النص المفهرس

صفحات 1-20

بِأَحَادِيْثِ اْلأَحْكَامِ
تَألیفُ
الإِمَامِ اَلُّتَهِدِ أَبْنِ دَقِيقِ الْعِيْدِ
أَبِي الْفَتْحِ تَّقِيَّ الدِّينِ محَدِبْن عَلِيّبْنِ وَهْب القُشَيْرِيِّ المِصْرِيِّ
( ٦٢٥ - ٧٠٢ هـ )
حَتَّقَهُ وَعَلَّىَ عَلَيْهِوَضَرَّعَ أَحَادِيَّةُ
محمد خَلّفْ العَبْدُ اللَّه

شَرُالْأَرُ

جَمِيعُ الْحُقُوقِ مَخْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
مِن إِصْدَارَاتِ
3
و
3
الَذَكَةُ العَرَبيَّةُ السُّعُودِيَّةُ
١٤٢٩هـ -٢٠٠٨م
وھ
الطّبْعَةُ الثَّانِيَة
مِن إصداراتِ
دَارُ التَّوَادار
١٤٣٠هـ - ٢٠٠٩م
لصاحبها ومديرها العام
نُورُ الرَّسْطَالَتْ
سوريا - دمَشق - ص . ب : ٣٤٣٠٦
لبْنان - بَيروت - ص. ب: ١٤/٥١٨٠
هاتف : ٢٢٢٧٠٠١ ١١ ٠.٩٦٣- فاكس: ٢٢٢٧٠١١ ١١ ٠٠٩٦٣
www.daralnawader.com

قال الشيخُ الإمام العالم العامل العلامة الزاهد العابد الورع
الحافظ الضَّابطُ، فريدُ دهره، ووحيدُ عصره، محيي السنّة، مُميتُ
البدعة، تقيُّ الدين أبو الفتح محمدُ بن أبي الحسن علي ابن وهبٍ
ءَ .
القشيري رُه وأرضاه:
الحمد لله شارح حرج الصدور بلطفه، وفاتح مُرْتَج الأمور
بعطفه، نحمده على نِعَمِ لم تغرُبْ عنّا طوالعُها، ولم تَنْضُب لدينا
مَشارعُها، ونشهدُ أن لا إله إلا الله، شهادةً يَفيضُ على الأسرار نورُها،
ويَستفيض على الأقطار ظهورُها، ونشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله،
الذي به سَبَغَت نعمةُ الهداية أكملَ سُبوغ، وجعل له سلطاناً نصيراً
أفضى إلى دَرْك غاية الظَّفَر والبلوغ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه،
صلاةٌ يَبْلَغُ بها أرفعَ المراتبِ مَنْ أقرَّ به .
وبعد:
فإنَّ التفقُّهَ في الدين منزلةٌ لا يخفى شرفُها وعلاها، ولا تَحتجِبُ
عن العقل طوالعُها وأضواها، وأرفعُها بعدَ [فهم] كتابِ الله المنزَّلِ،
البحثُ عن معاني حديثٍ نبيِّهِ المرسلِ، إذ بذلك تثبتُ القواعدُ ويستقر
٥

