النص المفهرس
صفحات 261-280
مَلَكٍ مِنْ مَلائِكَةِ الله مِنْ حَمَلَةِ العَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةٍ أُذُنِيْهِ إِلى عاتِقِهِ مَسيرةُ سَبْعٍ مِئَةٍ عامٍ» . (عن جابر ه عن رسول الله وَله: أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنيه إلى عاتقه مسيرة سبع مئة عام)). ٥ - باب علامات النبوة (باب علامات النبوة) مِنَ الّصِحَاحِ: ٤٥٦٦ - قَالَ أَنَسٍ ﴾: إنَّ رَسُولَ الله ◌َ﴿ أَنَاهُ جِبريلُ وهوَ يَلعبُ معَ الغِلْمانِ، فأخذَهُ فصَرَعَهُ، فشَقَّ عنْ قلبهِ، فاستخْرَجَ منهُ عَلَقَةً فقال: ((هَذَا حَظُّ الشَّيطانِ مِنْكَ))، ثُمَّ غَسَلهُ في طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بماءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لأَمَهُ وأَعادَهُ في مَكانِهِ، وجَاءَ الغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إلى أُمَّهِ - يعني: ظِئْرَهُ - فقالوا: إنَّ مُحَمَّداً قد قُتِلَ، فاستقبَلُوه وهوَ مُنْتَقِعُ اللَّونِ، قالَ أَنَسِّ ◌َ﴾ِ: فَكِنْتُ أرَى أثرَ ذلك المِخْيَطِ في صَدرِهِ. ((من الصحاح)): ((قال أنس ظه: إن رسول الله - عليه الصلاة والسلام - أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه))؛ أي: ألقاه ((فشق عن قلبه فاستخرج))؛ أي: أخرج ((منه علقة)) وهي دم غليظ. قيل في سبب الشق: إن الله تعالى أراد أن يقدس قلبه وينوِّره بأنوار ألطاف جلاله تحصيلاً لكمال الاستعداد حالةَ الطفولية، وتهييئاً لقبول الوحي القديم السماوي، فتصير نفسه قدسيةً ملكوتيةً؛ لكونها منقادةً للقلب فكانت قابلةً ٢٦١ للأنوار الإلهية التي جعلت في القلب، فأرسل إليه جبريل حتى شق صدره فأخرج منه علقة، وهي التي تكون أمَّ المفاسد والمعاصي في الإنسان. ((فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طستٍ من ذهب بماء زمزم ثم لأَّمَه)) بالمد أو القصر؛ أي: جمعه، يقال: لأمتُ الجرح والصدغ: إذا شددته وسوَّيته وأصلحته. ((وأعاده إلى مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه، يعني ظئره)) حليمة. ((فقالوا: إن محمداً قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون))؛ أي: متغير اللون، يقال: انتقع لونه: إذا تغير من حزن أو فزع. ((قال أنس: فكنت أرى أثر المِخيط)) بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة؛ أي: الإبرة «في صدره)) . ٤٥٦٧ - وعن جَابرِ بنِ سَمُرَة ◌َُّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((إنِّي لأَعرِفُ حَجَراً بمكَّةَ كانَ يُسَلِّمُ عليَّ قبلَ أنْ أُبعَثَ، إنِّي لأَعرِفُهُ الآن». (عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله وَله: إني لأعرف حجراً بمكة)) قيل: إنه الحجر الأسود، وقيل: غيره. ((كان يسلِّم عليَّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن)) قيل: تسليم الحجر مجازٌ معناه: كان يشاهد منه أنه لو كان ناطقاً يشهد بنبوته ويسلِّم عليه. وقيل: حقيقي بأن يخلق الله فيه حياة ونطقاً معجزةً للنبي ◌ّر، كما أن إحياء الموتى معجزةٌ لعيسى عليه السلام، بل إحياءُ الجماد أقوى، وإنما قيّد بقوله: (قبل أن أبعث) لأن كل الأحجار كان يسلِّم على النبي عليه الصلاة والسلام بعد كونه مبعوثاً؛ لما روي عن علي ظه أنه قال: كنَّا بمكة، فخرجنا مع ٢٦٢ رسول الله وَله إلى بعض نواحيها فلم نمرَّ بشجرة ولا حجر إلا قال: السلام عليك یا رسول الله . ٤٥٦٨ - وقَالَ أَنَسٌ ﴿ه: إِنَّ أهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ وَِّ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً، فأَرَاهُمْ القَمرَ شِقَّتَيْنِ، حتَّى رَأَوْا حِراءَ بينهُما. ((وقال أنس : إن أهل مكة))؛ يعني: كفار قريش. ((سألوا رسول الله ◌َلي أن يريهم آية))؛ أي: ما يدل على نبوته في خرق العادة . ((فأراهم القمر شقین) بإشارته إليه. «حتى رأوا حراء»؛ أي: جبل حراء. (بينهما))؛ أي: بين الشقين، قيل: وقد أنكر جمعٌ حديثَ شقِّ القمر بأنه لو صح لتناقلته العوام وأهل السير والتواريخ في كتبهم. وأجيب: بأنه طلبه منه ◌َُّ قوم خاصٌّ كما حكاه أنس ◌َلُه، فأراهم ذلك ليلاً وأكثرُ الناس نيام ومُستكتُّون بالأبنية، والأيقاظ في البوادي والصحارى قد يتفق اشتغالهم في ذلك الوقت، وقد يُكسف القمر فلا يشعر به كثير من الناس، على أن ذلك كان في قَدْرِ لحظة، ولو دامت هذه الآية حتى يشترك فيها الكل، ثم لم يؤمنوا؛ لاستؤصلوا بالهلاك. والعجب من المنكر أن يخالف النص الصريح، وهو قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأُنشَقَّ الْقَمَرُ ) وَإِن يَرَوْاْءَايَةٌ يُعْرِضُواْوَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمٌِّ﴾ [القمر: ١ -٢]. ٢٦٣ ٤٥٦٩ - وقَالَ ابن مَسْعُودٍ﴿: انشقَّ القَمرُ على عهْدِ رَسُولِ اللهِ وَله فِرِقتَيْنِ: فِرْقَةً فوقَ الجبَلِ، وفِرْقَةً دُونَهُ، فقالَ رَسُولُ اللهِ((اشْهَدُوا)). ((وقال ابن مسعود : انشق القمر على عهد رسول الله وَله فرقتين: فرقة فوق الجبل وفرقة دونه)) يريد أنهما تباينا: إحداهما إلى جهة العلو، والأخرى إلى جهة السفل. ((فقال رسول الله وَل}: اشهدوا))؛ أي: على نبؤَّتي ومعجزتي، وقيل: معناه احضروا وانظروا . ٤٥٧٠ - عَنْ أَبِي هُرِيْرَةَ رَّهِ قَالَ: قالَ أبو جَهْلٍ: هلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أظهُرِكُمْ؟ فقيلَ: نعمْ، فقالَ: واللَّتِ والعُزَّى، لَئِنْ رأيتُهُ يفعلُ ذلكَ لأَطأنَّ على رَقَتِهِ، فَأَتَى رَسُوْلَ الله ◌َّهِ وهوَ يُصلِّي، زَعَمَ لِيَطَأَ على رَقبَتهِ، فما فَجِئَهُمْ منهُ إِلَّ وهوَ يَنْكِصُ على عَقِبَيْهِ ويَتَّقي بيدَيْهِ، فقيلَ لهُ: ما لكَ؟ فقَالَ: إنَّ بيِنِي وبينَهُ لخَندقاً منْ نارٍ وهَوْلاً وأجنِحةً، فقالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لَوْ دَنَا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْواً عُضْواً) . ((عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفِّر محمدٌ وجهه))؛ أي: هل يسجد لمعبوده ((بين أظهركم؟))؛ أي: بينكم، تعفير الوجه كناية عن الصلاة. «فقيل: نعم، فقال» أبو جهل. ((واللات)) وهو اسم صنم بالطائف. ((والعزى)) اسم شجرة كانت لغطفان يعبدونها. ((لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، فأتى رسولَ الله ◌َّه وهو يصلي، ٢٦٤ زعم))؛ أي: قصد أبو جهل ((ليطأ)) بكسر اللام؛ أي: ليضع رجله ((على رقبته)) وفي بعض النسخ بالفتح لام تأكيد، و(زعم) جملة حالية. ((فما فَجِئهم))؛ أي: فما أتى قومه فجأة. (منه))؛ أي: من النبي ◌َّ، أو من إتيانه إليه. ((إلا وهو ينكص)) بكسر الكاف؛ أي: يرجع القهقرى. ((على عقبيه))؛ أي: على مؤخَّر قدميه. «ویتقي بیدیه))؛ أي: يحترز بهما. ((فقيل له: ما لك؟))