النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨٥٢ - عن أنسٍ ﴾ قال: بلغَ صَفِيَّةَ أنَّ حَفْصَةَ قالت: بنتُ يَهودِيٍّ، فَبَكَتْ، فدخلَ عليها النبيُّ ◌َّهِ وهي تَبْكي فقالَ: ((ما يُبْكيك؟)) فقالَتْ: قَالَتْ لي حَفْصَةُ: إنِّي ابنةُ يَهُودِيٍّ، فقالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((إنكِ لابنةُ نَبَيٍّ، وإنَّ عَمَّكِ لنَبِيٌّ، وإِنَّكِ لَتَحْتَ نَبِيٍّ، فَبِمَ تَفْخَرُ عَلَيْكِ؟))، ثُمَّ قالَ: ((اتَّقِ الله يا حَفْصَةُ». (عن أنسٍ ﴾ه قال: بلغ صفية)) بنت حيي بن أخطب اليهودي، وكان من أولاد موسى - عليه السلام - ((أن حفصة قالت)) في حقها: ((بنت يهوديٌّ، فبكت))؛ أي: صفية، ((فدخل عليها رسول الله مَّي وهي تبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقالت: قالت لي حفصة: إني ابنة يهوديٍّ، فقال پے إنك لابنة نبيٌّ»، وهو موسی ۔ علیه الصلاة والسلام-، وقيل : يريد به إسحاق. ((وإن عمك لنبي)): وهو هارون - عليه الصلاة والسلام -، وقيل: يريد به إسماعيل عليه الصلاة والسلام. ((وإنك لتحت نبيٌّ)): وهو محمدٌ عليه الصلاة والسلام. (ففيم))؛ أي: في أي شيءٍ ((تفخر)): حفصة ((عليك، ثم قال: اتقي الله تعالی یا حفصة)» . ٤٨٥٣ - ورُوِيَ عن أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها: أنَّ رسولَ اللهِوَهِدَعَا فاطِمَةَ عامَ الفَتْحِ، فناجَاهَا فَبَكَتْ، ثُمَّ حَدَّثَها فَضَحِكَتْ، فَلَمَّا تُؤُنِّيَ رسولُ اللهِ وَاهـ سَأَلْتُها عن بُكائِها وضَحِكِها؟ قالت: أَخْبَرَني رسولُ الله ◌َّهِ أَنَّ يَمُوتُ فبكيتُ، ثُمَّ أَخْبَرني أَنِّي سَيدةُ نِساءِ أَهْلِ الجَنَّةِ إلا مريمَ بنتَ عِمْرَانَ فضَحِكْتُ. ((وروي عن أم سلمة - رضي الله عنها -: أن رسول الله صل﴿ دعا فاطمة عامَ الفتح فناجاها»؛ أي: فكلَّمها بالسر، ((فبكت، ثم حدَّثها فضحكت، فلما توفي ٤٨١ النبي ◌َ ﴿ سألتها عن بكائها وضحكها قالت: أخبرني رسولُ اللهِ وَّ أنه يموت فبكيت، ثم أخبرني أني سيدةُ نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران فضحكتُ)): والحديث يدل على أن فاطمة خير نساء العالم إلا مريم أم عيسى - عليه الصلاة والسلام -. قيل: يحمل هذا الاستثناء على الانقطاع، إذ لم يثبت الاستثناء في روايةٍ أخرى، وهي التي في الصحاح، وأحاديث الصحاح أعلى درجةً؛ أي: لكن مریم کانت سيدة نساء زمانها . ١٢- باب جَامِعِ المُنَاقِبِ (باب جامع المناقب) مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٨٥٤ - عن عبدِ الله بن عُمَرَ ﴾ قال: رَأَيْتُ في المَنامِ كأَنَّ في يَدِي سَرَّقَةً مِن حريرٍ، لا أَهْوِي إلى مَكانٍ في الجَنَّةِ إلا طارَتْ بِي إِلَيْهِ، فَقَصَصْتُها على حَفْصَةَ فَقَصَّتْها حَفْصَةُ على النَّبِيِّ وَّهِ فقال: ◌َّهِ: ((إِنَّ أَخَاكِ رَجُلٌ صالحٌ، أو إنَّ عَبْدَالله رَجُلٌ صالحٌ)). ((من الصحاح)): ((عن عبدالله بن عمر ﴾ قال: رأيت في المنام كأن في يدي سَرَقةٌ من حرير)): والسرقة هنا عبارة عن ذات يده من العمل الصلح. ((لا أهوي بها))؛ أي: لا أقصد بتلك السَّرَقة ((إلى مكانٍ في الجنة)) ولا ٤٨٢ أنزل فيها ((إلا طارت بي إليه))؛ أي: كانت تلك السرقة مطهرةً لي ومبلغةً إلى تلك المنزلة، فكأنها مثل جناح الطائر. ((فَقَصصتها على خفصة، فقصَصَتها حفصةُ على النبي ◌ِّ، قال: إن أخاك رجلٌ صالحٌ، أو إن عبد الله)) وهو أخوها ((رجلٌ صالح)). ٤٨٥٥ - عن حُذَيفَةَ عَ﴾ه قال: إنَّ أَشْبَهَ النَّاسِ دَلاَ وسَمْتاً وهَدْياً برسولِ اللهِ وَ﴾ لابن أمِّ عَبْدٍ، من حينٍ يَخْرُجُ مِن بيتِه إلى أنْ يرجِعَ إليه، لا نَدْري ما يَصْنَعُ في أَهْلِهِ إذا خَلاَ. ((عن حذيفة : إنَّ أشبه الناس دَلاً)): وهو ما يدل على صلاح صاحبه من حسن الحديث، ((وسَمتاً))؛ أي: سيرةً، ((وهدياً))؛ أي: طريقة ((برسول الله وَّ لابن أمِّ عَبد)»: هو عبدالله بن مسعود، وقيل: الدَّل والسَّمت والهدي متقاربُ المعنى، وهي عبارة عن الحالة التي يكون عليها الإنسان من السكينة والوقار