطعن بعضُهم في صحة
هذا عنه، والحديث المذكور في إسناده اختلاف، (٤) وللنظر فيه محلٌّ
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٢/ ٣٧٨)، والحاكم في ((المستدرك)) (٤٩٣)،
والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١/ ٣)، من طريق الليث، عن الجلاح أبي كثير،
عن المغيرة بن أبي بردة، عن أبي هريرة، به.
(٢) رواه أبو داود (٢٤٨٩)، كتاب: الجهاد، باب: في ركوب البحر في الغزو، من
طريق سعيد بن منصور في ((سنته)) (٢ / ١٨٦)، بلفظ: ((لا يركب البحر إلا حاج
أو معتمر أو غاز في سبيل الله، فإن تحت البحر ناراً، وتحت النار بحراً». قال
الخطابي في ((معالم السنن)) (٢ / ٢٣٨): وقد ضعفوا إسناد هذا الحديث. ونقل
البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٤ / ٣٣٤) عن البخاري تضعيفه.
(٣) روى البزار في («مسنده)) (٥/ ٢٨٢ - ((مجمع الزوائد)) للهيثمي) من حديث ابن
عمر: أن النبي ◌َ﴿ قال: ((لا يركب البحر إلا حاج أو غاز)). قال الهيثمي: فيه
ليث بن أبي سليم وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات.
(٤) من هنا تبدأ النسخة الخطية لمكتبة كوبريلي، والمرموز لها بحرف (ت)).
٨٥

غيرُ هذا بسبب الحاجة إلى معرفة حال [بعض](١) الرواة (٢).
ثم إن لك أن تأخذَ من الحديث مطلقَ الركوب، من حيث هو
ركوب، من غير تعرُّضٍ إلى الأحوال العارضة التي تحرِّم، أو توجب
كراهية(٣)، أو غير ذلك، كما هو عادة الفقهاء في إطلاق الحكم بالنظر
إلى الحقيقة من غير التفاتٍ إلى الأحوال العارضة، كما تقول: الصيدُ
جائز، وقد یعرض ما يُوجِب تحریمه، والنكاحُ مستحب، وقد یعرِضُ
ما يقتضي وجوبَه [حيثُ تعيَّن طريقاً لدفع العنت لعدم القدرة على
التسري](٤)، ولك أن تفصِّل.
ورأيت لبعض المتأخرين(٥) من شارحي (التفريع)) لأبي القاسم
ابن الجلاَّب المالكي(٦) [حاكياً عن بعض شيوخ المذهب](٧) قال:
(١) سقط من ((ت)).
(٢) وقد ذكره المؤلف رحمه الله في ((الإمام في معرفة أحاديث الأحكام)) (١ / ١١٣)،
وفضَّل فيه الكلام.
(٣) ((ت)): ((كراهته)).
(٤) سقط من ((ت)).
(٥) لعله يعني: الإمام الفقيه علي بن أحمد الغساني المتوفى سنة (٦٠٩هـ)، حيث
شرح ((التفريع)) لابن الجلاب وسماه: ((الترصيع في شرح مسائل التفريع)).
انظر: ((الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب)) لابن فرحون المالكي
(ص: ٢١١).
(٦) وقد طبع كتاب ((التفريع)) في مجلدين سنة (١٩٨٧م)، ونشرته دار الغرب
الإسلامي ببيروت .
(٧) سقط من ((ت)).
٨٦

