النص المفهرس

صفحات 361-380

جلس مقعياً، وهو: أن يجلس على وركيه، وينصب يديه.
((واستثفرا؛ أي: أدخل ذنبه بين رجليه.
((وقال: عمدت إلى رزقٍ رزقنيه الله، أخذته، ثم انتزعته مني، فقال
الرجل: تالله إن رأيتُ كاليوم)؛ أي: ما رأيت أعجوبةً كأعجوبةِ اليوم، فخُذِف
الموصوف، وأُقيمت الصفة مقامه، ثم حُذِف المضاف، وأقيم المضاف إليه
مقامه، وقيل: معناه وتقديره: ما رأيت ذئباً يتكلم مثل الذئب الذي رأيته في
اليوم.
(ذئب)): خبر مبتدأه محذوف، كأنه قيل: وأي شيءٍ هو؟ فقال: هو
ذئب .
(يتكلم فقال الذئبُ: أَعْجَبُ من هذا رجلٌ في النَّخَلات بين الحرّتین)»؛
أي: بين الحجرين، والحرةُ: حجارة سُود بين جبلين.
((يخبركم بما مَضَى وما هو كائنٌ بعدكم، قال: فكان الرجل يهودياً فجاء
إلى النبيِّ نَّهِ فأخبره وأسلم فصدَّقه النبيُّ وَّهِ، ثم قال: إنها))؛ أي: إن الحال
التي رأيتُها ((أمارات))؛ أي: علامات ((بين يدي الساعة قد أوشك الرجل))؛ أي:
قرب «أن يخرجَ فلا يرجع حتى تحدَّثَه نعلاه وسوطه بما أحدث أهله بعده))؛
أي: بعد أن يخرج.
٤٦٤٤ - عَنْ أبي العَلَاءِ عَنْ سَمُرَةَ بن جُنْدَبٍ ﴿ه قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ◌َه
نَتَداول منْ قَصْعَةٍ مِنْ غُدْوَةٍ حَتَّى اللَّيلِ، تَقُومُ عَشَرَةٌ وَتَقْعُدُ عَشَرَةٌ، قُلنا: فَمَا
كانتْ تُمَدُّ؟! قَالَ: مِنْ أيِّ شَيءٍ تَعْجَبُ؟ ما كانتْ تُمَدُّ إِلَّ مِنْ هَاهُنَا، وأَشَارَ
بيدِهِ إِلى السَّماءِ.
٣٦١

((عن أبي العلاء، عن سمرة بن جندَب ظلها: قال: كنا مع رسول الله وَّ
نتداولُ من قصعةٍ))؛ أي: نتناوب بأكل الطعام منها .
«من غدوةٍ حتى الليل)»؛ يعني: طولَ النهار.
(تقوم عشرة وتقعد عشرة، قلنا: فما كانت تُمد))، على صيغة المجهول؛
من الإمداد؛ أي: فأي شيء كانت القصعة تُزاد طعاماً، يعني: من أين يكثُر
الطعام فيها طولَ النهار.
((قال))؛ أي: النبيُّ بَلٍ: ((من أي شيء تعجب))؛ يعني: لا تعجب.
(«ما كانت تُمد إلا من هاهنا، فأشار بيده إلى السماء))؛ يعني: لا يكون
كثرة الطعام فيها إلاّ من عالم القُدرة بنزول البركة فيما فيها منه.
٤٦٤٥ - عَنْ عبدِ الله بن عَمْرِو ◌َ﴿: أَنَّ نبِيَّ اللهِ﴿ِ خَرَجَ يومَ بَدْرٍ في
ثَلاَثِ مِثَّةٍ وخَمْسةَ عَشَرَ، فقال: ((اللهمَّ! إنَّهُمْ حُفاةٌ فاحْمِلْهُمْ، اللهمَّ إِنَّهُمْ عُراةٌ
فاكْسُهُمْ، اللهمَّ إِنَّهُمْ جِياعٌ فَأَشْبِعْهُمْ)، ففَتحَ الله لَهُ، فانقَلَبوا وما منهُمْ رَجُلٌ إِلاَّ
وقَدْ رَجَعَ بَجَمَلٍ أو جَمَلَيْنِ، واكْتَسَوا وشَبعوا.
(عن عبدالله بن عمرو ﴾: أن النبي ونَ﴾ خرج يوم بدرٍ في ثلاث مئة
وخمسة عشر)) رجلاً، ((فقال: اللهم إنهم حفاة): جمع الحافي ((فاحملهم))؛
أي: أعطِ كلّ واحدٍ منهم المركوب.
((اللهم إنَّهم عُراة)): جمع العاري ((فاكسهم))؛ أي: أعطهم كساء.
(اللهم إنَّهم جياع)): جمع الجائع ((فأشبعهم، ففتح الله له))؛ أي: للنبي زيل
((فانقلبوا))؛ أي: انصرفوا ((وما منهم رجلٌ إلاّ وقد رجع بجملٍ أو جملين واكتسوا
وشَبعوا)).
٣٦٢

٤٦٤٦ - عَنِ ابن مَسْعُودٍ ﴾، عَنْ رَسُولِ اللهِوَ﴿ه قال: ((إنّكُمْ مَنصورُونَ
ومُصِيْبُونَ ومَفتوحٌ لَكُمْ، فمَنْ أَدْرَكَ ذلكَ منكُمْ فِليَتَّقِ الله، ولْيأُمُرْ بالمَعْروفِ،
ولْيَنْهَ عَنِ المُنكَرِ)).
((عن ابن مسعودٍ ﴿ عن رسول الله وَلفي قال: إنكم منصورون)): على
الأعداء، ((ومصيبون))؛ أي: الغنيمة، ((ومفتوحٌ لكم))؛ أي: يفتح لكم البلاد
الكثيرة .
((فمن أدرك ذلك منكم فليتقِ الله وليأمُرْ بالمعروف ولْيَتْهَ عن المنكر)»،
قيل: أي: عن الغُلول.
٤٦٤٧ - وَعَنْ جَابرٍ ﴿هِ: أنَّ يَهودِيَّةً مِنْ أَهلِ خَيْبَرَ سَمَّتْ شَاءً مَصْلِيَّةً،
ثمَّ أهدَتْها لِرَسُولِ اللهِوَهُ فَأَخذَ رَسُولُ اللهِ وَهِ الذِّرَاعَ فَأَكَلَ منها، وأكلَ رَهْطٌ منْ
أَصْحَابهِ معهُ، فقالَ رسولُ اللهِ: ((ارْفَعوا أيْدِيَكُمْ))، وأَرْسَلَ إلى اليهودِيَّةِ،
فدَعَاها فقال: ((سَمَمْتِ هذِه الشاةَ؟))، فقالت: مَنْ أخبَرَكَ؟ فقال: ((أخبَرَنِي هذِه
في يَدِي))، يَعني: الذُّراعَ، قالتْ: نَعَمْ، قلتُ: إنْ كانَ نَبَيًَّ فلنْ يَضُرَّهُ، وإنْ لمْ
يكُنْ نبيّاً اسْتَرَحْنا منهُ، فعفَا عَنْهَا رَسُولُ اللهِِّ ولمْ يُعاقِبْها .
((عن جابر ﴿ه: أن يهوديةً))، وهي زينب بنت الحارث ((من أهل خيبر
سَمَّت شاةً))؛ أي: جعلت فيها سماً.
((مَصْلِيَّة))؛ أي: مشوية؛ من صليت اللحم - بتخفيف اللام -: شويته
بالصَّلا، وهي النار.
(ثم أهدتها لرسول الله ◌َ، فأخذَ رسولُ اللهِوَ﴿ الذراعَ فأكل منها، وأكل
رهطٌ من أصحابه معه، فقال رسولُ اللهِ نَّه: ارفعوا أيديكم، وأرسل إلى
٣٦٣