وحسن السيرة والطريقة واستقامة المنظر والهيئة، يريد شمائله في الحركة، والمشي والتصرف في الدِّين لا في الزينة والجمال. ((من حين يخرج من بيته)): يريد أنه كان يلازم النبيَّ - عليه الصلاة والسلام - إذا خرج من بيته، ((إلى أن يرجع إليه)): فنشهد له بما يتبين لنا من ظاهر أمره. ((لا ندري ما يصنع في أهله إذا خلا))؛ يعني: لا نعرف ما بَطَن وما خفي عنّا منه، فلا نشهد بذلك. ٤٨٥٦ - وقال أبو موسى الأَشْعَرِيُّ ◌َ﴿ه: قدِمْتُ أنا وأخي مِن اليَمَنِ ٤٨٣ فمَكَثْنَا حيناً مَا نُرَى إلا أنَّ عَبْدَالله بن مَسْعودٍ ◌َُهِ رَجُلٌ مِن أَهْلِ بيتِ النَّبيِّ ◌َ﴾ لِمَا نَرَى مِن كثرةِ دُخُولِهِ وَدُخُولِ أُمِّه على النَّبِيِّ ◌َِّهِ. ((وقال أبو موسى الأشعري: قدمت أنا وأخي من اليمن، فمكثنا»؛ أي: في المدينة ((حيناً ما نُرى)) - بضم النون ؛ أي: ما نظن ((إلا أنَّ عبدالله بن مسعود رجلٌ من أهل بيت النبي ◌َّيه لما نرى من كثرة دخوله ودخول أمه على النبيِّ ◌َِّ)). ٤٨٥٧ - عن عَبْدِ الله بن عَمْرِو ◌َهِ: أَنَّ رسولَ اللهِ قال: ((استَقْرِؤُوا القُرْآنَ مِن أربَعةٍ: من عبدِالله بن مَسْعودٍ، وسالمٍ مَوْلَى أبي حُذَيفَةَ، وأُبَيِّ بن كَعْبٍ، ومُعاذٍ بن جَبَلٍ)) ﴾﴾. ((عن عبدالله بن عمرو﴾: أن رسول الله وَ ل﴾ قال: استقرؤوا القرآن))؛ أي: اطلبوا قراءة القرآن وتعلُّمه ((من أربعةٍ: من عبدالله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبي بن كعبٍ، ومعاذ بن جبل)): فإنهم أحفظ الصحابة ٤٨٥٨ - عن عَلْقَمَةَ قال: قَدِمْتُ الشَّامَ فصَلَّيْتُ رَكْعَتَينٍ ثُمَّ قُلْتُ: اللهمَّ! يَسِّرْ لي جَليساً صالِحَاً، فأتيتُ قَوْماً فَجَلَسْتُ إليهم، فإذا شَيْخٌ قد جاءَ حتى جَلَسَ إلى جَنْبِي، قُلْتُ: مَن هذا؟ قالوا: أبو الذَّرْداءِ، قلتُ: إنِّ دَعَوْتُ الله أنْ يُيَسِّرَ لي جَليساً صالِحاً فيسَّرَكَ لي، فقال: مَن أنتَ؟ قُلْتُ: مِن أَهْلِ الكوفةِ قال: أَوَلَيْسَ عِنْدَكم ابن أُمِّ عَبْدٍ صاحِبُ النَّعَلَيْنِ والوسادَةِ والمِطْهَرَةِ، وفيكم الذي أَجارَهُ الله من الشَّيطانِ على لسانِ نبيهِ؟ - يعني: عَمَّاراً -، أَوَلَيْسَ فيكم صاحِبُ السِّرِّ الذي لا يَعْلَمُه غيرُه؟ - يعني: حُذَيفَةَ -. ٤٨٤ ((عن علقمة ﴾ قال: قدمت الشام فصليت))؛ أي: بمسجد دمشق ((ركعتين، ثم قلت: اللهم يسّر لي جليساً صالحاً، فأتيت قوماً فجلست إليهم، فإذا شيخٌ قد جاء حتى جلس إلى جنبي، قلت: مَنْ هذا؟ قالوا: أبو الدرداء، قلت: إني دعوت الله أن ييسر لي جليساً صالحاً فيسَّرك لي، فقال: مَنْ أنت)): قيل: صوابه: من أين أنت، بدليل قوله: ((قلت: من أهل الكوفة))، ولعل لفظة (أين) سقطت من القلم، أو من بعض الرواة، أو صحف (أين) بـ (أنت)، و(من) الجارَّة بالاستفهامية. ((قال: أوليس عندكم ابن أم عبدٍ صاحب النعلين والوسادة والمطهرة)) : يريد: أنه خَصَّ رسولَ الله ﴿ ﴿ بأخذ نعليه إذا جلس، وبوضعها إذا نهض وتسوية المضجع، ووضع الوسادة إذا أحب النوم، وبحمل المطهرة إذا أراد الوضوء. قيل: فيه دليل على جواز أن يستخدم الرجل أحداً في هذه الأشياء الثلاثة، أوغيرها قياساً عليها، وسِرُّ هذا الاستخدام أنه استفاد من كل خدمةٍ نوعاً من العلوم من آداب تلك الخدمة فرضها وسنتها وغير ذلك، وكان في ذلك إشارة إلى آداب التصوف التي هي آدابٌ مرضيةٌ لهذه الطائفة، ويحتمل أن يريد: أن هذه الأشياء التي كانت للنبي والأر خص بها ابن مسعود بعد وفاته وَله. ((وفيكم الذي أجاره الله))؛ أي: أنقذه ((من الشيطان على لسان نبيه))؛ يعني: عماراً، ((أو ليس فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه))؛ أي: ذلك السر ((غيره؛ يعني: حذيفة)): سماه صاحب السر؛ لأن النبي ◌َُّ عرّفه أسماء المنافقين ليلة العقبة مرجعَه من غزوة تبوك، وكان الصحابة يراجعون حذيفة في أمر المنافقين، وقد ذكر أنهم أربعة عشر فتاب منهم اثنان، ومات اثنا عشر على النفاق . ٤٨٥ ٤٨٥٩ - وعن جابرٍ ﴿ه: أنَّ رسولَ اللهِ﴿ قال: ((أُرِيتُ الجَنَّةَ، فَرَأَيْتُ امرَأَةَ أبي طَلْحَةَ، وسَمِعْتُ خَشْخَشةً أمامي فإذا بلالٌ». (وعن جابر ظه: أن رسول الله وَ ل﴿ قال: أُريت الجنة، فرأيت امرأة أبي طلحة)): وهي أم سليم أم أنس بن مالك الملقبة بالرُّميصاء. ((وسمعت خشخشةً)): وهو صوت يحدث من اصطكاك الأشياء اليابسة، «أمامي فإذا بلال) هُ . ٤٨٦٠ - عن سَعْدٍ ﴿ه قالَ: كُنَّا معَ النَّبيِّ وَهِ سِنَّةَ نَفَرٍ، فقالَ المُشْرِكونَ للنَّبِيِّ وَّهِ: أُطرُدْ هؤلاءِ لا يَجْتَرؤوا عَلَينا، قالَ: وكُنْتُ أنا، وابن مَسْعُودٍ، ورَجُلٌ مِن هُذَيْل، وبلالٌ ورَجُلانِ لستُ أُسَمِّيهما، فأنزلَ الله: ﴿وَلَا تَظُرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَاُلْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ . (عن سعده قال: كنا مع النبي ◌َّهُ ستة نفرٍ، فقال المشركون للنبي ◌َّى: اطرُدْ هؤلاء، لا يجترؤون علينا)): من الجراءة: الشجاعة. ((قال))؛ أي: الراوي: ((وكنت أنا وابن مسعود ورجلٌ من هُذيل وبلال ورجلان لست أسميهما)): فوقع في نفس رسول وَّيز ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه . ((فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَطْرُرِ اُلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِّ﴾))؛ أي: دائبين على الدعاء في كل وقت، ((﴿يُرِيدُونَ﴾))؛ أي: بعبادتهم ((﴿وَجْهَهُ﴾)): لأشياء أخر من أعراض الدنيا. ٤٨٦ ٤٨٦١ - عن أبي مُؤْسى ﴾: أَنَّ رسولَ اللهِوَ﴿ِ قالَ لهُ: ((يا أبا موسى! لقد أُعطِيتَ مِزْماراً مِن مَزَامِير آلٍ داود». ((عن أبي موسى الأشعري : أن رسول الله وَ ي﴾ قال له: يا أبا موسى! لقد أعطيت مِزماراً)) - بكسر الميم - آلة الزمر، وقد وقد يستعار للصوت الحسن والنغمة الطيبة، وهو المراد في الحديث. ((من مزامير آل داود)): والآل مقحم، والمراد: نفس داود - عليه الصلاة والسلام -، إذ لم يشتهر أحدٌ من آله بحسن الصوت، شَبَّه حسنَ صوته في قراءة القرآن وحلاوة نغمته بصوت المزمار. ٤٨٦٢ - عن أنسٍ ﴿ه قال: قالَ النَّبيُّ ◌َه لأُبيِّ بن ◌َعْبٍ: ((إنَّ الله أَمَرَني أنْ أَقْرِأَ عليكَ القرآن))، قال: الله سَمَّاني؟! قال: ((نعم))، فَبَكَى. ويُرْوَى: أنه قَرَّأَ عليه: ﴿لَمْ يَكُنِ اٌلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ﴾ . ((عن أنسٍ - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله رَّخُ لأبي بن كعبٍ: إن الله تعالى أمرني أن أقرأ عليك القرآن)): قيل: أراد أن يحفظ أبيُّ من فمه الر؛ لأن الرواية بالسماع عن الأصل أقوى من القراءة عليه؛ لأنه أبعد من الغَلَط واحتمال الخطأ، وكان أبيٌّ مقدَّماً على قراء الصحابة. ((قال))؛ أي: أبي: ((الله سماني)): بتقدير حرف الاستفهام، ((قال: نعم، فبكى))؛ أي: أبيُّ ابتهاجاً وفرحاً من تسمية الله تعالى إياه بأمر القراءة، أو خوفاً من العجز عن قيام شكر تلك النعمة . (ويروى: أنه بَّهُ قرأ عليه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: ١])). ٤٨٧ قيل: تخصيص هذه السورة لأنها وجيزةٌ جامعةٌ لقواعد كثيرةٍ من أصول الدين وفروعه، والإخلاص، وتطهير القلب، فكان الوقت يقتضي الاختصار. وقيل: لأن فيها قصة أهل الكتاب، وأبيّ كان من علماء اليهود؛ ليعلم حال أهل الكتاب، وخطاب الله معهم. ٤٨٦٣ - عن أنسٍ ﴾ قال: جَمَعَ القرآنَ على عَهْدِ رسولِ اللهِوَّهِ أَرْبَعَةٌ: أُبَيُّ بن كَعْبٍ، ومُعاذٌ بن جَبَلٍ، وزَيْدُ بن ثابتٍ، وأبو زَيدٍ، قيلَ لأَنَسٍ: مَن أبو زَيدٍ؟ قال: أَحَدُ عُمُومتي. ((عن أنسٍ عَظُه قال: جمع القرآن على عهد رسول الله (وَلا9))؛ أي: حَفِظه في زمانه ((أربعةٌ: أبي بن كعبٍ ومعاذٌ بن جبلٍ وزيدٌ بن ثابتٍ وأبو زيدٍ)): قال التُّورِبشتي: المراد من الأربعة: من رهط أنسٍ وهم الخزرجيون، وإلا فقد جَمَعَ القرآن جمعٌ من المهاجرين، فلعل أنساً ذكر ذلك على سبيل المفاخرة. ((قيل لأنسٍ: من أبو زيدٍ، قال: أحد عمومتي)). ٤٨٦٤ - عن خَبَّاب بن الأَرَتِّ قال: هاجرْنَا معَ رسولِ اللهِوَ﴿ نَّتَغِي وَجْهَ الله فَوَقَعَ أَجْرُنا على الله، فمِنَّا مَن مَضَى لم يَأْكُلْ مِن أَجْرِهِ شَيْئاً، مِنْهم مُصْعَبُ بن عُمَيرٍ، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ فَلَمْ يُؤْجَدْ له ما يُكفَّنُ فيهِ إلا نَمِرَةَ، فَكُنَّا إذا غَطَيْنا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلاَهُ، وإذا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُه، فقالَ النَّبيُّ ◌َ﴿ه: ((غَُوا بها رَأْسَه، واجْعَلُوا على رِجْلَيْهِ مِن الإِذْخِرِ»، ومِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُه فهوَ يَهْدِبُها. (عن خَيَّاب بن الأرتَ﴾ قال: هاجرنا مع رسول الله وَّه نبتغي وجَه ٤٨٨ الله)؛ أي: نطلب رضاءه(١)، ((فوقع أجرنا على الله تعالى، فمنَّا من مضى))؛ أي: مات، «لم يأكل من أجره): وهو الغنيمة ((شيئاً)؛ يعني: لم يكن له من الدنيا ما يتمتع به؛ لأنه استشهد في سبيل الله، فبقي أجره كاملاً على الله تعالى في الآخرة. (منهم مصعب بن عميرٍ قُتل يوم أحدٍ فلم يوجد له ما يكفَّن فيه إلا نَمِرةٌ» - بفتح النون وكسر الميم - كل شَمْلةٍ مخطَّطةٌ من مآزر الأعراب، كأنها أُخذت من لون النمر لما فيها من السواد والبياض. ((فكنا إذا غطَّينا رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه، فقال رسول الله وَله: غطُّوا بها رأسه واجعلوا على رجليه من الإذخر، ومنا من أينعت))؛ أي: أَدْركت ونَضَجَت ((له ثمرته فهو يَهْدِبُها))؛ أي: يجنيها، يعني: ومنا من رجع سالماً غانماً. ٤٨٦٥ - عن جابرِ ﴿ُ قالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ نَّهِ قال: ((اِهْتَزَّ العَرْشُ لمَوْتٍ سَعْدٍ بن مُعاذٍ)). وفي روايةٍ: ((إِهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بن مُعاذٍ) . (عن جابرٍ ه قال: سمعت النبيَّ ◌َّ﴿ قال: اهتز العرش))؛ أي: تحرك ((لموت سعد بن معاذ))؛ اسعظاماً لموته، فإن العرب إذا عظَّموا أمراً نَسَبوه إلى أعظم الأشياء. ((وفي روايةٍ أخرى: اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ»: قيل: أي: ارتاح واستبشر بروحه حين صُعِد به لكرامته على الله تعالى، وقيل: أراد به (١) في ((غ)): ((رضا الله)). ٤٨٩ فرح أهلِ العرش وَحَملَته لقدوم روحه، فأقام العرشَ مقامَ حَمَلَته . ٤٨٦٦ - وعن البَرَاءِ ﴾ قال: أُهْدِيَتْ لرسولِ اللهِ وَلِ حُلَّةُ حَرِيرٍ، فَجَعَلَ أَصْحابُهُ يَمَشُّونَهَا ويَعْجَبُون مِن لِيْنِها، فقال: ((أَتَعجبُونَ مِن لِيْنِ هذهِ؟ لمَنَادِيلُ سَعْدِ بن معاذٍ في الجنَّةِ خَيْرٌ مِنْها وأَلَّيَنُ)). ((عن البراء ظُه قال: أهديت لرسول الله ◌َّهِ حُلَّة حريرٍ، فجعل أصحابه يمسونها ويتعجبون من لينها، فقال: أتعجبون من لين هذه، لمناديل سعد بن معاذ»: التي يمسح بها سعد يديه، ((في الجنة خيرٌ منها وألين))، وفيه تنبيهٌ على بعد المناسبة بين حُلل الدارين، حتى إن أرفع شيءٍ مِنْ هذه لا يقاوم أوضعَ شيء من تلك . ٤٨٦٧ - وعن أُمّ سُلَيْم أَنَّها قالت: يا رسولَ الله! أَنَسٌ خادِمُك، ادْعُ الله لهُ، قال: ((اللهمَّ! أَكْثِرْ مالَهُ وَوَلَدَهُ وباركْ لهُ فيما أعطيْتَه))، قال أَنَسٌ: فوالله إنَّ مالي لكثيرٌ، وإنَّ ولدِي ووَلَدَ ولِدِي لِيَتَعَادُّونَ على نحوِ الِمِئَةِ اليومَ. ((عن أم سليم - رضي الله عنها - أنها قالت: يا رسول الله! أنسٌ خادمك ادع الله تعالى له، قال: اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته)): قيل: فيه دليل لمن يفضل الغني على الفقير. وأجيب: بأنه مختصٌّ بدعاء النبي ◌َّر؛ لأنه قد بارك فيه، ومتى بارك فيه لم يكن فيه فتنةٌ، فلم يحصل بسببه ضرر ولا تقصير في أداء حق الله تبارك تعالی . ٤٩٠ ((قال أنس : فوالله إن مالي لكثيرٌ، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون اليوم))؛ أي: يزيدون في العدد ((على نحو المئة)). ٤٨٦٨ - وعن سَعْدٍ بن أبي وقَّاصٍ ﴾ قال: ما سَمِعْتُ النَّبيَّ نَّهِ يَقُولُ لأَحَدٍ يمشي على وَجْهِ الأَرْض: إِنَّه مِن أَهْلِ الجَنَّةِ، إلا لعَبْدِالله بن سلامٍ. ((عن