الأساس، وعنه يصدر الإجماعُ ويقوم القياس، وما تقدَّم شرعاً تعيَّنَ
تقديمُهُ شروعاً، وما كان محمولاً على الرأس لا يَحسُن أن يجعلَ
موضوعاً، لكنَّ شرطَ ذلك عندنا أن يحفظَ هذا النظامُ، ويُجعلَ الرأيُ
هو المؤتمُّ والنصُّ هو الإمام، وتُردُّ المذاهبُ إليه، وتضمُّ الآراء
المنتشرةُ حتى تقفَ بين يديه، وأما أن يُجعلَ الفرعُ أصلاً، بردِّ النص
إليه بالتكلُّف والتحيُّل، ويُحملَ على أبعدَ المحاملِ بلطافة الوهم وسَعَةِ
التخيُّل، ويُركبَ في تقرير الآراء الصعبُ والذَّلولُ، ويعملَ من
التأويلات ما تنفرُ عنه النفوسُ وتستنكره العقولُ، فذلك عندنا من أردأ
مذهبٍ وأسوأ طريقة، ولا يُعتقَدُ أنه تَحصُلُ معه النصيحةُ للدين على
الحقيقة، وكيف يقع أمرٌ مع رجحان مُنافيه، وأنَّی يصحُ الوزن بميزانٍ
مَالَ أحدُ الجانبين فيه؟ ومتى يُنصف حاكمٌ مَلَكَتْهُ عصبيةٌ العصبيةَ؟
وأين يقع الحقُّ من خاطر أخذته العزَّةُ بالحميَّة؟ وأنىَّ يُحكَمُ بالعدل
عند تعادل الطرفين؟ ويظهرُ الجَور عند تَقايُل المُتحرِّفَين (١)؟!
هذا ولما خرج ما أخرجته من كتاب ((الإمام في معرفة أحاديث
الأحكام))، وكان وضعُه مقتضياً للاتساع، ومقصودُه موجباً لامتداد
الباع، عَدَل قومٌ عن استحسان إطابته، إلى استخشان إطالته، ونظروا
إلى المعنى الحامل عليه، فلم يُفضوا بمناسبته ولا إخالته، فأخذتُ في
الإعراض عنهم بالرأي الأحزم، وقلتُ عند سماع قولهم:
(١) أي: كيف يظهر الظلم إذا كان الطرفان المتخاصمان متعادلَين، وتحرَّف: مال وعدل.
انظر: ((القاموس المحيط)) للفيروز آبادي (ص: ١٠٣٣)، (مادة: حرف).
٦

شِنْشِنَةٌ أعرفُها مِنْ أَخْزَمِ(١)
ولم يكن ذلك مانعاً لي من وصل ماضيه بالمستقبل، ولا موجباً
لأَنْ أقطع ما أمر الله به أنْ يُوصل :
فَمَا الكَرَجُ الدُّنيا ولا النَّاسُ قَاسِمُ(٢
والأرضُ لا تخلو من قائم الله بالحجة، والأمةُ الشريفة لابدَّ فيها
من سالك إلى الحق على واضح المحَجَّة، إلى أن يأتيَ أمرُ الله في
أشراط الساعة الكُبرى، ويتتابع بعدَه ما لا يبقى معه إلا قدومُ الأخرى،
غير أنَّ ذلك الكتابَ كتابُ مطالعة ومراجعة عند الحاجة إليه، لا كتابَ
(١) شطر من الرجز لأبي أخزم الطائي، وهو من أمثالهم؛ كما في ((جمهرة الأمثال))
للعسكري (١ / ٥٤٢)، و((المستقصى في أمثال العرب)) للزمخشري (٢ / ١٣٤)،
و ((مجمع الأمثال)) للميداني (١ / ٣٦١).
والشنشئة: السجية والطبيعة، وأصله: أن أخزم كان عاقًّا لأبيه، فمات وترك بنين
عقُوا جدَّهم، وضربوه وأدمَوْه فقال:
شنشنة أعرفها من أخزم
إن بنيَّ زمَّلوني بالدم
وانظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢/ ٥٠٤)، و((لسان العرب))
لابن منظور (١٣ / ٢٤٣) (مادة: شنن).
(٢) عجز بيت منسوب إلى منصور بن باذان؛ وصدره:
ذريني أجوبُ الأرض في فَلَواتها
والكرج: حصن أبي دُلف القاسم بن عيسى العجلي. انظر: «ثمار القلوب في
المضاف والمنسوب)) لأبي منصور الثعالبي (ص: ٢٠)، و((معجم ما استعجم))
لأبي عبيد البكري (٤/ ١١٢٣)، و((تاريخ بغداد)) للخطيب (١٢ / ٤٢١ -٤٢٢)،
و(تاريخ دمشق)) لابن عساكر (١٣٢/٤٩)، وله قصة فيها.
٧