اليهوديّة فَدَعاها، فقال: سَمَمْتِ هذه الشاةَ؟ فقالت: مَنْ أخبرك؟! قال:
أخبرتني هذه في يدي)): حال من (هذه)؛ أي: مستقرةً فيها.
((الذراع)): خبر مبتدأ محذوف.
((قالت: نعم، قلت: إن كان نبياً فلن يضرّه، وإن لم يكن نبياً استرحنا
منه، فعفى عنها))؛ أي: عن هذه المرأة ((رسولُ الله بَّيِ، ولم يعاقبها)).
وفي رواية: ((أنه وَّ﴿ أمر بقتلها فَقْتلت)).
وجه التوفيق بين الروايتين: أنه عفا عنها أولاً، ثم لما مات بِشْر بن البراء
من الأكلة التي ابتلعها أَمَرَ بَّ بقتلها، فقُتلت في الحال.
٤٦٤٨ - عَنْ سَهْلِ بنِ الحَنْظَلِيَّةِ: أنَّهُمْ سَارُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ يَومَ
حُنَيْنٍ، فَأَطْنَبُوا السَّيْرَ حَتَّى كَانَ عَشِيَةً، فَجَاءَ فَارِسٌ فقال: يا رَسُولَ الله! إنِّي
طَلِعْتُ عَلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذا، فإذا أَنَا بِهَوَازِنَ على بَكْرَةٍ أَبِهِمْ بِظُعُنِهِمْ وَنَعَمِهِمْ،
اجْتَمَعُوا إِلَى حُنَيْنٍ، فتبسَّمَ رَسُولُ اللهِ ◌ّه وقال: ((تِلكَ غَنِيمَةُ المُسلِمِينَ غداً إِنْ
شَاءَ الله))، ثُمَّ قال: ((مَنْ يَحْرُسُنَا الَّليلةَ؟))، قالَ أَنَسُ بن أبي مَرْثَدِ الغَنَوِيُّ: أَنَا يا
رَسُولَ الله! قال: ((اركَبْ))، فركِبَ فَرَساً لهُ فقال: ((استقْبلْ هذا الشِّعْبَ حتَّى
تكونَ في أَعْلَاهُ»، فلمَّا أَصْبَحْنا خَرَجَ رَسُولُ اللهِنَ ◌ّهِ إِلى مُصَلاَ، فركَعَ رَكَعَتَيْن ثُمَّ
قال: ((هلْ حَسِسْتُمْ فارِسَكُمْ؟))، فقالَ رَجُلٌ: ما أَحْسَسْنا، فتُوَّبَ بِالصَّلاة،
فجعَل رَسُولُ الله ◌َّهُ وهو يُصلي يَلْتَفِتُ إلى الشِّعْبِ، حتى إذا قَضَى الصَّلاةَ
قال: ((أبشِروا فقدْ جاءَ فارِسُكُمْ))، فجعَلْنا نَنْظُرُ إلى خِلالِ الشَّجرِ في الشِّعْبِ،
وَإِذَا هُوَ قَدْ جاءَ حتَّى وَقَفَ على رَسُولِ اللهِّه فقال: إِنِّي انطلَقْتُ حتَّى كُنْتُ في
أَعْلَى هذا الشِّعْبِ حَيْثُ أمرَنِي رَسُولُ اللهِّهِ، فلمَّا أَصبحْتُ طَلَعْتُ الشِّعْبَيْنِ
٣٦٤

كليهما فلمْ أَرَ أَحَداً، فقالَ لهُ رسولُ اللهِّهِ: ((هلْ نزِلْتَ الليلةَ؟»، قال: لا، إلاَّ
مُصَلِّياً أوْ قَاضِيَ حَاجَةٍ، قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((فلا عَلَيْكَ أنْ لا تَعْمَلَ بَعْدَها)).
(وعن سهل بن الحَنْظلية: أنهم ساروا مع رسول الله وَ له يومَ حُنينٍ فأطنبوا
السير))؛ أي: بالغوا فيه وأطالوه.
((حتى كان عشية، فجاء فارسٌ فقال: يا رسول الله! إنّي طَلَعت على جبل
كذا))؛ أي: أتيته، ((فإذا أنا بهوازن)) قبيلة من قيس ((على بَكْرة أبيهم))؛ أي:
جاؤوا بأجمعهم، يقال: جاؤوا على بَكْرة أبيهم: للجماعة إذا جاؤوا جميعاً بلا
تخلُّف أحدٍ منهم.
((بُعُنهم)): الطَّعْن - بضم الظاء المعجمة وسكون العين المهملة - جماعة
الرجال، أو النساء الذين يظعنون، والمراد بها الهودج معهنَّ.
((ونعمهم اجتمعوا إلى حُنين، فتبسَم رسولُ اللهِضَ ﴿ وقال: تلك غنيمةٌ
المسلمين غداً إن شاء الله، ثم قال: مَنْ يحرسنا))؛ أي: مَنْ يكون حارساً لنا
((الليلة؟ قال أنس بن أبي مرثد الغَنَوي: أنا يا رسول الله، قال: اركب، فركب
فرساً له فقال: استقبلْ هذا الشِّعب))، وهو بالكسر: الطريق في الجبل.
((حتّى تكون في أعلاه، فلمَّا أصبحنا خرج رسولُ الله ◌َّل إلى مصلاً،،
فرکی رکعتین، ثم قال: هل حسستم))؛ أي: هل أدركتم بالحر ((فارسكم))، یرید
به: أنس بن أبي مرثد الغنويّ الذي أرسله ليتفخَّص عن حال العدو.
((فقال رجل: يا رسول الله! ما أحسسنا، فَُوِّبَ بالصلاة))؛ أي: أقيم بها،
((فجعل))؛ أي: طَفِقِ ((رسولُ اللهِ وَّ وهو يصلّي)): الواو للحال؛ أي: حال كونه
مصلِّياً ((يلتفت إلى الشِّعب))، وفيه دليل على أن الالتفات في الصلاة لا يُبُطلها.
((حتّى إذا قضى الصلاة))؛ أي: فَرَغْ منها ((قال: أبشِروا، فقد جاء
فارسُكم، فجعلنا ننظُر إلى خِلال الشَّجر في الشِّعب، فإذا هو قد جاء حتى
٣٦٥