سعد بن أبي وقاص ه قال: ما سمعت رسول الله وَهُ يقول لأحدٍ يمشي على وجه الأرض إنَّه من أهل الجنة إلا لعبدالله بن سلام)). ٤٨٦٩ - وقال عبدُالله بن سلام: رأَيتُ كأَنِّي في رَوْضَةٍ، وذَكَرَ مِن سَعَتِها وخُضْرتِها، وَسْطَها عَمُودٌ مِن حديدٍ، أَسْفَلُهُ في الأَرْضِ وأَعْلاهُ في السَّماءِ، في أعلاهُ عُروةٌ، فقيل لي: ارْقَهُ، فقُلْتُ: لا أسْتَطِيعُ، فأتاني مِنْصَفٌ فَرَفَعَ ثِابِي مِنْ خَلْفِي، فَرَقَيْتُ حتَّى كُنْتُ فِي أَعْلاهَا فأخذتُ بالعُرْوَةِ، فاسْتَيْقَظْتُ وإنها لفي يَدِي، فقصَصْتُها على النَّبِيِّ نَّهِ فقالَ: ((تلكَ الرَّوْضَةُ الإِسْلاَمُ، وذلكَ العَمُودُ عَمُودُ الإِسْلامِ، وتِلْكَ العُرْوَةُ الوُثْقَى، فأنتَ على الإِسْلاَمِ حَتّى تَمُوتَ)). ((وقال عبدالله بن سلام: رأيت)) من الرؤيا ((كأني في روضةٍ، ذكر))؛ أي: عبدالله بن سلام ((من سَعَتها وخضرتها، وسطها)) - بالنصب - على أنه ظرف خبر مبتدأ، وهو ((عمود من حديد، أسفله في الأرض، وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة)): هي عروة القميص والكُوز والدَّلو، ويستعار لما يوثق به ويعوَّل علیه، وهو المراد هنا. ((فقيل لي ارِقِهُ)): أمرٌ مِنْ رقى يرقي: إذا صعد، والهاء للسكت، ويجوز ٤٩١ أن يعود إلى العمود. ((فقلت: لا أستطيع، فأتاني مِنصَف)) - بكسر الميم وفتح الصاد -؛ أي: خادم، ((فرفع ثيابي من خلفي فرقيتُ حتى كنت في أعلاها، فأخذت بالعروة فاستيقظتُ وإنها لفي يدي، فقصصْتُها على النبي ◌َّ فقال: تلك الروضة الإسلام، وذلك العمود عمود الإسلام، وتلك العروة العروة الوثقى، فأنت على الإسلام حتى تموت)). ٤٨٧٠ - وعن أنسٍ ظُه قال: كانَ ثَابتُ بن قَيْسِ بن شَمَّاسِ خطيبَ الأَنْصَارِ، فلمَّا نزلَتْ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ، جَلَسَ ثابتٌ في بيتِهِ، واحتبَس عن النَّبيِّ وَهُ، فَسَأَلَ النبيُّ ◌َّهِ سَعْدَ بن مُعاذٍ فقال: ((ما شأنُ ثابتٍ؟ أَيَشْتكي؟))، فأَتَاهَ سَعْدٌ، فذكرَ لهُ قولَ رسولِ الله ◌ِصَّهِ، فقالَ ثابتٌ: أُنزِلَتْ هذهِ الآيةُ، ولقدْ عَلِمْتُم أَنِّي مِن أَرْفَعِكُمْ صَوْتاً على رسولِ اللهِ﴿، فأنا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فذكرَ ذلك سَعْدٌ لِلنَّبِيِّ وَ﴿ فقالَ رسولُ الله: (بل هوَ مِن أَهْلِ الجَنَّةِ)). ((عن أنس قال: كان ثابت بن قيس بن شَمَّاس خطيبَ الأنصار)»: أي: مقدَّمهم ورئيسهم، ((فلما نزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ﴾ [الحجرات: ٢] إلى آخر الآية، جلس ثابت في بيته، واحتبس عن النبي ◌َّ)؛ أي عن الخطبة عند ذلك، ولم يتردّد إلى النبي ◌َّ . ((فسأل النبيُّ ونَ﴿ سعد بن معاذ فقال: ما شأنُ ثابت، أيشتكي؟)): أي: أَبهِ مرض، «فأتاه سعد فذكر له قول النبي ◌ّله، فقال ثابت: أنزلت هذه الآية ولقد علمتم أني مِنْ أرفعكم صوتاً على رسول الله وَّه، فأنا من أهل النار، فذكر ٤٩٢ ذلك سعدٌ للنبيِ وَ﴾، فقال رسول الله صل﴾: بل هو من أهل الجنة)). ٤٨٧١ - وعن أبي هُرِيرَةَ ﴾ قال: كُنَّا جُلوسَاً عِنْدَ النَّبيِّ وَّهِ إِذْ نزلَتْ سُوْرَةُ الجُمُعةِ، فَلَمَّا نزلَتْ هذِهِ: ﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾ قالوا: مَن هؤلاءِ يا رسولَ الله؟ قالَ: وفينَا سَلْمَانُ الفارسيُّ، قالَ: فَوَضَعَ النبيُّ نَّهِ يدَهُ على سَلْمانَ ثُمَّ قال: ((لو كانَ الإِيمانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ مِن هؤلاءِ». ((عن أبي هريرة ه قال: كنا جلوساً عند النبي ◌َّ إذا نزلت سورة الجمعة، فلما نزلت: ﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣])»: هذا على أن يكون (آخرين) عطفاً على الأميين، يعني: أنه تعالى بعثه في الأميين الذين على عهده، وفي آخرين من الأميين لم يلحقوا بهم، وسيلحقون بهم وهم الذين بعد الصحابة . ((قالوا: مَنْ هؤلاء يا رسول الله؟ قال))؛ أي أبو هريرة: ((وفينا سَلْمان الفارسي، قال: فوضع النبيُّ نَّ ر يده على سلمان ثم قال: لو كان الإيمان معلقاً بالثريا» - وهو نجم معروف - ((لناله)): أي لوجده ((رجال من هؤلاء))، وقال الحسن: يريد بهم العَجَم لوقوعهم في مقابلة الأميين . وقال عكرمة: يريد بهم فارس الروم. والمراد: المبالغة في انقيادهم للإسلام والإيمان، يعني: لو صور الإيمان عَيناً وكان بعيداً غاية البعد لَتنَاوله ووصل إليه رجالٌ منهم ببذل مجهودهم. ٤٨٧٢ - وعن أبي هُرِيرَةَ ﴿ُهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَِّ: ((اللهمَّ! حَببْ ٤٩٣ عُبَيْدَكَ هذا - يعني: أبا هريرةَ - وأُنَّه إلى عِبادِكَ المُؤْمنينَ، وحَببْ إليهم المُؤْمنينَ)) . ((عن أبي هريرة ﴿ه قال:، قال رسول الله وَّر: اللهم حبب عُبيدك هذا - يعني: أبا هريرة - وأمَّه إلى عبادك المؤمنين، وحبب إليهما المؤمنين)). ٤٨٧٣ - وعن عائِذٍ بن عَمْروٍ: أنَّ أبا سُفْيانَ أتى على سَلْمَانَ وصُهَيْبٍ وبلالٍ في نَفَرٍ فقالوا: ما أَخَذَتْ سُيوفُ الله مِن عُنُقٍ عَدُوِّ الله مَأْخَذَها، فقالَ أبو بكرٍ: أتقولونَ هذا لشيخِ قُرَيشٍ وسيدِهم! فَأَتَى النَّبيَّ ◌َّهِ فأخبرَهُ فقال: ((يا أبا بكرٍ! لعلَّكَ أَغْضَبْتَهُم، لئنْ كنتَ أَغْضَبْتَهُم لقد أغضبْتَ رَبَّكَ))، فأتَاهُم فقال: يا إخْوَتَاهُ! أَغضبتُكم؟ قالوا: لا، يغفرُ الله لكَ يا أُخَيَّ !. ((عن عائذ بن عمرو: أن أبا سفيان أتى على سلمان، وصهيب، وبلال في نفر)): قيل: كان إتيانه بعد صلح الحديبية وهو كافر، وقيل: كان بعد إسلامه . ((فقالوا)): لإحساسهم منه آثار النفاق: ((ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مآخذها)) - بالقصر وفتح الخاء وبالمد، أو کسر الخاء - يريدون به أبا سفيان حین لم يقتل يوم بدر . ((فقال أبو بكر: أتقولون هذا الشيخ قريش وسيدهم، فأتى))؛ أي: أبو بكر ((النبيَّ ◌َ﴿، فأخبره، فقال))؛ أي: النبي ◌َّ: ((يا أبا بكر! لعلك أغضبتهم لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربَّك))، وفيه فضيلة لهم حيث كان غضبهم سبباً لغضب ربهم، وتنبيه على إكرام ضعفاء الصالحين والاتقاء من قلوبهم. ((فقال))؛ أي: أبو بكر لسلمان وصهيب وبلال: ((يا إخوتاه! أغضبتكم؟ ٤٩٤ قالوا: لا))؛ أي: ما أغضبتنا ((يغفر الله لك)) بدون الواو، ومقتضى البلاغة إتيانها، روي أن أبا بكر نهى عن هذه الصيغة فقال: قل لا، ويغفر الله لك. (يا أخي)): الظاهر أن يقال: يا أخانا، ولعله حكاية قول كل أحد، ضبطوه بضم الهمزة على التصغير، وهو تصغيرُ تحبيبٍ، وفي بعض النسخ بفتحها . ٤٨٧٤ - عن أنسٍ ﴿ه، عن النَّبِيِّ وَ﴿ِ قالَ: ((آيَةُ الإِيمانِ حُبُّ الأَنْصَارِ، وآيةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ)) . ((عن أنس ظ عن النبي)) وَّر، ((قال: آية الإيمان))؛ أي علامته ((حب الأنصار، وآية النفاق بغضُ الأنصار))، وإنما قال في حقهم كذلك؛ لأنهم تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم؛ يعني: توطَّنوا المدينة، واتخذوها دار الهجرة وأسلموا في ديارهم، وآثروا الإيمان وبنوا المساجد قبل قدوم النبي عليه الصلاة والسلام. ٤٨٧٥ - وعن البَرَاءِ ﴿ُه قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَلِ يقولُ: ((الأَنْصَارُ لا يُحِبُّهم إلا مُؤْمِنٌ، ولا يُغِضُهم إلا منافقٌ، فمَن أَحَبَّهمِ أَحَبَّهُ الله، ومَن أَبْغَضَهُم أبغَضَهُ الله)). (عن البراء ه قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: الأنصار لا يحبُّهم إلا مؤمن، ولا يُبغضهم إلا منافق، فمن أحبَّهم أحبَّه الله تعالى))، وذلك من كمال علامة إيمانهم، ((ومن أبغضهم أبغضه الله))، فذلك من علامة نفاقهم . ٤٩٥ ٤٨٧٦ - عن أَنَسِ : أنَّ ناساً مِن الأَنْصارِ قالوا حينَ أفاءَ الله على رسولِهِ مِن أموالِ هَوَازِن ما أفاءَ، فطَفِقَ يُعْطِي رِجالاً مِن قُرَيشِ المِئَّةَ مِن الإِبلِ، فقالوا: يَغْفِرُ الله لرسولِ الله ◌َِّ، يُعطِي قُرَيشاً ويَدَعُنا وسُيُونُنا تَقْطرُ مِن دِمائِهِم؟ فحُدِّثَ رسولُ اللهِ وَّهِ بِمَقَالَتِهِم، فَأَرْسَلَ إلى الأَنْصَارِ فَجَمَعَهم في قُبَّةٍ مِن أَدَم ولَمْ يَدْعُ معَهم أَحَداً غيرَهم، فلمَّا اجْتَمَعُوا جاءَهم رسولُ اللهِ فقالَ: ((ما حَديثٌ بلغَنِي عَنْكم؟))، فقالَ له فُقَهاؤُهم: أمَّا ذَوُو رَأْينَا يا رسولَ الله! فَلَمْ يقولوا شيئاً، وأمَّا أُنَاسٌ مِنَّا حَديثةٌ أَسْنانُهم قالوا: يَغْفِرُ الله لرسولِ الله، يُعطي قُرَيشاً ويَدَعُ الأَنْصارَ وسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِن دِمائِهِم؟ فقالَ رسولُ اللهِوَّهِ: ((إنِّي أُعْطِي رِجالاً حديثي عهدٍ بكُفْرٍ أَلَّفُهم، أَمَا تَرْضَوْنَ أنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالأَمْوالِ وتَرْجِعونَ إلى رحالِكم برسولِ الله؟))، قالوا: بلى يا رسولَ الله! قد رَضيناً. ((وعن أنس ظه: أن ناساً من الأنصار قالوا حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء، فطَفِقَ يعطي رجالاً من قريش المئة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله وَل﴿، يعطي قريشاً ويدعنا))؛ أي: يتركنا من العطاء، ((وسيوفنا تقطُر من دمائهم، فحُدِّث رسولُ اللهِ وَّر بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أَدَم، ولم يدع معهم أحداً غيرهم(١))؛ أي: لم يترك غير الأنصار أن يدخل في القبة مع الأنصار. ((فلما اجتمعوا، جاءهم رسولُ الله ◌َّر فقال: ما حديث))؛ أي: أيُّ حديثٍ ((بلغني عنكم؟ فقال فقهاؤهم)؛ أي: ساداتهم وعقلاؤهم. ((أما ذوو رأينا يا رسول الله، فلم يقولوا شيئاً، وأما أناس منا حديثة أسنانهم)): جمع سن؛ يعني: شبابنا، ((قالوا: يغفِرُ الله لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، يعطي قريشاً ويدع الأنصار، وسيوفنا تَقْطُر من دمائهم، فقال (١) في ((غ)): ((ولم يدع خيرهم)). ٤٩٦ رسول الله ◌َي: إني أعطي رجالاً حديثي عهدٍ بكفر))؛ أي قريبي العهد إلى الإسلام. ((أتألفهم))؛ يعني: ليكون ذلك موجباً لألفتهم على الإسلام، ((أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعون إلى رحالكم))؛ أي منازلكم . (برسول الله ێ))؛ أي برضائه. «قالوا: بلی یا رسول الله قد رضینا)). ٤٨٧٧ - وقالَ: ((لولا الهِجْرَةُ لكُنْتُ امْرَأَ مِن الأَنْصَارِ، ولو سَلَكَ النَّاسُ وادِياً أو شِعْباً وسَلَكَتِ الأَنْصَارُ وادِياً أو شِعْباً لَسَلَكْتُ وادِيَ الأَنْصَارِ وشِعْبَها، الأَنْصارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ، إنَّكم سَتَرَوْنَ بعدي أَثَرَةً فاصبرُوا حَتَّى تَلْقَوْني على الحَوْضِ». ((وقال: لولا الهجرة كنت امراً من الأنصار)): المراد منه: إكرام الأنصار، والتعريض بأن لا رتبة بعد الهجرة أعلى من النصرة، وبيان أنهم بَلَغوا مبلغاً لولا أنه صلى الله تعالى عليه وسلم من جملة من هاجر من مكة لَعَدَّ نفسَه منهم . ((ولو سلك الناس وادياً، وسلكت الأنصار وادياً أو شعباً)، وهو بكسر الشين: الطريق في الجبل. (لسلكت وادي الأنصار وشعبها)): أراد بهما حقيقتهما لكثرتهما في أرض الحجاز، أو المراد اختيار موافقتهم، ومرافقتهم على غيرهم تطبيباً لقلوبهم. ((الأنصار شِعار)) وهو بكسر الشين: ثوب يلي الجسد. ((والناس دِثار))، وهو بكسر الدال: ما كان فوق الشعار، شبَّههم بالشعار ٤٩٧ لكون مودتهم راسخة في باطنه، وكونهم أقرب الناس إليه كقرب الشِّعار من البدن، ولأنهم كانوا ذوي الأسرار كخفاء الشِّعار من الدِّثار. ((إنكم ستلقون بعدي أثرة))، وهو بالفتحات: اسم من الاستئثار، يعني: أمراؤكم تُفَضل عليكم مَنْ هو أدناكم، ((فاصبروا))؛ أي على هذه الشدة، ولا تخالفوهم، ((حتى تلقوني على الحوض)). ٤٨٧٨ - عن أبي هُرِيرَةَرَه قال: كُنَّ معَ رسولِ الله ◌ِ ◌ّهِ يومَ الفَتْحِ فقالَ: (مَن دَخَلَ دارَ أبي سُفْيانَ فهوَ آمِنٌ، ومَن أَلقَى السِّلاحَ فهوَ آمِنٌ»، فقالَتِ الأَنْصارُ: أَمَّا الرَّجُلُ فقد أَخَذَتْهُ رَأْفٌ بعشيرَتِهِ ورغبةٌ فِي قَرْيَتِهِ، ونزلَ الوحيُّ على رسولِ الله وَّهِ، قالَ: ((قلتُم: أَمَّا الرَّجلُ أخذَتْهُ رأفةٌ بعشيرَتِهِ ورغبةٌ في قَرْيَتِهِ، قال: كلا! إنِّي عَبْدُالله ورسولُه هاجَرْتُ إلى الله وإليكم، المَحْيَا مَخْيَاكُم، والمَمَاتُ مَمَاتُكم))، قالوا: والله ما قُلْنَا إلا ضئاً بالله ورسولِهِ، قال: ((فإنَّ الله ورسولَه ◌ُصَدِّقانِكم ويَعْذِرَانِكم)). ((عن أبي هريرة قال: كنا مع رسول الله وَّ﴿ يوم الفتح، فقال: مَنْ دخل دار أبي سفيان فهو آمن))، قيل: كان النبي ◌َّه إذا أوذي بمكة فدخل دار أبي سفیان کان آمناً فجازاه بمثل ذلك. ((ومَنْ ألقى السلاح فهو آمن))، وفيه دلالة على أن فتح مكة كان عَنْوة، لأن لفظ ((آمن)) إنما يستعمل في القهر. ((فقالت الأنصار: أما الرجل)): يريد به النبي ◌َّر، ((فقد أخذته رأفة))؛ أي رحمة وشفقة، ((بعشيرته))؛ أي قبيلته، ((ورغبة في قريته))؛ يعني مكة شَرَّفها الله تعالی . ٤٩٨ ((فنزل الوحيُّ على رسول الله وَّ﴿ قال: قلتم أما الرجل فقد أخذته رأفةٌ بعشيرته، ورغبة في قريته، كَلاَّ)، حرف ردع، أي: ليس الأمر كما توهَّمتم من إقامتي بمكة، بل هجرتي كانت إلى الله تعالى. ((إني عبدُ الله ورسوله))؛ يعني: كوني على هذه الصفة يقتضي أن لا أرغبَ إلى بلدة هاجرت منها بأمر الله تعالی. ((هاجرت إلى الله وإليكم))؛ يعني: قصدت في الهجرة إلى ثواب الله تعالى، وإلى دياركم، فلا أرجعُ عن الهجرة الواقعة لله تعالى. ((المَحيًّا مَحياكم، والمَمَات مماتکم))؛ يعني: قصدي أن أحيا في بلدكم وأموت فيها ولا أفارقكم، ((قالوا: والله! ما قلنا إلا ضَنَّاً بالله ورسوله))؛ أي بخلاً وضنَّة بما أنعم الله تعالى علينا من شرف الجوار، والصحبة بك، وخشية على فَوت ذلك بميلك إلى أهلك. ((قال: فإن الله ورسوله يصدّقانكم ويَعْذُرانكم))؛ أي يَقْبلان اعتذارَكم فيما تقولون من دعوى الضنة . وفيه دلالة على جواز البخل بالعلماء والصلحاء، وعدم الرضا بمفارقتهم. ٤٨٧٩ - وعن أَنَسٍ ﴿هِ: أنَّ النَّبِيَّ وَّهِ رَأَى صِبْياناً ونساءً مُقْبلينَ مِن عُرْسٍ، فقامَ النبيُّ نَ﴿ فقالَ: ((اللهمَّ! أنتُم مِن أَحَبِّ النَّاسِ إليَّ، اللهمَّ! أنْتُم مِن أَحَبِّ الناسِ إليَّ، اللهمَّ! أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النّاسِ إِلَيَّ))، يعني: الأنصارَ. (عن أنس : أن النبي (وَ ل﴿ رأى صبياناً ونساء مقبلين))؛ أي حال كونهم متوجهين ((من عرس)) - بضم العين -: طعام الوليمة. ((فقام رسول الله وٍَّ فقال ◌َّهِ: اللهم أنتم مِنْ أحبِّ الناس إليَّ، اللهم أنتم ٤٩٩ مِنْ أحب الناس إلي))، كرره للتأكيد في محبتهم؛ ((يعني: الأنصار)). ٤٨٨٠ - عن أنسٍ قال: مَرَّ أبو بَكْرٍ والعَبَّاسُ ظْ﴾ بمَجْلِسٍ مِن مجالسٍ الأَنْصارِ وهم يَيْكُونَ فقال: ما يُنْكِيكُم؟ قالوا: ذكَرْنَا مَجْلِسَ النَّبِيِّ لَّهِ مِنَّاً، فَدَخلَ على النَّبِيِّ وَ﴿ فَأَخْبَرَهُ بذلكَ، فَخَرَجَ النبيُّ نَّهِ وقد عَصَّبَ على رأسِه حاشِيَةَ بُرْدٍ، فَصَعَدَ المِنْبَرَ ولم يَصْعَدْ بعدَ ذلكَ اليَوْمِ، فَحَمِدَ الله وأثنَى عليهِ ثم قال: ((أوصِيْكُم بالأَنْصارِ، فإنَّهم كَرِشي وعَيْبَتي، وقد قَضَوْا الذي عليهم وبقيَ و الذي لهم، فاقبلُوا مِن مُحْسِهِم، وتجاوَزُوا عن مُسِيئِهم)). ((عن أنس قال: مرَّ أبو بكر والعباس بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون، فقال: ما يبكيكم؟ فقالوا: ذكرنا مجلسَ النبيِّ ◌َ﴿ منا فدخل أحدهما على النبي ◌َّ﴿ فأخبره بذلك، فخرج النبيُّ بِّهِ وقد عَصَب على رأسه حاشيةَ بُرْدٍ، فصعِدَ المنبر، ولم يصعد بعد ذلك اليوم، فحمِدَ الله تبارك وتعالى وأثنى عليه، ثم قال: أُوصيكم بالأنصار، فإنهم كَرشي))، الكرش: الجماعة؛ يعني: هم جماعتي الذين أثق بهم في أموري، ((وعَيبتي))، العيبة: ما يجعل فيه الثياب، والمراد هنا: خاصتي وموضع سِرِّي، كما أن عَيبة الرجل موضع يحرز متاعه وثيابه، والعرب تكنِّي عن القلب والصدر بالعَيبة. ! ((وقد قَضَوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم))؛ أي من الأجر والثواب عند الله . ((فاقْبلوا من محسنهم، وتجاوزوا))؛ أي اعفوا ((عن مسيئهم))، والمراد بذلك فیما سوی الحدود. ٥٠٠