حفظ ودرس يُعتكف في التكرار عليه، فصنفت مختصراً لتحفظيظِ
الدارسين، وجمعت رأس مال لإنفاق المدرسين، وسميته بـ: ((الإلمام
بأحاديث الأحكام»
وهذا التعليق الذي نشرُع فيه الآن بعون الله، فنشرح ما فيه من
السنن على وجوهٍ نقصدها، ومقاصدَ نعتمدها:
الأول: التعريف بمن ذُكِر من رواة الحديث والمخرِّجين له، والتكلم
فيما يتعلق به على وجه الاختصار.
الثاني: التعريف بوجه صحته، إما على جهة الاتفاق أو الاختلاف،
على وجه الإيجاز أيضاً.
الثالث: الإشارة أحياناً إلى بعض المقاصد في الاختيار لِمَ الاختيار
عليه؟
الرابع: الكلام على تفسير شيء من مفردات ألفاظه إذا تعلق بذلك
فائدة، إما لغرابتهِ عن الاستعمال العادي، أو لفائدةٍ لا تظهر عند
أكثر المُستعملین.
الخامس: إيراد شيء من علم الإعراب إذا احتيج إليه أحياناً.
السادس: في علم البيان في بعض الأماكن.
السابع: الكلام على المعاني التركيبية والفوائد المستنبطة والأحكام
المُستَخرجة، وهذا هو المقصود الأعظم.
الثامن: اعتمادُ ما تقدمت الإشارةُ إليه من عدم الميل والتعصُّب في
٨

ذلك لمذهب معيَّن على سبيل العسف، فنذكر ما بلغنا مما استدل به
أصحابُ المذاهب لمذاهبهم، أو يمكن أن يُستدلَّ به لهم، فإن كان
وجه الدليل ظاهراً، وإلا بدأنا ببيانه، ثم نُتبع ذلك بما عساه يُذكَر في
الاعتذار عن مخالفة ظاهره لمن خالفه إن تيسّر ذلك.
التاسع: الإعراضُ عمَّا فعله كثيرٌ من الشارحين من إيراد مسائلَ
لا تُستنبط من ألفاظ الحديث، کمن یأتی إلی حدیث يدلُّ على جواز
المسح على الخفين، أو الاستنشاق، أو الظَّهار، أو الإيلاء مثلاً،
فيأتي بمسائل ذلك الباب من غير أن تكون مستنبطةً من الحديث
الذي يتكلم عليه، وإن أمكن فَبِطريق مُستبعَد.
العاشر: تركُ ما فعله قومٌ من أبناء الزمان، ومن يُعَدُّ فيهم من الأعيان،
فأكثروا من ذكر الوجوه في مَعْرضٍ الاستنباط، واسترسلوا في ذلك
استرسال غيرَ مُتحرِّزٍ ولا محتاط، فتخيَّلوا وتحيَّلوا، وأطالوا
وما تطوّلوا، وأبدوا وجوهاً ليس في صفحاتها نور، وذكروا أوهاماً
لا تميل إليها العقول الراجحة ولا تَصُور، حتى نُقِل عن بعضهم أنه ادعى
الاستدلال على جميع مسائل مذهبه الذي تقلده من الكتاب العزيز.
الحادي عشر: تهذيبُ كثير مما ذكر الشارحون للحديث وتلخيصُه
والتحقيق فيه، والمؤاخذة فيما عساه يُؤْخَذ على قائلِهِ.
الثاني عشر: جلبُ الفوائد المتبدّدة من كتب الأحكام التي تقع
مجموعةً في كلام الشارحين للأحاديث فيما علمناه على حسب
ما تيسّر.
٩

إلى غير هذه الوجوه من أمور تَعرض، وفوائد تتصدَّى للفكر
فتعترض ولا تُعرض، والله تعالى يحسن العون في إتمامه، ويوفقنا لنية
صالحة فيه تُعلي منازلَنا في دار الكرامة.
١٠