[قال](١) مالكٌ: يكرَه ركوب البحر بما (٢) يدخلُ على الإنسانِ من نقص
في صلاته وغير ذلك.
ثم(٣) قسم ركوبَ البحر على (٤) ثلاثة أقسام، وجعل ما أطلقه(٥)
من الكراهة منزلاً على أحدها فقال: ركوبُ البحر على ثلاثة أوجه:
جائزٌ: وهو إذا كان [يعلم] (٦) من شأنه أنه (٧) يقدرُ على صلاته
قائماً ولا يَمِید.
ومكروهٌ: وهو [ما](٨) إذا لم يتقدم له عادةً بركوبه، ولا يعلم إذا
ركبه هل يَميد وتتعطل صلاتُه أم لا؟ ولا يقال في هذا القسم: إنه
ممنوع؛ لأنَّ الغالبَ السلامة(٩).
وممنوعٌ: وهو ما إذا کان یعلم من شأنه أنہ یمیدُ ولا يقدر على
أداء الصلاة، أو كان لا يقدر على [أداء] (١٠) الصلاة لكثرة الراكب،
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((لما)).
(٣) ((ت)): ((و)).
(٤) ((ت)): ((إلى).
(٥) ((ت)): ((ذكره)).
(٦) سقط من ((ت)).
(٧) ((ت)): ((أن)).
(٨) زيادة من ((ت)).
(٩) ((ت)): ((أنه لا يميد)) بدل ((السلامة)).
(١٠) زيادة من ((ت)).
٨٧

ولا يقدر على السجود.
وقال مالك - في سماع أشهب -: إذا لم يقدرْ أحدكم على أن
يركع أو يسجدَ إلا على ظهر أخيه فلا تركبوا لحج(١) ولا لعمرة،
أيركب حيث لا يصلي؟! ويلٌ لمن ترك الصلاة!
ويكره - أيضاً - إذا كان لا يقدر على الصلاة إلا جالساً(٢).
الثانية: المنقول عن الشافعي له: أنَّ ترك الاستفصال في
حكاية الحال مع قيام الاحتمال، يتنزَّلُ منزلةَ العموم في المقال(٣)،
ومثل هذا: أن غيلانَ أسلم على عشر(٤) نسوة فقال التعبئة: ((أمسكْ أربعاً
وفارقْ سائرَهُنَّ))(٥)، ولم يسأله عن كيفية ورود عقدِهِ عليهن في الجمع
(١) ((ت)): ((لحجة)).
(٢) وانظر: ((مواهب الجليل)) للخطاب (٢/ ٥١٥_٥١٦).
(٣) ذكر هذه القاعدة عن الإمام الشافعي رحمه الله جمع من الأصوليين منهم: إمام
الحرمين الجويني في «البرهان في أصول الفقه)) (١/ ٢٣٧)، والرازي في
((المحصول)) (٢/ ٦٣١)، والزركشي في ((البحر المحيط)) (٣/ ١٤٨)، وابن
اللحام في ((القواعد والفوائد الأصولية)) (ص: ٢٣٤)، وغيرهم.
(٤) في الأصل: ((عشرة))، والمثبت من ((ت)).
(٥) رواه الترمذي (١١٢٨)، كتاب: النكاح، باب: ما جاء في الرجل يسلم
وعنده عشر نسوة، وابن ماجه (١٩٥٣)، كتاب: النكاح، باب: الرجل يسلم
وعنده أكثر من أربع نسوة، والإمام الشافعي في ((مسنده)) (ص: ٢٧٤)، وفي
((الأم)) (٤ / ٢٦٥)، والإمام أحمد في «المسند» (٢ / ١٣)، وغيرهم من طرق
عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر رضي الله عنهما، به.
=
٨٨