وقف على رسول الله ﴿، فقال: إنِّي انطلقت حتى كنت في أعلا هذا الشِّعب
حيث أمرني النبي وَليه، فلما أصبحت طلعت الشِّعبين كليهما، فلم أر أحداً،
فقال له ◌َّهُ: هل نزلتَ الليلة))؛ أي: عن فرسك؟ ((قال: لا، إلا مصلِّياً أو
قاضيَ حاجةٍ، قال رسول الله وَله: فلا عليكَ أن لا تعمل بعدها))؛ أي: فلا بأس
عليك في ترك العمل الصالح سوى الفرائض بعد هذه الليلة؛ لأنه قد حَصَل لك
فضيلة كافية، وهذه بشارةٌ له منه إليه بأن الله قد غفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر.
٤٦٤٩ - وعن أبي هُريْرَةَ ﴾ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ وَلَهَ بَتَمَرَاتٍ فَقُلْتُ:
يَا رَسُولَ الله! ادْعُ الله فيهِنَّ بِالبَرَكَةِ، فضَمَّهُنَّ ثُمَّ دَعا لِي فيهنَّ بِالبَرَكَةِ، قال:
((خُذهُنَّ فاجعَلْهُنَّ فِي مِزْوَدِكَ، كُلَّمَا أَرَدْتَ أَنْ تأخُذَ منهُ شَيْئاً فأدْخِلْ فِيهِ يَدَكَ
فخُذْهُ، ولا تَنْثُرُهُ نَثْراً»، فقدْ حَمَلْتُ مِنْ ذلكَ النَّمرِ كَذا وكَذَا مِنْ وَسْقٍ فِي سَبِيلٍ
الله، فكُنّا نَأْكُلُ مِنْهُ ونُطْعِمُ، وكانَ لا يُفارِقُ حِقْوِي حَتَّى كَانَ يَوْمُ قَتْلِ عُثمانَ فإنَّهُ
انقطَعَ.
((عن أبي هريرة ◌ُه قال: أتيتُ النبيَّ وَّه بتمراتٍ فقلت: يا رسولَ الله!
ادعُ الله فيهنَّ بالبركة، فضمَّهنَّ ثم دعا لي فيهن))؛ أي: في التمرات ((بالبركة،
قال: خذهنَّ فاجعلْهُن في مِزْودك)) - بكسر الميم - هو ما يجعل فيه الزَّاد.
((كلَّما أردتَ أن تأخذ منه شيئاً فأدخِلْ فيه يدَك فخذه، ولا تنشره نشراً،
فقد حملت من ذلك التمر كذا وكذا من وسقٍ)): وهو ستون صاعاً ((في سبيل الله
تعالى، فكنّا نأكل منه ونُطعم، وكان لا يفارق حقوي))؛ أي: مَعْقِد إزاري،
((حتى كان يوم قتلِ عثمان، فإنَّ))؛ أي: المِزْود ((انقطع مني))؛ أي: سقط
وضاع، وفيه إشارة إلى أن الفساد إذا شاع وكثُر بين الناس ارتفعت البركة، كما
٣٦٦

أن بالصلاح تنزل البركة، فبالفساد تزولُ وترتفع.
وكان أبو هريرة ﴿به يقول:
همُّ الجِراب وهمُّ الشيخ عثمانا
للناس همُّ ولي هَمَّان بينهم
٦ - بل
الكَرَامَاتِ
(باب الكرامات)): جمع كرامة، وهي تشارك المعجزةَ في خَرق العادة،
وتفارقها بقدرة الأنبياء عليها متى أرادوها؛ ليسهل عليهم تمهيد الأديان
والشرائع، وبأن المعجزة تقترن بالتحدِّي مع عدم المعارضة، بخلاف الكرامة.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٦٥٠ - قَالَ عَبْدُالله بن مَسْعُودٍ ﴾: لَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبَيْحَ الطَّعامِ وهُوَ
يُؤكَلُ.
((من الصحاح)):
((قال عبدالله بن مسعود : لقد كنّا نسمَع تسبيحَ الطعام وهو يؤكل)).
٤٦٥١ - وعَنْ أَنَسِ هِ: أنَّ أُسَيْدَ بن حُضَيْرٍ وعَبَادَ بن بِشْرٍ تَحدَّثَا عِنْدَ
النَّبِيَّ نَّهِ فِي حَاجٍ لَهُمَا حَتَّى ذَهَبَ مِن الََّيلِ سَاعةٌ، فِي لَيْلةٍ شَدِيْدَةِ الظُّلمةِ، ثُمَّ
خَرَجَا مِن عِندِ رَسُولِ اللهِوَهِ يَنْقَلِبانِ وبِيَدِ كُلِّ واحدٍ مِنْهُمَا عُصَيَّةٌ، فَأَضَاءَتْ
عَصَا أَحْدِهِمَا لَهُمَا حَتَى مَشَيَا في ضَوْئِها، حَتَّى إِذَا افترقَتْ بِهِما الطَّريقُ أَضَاءَت
٣٦٧