In
الظلام على خطية الأصيل
((الحمد لله منزِّلِ الشرائع والأحكام، ومفصِّلِ الحلال والحرام،
والهادي مَن اتّبع رضوانه سُبَلَ السلام، وأشهد أن لا إله إلا الله
توحيداً هو في التحرير (١) مُحْكَمُ النظام، وفي الإخلاص وافرُ
الأقسام، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي أرسله رحمة للأنام،
فعليه منه أفضلُ صلاةٍ وأكملُ سلام، ثم على آله الطيبين الكرام،
وأصحابِه نجوم الهدى الأعلام)).
((الحمد)): هو الثناء على الممدوح بصفاته الجميلة وأفعاله
الحسنة، والشكر يتعلق بالإحسان الصادر منه، وقد تكلموا في العموم
والخصوص بينهما، مع أن المدح قد يعمُّهما معاً، والذي يتحرر: أن
الشكر يُطْلَق على الفعل والقول جميعاً، قال الله تعالى: ﴿أَعْمَلُواْ ءَالَ
دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣]، وقال زَّ لما قام حتى تفطرت قدماه، وقيل:
[لم](٢) تفعلُ هذا وقد غُفِرِ لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال:
(١) في المطبوع من ((الإلمام)) (١ / ٤٦): ((التقرير)) بدل ((التحرير))، وكذا في النسخة
الخطية للإلمام بيد الإمام ابن عبد الهادي (٢ / أ).
(٢) في الأصل: ((لما))، والصواب ما أثبت.
١١

((أَفَلا أكونُ عبداً شَكوراً)(١).
والحمدُ يخصُّ القول، فإذا نظرنا إليهما بالنسبة إلى القول خاصةً
كان الحمد أعمَّ في هذا المحل، لأنه يحمدُ على صفاته الجميلة وعلى
الإحسان الصادر منه، يقال: حمدته على الشجاعة وعلى الإحسان،
والشكر محلُّه الإحسان(٢).
وقوله: ((منزل الشرائع والأحكام)): استفتاح خطبة الكتاب بما
يناسبُ مقصوده، ويدلُّ على غرضه؛ إذ هو كتاب أحكام، وفيه
أيضاً إشارةٌ إلى أن الأحكام الواردة من الرسول وَّقر منزلة، لكون
(١) رواه البخاري (٤٥٥٧)، كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن
ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، ومسلم (٢٨٢٠)، كتاب: صفة الجنة والنار، باب:
إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، من حديث عائشة رضي الله عنها، ووقع عند
البخاري: ((لم تصنع هذا))، وعند مسلم: ((أتصنع هذا)).
ورواه البخاري (٤٥٥٦)، كتاب: التفسير، باب: قوله:
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن
ذَنْيِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ [الفتح: ٢]، ومسلم (٢٨١٩)، كتاب: صفة القيامة والجنة
والنار، باب: إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، من حديث المغيرة بن
شعبة ، ووقع عند مسلم: ((أتكلف هذا)). وقد رواه ابن سعد في ((الطبقات
الكبرى)) (٢/ ٢٠٩)، من حديث المغيرة بن شعبة به بلفظ: ((لم تفعل هذا وقد
غفر الله لك ... )) الحديث.
(٢) وانظر: ((مشارق الأنوار)) للقاضي عياض (٢/ ٢٥١)، و((النهاية في غريب
الحديث)) لابن الأثير (٢/ ٤٩٣)، و((الجامع لأحكام القرآن)) للقرطبي
(١ / ١٣٣)، و((مجموع الفتاوى)) لشيخ الإسلام ابن تيمية (١١ / ١٣٣)،
و((مدارج السالكين)) لابن القيم (٢ / ٢٤٦)، و((لسان العرب)) لابن منظور
(٤ / ٤٢٥)، (مادة: شكر) ..
١٢

المقصود الأحكام الحديثية.
فإن قلنا: إنَّ الرسل - عليهم السلام - لا يجتهدون في الأحكام،
فالكلامُ على حقيقته وظاهره.
وإن قلنا: إنهم عليهم السلام يجتهدون، فالأحكامُ منزلة بواسطة
إنزال ما يقتضي الحكم بالاجتهاد(١)، كما ذكر عبد الله بن مسعود: أنّ
لعنه الواصلة والمستوصلة في كتاب الله تعالى، فلما أُنكِر ذلك أحال
على قوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، مع لعنةِ
الرسول العلية الواصلة والمستوصلة (٢)، فجعل ذلك في الكتاب بواسطة
الأمر بأخذ ما آتاه الرسول.
وقوله: ((ومفصل الحلال والحرام)): اختار لفظ التنزيلِ
للأحكام، والتفصيلٍ لتمييز الحلال من الحرام، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا
أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ ﴾ [النساء: ١٠٥]، ولقوله تعالى: ﴿وَقَدْ
فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ [الأنعام: ١١٩].
(١) الجمهور على جواز الاجتهاد لنبينا وبَّله ولغيره من الأنبياء، وهو المختار كما قال
ابن الحاجب والآمدي وغيرهما. انظر: ((الإحكام)) للآمدي (٤/ ١٧٢)،
و ((الإبهاج في شرح المنهاج)) للسبكي (٣/ ٢٤٦).
(٢) رواه البخاري (٤٦٠٤)، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَمَآ ءَانَنَّكُمُ الرَّسُولُ
فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، ومسلم (٢١٢٥)، كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم
فعل الواصلة والمستوصلة، وليس عندهما ذكر ((الواصلة والمستوصلة)) في
الحديث. نعم رواه البخاري (٤٦٠٥)، كتاب: التفسير، باب: ﴿ وَمَآ ءَانَنْكُمُ
الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ﴾ [الحشر: ٧]، وفيه ذكر ((الواصلة)) فقط.
١٣