والترتيب، فكان لإطلاقه(١) القول دالاً(٢) على أنه لا فرقَ بين أن تتفقَ
تلك العقود معاً، أو على الترتيب(٣).
قال الحافظ ابن حجر في ((التلخيص الحبير)) (٣/ ١٦٨) ما حاصله: قال البزار:
=
جوّده معمر بالبصرة، وأفسده باليمن فأرسله، وقال الترمذي: قال البخاري: هذا
الحديث غير محفوظ، والمحفوظ ما رواه شعيب، عن الزهري قال: حدثت عن
محمد بن سويد الثقفي: أن غيلان أسلم، الحديث. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه
وأبي زرعة: المرسل أصح، وحكى الحاكم عن مسلم: أن هذا الحديث مما
وهم فيه معمر بالبصرة، قال: فإن رواه عنه ثقة خارج البصرة حكمنا له بالصحة.
وقد أخذ ابن حبان والحاكم والبيهقي بظاهر هذا الحكم فأخرجوه من طرق عن
معمر، من حديث أهل الكوفة وأهل خراسان وأهل اليمامة. قلت - القائل: ابن
حجر -: ولا يفيد ذلك شيئاً، فإن هؤلاء كلهم إنما سمعوا منه بالبصرة، وإن كانوا
من غير أهلها، وعلى تقدير تسليم أنهم سمعوا منه بغيرها، فحديثه الذي حدث
به في غير بلده مضطرب؛ لأنه كان يحدث في بلده من كتبه على الصحة، وأما
إذا رحل فحدث من حفظه بأشياء وَهِمَ فيها، اتفق على ذلك أهل العلم به؛ کابن
المديني، والبخاري، وابن أبي حاتم، ويعقوب بن شيبة، وغيرهم، وقد قال
الأثرم عن أحمد: هذا الحديث ليس بصحيح والعمل عليه، وأعله بتفرد معمر
بوصله وتحديثه به في غير بلده هكذا. وقال ابن عبد البر: طرقه كلها معلولة.
وقد أطال الدارقطني في ((العلل)) تخريج طرقه. وقد صححه ابن القطان.
وفي الباب: عن قيس بن الحارث أو الحارث بن قيس عند أبي داود وابن ماجه.
وعن عروة بن مسعود وصفوان بن أمية، ذكرهما البيهقي.
(١) ((ت)): ((إطلاقه)).
(٢) ((ت)): ((دليلاً)).
(٣) انظر: ((المحصول)) للرازي (٢/ ٦٣١ - ٦٣٢).
٨٩

واعلمْ أن معنى هذا الكلام: أن الخطابَ الواردَ على السؤال عن
الواقعة المختلفة الأحوال كالعام، كما يشهد به ما سقناه من الحال،
ولا يعارضه ما يقال: إن قضايا الأحوال إذا تطرّقَ إليها احتمالٌ (١) سقط
بها الاستدلال(٢)؛ لأن ذلك يُحْمَلُ على الفعل المحتمل وقوعُه على
وجوه مختلفة، فلا عموم له(٣) .
وقد اعترِضَ على ما قاله الشافعي - رحمه الله - باحتمال أنه التعليمالا
في الحال المذكور أو ما يشبهه عرفَ حقيقةَ الحالِ، فأجاب بناءً على
معرفته ولم يستفصله، وعن هذا الاحتمال قال بعضُ المتأخرين في
هذه القاعدة: حكمُ الشارع المطلق في واقعة سئِل عنها ولم تقعْ
[بعدُ](٤)، عامٌّ في أحوالها [حتى يقال فيها عرفَ حقيقةَ الحال](٥)،
وكذلك إن وقعت ولم يعلم الرسول كيف وقعت؟ وإن عَلِم فلا عمومَ،
وإن التبسَ هل علم أو (٦) لا؟ فالوقف.
(١) (ت)): ((الاحتمال)).
(٢) انظر: ((المنخول)) للغزالي (ص: ١٥٠)، و((التمهيد)) للإسنوي (ص: ٣٣٨)،
و ((القواعد والفوائد الأصولية)» لابن اللحام (ص: ٢٣٤).
(٣) وهذا اختيار البلقيني، والسبكي، كما ذكر ابن النجار في ((شرح الكوكب
المنير)) (ص: ٣٦٥). ونقل عن القرافي أنه قال - فيما جاء عن الإمام الشافعي
في هذين القولين -: الأول: مع بُعد الاحتمال، والثاني: مع قرب الاحتمال.
(٤) سقط من ((ت)).
(٥) سقط من ((ت))، وكذا من ((البحر المحيط)) للزركشي، حيث نقل عن المؤلف
کلامه هنا .
(٦) ((ت)): ((أم)) بدل ((أو))، وهو خطأ.
٩٠