بالآخرِ عَصَاهُ، فمَشَى كُلُّ واحدٍ مِنْهُمَا فِي ضَوءِ عَصَاهُ حَتَّى بَلَغَ أَهْلَه.
((وعن أنس: أنَّ أُسيد بن حُضير وعبادة بن بشر ﴾ تحدّثا عند النبي ◌َل
في حاجةٍ لهما حتى ذهبَ من الليل ساعةٌ في ليلةٍ شديدة الظلمة، ثم خرجا من
عند رسول الله ﴿ ينقلبان، وبيد كل واحدٍ منهما عُصَيَّة)»: تصغير عصا،
(«فأضاءت عصا أحدِهما لهما حتى مَشَيا في ضوئها، حتى إذا افترقت بهما
الطريقُ أضاءت للآخر عصاه، فمشى كلٌّ واحدٍ منهما في ضوء عصاه حتى بلغَ
أهلَه)): فضوءُ عصاهما كان كرامةً لهما.
٤٦٥٢ - وقَالَ جَابرٌ: لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَانِ أبِي مِنَ اللَّيْلِ فَقَال ما أُراني
إِلاَّ مَقْتُولاً في أَوَّلِ مَن يُقْتَلُ مِن أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌ََِّ، وإِنِّي لا أَتْرِكُ بعدي أَعَزَّ
عليَّ مِنْكَ غيرَ نفسِ رَسُولِ اللهِ وَله، وإنَّ عَليَّ دَيّاً فاقْضٍ، واستَوْصِ بأخواتِكَ
خَيْراً، فَأَصْبَحْنَا فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيْلٍ، ودَفَتُه معَ آخرَ في قبرٍ .
((وقال جابرٌ ﴿ه لما حَضَر أُحدٌ))؛ أي: حرب أحد، ((دعاني أبي من
الليل، فقال: ما أُراني))؛ أي: ما أظنني ((إلاّ مقتولاً في أول من يقتل من
أصحاب النبي ◌ِّه، وإني لا أترك بعدي أعزَّ عليَّ منك غيرَ نَفْسٍ رسولِ الله ◌ِ}،
وإنَّ علي ديناً فاقض واستوص بأخواتك))؛ أي: اقبل وصيتي فيهنَّ ((خيراً)؛
أي: استيصاءً خيراً، قيل: كان لجابر تسع أخواتٍ .
((فأصبحنا، فكان أول من قتل))، وكان هذا القول من أبي جابر كرامة .
((ودفنته مع آخرَ في قَبَر))؛ أي: مع شخصٍ آخر من المقتولين في قبرٍ
واحدٍ، وهذا يدل على أن الاثنين يُدفنان في قبرٍ واحدٍ .
٣٦٨

٤٦٥٣ - وقَالَ عَبدُ الرَّحمنِ بن أَبِي بَكْرٍ عَ﴾: إِنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا
أُنَاسَاً فُقَراءَ، وإِنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ: (مَن كَانَ عِندَهُ طَعَامُ اثنينٍ فَلْيَذْهبْ بثالثٍ،
ومَن كَانَ عندَه طَعَامُ أَرْبَعَةٍ، فليَذهبْ بِخَامِسٍ، أو سَادِسٍ))، وإنَّ أَبًا بكرٍ جَاءَ
بِثَلاثةٍ، وانطلقَ النَّبِيُّ ◌َّهُ بِعَشَرَةٍ، وإنَّ أبا بَكْرٍ تَعَشَّى عِندَ النَّبِيِّ وَِّ، ثُمَّ لَبِثَ
حتَى صُلِّيَت العِشَاءُ، ثُمَّ رَجَعَ فلبثَ حَتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ ◌َّهِ، فِجَاءَ بعدَ مَا مَضَى
مِن الَّليلِ ما شَاءَ الله، قالَتْ له امرأتُهُ: مَا حَبَسَكَ عن أَضْيَافِكَ؟ قَالَ: أَوَ مَا
عَشَّيْتِهم؟ قالَت: أَبُوا حَتَّى تَجِيءَ، فغضبَ وقَالَ: والله لاَ أَطْعَمُه أَبَداً،
فَحَلفَتِ المَرأةُ أنْ لا تَطعمُه، وحَلَفَ الأَضْيَافِ أَنْ لا يَطَعمُوهِ، قَالَ أبو
بكرٍ ﴾: كانَ هذا مِن الشَّيطانِ، فَدَعَا بالطَّعَامِ فَأَكَلَ وأَكَلُوا، فجَعَلُوا لا يرفعُون
لُقْمَةً إِلَّ رَبَتْ مِن أَسْفِلِها أَكثَرُ منها، فقالَ لامرأتِه: يا أُختَ بني فِرَاس! ما هذا؟
قَالَت: وقُرَّةٍ عيني، إِنَّها الآنَ لأَكثرُ منها قبلَ ذلكَ بِثَلاثِ مِرارٍ، فأكلوا، وبَعَثَ
بها إِلى النَّبِّ ◌َ﴿ِ، فَذُكِرَ أَنَّه أَكَلَ منها.
((وقال عبد الرحمن بن أبي بكر ﴾: إنَّ أصحاب الصُّفَّة كانوا أناساً
فقراء، وإن النبيَّ نَّيُ قال)) عند توزيعه إيَّهم على الصحابة: ((من كان عنده طعام
اثنين فليذهب بثالث))؛ معناه: طعام الاثنين يغذّي الثلاثة ويُزيل الضعف عنهم.
((ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامسٍ أو سادسٍ، وإنَّ أبا بكرٍ)) : .
((جاء بثلاثةٍ، وانطلق النبيُّ نَّار بعشرة، وإن أبا بكرٍ تعشى))؛ أي: أكل العشاء ((عند
النبيِّ وَّةِ، ثم لَبِثَ حتى صُلِّيت العشاء، ثم رجع فلبث حتى تعشَّى النبيُّ ◌ِمَا)، في
بعضٍ: ((حتى نَعِسَ)) من النعاس، قيل: هذا أصحّ.
(«فجاء بعد ما مضى من الليل ما شاء الله، فقالت له امرأته: ما حبسك عن
أضيافك؟ قال: أوما عشيتهم))، الهمزة للاستفهام، والواو العطف، التعشية:
إعطاء العشاء أحداً.
٣٦٩

((قالت: أَبَوا حتى تجيء، فغضب وقال: والله لا أطعمه))؛ أي: الطعام
((أبداً، فحلفت المرأة أن لا تطعمه، وحلف الأضياف أن لا يطعموه، قال أبو
بكر: كان هذا من الشيطان، فدعا)) أبو بكرِ ((بالطعام فأكل وأكلوا، فجعلوا
لا يرفعون لُقمةً إلا رَبَت))؛ أي: زادَت ((من أسفلها أكثر منها))، وضمير التأنيث
للطعام.
((وقال لامرأته: يا أخت بني فراس)) - بكسر الفاء -: ((ما هذا؟!)): وكانت
أم عائشة وعبد الرحمن ويقال لها أُم رُومان من بني فراس بن غنم بن مالك بن
النضر بن كنانة .
((قالت: وقرة عيني)) بالجر، والواو للقسم، وفي بعضٍ بالنصب: منادّى
حُذف نداؤه.
((إنها الآن لأكثر منها قبل ذلك بثلاث مِرارٍ، فأكلوا وبَعَثَ بها إلى النبي
فذكر أنه أکل منها» .
مِنَ الحِسَان:
٤٦٥٤ - عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عِنْهَا قَالَتْ: لمَّا مَاتَ النَّجاشِيُّ كُنَّا نَتَحدَّثُ
أَنَّه لا يَزالُ يُرَى على قبرِهِ نورٌ.
((من الحسان)):
((عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: لمَّا مات النجاشي كنا نتحدث أنه
لا یزال یُری علی قبرہ نورٌ».
٣٧٠