وقوله: ((توحيداً هو في التحرير محكم النظام، وفي الإخلاص
ء
وافر الأقسام)): إحكام النظام يناسب التحريرَ فقَرِنَ به، ومراتبُ
الاعتقادات والحكم الذهني متفاوتةٌ، فاختير للإخلاص توفرُ الأقسام.
وقوله: ((أرسله رحمة للأنام)): إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ وَمَا
أَرْسَلْنَكَ إِلََّّ رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وقوله: ((فعلیه منه أفضل صلاة وأكمل سلام)): فيه بحثان:
أحدهما: الصيغة صيغة خبر، والمقصودُ بهذه الصيغة
الطلبُ ليكونَ امتثالاً لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُواْ
عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وعلى حمل الصيغة على الإخبار
قوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَكَ هُمُ
اَلْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧]، وبين الإنشاء والإخبار تضادٌّ، وهل يُحتاجُ
في امتثال الأمر إلى إنشاء قصد، واستحضار النية للطلبٍ وإخراجٍ
الكلام عن حقيقته من الخبر؟!
إن كان اللفظ المستعمل قد كَثُرَ حتى صار كالمنقول في عُرفٍ
الاستعمال، لم يُحتجْ إليه؛ لأنَّ المغلَّبَ عرفُ الاستعمال على الحقيقة
اللغوية، وإن استعمِل لفظٌ لم ينتهِ في العرف إلى ذلك، فالأقربُ
الحاجةُ إليه.
البحث الثاني: الصلاةُ من الله تعالى مفسّرةٌ بالرحمة، ويقتضي
هذا أنْ يقال: اللهمَّ ارحم محمداً؛ لأنَّ المترادِفَين إذا استويا في
الدَّلالة قام كلُّ واحد منهما مقامَ الآخر، ويشهد لهذا تقريرُهُ الَّيا
١٤

الأعرابيَّ على قوله: اللهمَّ ارحمني ومحمداً(١).
وأبى ذلك بعضُ العلماء، لدلالة لفظ الصلاة على معنىً من
التعظيم لا يُشعَرُ به من لفظ الرحمة، فلهذا قال الفقهاء: إنه لا يُصَلَّى
على غير الأنبياء إلا تبعاً، أو من قاله منهم(٢)، وكذلك - أيضاً - لفظُ
(١) رواه البخاري (٥٦٦٤)، كتاب: الأدب، باب: رحمة الناس والبهائم، من
حديث أبي هريرة قال: قام رسول الله وَلقر في صلاة وقمنا معه، فقال أعرابي
وهو في الصلاة: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، فلما سلم
النبي ◌َ ﴾ قال الأعرابي: ((لقد حجرت واسعاً) يريد رحمة الله.
(٢) قال ابن القيم - رحمه الله - بعد حكايته الخلاف في ذلك بين الأئمة: ((وفصل
الخطاب في هذه المسألة: أن الصلاة على غير النبي؛ إما أن يكون آله وأزواجه
وذريته، أو غيرهم، فإن كان الأول: فالصلاة عليهم مشروعة مع الصلاة على
النبي، وجائزة مفردة.
وأما الثاني: فإن كان الملائكة وأهل الطاعة عموماً الذين يدخل فيهم الأنبياء
وغيرهم، جاز ذلك أيضاً، فيقال: اللهم صلِّ على ملائكتك المقربين وأهل
طاعتك أجمعين .
وإن كان شخصاً معيناً، أو طائفة معينة: كره أن يتخذ الصلاة عليه شعاراً لا يخلُّ
به، ولو قيل بتحريمه لكان له وجه، ولاسيما إذا جعلها شعاراً له، ومنع منها
نظيرَه، أو من هو خير منه، وهذا كما تفعل الرافضة بعلي ﴿، فإنهم حيث
ذكروه قالوا: عليه الصلاة والسلام، ولا يقولون ذلك فيمن هو خير منه، فهذا
ممنوع لاسيما إذا اتخذ شعاراً لا يخلُّ له، فتركهُ حينئذ متعين، وأما إن صلى عليه
أحياناً؛ بحيث لا يجعل ذلك شعاراً، كما صلي على دافع الزكاة، وكما قال ابن
عمر للميت: صلى الله عليه، وكما صلى النبي ◌َّ﴿ على المرأة وزوجها، وكما
روي عن علي من صلاته على عمر، فهذا لا بأس به. وبهذا التفصيل تتفق
الأدلة، وينكشف وجه الصواب، والله الموفق، انتهى. وانظر: ((جلاء الأفهام)) له
(ص: ٤٨١ - ٤٨٢).
١٥