ولقائل أن يدفعَ الاعتراض المذكور الموجِبَ للوقف: بأن
الأصلَ عدمُ وقوع العلم بالحالة المخصوصة، فيعودُ إلى الحالة التي
لم تُعلَم كيفية وقوعها، إلا أن يكون المرادُ القطعَ، فهذا الذي قلناه
لا يفيد إلا الظنَّ، فتوجَّه السؤال(١).
[و](٢) إذا ثبت هذا فنقول: هذه القاعدة فيما إذا وُجِدَ اللفظ
جواباً عن السؤال، فهل تُنَزَّلُ منزلة التقرير عند السؤال منزلةَ اللفظ
حتى يعمَّ أحوالَ السؤال في الجواز أو (٣) غيره؟ الأقربُ ذلك؛ لإقامة
الإقرار مقامَ الحكم في إطلاق أرباب الأصول، إذ لا يجوزُ تقريره التَّا
لغيره على أمر باطل، فنزل منزلةَ القول المبيِّن للحكم، فيقوم مقامَ
العموم كاللفظ، فيَرِدُ هاهنا ما قاله الغزالي رحمه الله في أن المفهوم
ليست دلالته (٤) لفظية، والعمومُ من عوارض الألفاظ(٥)، وهذا المعنى
موجودٌ في دلالة التقرير؛ إذ ليست لفظية.
ويجاب عن هذا هاهنا بأنا(٦) قلنا: إنه مُنزَّل منزلةَ العموم، بمعنى
شمول الحكم للأحوال، فلا يجعله حقيقةً [في](٧) العموم(٨).
(١) انظر: ((البحر المحيط)) للزركشي (٤/ ٢٠٣).
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) ((ت)): ((و)).
(٤) في الأصل: ((دلالته))، والمثبت من (ت)).
(٥) انظر: ((المستصفى)) للغزالي (ص: ٢٢٤).
(٦) ((ت)): «أنَّا)).
(٧) زيادة من ((ت)).
(٨) انظر: ((البحر المحيط)) للزركشي (٤ / ٢٠٦).
٩١

الثالثة: في قاعدة التقرير والسكوت: ذُكِرَ في فن الأصول
من ذلك: أن الرسول التَّه إذا سُئِل عن واقعة فسكت عن جوابها،
فيدل ذلك على أنه لا حكمَ لله تعالى فيها، فأما إن فُعِلَ فعلٌ عنده
أو في عصره، وعَلِمَ به قادراً على الإنكار، فلم ينكره؛ فإن كان
مُعتقَداً لكافر (١)؛ كالمُصلي إلى الكنيسة، فلا أثرَ للسكوت إجماعاً،
وإلا دلَّ على الجواز إن لم يسبق تحريم، وعلى النسخ إن سبق؛ لأنَّ
في تقريره مع تحريمه ارتكابَ محرم، - وأيضاً - فيه تأخرُ البيان عن
وقت الحاجة لإبهام الجواز والنسخ، وقد تصدَّى النظر وراءَ ذلك في
صور:
أحدها (٢): أن يخبر وليه عن وقوع فعلٍ في الزمن الماضي [على
وجه من الوجوه](٣)، ويُحتاجُ إلى معرفة حكم من الأحكام؛ هل هو
من لوازم ذلك الفعل؟
فإذا سكت ◌َ﴿ عن بيان كونه لازماً، دلَّ على أنه ليس من لوازم
[ذلك](٤) الفعل، وله أمثلة:
المثال الأول: أن يخبر ◌َّهُ بإتلافٍ يحتاج إلى معرفة تعلُّق
(١) (ت)): ((معتقد الكفر)).
(٢) (ت): ((إحداها)).
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) سقط من ((ت)).
٩٢