٤٦٥٥ - وقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ الله عَنْهَا: لمَّا أَرَادُوا غَسْلَ النَّبِيِّ نَّهِ قَالُوا:
لا نَدري، أَنْجَرِّدُ رَسُولَ اللهِوَهُ مِن ثيابهِ كما نُجَرِّدُ مَوتَانَ، أَمْ نَفْسِلُه وعَلَيْهِ
ثيابُه؟ فلمَّا اختلفُوا أَلْقَى الله عليهم النَّومَ، حتَّى مَا مِنْهُم رَجُلٌ إلا وَذَقْنُه في
صَدْرِهِ، ثُمَّ كلَّمَهُم مُّكَلِّمٌ مِن نَحِيَةِ البيتِ لا يَدِرُونَ مَن هُوَ: اغِسِلُوا النَّبيَّ وعليهِ
ثِيَابُه، فَقَامُوا فَغَسلوهُ وعليهِ قَميصُه، يَصِبُّونَ المَاءَ فَوْقَ القَميصِ ويُدَلِّكُونَهُ
بالقَمِيْصِ.
((وقالت عائشة - رضي الله عنها - لما أرادوا غسلَ النبيِّ وَّفي قالوا:
لا ندري أنجرِّد رسولَ الله ◌َ ﴿ من ثيابه كما نجرد موتانا، أم نغسله وعليه ثيابُه؟
فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النومَ حتى ما منهم رجلٌّ إلا وذَقْنه في صدره، ثم
كلّمهم مكلُّمٌ من ناحية البيت لا يدرون مَنْ هو: اغسلوا النبيَّ ێے وعلیہ ثیابُه)»،
هذا بيانٌ لقوله: (كلمهم).
((فقاموا فغسلوه وعليه قميصه يصبُّون الماء فوق القميص، ويَدْلُكونه
بالقميص))، والحديث يدل على أن غسل الميت وعلیه قميصُه مستحب.
٤٦٥٦ - عَنْ ابن المُنْكَدِرِ: أنَّ سَفِيْنَةَ مَولَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ أَخَطْأَ الجيشَ
بأرضِ الرُّومِ، أَوْ أُسِرَ، فانطلقَ هَارِباً يلتمِسُ الجيشَ فإذا هو بالأسدِ، فقال:
يا أبا الحَارثِ! أنا مَولَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، كَانَ مِن أَمْرِي كَيْتَ وكَيْتَ، فأقبلَ
الأَسَدُ، لَهُ بَصْبَصَةٌ، حتَّى قَامَ إلى جنبهِ، كُلَّمَا سَمِعَ صَوتاً أَهْوَى إِليْهِ، ثُمَّ أَقبلَ
يَمْشِي إِلى جَنْهِ حتَّى بَلَغَ الجَيْشَ، ثُمَّ رَجَعَ الأَسَدُ.
((عن ابن المُنْكَدر: أن سفينة ﴾ مولى رسول الله وَ ﴾ أخطأ الجيش))؛
٣٧١

أي: ضَلَّ الطريقَ فلم يهتد إليهم سبيلاً، ((بأرض الروم، أو أُسِرَ فانطلق هارباً
يلتمس الجيشَ، فإذا هو بالأسد فقال: يا أبا الحارث)) - كنية الأسد -: ((أنا
مولى رسول الله وَ﴾، كان من أمري كيت وكيت، فأقبل الأسد له بَصْبَصَة))؛
أي: تحريك ذنب كفعل الكلب تملُّقاً وتذللاً إلى صاحبه ((حتى قام إلى جنبه،
كلما سمع))؛ أي: الأسد ((صوتاً أهوى إليه))؛ أي: قصده.
(ثم أقبل يمشي إلى جنبه حتى بَلَغ))؛ أي: سفينةُ ((الجيشَ، ثم رجع الأسد)).
٤٦٥٧ - عَنْ أَبِي الجَوْزَاءِ ﴾ قال: قُحِطَ أَهْلُ المَدِينَةِ قَحْطاً شَدِيْداً،
فَشَكَوْا إِلَى عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا فَقَالَت: انظُرُوا قبرَ النَّبِيِّ وَ﴿ فاجعَلُوا مِنْهُ كُوَّى
إلى السّماءِ، حتَّى لا يكونَ بينَهُ وبينَ السَّماءِ سَقفٌ، ففعلُوا فمُطِرُوا مَطَراً حتَّى
نبتَ العُشْبُ وسَمِنَتِ الإِبلُ، حتَّى تَفَتَّقَتْ مِنَ الشَّحمِ، فسُمِّيَ عامَ الفَتْقِ.
((عن أبي الجوزاء قال: قحط أهل المدينة قحطاً شديداً، فشكَوا إلى
عائشة - رضي الله عنها - فقالت: انظروا قبر النبيِّ ﴿ فاجعلوا منه كوّى))، جمع
كوة - بضم الكاف وفتحها -؛ أي: منافذ ((إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين
السماء سَقْفٌ ففعلوا))، يحتمل أن تلك الكُوى كانت وسيلةً إلى الله في
الاستسقاء به ميتاً كَهُو حياً.
((فمُطروا مطراً)، قيل: يحتمل أن المطر كان بكاءً من السماء لمَّا رأت
قبره وَّ، فسال الوادي من بكائها، قال الله تعالى حكايةً عن الكفار: ﴿فَمَا بَكَتْ
عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩]، فحقيق للسماء أن تبكي على فقد النبي ◌َّ.
((حتى أنبت العشب وسَمِنت الإبل حتى تفتَّقت من الشَّحم))؛ أي:
انشقت من الشحم، وقيل: أي: انتفخت خَواصِرُها مِنْ كثرة الرعي.
٣٧٢