الرحمة، إشعارُه ناقص عن مدلول اللفظ الأول، ولا خلافَ في
إطلاقه على غير الأنبياء، وهذا مما يخدش في الترادف.
ويمكن أن يقال: إن تفسيرَ الصلاة بتبيين معنى أصل موضوع
الكلمة غيرُ مأخوذٍ فيه ما اختصت به إحداهما، ولا يطلق عليهما
ترادفٌ حقيقي بهذا الاعتبار، وإن کان ما اختصت به إحداهما داخلاً
تحت مدلول اللفظ وضعاً.
وقوله: ((ثم على آله الطيبين الكرام، وأصحابه(١) نجوم الهدى
الأعلام)): اختلف الناس في الذين يدخلون في الصلاة، والمرادُ هاهنا
أهلُه الأدْنَون (٢)، واختير لهم لفظةُ الطيبين إشارةً إلى قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣]،
وهذا جارٍ على أحد قولي المفسرين.
والكرام: جمع کریم، ویجمَعُ ۔ أیضاً - على كُرماء، وقد حكى
قوم: كَرَم، كما يقال: أَدِيم وأَدَم(٣)، والكَرَمُ في العرف الشائع
يستعمل بمعنى الجود والسخاء، ويستعمل في اللغة بمعنى الفضل
والرفعة، وإذا قالوا: كريم، فإنما يريدون به رفيعاً فاضلاً، والله
(١) في الأصل: ((وعلى آله)) بدل ((وأصحابه)).
(٢) وهم ذريته وأزواجه، وقد صحح ابن القيم رحمه الله دخولهم في آل النبي ◌َّ
الذين تحرم عليهم الصدقة وذكر أنه منصوص الإمام أحمد. انظر: ((جلاء
الأفهام، له (ص٢١٦).
(٣) نقله الأزهري في ((تهذيب اللغة)) (١٠ / ٢٣٥)، (مادة: كرم) عن الليث في
«العین)) (٥/ ٣٦٨)، ثم قال: والنحویون یأبون ما قال الليث.
١٦