الضمان [به](١) أو عدم تعلقه، كإتلاف خمرِ الذمي مثلاً، فسكوتُهُ
[على وجه من الوجوه](٢) يدلُّ على عدم تعلُّقِ الضمان.
المثال الثاني: أن يخبرَ عن وقوع العبادة المؤقتة على وجهٍ من
الوجوه، ويحتاج إلى معرفة حكم القضاء (٣) بالنسبة إليها، فإذا لم يبيِّته
دلَّ على عدم وجوب القضاء.
المثال الثالث: أن يعلِّقَ اليمين على ترك فعل، فيقع ذلك الفعل
على بعض الوجوه التي يحتاج معها إلى معرفة كونه يوجبُ الحنث، أم
لا، كالإكراه والنسيان، فسكت رسول الله وَ ل عن بيان وجوب
الكفارة، فيدلُّ على عدم وجوبها.
إلى غير ذلك من الصور، وكلّها يجمعها: أنه لو كان ذلك
الحكم من لوازم ذلك الفعل للزم بيانُهُ، وحيث لم يبيَّنْ، دلَّ على أنه
لیس من لوازمه.
وثانيها: أن يسكتَ رسولُ اللهِ وَّهِ عن قول أو فعل، لا يلزَم مِنْ
سكوته عنه(٤) مفسدةٌ في نفس الأمر، لكن قد يكون ظنُّ الفاعل أو
القائل يقتضي أن يترتب [عليه](٥) مفسدة على تقدير امتناعه، فهل
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) (ت)): ((القضايا)).
(٤) في الأصل: ((عليه))، والمثبت من (ت)).
(٥) زيادة من ((ت)).
٩٣

يكون هذا السكوتُ دليلاً على الجواز بناءً على ظن المتكلم، أو لا؛
لأنه لا يلزم منه مفسدةٌ في نفس الأمر؟
مثاله: طلاقُ الملاعِن زوجتَهُ ثلاثاً عند فراغ اللعان، وتقريره
على ذلك(١)، [فإنه إذا وقعت] (٢) الفرقةُ باللعان، لم يلزم من إرسال(٣)
الثلاث حينئذٍ إرسالُها في المنكوحة التي هي محلُّ الخلاف؛ لانتفاء
النكاح في نفس الأمر، لكنَّ المطلَّقَ إنما أرسل الثلاثَ بناءً على ظنّه
بقاءَ النكاح، فبمقتضى(٤) ظنه تكون المفسدةُ واقعةً على تقدير امتناع
الإرسال.
واعلمْ أن هذا المثال يتمُّ إذا ظهر للملاعن ومَنْ حضر عقبَ(٥)
طلاقه أن الفرقةَ وقعت باللعان، فأما إذا لم يظهرْ ذلك، فيكون البيانُ
واجباً؛ دفعاً لمفسدة الوقوع في الإرسال لها؛ [أي: الثلاث](٦)، بناءً
(١) روى البخاري (٤٩٥٩)، كتاب: الطلاق، باب: من أجاز طلاق الثلاث،
ومسلم (١٤٩٢)، في أول كتاب: اللعان، من حديث سهل بن سعد
الساعدي له في قصة المتلاعنين، وفيه: ((فلما فرغا، قال عويمر: كذبتُ عليها
يا رسول الله إن أمسكتُها، فطلَّقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله (َّ)). قال ابن
شهاب: فكانت سنة المتلاعنين .
(٢) ((ت)): ((إنه إذا قلنا بوقوع)).
(٣) من هنا بداية النسخة الخطية للمكتبة البديعية، والمرموز لها بحرف (ب)).
(٤) في الأصل: ((مقتضى))، و((ب)): ((بمقتضى))، والمثبت من (ت)).
(٥) في الأصل وفي ((ب)): ((عقيب))، والمثبت من ((ت)).
(٦) سقط من ((ت)).
٩٤