((فسمي عام الفَتْقِ))؛ أي: الخَصْب.
٤٦٥٨ - عَنْ سَعِيْدٍ بن عَبْدِ العَزيزِ قَالَ: لَمَّا كَانَ أَيَّامَ الحَرَّةِ لم يُؤَذَّنْ في
مَسْجِدِ النَّبِّ ◌َ﴿ ثلاثاً ولم يُقَمْ، ولم يَبْرَحْ سَعِيْدُ بن المُسَيَّبِ مِن المَسْجِدِ، وكانَ
لا يَعْرِفُ وَقْتَ الصَّلاةِ إلَّ بِهَمْهَمَةٍ يَسمعُها مِن قَبَرِ النَّبِيِّ ◌َ.
(عن سعيد بن عبد العزيز ﴿ قال: لما كان))؛ أي: وقع ((أيام الحرة))،
(كان) هذه تامة، وأيام الحرة وقعةٌ كانت في المدينة مشهورة في زمن يزيد بن
معاوية، وهذه الحرة أرضٌ بظاهرها بها حجارةٌ سودٌ.
((لم يُؤذَّن في مسجد النبيِّ ◌َّ ثلاثاً، ولم يُقم)): الفعلان كلاهما على بناء
المجهول، ((ولم يبرح سعيد بن المسيب المسجدَ))؛ أي: لم يزل من المسجد.
((وكان لا يعرف وقت الصلاة إلا بهمْهَمة)): وهي كلامُ خفي لا يفهم،
وقيل: ترديد الصوت في الصَّدر، ((يسمعها من قبر النبي ◌ِِّّ)).
٤٧٥٩ - قِيَل لأبي العَاليَةِ: سَمْعَ أَنَسُ بن مالكِ ◌َ﴿هِ مِن النَّبِيِّ ◌َِّ؟ قال:
خَدَمَهُ عَشْرَ سِنِينَ، ودعا لهُ النَّبِيُّ نَّهِ، فَكَانَ لهُ بُستانٌ يَحْمِلُ فِي كُلِّ سَنةٍ الفَاكَهَةَ
مرَّتَيْنٍ، وكَانَ فيها رَّحانٌ يجيءُ منهُ رِئْحُ المِسكِ. غريب.
(قيل لأبي العالية))؛ أي: سُئل منه: ((سمع))؛ أي: أسمع - بحذف حرف
الاستفهام ــ ((أنسٌ من النبي (َ ﴿))؛ أي: شيئاً من الأحاديث، كأنه تردّد فيه بعض
الناس بعد وفاته گۆ .
((قال))؛ أي: أبو العالية: ((خدمه))؛ أي: أنسٌ النبيَّ وَّرُ ((عشرَ سنينٍ،
ودعا له النبيُّ وَّ، وكان له بستان يحمل في كل سنةٍ الفاكهة مرتين، وكان فيها
٣٧٣

ريحانٌ)) نبتٌ معروف ((يجيء منه ريحُ المِسْك)): فمن كان شأنه هذا، فكيف
لا يسمع منه ◌َل﴿ شيئاً.
((غریب)).
٠٠٠
٧- باب
(باب في بيان هجرة أصحابه من مكة)
٤٦٦٠ - عَنِ الْبَراءِ ظُه قَالَ: أَوَّلُ منَ قَدِمَ عَلَيْنَا مِن أَصْحَابِ رَسُولِ الله ◌َِّ
مُصْعَبُ بن عُمَيْرٍ وابن مَكْتومٍ، فَجَعلا يُقْرِآنِنَ القُرآنَ، ثُمَّ جاءَ عمَّارٌ وبلالٌ وسَعْدٌ،
ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بن الخطابِ رضي الله تَعَالى عنه في عِشْرِينَ، ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ ◌ََّ، فَمَا
رَأَيْتُ أَهْلَ المَدينةِ فَرِحُوا بشيءٍ فَرَحَهُمْ بهِ، حتَّى رَأَيْتُ الوَلائِدَ والصِّبيانَ يَقُولُونَ:
هذا رسولُ اللهِلَّهِ قَدْ جَاءَ، فَمَا جَاءَ حتَّى قَرَأْتُ: ﴿َسَيْجِ أَسْمَ رَيِّكَ الْأَعْلَى﴾ فِي سُوَرٍ
مثلِها .
((من الصحاح)):
((عن البراء قال: أولُ مَنْ قدم علينا))؛ أي: أول مَنْ جاء من مكة إلى
المدينة ((من أصحاب النبيِّ ◌َ﴿ مصعبُ بن عُمير وابن أم مَكْتوم، فجعلا يُقْرآننا
القرآن»؛ أي: يعلِّماننا القرآن.
(ثم جاء عمارٌ وبلال وسعدٌ، ثم جاء عمر بن الخطاب # في عشرين
رجلاً، ثم جاء النبيُّ ◌ٍَّ فما رأيتُ أهلَ المدينة فرِحوا بشيءٍ فرحَهم به حتى
رأيت الولائدِ»، جمع الوليدة وهي الجارية الصغيرة، والذكر وليدٌ فعيلٌ بمعنى
مفعول، وقد يطلق على الأَمَة وإن كانت كبيرة.
((والصبيان يقولون: هذا رسول الله وَل﴿ قد جاء، فما جاء حتى قرأت))؛
٣٧٤

أي: تعلَّمت، ذَكَرَ المسبّب وأراد السَبَبَ.
((﴿َسَيْجِ أَسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى﴾ في سورة))؛ أي: مع سورة أخرى ((مثلها)» في
المقدار، والحديث يُشعر. أن البراء كان من الأنصار، وأن القادمين عليهم كانوا
من المهاجرين.
٤٦٦١ - عَنْ أَبِي سَعِيْدِ الخُدرِيِّ ﴾: أنَّ رَسُولَ الله ◌َُّ جَلَسَ على
المِنْرِ فَقَالَ: ((إنَّ عَبْداً خيَّرَهُ الله بينَ أنْ يُؤْتِيَهُ مِن زَهْرةِ الدُّنيا مَا شَاءَ وبينَ ما
عندَهُ، فَاختارَ ماعندَهُ))، فَبَكَى أَبُو بَكْرِ عَ﴿هَ قَالَ: فَدَيْنَاكَ بَآبَائِنَا وَأُمَّهاتِنَا، فعَجِبنا
لهُ، وقال النَّاسُ: انظرُوا إلى هَذا الشِّيِخِ، يُخبرُ رَسُولُ اللهِوَّهِ عَنْ عَبدِ خِيَّرَهُ الله
بَيْنَ أنْ يُؤْتِيَهُ مِن زَهْرةِ الدُّنيا، وبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، وهوَ يَقُولُ: فَدَيْنَاكَ بَآبَائِنَاَ وأُمَّهاتِنَا!
فِكَانَ رَسُولُ اللهِ لِ هوَ المُخَيَّرُ، وكَانَ أبو بَكْرٍ﴿هُ أَعْلَمَنَاَ.
((عن أبي سعيدِ الخُدري ﴿ه: أنّ رسول الله وَل جلس على المنبر فقال:
إِنَّ عبداً خيَّره الله تعالى بين أن يؤتيه الله من زهرة الدنيا))؛ أي: من زينتها ((ما
شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده، فبكى أبو بكر ﴿)): لما علم أن المخيّر
إنما هو رسولُ الله ◌َّ، واختيارُه لمِا عند الله يُؤْذِن بالارتحال والانتقال.
((قال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فعجبنا له، وقال الناس: انظروا إلى هذا
الشيخ يخُبر رسولُ الله ◌َل﴿ عن عبدٍ خیره الله بین أن يؤتيه من زهرة الدنیا وبین ما
عنده وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا»: قال الراوي:
((فكان رسول الله ( * هو المخير، وكان أبو بكر ﴿ه أعلمنا))؛ أي: أكثرُنا
علماً بأنَّ ذلك العبدَ المخيَّرَ هو رسولُ اللهِ وَله .
٣٧٥