الكريم؛ أي: الفاضل الرفيع(١).
وقال ابن سِيْدَه: الكَرَمُ نقيض اللؤم يكون في الرجل بنفسه،
وإن لم يكنْ له آباء، ويستعمل في الخيل والإبل والشجر وغيرها
و
من الجواهر إذا عنوا العِثْق، وأصلَه في الناس، قال ابن الأعرابي:
كَرَمُ الفرس: أن يَرِقَ جلدُه ويَلينَ شعرُه وتطيبَ رائحته، وقد كُرُم
الرجل وغيره، كرماً وكرامة، فهو كريم وكريمة وكِرْمَة ومَكْرَم
ومَكْرَمَة وكُرَّامٍ وكُرّامة، وجمعُ الكريم كُرماء وكِرام، وجمع الكُرَّام
كُرَّامون، قال سيبويه: لا يُكسَّر كُرَّام، استغنوا عن تكسيره بالواو
والنون(٢). وإنه لكريم من كرائم قومه، على غير قياس، حكى ذلك
أبو زيد، وإنه لكريمة من كرائم قومه، وهذا على القياس، ورجل
كَرَمٌّ: كريم، وكذلك الاثنان والجمع والمؤنث؛ لأنه وصف
بالمصدر، وقال (٣):
لقدْ زادَ الحياةَ إلَيَّ حُبّاً
بَنَاتِي، أَنَّهِنَّ مِن الضُّعافِ
(١) المرجع السابق، (١٠/ ٢٢٣).
(٢) انظر: ((الكتاب)) لسيبويه (٢/ ٢١٠)، باب: تكسير ما كان من الصفات.
(٣) الأبيات لأبي خالد القَنَاني الخارجي، كما نسبها إليه المبرد في ((الكامل))
(٣/ ١٠٨١ - ١٠٨٢)، وابن منظور في ((لسان العرب)) (١٢ / ٥١٠)، (مادة:
كرم). وانظر: ((شعر الخوارج)) جمع إحسان عباس (ص: ٥٧ - ٥٨).
وقد نسيت هذه الأبيات لغيره، وانظر: ((إصلاح المنطق)) لابن السكيت
(ص: ٥٩ - ٦٠)، و((شرح أبيات مغني اللبيب)) لعبد القادر البغدادي
(١٣٨/٧ - ١٤٠)، و(تاج العروس)) للزبيدي (٣٣٦/٣٣)، (مادة: كرم).
١٧

وأَنْ يَشْرِبْنَ رَتْقاً(١) بعدَ صَافٍ
مخافةً أَنْ يَرَيْنَ البؤسَ بَعْدِي
فَتَنْبُو العينُ عن كَرَمِ عِجَافِ(٢)
وأنْ يَعْرَيْنَ إِنْ كُسِيَ الجَوارِي
واختار: ((الصَّحابة نجوم الهدى الأعلام)): إشارةً إلى ما جاء في
الحديث: ((أصحابي كالنُّجومِ بأيّهم اقتديتُمْ اهتديتُمْ))(٣)، ولصحة
(١) الرَّنْق: الكَدَر.
(٢) انظر: ((المحكم)) لابن سيده (٧/ ٢٤)، (مادة: كرم).
(٣) رواه عبد بن حميد في ((مسنده)) (٧٨٣)، ومن طريقه: ابن حجر في ((الأمالي
المطلقة)) (ص: ٥٩)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما وقال: هذا حديث
غريب تفرد به حمزة الجزري، ويقال: حمزة بن أبي حمزة النصيبي، أخرجه ابن
عدي في ((الكامل) (٢ / ٣٧٦)، وأخرج ابن عدي لحمزة هذا عدة أحاديث
وقال: لا يتابع عليها وهي مناكير، ونقل عن يحيى بن معين أنه قال في حمزة:
لا يساوي فلساً، وعن البخاري أنه قال: منكر الحديث.
وذكر ابن عبد البر في كتاب: (بيان العلم)) (٢ / ٩٠) عن أبي بكر البزار: أنه سئل
عن هذا الحديث فقال: هو مشهور بين الناس، وليس له إسناد يصح، رواه
عبد الرحيم بن زيد العَمِّي، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب، عن عمر،
وربما قال: عن ابن عمر، والآفة فيه من عبد الرحيم، وعبد الرحيم وحمزة في
الضعف سواء .
قال الحافظ: وقد وقع لنا من حديث جابر، وإسناده أمثل من الإسنادين
المذکورین .
ثم ذكر بإسناده إلى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما مرفوعاً: ((مثل أصحابي في
أمتي مثل النجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم))، أخرجه الدار قطني في كتاب
((فضائل الصحابة))، وأخرجه ابن عبد البر من طريقه (٢ / ٩١) وقال: لا تقوم به
حجة؛ لأن الحارث بن غصين مجهول. قلت: قد ذكره ابن حبان في
((الثقات)) (٨/ ١٨١) وقال: روى عنه حسين بن علي الجعفي، فهذا قد روى عنه =
١٨