على بقاء الظن بأنها منكوحةٌ طُلَّقت ثلاثاً عنده، فَيَعْمَل بذلك هو أو
غيرُه، فإذا (١) لم يبيِّنْ امتناعَ [عدم](٢) الإرسال على تقدير أن لا يَتبينَ
للملاعن ومَنْ حضر وقوعُ الفرقة باللعان، دلَّ على جواز الإرسال، إذ
لو حَرُمَ لبيَّن(٣)؛ دفعاً لوقوع المفسدةِ المبنية على ظن بقاء النكاح.
ومثالُه [أيضاً](٤): استبشارُهُ بَّهُ بإلحاق القائفِ نسبَ أسامةَ
بزيدٍ(٥)، فإنَّ الذين لا يعتبرون إلحاقَ القائف يعتذرون بأنَّ الإلحاق به
مفسدةً في صورة الاشتباه، ونسبُ أسامة لاحقٌ بالفراشِ وحكمٍ
الشرع، فلا تتحقق المفسدةُ عندهم في نفس الأمر، لكنْ لما كان
الطاعنون في النسب اعتقدوا أنَّ الإلحاقَ بالقِيافة صحيحٌ، اقتضى ذلك
الظنُّ منهم - مع ثبوت النسب شرعاً - عدمَ المفسدة في إلحاق القائف.
وللبحث في هذا المقام موضعٌ غيرُ هذا، وإنما المقصود الآن
ضربُ المثال، وسيأتي في الكلام على هذا الحديث ما يرجع إلى هذا
في أثناء البحث.
وثالثها : أن يُخبرَ عن حكم شرعي بحضرته ◌ُۇ فيسكت عنه،
(١) ((ت)): ((فأما إذا)).
(٢) زيادة من ((ت)) .
(٣) ((ت)): ((لتبين)).
(٤) سقط من ((ت)).
(٥) رواه البخاري (٣٥٢٥)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب زيد بن حارثة
مولى النبي ◌َّير، ومسلم (١٤٥٩)، كتاب: الرضاع، باب: العمل بإلحاق القائف
الولد، من حديث عائشة رضي الله عنها .
٩٥

فيدلُّ ذلك على ذلك الحكم، كما لو قيل(١) بحضرته: إن هذا الفعلَ
واجبٌ أو محظورٌ، إلى غير ذلك من الأحكام، وهذا ظاهرٌ.
ورابعها: أن يُخبَرَ بحضرته عن أمر ليس بحكم شرعي يحتمِلُ أن
يكون مطابقاً، ويحتمل أن لا يكون، فهل يكون سكوتُهُ دليلاً على
مطابقته؟
مثاله: حلف عمر بحضرته ◌َي﴿ أن ابنَ صيادِ الدجالُ(٢)، ولم ینکِرْ
عليه ذلك(٣)، فهل يدلُّ ذلك على كونه هو، أم لا؟ وفي ترجمة بعض
أهل الحديث ما يُشعِر بأنه ذهب إلى ذلك، والأقرب عندي: أنه
لا يدل؛ لأن مأخذَ المسألة ومناطَها - أعني: كونَ التقرير حجةً - هو
العصمةُ من التقرير على باطل، وذلك يتوقف على تحقق البطلان،
[ولا يكفي فيه عدمُ تحقق الصحة، إلا أن يدَّعيَ مُدع: أنه يكفي في
وجوب البيان عدم تحقق الصحة](٤)، فيحتاج إلى [بيان] (٥) ذلك،
وهو عاجزٌ عنه.
(١) ((ت)): ((قال)).
(٢) رواه البخاري (٦٩٢٢)، كتاب: الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: من رأى ترك
النكير من النبي ◌َُّ حجة لا من غير الرسول، ومسلم (٢٩٢٩)، كتاب: الفتن
وأشراط الساعة، باب: ذكر ابن صياد، عن محمد بن المنكدر قال: رأيت جابر
ابن عبد الله يحلف بالله أن ابن الصيادِ الدجالُ، قلت: تحلف بالله؟ قال: إني
سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي ◌َ ◌ّر، فلم ينكره النبي أكثر.
(٣) ((ت)): «ذلك عليه)) .
(٤) سقط من ((ت)).
(٥) سقط من ((ت)).
٩٦