٤٦٦٢ - عَنْ عُقْبَةَ بن عَامِرٍ ﴿ه قَالَ: صلَّى رَسُولُ اللهِّهِ على قَتَلى أُحُدٍ
بَعْد ثَمانِ سِنِينَ كالمُودِّع للأَحْياءِ والأَمْواتِ، ثُمَّ طَلَعَ المِنْرَ فقال: ((إِنِّي بينَ
أَيَدِيكُمْ فَرَطٌ، وأَنَا عَلَيْكُمْ شَهِيْدٌ، وإِنَّ مَوْعِدَكُم الحَوضُ، وإنِّي لأَنَظرُ إليهِ من
مَقَامِي هَذا، وإِنِّي قَدْ أُعطِيتُ مفاتيحَ خَزَائِ الأَرْضِ، وإِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عليْكُم
أنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، ولكنْ أَخْشَى عليْكُم الدنيا أنْ تَنَفسُوا فيها)). وزَادَ بعضُهم:
(فَتَقْتِلُوا فَتَهْلَكُوا كَمَا هَلَكَ مَن كانَ قبلَكم)).
((عن عقبة بن عامر ظُه قال: صلى رسول الله بَّه على قتلى أحد)»؛ أي:
استغفر لهم بأمر الله تعالى ((بعد ثمان سنين)؛ يعني عند قرب انقضاء عُمُره ◌َامل
(كالمودّع)): اسم فاعل من التوديع ((الأحياء والأموات))، وكان هذا وداعاً
منه ◌َّير لهم، وإعلاماً بزيادة درجتهم بعد شهادتهم ببركة دعائه أهله، وهذا يدل
على أن الدعاء للميت ینفعه .
((ثم طلع المنبر))؛ أي: عَلاَهُ، ((فقال: إني بين أيديكم فَرَط))، وهو
بالتحريك: من يتقدم الواردة فيهيئ ما يحتاج إليه الرُّفقة من الدِّلاء وإصلاح
الحِياض؛ يعني: أنا سابقكم ومتقدِّمكم لأشفع لكم عند الله، ((وأنا عليكم
شھید»؛ أي: رقیبٌ وحفيظ.
((وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه))؛ أي: إلى الحوض الموعود
في المحشر ((وأنا في مقامي هذا، وإني قد أُعطيت)) - على بناء المجهول -
((مفاتيح خزائن الأرض))، وهذا إشارةٌ إلى ما فتح الله لأمته من الممالك
واستباحوا خزائنَ ملوكها .
(وإني لست أخشى عليكم أن تُشركوا بعدي، ولكن أخشى عليكم الدُّنيا
أن تَنَافَسوا فيها))؛ أي: ترغبوا في الدنيا وتَميلوا إليها وزهراتها كلَّ الميل.
٣٧٦

((وزاد بعضهم: فتقتلوا، فتهلَكوا كما هَلَك من كان قبلكم)).
٤٦٦٣ - وعن عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا قَالَتْ: إنَّ مِن نِعَمِ الله عَلَيَّ أَنَّ
رَسُولَ اللهَِ﴿ِ تُوفِّيَ فِي بَيْتِي، وفِي يَوْمِي، وبينَ سَحْرِي ونَخْري، وأنَّ الله جَمَعَ
بينَ ريقي وريقِهِ عِنْدَ مَوتِهِ، دَخَلَ عليَّ عبدُ الرَّحْمنِ بن أبي بكرٍ وبيدِهِ سِوَاٌ،
وَأَنَا مُسْنِدةٌ رَسُولَ اللهِ وَّهِ، فرأيتُهُ يَنْظُرُ إِلَيه، فعَرَفْتُ أنهُ يُحِبُّ السّواكَ، فَقُلتُ:
آخُذُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ برأسِهِ أنْ نَعَمْ، فَتناولْتُهُ، فاشتَدَّ عَلَيهِ فَقُلْتُ: أُلَينُه لكَ؟ فَأَشَارَ
برأسِهِ: أنْ نَعَمْ، فَلَّتُه، فَأَمَرَّهُ على أَسْنَانِهِ، وبينَ يديْهِ رَكْوَةٌ فيها ماءٌ، فجعلَ
يُدخِلُ يدَهُ في الماءِ فَيَمسحُ بها وجْهَهُ ويَقُولُ: ((لا إلهَ إلا الله، إنَّ للمَوتِ
سَكَراتٍ))، ثُمَّ نَصَبَ يده فجعلَ يقولُ: ((في الرَّفيقِ الأَعلَى))، حتَّى قُبضَ
ومالَتْ یدُه.
((وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: إنَّ من نِعَمِ الله عليَّ أن رسول الله وَيول
توفي في بيتي وفي يومي))؛ أي: في نَوبتي من القَسم، «وبین سحري ونحري»،
والسحر - بفتحتين ويضم السين ثم السكون -: الرئة، تريد: ما حاذى الرئة من
جسدها، وقيل: السحر ما لصق الحلقوم من أعلى البطن؛ أي: أنه وُّ توفي وهو
مستندٌ إلى صدرها، وما يحاذي سحرها، والنحر: موضع القلادة من أعلى الصدر.
((وأن الله))، قيل: الصواب بفتح (أن) عطفاً على (أن) المفتوحة، ((جمع
بين ريقي وريقه عند موته))، ونُثْبتُ جمعَه بين ريقهما بقولها :
((دخل عليَّ عبد الرحمن بن أبي بكر ﴾ وبيده سواك وأنا مُسندةٌ
رسول الله﴿ فرأيته))؛ أي: النبي ◌َلجر ((ينظر إليه))؛ أي: إلى السواك بيد عبد
الرحمن، ((وعرفت أنه يحب السواك))؛ أي: يريده، ((فقلت: آخذه لك؟ فأشار
برأسه: أن نعم)): (أن) هذه مفسرة.
٣٧٧