المعنى فيهم ، لانتشار الشريعة من جهتهم إلى الأمة.
وقوله: ((وبعدُ: فهذا مختصرٌ في علم الحديث، تأملتُ
مقصودَه تأمُّلاً)): إنَّ الواجب لمن شَرَع في أمر أن ينظرَ في المقصود
= اثنان ووثق، فلا يقال فيه مجهول. نعم الراوي عنه - يعني: سلام بن سليمان - قال
فيه أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال ابن عدي والعقيلي: منكر الحديث، ونقل
النسائي في ((الكنى)) عن بعض مشايخه: أنه وثقه.
قلت: وقد رواه من طريق الدارقطني أيضاً: ابن حزم في ((الإحكام)) (٦ / ٢٤٤)
وقال: أبو سفيان ضعيف، والحارث بن غصين هذا هو أبو وهب الثقفي، وسلام
ابن سليمان يروي الأحاديث الموضوعة، وهذا منها بلا شك، فهذه رواية ساقطة
من طریق ضعيف إسنادها.
كما رواه ابن منده في ((فوائده)) (ص: ٢٩) من طريق سلام بن سليمان، عن
الحارث بن غصین، به .
قال الحافظ ابن حجر في ((أماليه)) (ص: ٦١): وأما حديث عمر الذي أشار إليه
البزار، فأخرجه البيهقي في ((المدخل)) (ص١٦٢) من طريق نعيم بن حماد،
عن عبد الرحيم. قلت: وعبد الرحيم كذاب، كما في ((التلخيص الحبير))
(٤ / ١٩١ ) .
وأخرجه أيضاً من رواية جويبر بن سعيد أحد المتروكين فقال: تارة عن الضحاك،
عن ابن عباس، عن النبي ◌ّر، وقال تارة: عن جواب بن عبيد الله، عن النبي ◌َّ
معضلاً.
قال البيهقي: هذا المتن مشهور، ولا یثبت له سند، انتھی.
وروى الحديث أيضاً: القضاعي في («مسند الشهاب)» (١٣٤٦)، من حديث أبي
هريرة څ .
وفي إسناده: جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، وهو كذاب.
وبالجملة: فهذا حديث مشهور على الألسنة، مذكور في كتب الفقهاء، وليس له
إِسناد صحیح یثبت به، أو يعوّل عليه.
١٩

منه، ويجعل فضلَ العناية به، فإن كان مقصودُه البيانَ والبسطَ اعتنى
بذلك، وأوضح ومال إلى الإسهاب بحيثُ لا يخرجه إلى الهذَرَ، وإن
كان مقصودُه الاختصارَ لَمَح هذا المعنى واعتنى به، وترك ما يمكنه
ترگه، واستغنى بما يذكره عن غيره إذا كان الذي يذكره يغني عنه، إلى
ما يناسب هذا.
ولما وقع في جمع بعض المختصِرين ما ينافي هذا المقصود
أشار إلى تنبيهه لذلك، واعتبار مقصود الاختصار، فربما ترك
الأحاديث التي يكفي في الاستدلال على حكمها كتابُ الله تعالى أو
إجماع الأمة، وإن وقع من هذا شيء فيكون المقصود أمراً آخر يتعلق
بدلالة الحديث، وتنجر الدلالة إلى الحكم المجمع عليه انجراراً غيرَ
مقصود بالوضع وحدَهُ، كما في قوله الَّئها: ((لا يقبلُ اللهُ صلاةَ أحدِكُمْ
إذا أحدَثَ حتىَّ يتوضَّأ))(١)، فإنه استدلَّ به على وجوب طهارة
الحدث، وهو أمر مجمع عليه، وليس هو المقصودُ بإيراد الحديث
وحده، وإنما استدلَّ به على أنَّ سبقَ الحدث مُبطِلٌ للصلاة، مانعٌ
من البناء.
ومن المقاصد - أيضاً -: ألا يذكرَ أحاديثَ متعددةً للدَّلالة على
حكم واحد إلا لمعارِضٍ.
(١) رواه البخاري (٦٥٥٤)، كتاب: الحيل، باب: في الصلاة، واللفظ له،
ومسلم (٢٢٥)، كتاب: الطهارة، باب: وجوب الطهارة للصلاة، من حديث
أبي هريرة څ.
٢٠