نعم التقرير يدلُّ على جواز اليمين على حسب الظن، وأنه
لا يتوقف على العلم؛ لأن عمرَ هُه حلف على حسب ظنه، وأقرَّه(١)
عليه(٢).
الرابعة: يُستدَلُّ به على أن إعدادَ الماء الكافي للطهارة مع القدرة
غيرُ لازم على القاعدة الثانية والثالثة، وهو ترك الاستفصال والإقرار؛
لأنهم أخبروا أنهم يحملون القليلَ من الماء، وهو كالعامِّ في حالات
حملهم، فيمكن أن يكون مع القدرة، ويمكن أن يكون بسبب العجز
بسبب ضيق مَراكِبهم عن حمل الباقي، فإذا جعلناه كالعام يتناول حالَ
القدرة، ولم ينكر عليهم، فدلَّ ذلك على جوازه في هذه الحالة(٣).
(١) في الأصل: ((وأقر))، والمثبت من ((ت)).
(٢) نقله عن الإمام ابن دقيق الحافظُ ابن حجر في ((فتح الباري)) (١٣ / ٣٢٧)
ملخصاً، ثم قال: ولا يلزم من عدم تحقق البطلان أن يكون السكوت مستوفى
الطرفين، بل يجوز أن يكون المحلوف عليه من قسم خلاف الأولى، انتهى.
وحاصل الكلام ما كان قد ذكره الحافظ قبل هذا، إذ قال (١٣/ ٣٢٣): اتفقوا
على أن تقرير النبي ◌َّ لِمَا يفعل بحضرته، أو يقال ويطّلع عليه بغير إنكار، دال
على الجواز؛ لأن العصمة تنفي عنه ما يحتمل في حق غيره مما يترتب على
الإنكار، فلا يقر على باطل، فمن ثَمَّ قال، يعني: البخاري في ترجمته لحديث
ابن صياد، : ((لا من غير الرسول))؛ فإن سكوته لا يدل على الجواز، انتهى.
قلت: وكلام الإمام ابن دقيق العيد بهذا التفصيل في مبحث التقرير والسكوت
عزيزُ الوجود، فليُعكف على النظر فيه مراراً.
(٣) نقله عنه الزركشي في ((البحر المحيط)) (٤ / ٢٠٧).
٩٧

فإن قلتَ: إن كان المقصودُ الاستدلالَ على أنه: لا يجبُ
الحمل للماء الكافي مع وجود الماء في الوقت، فهذا ليس فيه كبير
فائدة للإجماع عليه، ولأنه يكون من بيان الواضحات، ويُجَلُّ منصبُ
الرسول آۉ عنه .
وإن كان المقصود أنه: لا يجب مع عدم وجود الماء في الوقت،
فلا دليلَ عليه؛ لأن ماء البحر طهور، فالماء الكافي(١) حاصل في
الوقت؟!
قلتُ: أما حصولُ الإجماع على الشيء، فلا يمنعْ من ذكر كونه
مستفاداً من الحدیث لوجوه:
الأول: أن الدعوى أنَّ هذا الأمرَ مستفادٌ من الحديث، والذي
يناقضه أنه لا يستفاد منه، فأما أنه يستفاد منه - وعليه دليلٌ آخرُ - فلا
يناقضه، نعم يمكن أن يكون سبباً للاختصار عند من يراه، أو عندما(٢)
يقتضيه الحال، أما أن یکون ذکرُه فاسداً، فلا.
الثاني: أن دعوى الإجماع دعوىّ، لاسيَّما عند مَنْ يشترط [في](٣)
ذلك التنصيصَ من كل قائل من أهل الإجماع على الحكم، ولا يكتفي
بالسكوت، وقد قال [الإمام](٤) أحمدُ بن حنبل رحمه الله: من ادَّعى
(١) أي: الكافي للطهارة، وفي الأصل و(ب)): ((الكامل))، والمثبت من ((ت)).
(٢) في ((ت)): ((عند مَنْ)).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) سقط من ((ت)).
٩٨