((فتناولتُه فاشتدَّ عليه))؛ أي: السواك على النبي ◌َّ ه لكونه يابساً.
((فقلت: ألينه لك؟ فأشار برأسه: أن نعم، فلينته بريقي، فأمرَّهُ على
أسنانه)) - ماضٍ من الإمرار ـ «وبين يديه ركْوة فيها ماء، فجعل يُدخل يديه في
الماء، فيمسح بهما وجهَه ويقول: لا إله إلا الله إنَّ للموت سَكَرات)) -
بالتحريك - جمع سكرة، وهي الشدة والمشقة.
((ثم نَصَب يده فجعل يقول: في الرفيق الأعلى))، متعلق بمحذوف؛ أي :
اجعلني في الرفيق الأعلى قال الأزهري: الرفيقُ هنا جماعة الأنبياء الساكنين
أعلى علِّيين، وهو اسمٌ جاء على فعيلٍ، ومعناه الجماعة، يقع على الواحد
والجمع؛ أي: اجعلني في أرواحهم الساكنات في حَظيرة القُدْس، أو: اجعلني
في مكان الرفيق الأعلى، وأراد بالرفيق الأعلى: نفسَه، وبالمكان: المقام
المحمود المخصوص به؛ أي: اجعلني ساكناً فيه، «حتى قُبض ومالت يدُه)).
٤٦٦٤ - عَنْ عَائِشَةَ رَضيَ الله عنها قَالَتْ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَهِ يَقُولُ: ((ما
مِن نبيِّ يمَرضُ إِلاَّ خُيرَ بينَ الدُّنيا والآخرةِ»، وكانَ في شكواهُ التي قُبضَ بها
أخذَتْهُ بُخَةٌ شَدِيْدةٌ، فسمعتُهُ يقولُ: ((معَ الذينَ أَنْعمْتَ عليهم مِن النَّبيينَ
والصِّدِّيقينَ والشُّهداءِ والصَّالِحِينَ))، فعَلِمْتُ أَنَّه خُيرَ.
((عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: سمعتُ النبيَّ وَّه يقول: ما من نبيِّ
يمرض إلا خُيرَ بين الدنيا والآخرة، وكان في شَكْواه))؛ أي: مرضه ((الذي
قبض فيه))؛ أي: مات ((أخذته بحةٌ شديدة))، البحة - بضم الباء وتشديد الحاء -:
غلظة الصوت وخشونته، والمراد هنا: السُّعال.
((فسمعته يقول: مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء
٣٧٨

والصالحين، فعلمتُ أنه خير))؛ أي: بين البقاء في الدنيا، وبين ما عند الله في
الآخرة.
٤٦٦٥ - عَنْ أَنَسِ هِ قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ ونَ﴿ِ جَعَلَ يَتَغْشَّاهُ الكَرْبُ،
فقالَتْ فاطِمَةُ رَضِيَ الله عنها: وَاكَرْبَ أَبَاه! فقالَ لها: ((ليسَ على أَبَيكِ كَرْبٌ
بعدَ اليومِ))، فلمَّا مَاتَ قَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ! أجابَ ربّاً دَعَاه، يا أبتاهُ! مَنْ جَنَّةُ
الفِرِدَوسِ مَأواهُ، يا أبتاهُ! إلى جِبْرِيلَ نَنْعَاهُ، فلمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ: يَا أَنَرُ!
أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أنْ تَحْثُوا على رَسُولِ اللهِ التّرابَ؟ ! .
((عن أنس ﴿ه قال: لما ثَقُل النبيُّ نَّ))؛ أي: اشتد مرضه ((جعل يتغشَّاه
الكَرب)»؛ أي: يُغمى عليه من شدة المرض، ((فقالت فاطمة: واكربَ أباه، فقال
لها: ليس على أبيك كربٌّ بعد اليوم))؛ أي: لا يُصيبه بعد اليوم نَصَبٌّ ولا
وَصَبٌ يجدُ له ألماً إذا أفضى إلى الدار الآخرة والسلامة الدائمة.
((فلما مات قالت: يا أبتاه!)): أصله: (يا أبي) فالتاء أبدلت من الياء،
والألف للندبة، والهاء للسَّكت، ((أجاب ربَّاً دعاه))؛ أي: إلى الآخرة؛ أي:
اختار الدار الآخرة على الدنيا.
(يا أبتاه! من جنة الفردوس مأواه))؛ أي: موضع قراره.
(يا أبتاه! إلى جبريل ننعاه))؛ أي: نُظهر خبر موته وٍَّ.
((فلمّا دفن قالت فاطمة: يا أنسُ أطابت أنفسُكم أن تحَثُوا على رسول الله
التراب)).
٣٧٩

مِنَ الحِسَان:
٤٦٦٦ - عَنْ أَنَسٍ ﴿ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِلَّهِ المَدينةَ لَعِبَتْ الحَبَشَةُ
بحرابهم فرحاً لِقُدومِهِ.
((من الحسان)) :
((عن أنس ◌ُ: لما قدم رسولُ الله المدينة لَعِبت الحبشةُ بحرابهم)):
- جمع حربة ـ «فرحاً لقدومه)).
٤٦٦٧ - وقَالَ: ما رَأيتُ يَوماً كانَ أَحْسنَ ولا أَضْوَأَ مِن يَومِ دَخَلَ عَلَیْنا فيهِ
رَسُولُ اللهِوَّةِ، ومَا رَأيتُ يَوماً كانَ أَقْبَحَ ولا أَظلَم مِن يَومِ ماتَ فيهِ.
((وقال: ما رأيتُ يوماً كان أحسنَ ولا أضوءَ من يوم دخل علينا فيه
رسولُ اللهِ﴿، وما رأيت يوماً كان أقبحَ ولا أظلمَ من يوم مات فيه)).
٤٦٦٨ - وَقَال: لمَّا كَانَ اليَومُ الَّذِي دَخَلَ فيهِ رَسُولُ اللهِنَّهِ المَدينةَ أضاءَ
مِنْها كُلُّ شَيءٍ، فلمَّا كَانَ الْيَومُ الَّذِي مَاتَ فيهِ أَظْلِمَ مِنها كُلُّ شَيءٍ، وما نَفَضْنَاَ
أَيَدِينَا مِنَ التّرابِ وإِنَّا لَفِي دفِهِ حتَّى أَنْكَرْنَاَ قُلوبِنا. ((وقال: لما كان اليومُ الذي
دخل فيه رسولُ اللهِ وَل﴿ المدينة أضاء منها كلُّ شيءٍ، فلما كان اليوم الذي مات
فيه أظلمَ منها كلُّ شيءٍ، وما نفضنا أيدينا من التراب، وإنَّا لَفي دفنه حتى أنكرنا
قلوبنا))؛ يعني: ما وجدناها بعد وفاته سير على ما كانت عليه في حياته من الصفاء
والرِّقة والأُلفة لانقطاع الوحي السماوي، والمفارقة عن صحبته التي هي مُوجبة
للسعادات الأبدية؛ لأنهم لم يجدوها على ما كانت عليه من التصديق.
٣٨٠