الإجماعَ فقد كذب(١)، فالاستنباطُ من الحدیث يفيد فائدة، وهي استخراجُ
الحكم بطريق أسهل.
الثالث: أن العلماء مازالوا على ذكر فوائدَ من الكتاب والسنة
متفقٍ عليها، وقد استدلوا على الأحكام المتواترة بأخبار الآحاد،
كوجوب(٢) الصلاة والصوم وبقية أركان الإسلام.
أما كونُهُ بياناً للواضحات، وهو قبيح، قلنا: متى يكون قبيحاً؟
إذا كان مقصوداً بالبيان، أم(٣) إذا وقع ضمناً؟
الأول: مسلّمٌ، ولكنا لا ندعي أن ذلك مقصودٌ بالبيان، وإنما
ندعي أنه يُستفاد(٤) من الحديث، وكونُهُ مُستفاداً منه أعمُّ من كونه
مستفاداً بطريق القصد.
والثاني: ممنوعٌ ولا يمكن دعواه؛ لأنه إذا توجّه البيان إلى من(٥)
يَحتاج إليه، ولزم من ذلك أمرٌ واضحٌ لا على سبيل القصد، لم يقبح.
(١) انظر: ((مسائل الإمام أحمد - رواية ابنه عبد الله)) (ص: ٤٣٨ - ٤٣٩).
وكلام الإمام أحمد محمول على عدم العلم بالمخالف، وهو الذي يسميه كثير
من الناس إجماعاً، ويقدمونه على الحديث الصحيح. فهذا الذي أنكره الإمام
أحمد، وكذا الإمام الشافعي - رحمهما الله - من دعوى الإجماع، لا ما يظنه
بعض الناس أنه استبعاد لوجوده. انظر: ((أعلام الموقعين)) لابن القيم (١ / ٣٠).
(٢) في الأصل: ((لوجوب))، والتصويب من ((ت)).
(٣) ((ت)): ((أو)) .
(٤) ((ت): ((مستفاد)).
(٥) ((ت)): ((لما)) بدل ((إلى من)).
٩٩

الخامسة: يمكن أن يستدلَّ به على أن إعدادَ الماء بعدَ دخول
الوقت للطهارة غيرُ واجب؛ بناءً على القاعدة الشافعية؛ لأن حالهَم
صار متردداً بين أمور منها: عدم الإعداد قبل الوقت وبعدَه، فإذا تردّد
كان التقريرُ كالعام بالنسبة إليهما؛ لأنه لو اختلف لبُيِّن، فيكون
كالتقرير على عدم إعداد الماء بعدَ دخول الوقت، وفيه من السؤالِ
ما مرَّ من طهورية ماء البحر وجوابهِ.
السادسة: يمكن أن يستدلَّ به على أن مَنْ قَدِر على إعداد الماء
المطهِّرِ بعدَ دخول الوقت، فلم يفعل حتى تيممَ: لا تلزمه الإعادةُ بعدَ
الوقت؛ لأن من جملة أحوالهم عدمَ الإعداد بعدَ دخول الوقت مع
التردد في طهورية البحر(١)، [وإذا كان من جملة أحوالهم مع التردد في
الطهورية](٢) تمتنع الطهارة به؛ لأنهم مُتعبَّدون(٣) بالطهارة بما هو
طَهور عندهم، وإذا امتنع التطهرُ به في حال الشك، وكان من جملة
الأحوال وقوع التردد في طهوريته مع عدم الإعداد الكافي، ومشينا
على القاعدة الشافعية: كان ذلك تقريراً على عدم إعداد الماء مع عدم
العلم بوجود المُطهِّر، وإذا لم يحصلِ التطهرُ به لما ذكرناه من الشك
الذي قررناه، كان [ذلك](٤) تركاً للطهارة في الوقت مع القدرة عليها
(١) ((ت)): ((الطهورية)) بدل ((طهورية البحر)).
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) ((ت): ((يتعبدون)) .
(٤) زيادة من ((ت)) .
١٠٠