؛ أي: أيُّ شيء لك؟ (ما) هذه استفهامية. ((فقال: إن بيني وبينه لخندقاً من نارٍ وهولاً))؛ أي: خوفاً وأمراً شديداً. ((وأجنحة))؛ أي: أجنحة الملائكة. ((فقال رسول الله ◌َّ: لو دنى))؛ أي: لو قَرُبَ أبو جهل «مني لاختطفته الملائكة))؛ أي: لاستلبته ((عضواً عضواً)). ٤٥٧١ - وقَالَ عَدِيُّ بن حَاتِمِ ﴿: بَيْنا أنا عندَ النَّبِيِّ ◌َّهِ إذْ أتاهُ رَجُلٌ فشكا إليهِ الفَاقَةَ، ثُمَّ أتاهُ آخرُ فشَكا إِليهِ قَطْعَ السَّبِيلِ، فَقَالَ: ((يا عَدِيُّ! هلْ رأيتَ الحِيرَةَ؟))، قَالَ: نَعَم، قَالَ: ((فإنْ طَالَتْ بِكَ حَياةٌ فَلَتَرَيَنَّ الظَّعينَةَ تَرْتِحِلُ مِنَ الحِيرَةِ حَتَّى تَطوفَ بالكَعْبةِ لا تَخَافُ أَحَداً إلاَّ الله، ولَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَياةٌ لِتُفْتَحِنَّ كُنُوزُ كِسْرَى، ولَئِنْ طَالَتْ بِكَ حياةٌ لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يُخرِجُ مِلْءَ كفِّهِ منْ ذهَبٍ أو فِضّةٍ، يَطلُبُ مَنْ يَقبَلُهُ منهُ فلا يَجِدُ أحداً يَقبَلُهُ منهُ، ولَيلقَيَنَّ الله أحدُكُمْ يومَ يَلقاهْ وليسَ بينَهُ وبينَهُ تَرْجُمانٌ يُترجِمُ لهُ، فَلَيقولَنَّ: أَلَمْ أبعَثْ إِلَيْكَ رَسُولاً ٢٦٥ فيُلِّغَكَ؟ فيقولُ: بَلَى، فيقولُ: أَلَمْ أُعطِكَ مالاً وأُفْضِلْ عليكَ؟ فيقولُ: بَلَى، فيَنْظُرُ عنْ يَمِينِهِ فلا يرَى إلاَّ جهنَّمَ، وينظُرُ عنْ يَسارِهِ فلا يرَى إلاَّ جهثَّمَ، فانَّقُوا النَّارَ ولوْ بِشِقِّ تَمْرةٍ، فمَنْ لمْ يَجِدْ فبكلمةٍ طيٍ)). قالَ عَدِيٌّ: فرأيتُ الظَّعِينَةَ تَرْتِحِلُ مِنَ الحِيرَةِ حَتَّى تَطوفَ بالكعبةِ لا تخافُ إلَّ الله، وكنتُ فيمَنْ افتتحَ كُنُوزَ كِسْرَى بن هُرْمُزَ، ولَئِنْ طالَتْ بَكُم حَياةٌ لَتَرَوُنَّ ما قالَ النَّبيُّ أبو القَاسِمِ ◌َّ: يُخرِجُ مِلْءَ كفِّهِ. ((وقال عدي بن حاتم: بينا أنا عند النبي عليه إذ أتاه رجل فشكى إليه الفاقة)) وهي الفقر والحاجة(١). ((ثم أتاه آخر فشكى إليه قطع السبيل))؛ يعني: عَدَمَ أمن الطريق. ((فقال: يا عدي هل رأيت الحيرة؟)) بكسر الحاء: بلد قديم بظهر الكوفة، ومحلَّةٌ معروفة بنيسابور. ((فإن طالت بك حياة فلترين الظعينة)) وهي المرأة التي في الهودج. ((ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلا الله))؛ يعني: إن طال عمرك ترى أمن الطريق بحيث تذهب المرأة من الحيرة إلى مكة قاصدةً إلى البيت آمنةً غير خائفة سوى الله تعالى. (ولئن طالت بك حياة لتُفتحَنَّ كنوز كسرى)): جمع كنز، وهو المال المدفون، و(كسرى) بكسر الكاف وفتحها: لقب ملوك الفرس. ((ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يُخرج ملْءَ كفه من ذهب، أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحداً يقبله منه))؛ يعني: ترى الغنى والسعة بين الناس بحيث لا يوجد فقير يقبل شيئاً من الأغنياء. (١) في ((غ)): ((أي من الفاقة وهي الحاجة)). ٢٦٦ ((وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه ترجمان)) بضم التاء وفتح الجیم وضمها. «یترجم له))؛ أي: يفسر كلامه. ((فليقولن: ألم أبعث إليك رسولاً فيبلِّغَك؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أعطك مالاً وأُفْضلْ عليك؟ فيقول: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم، فاتقوا النار ولو بشق تمرة)» وهذا تحريضٌ على التصدُّق بالمال على المساكين والاجتناب عما لا يحلُّ له أخذُه. ((فمن لم يجد فبكلمة طيبة، قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتی تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وکنت فیمن افتتح کنوز کسری بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لتروُنَّ ما قال النبي أبو القاسم - عليه الصلاة والسلام -: ◌ُخرج ملء کفه». ٤٥٧٢ - وقَالَ أبو هُرِيْرَةَ عَ﴾: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((يَهلِكُ كِسْرَى ثُمَّ لا كِسْرَى بَعْدَهُ، وقَيْصَرُ لَيَهْلِكَنَّ ثمَّ لا يكونُ قَيْصَرُ بعدَهُ، ولَتُنْفِقُنَّ كُنوزَهُما في سَبيلِ الله)). ((وقال أبو هريرة ﴿ه: قال النبي ◌ّ﴾: يهلك كسرى ثم لا يكون كسرى بعده)؛ يعني : ینقطع ملکه ونسله. ((وقيصر)) وهو لقب ملك الروم. «ليهلكن ثم لا يكون قيصر بعده، ولتنفقُنَّ کنوزهما في سبيل الله)) وجه الجمع بين هذا وبين ما روي أن النبي ولو كتب إلى كسرى يدعوه إلى الإسلام فمزق كتابه، فقال بالر: ((تمزق ملكه))، وكتب إلى قيصر فأكرم كتابه ووضعه في ٢٦٧ مسك، فقال ◌َله: ((ثبت ملكه)): أن كسرى تمزق ملكه فلم يكن له ملك باقيةٌ أصلاً، وأُنفقت كنوزه في سبيل الله، وأَوْرَتَ الله المسلمين أرضه، وقيصر ثبت ملكه بالروم وانقطع عن الشام واستفتحت خزائنه التي كانت بها، وأنفقت في سبيل الله، فمعنى: (لا قيصر بعده)؛ يعني: ثبوت ملك قيصر في الجملة بالروم وانقطاعه عن الشام أصلاً. ٤٥٧٣ _ وقَالَ: ((ليَفتَنِحَنَّ عِصَابةٌ مِنَ المُسلِمِيْنَ كَنْزَ آلِ كِسْرَى الذِي في الأَنْيَضِ)). (وقال لتَفْتحَنَّ) اللام جواب قسم مقدَّرٍ. «عصابةٌ))؛ أي: جماعة. ((من المسلمين كنز آل كسرى الذي في الأبيض)) يريد به القصر الأبيض الذي کان في المدائن يسمونه سبید کوشك. ٤٥٧٤ - وعَنْ خَبَّابٍ بن الأَرَتِّ ◌َ﴾هِ قَالَ: شَكَوْنَا إِلى النَّبِيِّ ◌ََّ، وهوَ مُتَوَسِّدُ بُرْدَةً لَهُ في ظِلِّ الكَعْبةِ، وقدْ لَقِينا مِنَ المُشرِكِينَ شِدَّةً، فقُلنا: ألا تَدعو الله؟ فقعَدَ وهوَ مُحْمَرّ وجهُهُ، قَالَ: ((كانَ الرَّجُلُ فيمَنْ كَانَ قبلَكُمْ يُحفَرُ لهُ في الأرضِ فَيُجْعَلُ فيهِ، فيُجاءُ بالمِنْشَارِ فَيُوضَعُ فَوْقَ رَأْسِهِ فيُشَقُّ باثْتَيْنِ، وما يَصُدُّهُ ذلكَ عن دينِهِ، ويُمشَطُ بأمشَاطِ الحَدِيدِ ما دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ وعَصَبٍ، وما يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، والله لَيُتِمَّنَّ الله هذا الأَمرَ، حتَّى يَسيرَ الرَّاكِبُ منْ صَنعاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ لا يخافُ إلاَّ الله أو الذِّئبَ على غَنَمِهِ، ولكنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ». ٢٦٨ ((وعن خبّاب بن الأرت ◌ُه: شكونا إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو متوسّدٌ بردةً)؛ أي: كساءً مخططاً؛ يعني: جاعلٌ لها كالوسادة تحت رأسه. ((في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدةً فقلنا: ألا تدعو الله لنا؟))؛ أي: على المشركين فإنهم يؤذوننا. («فقعد وهو محمرٌّ وجهُه قال: كان الرجل فيمن كان قبلكم يُحفر له في الأرض فيجعل [فيه] فيجاء بالمنشار)) وهو آلة تُشقُّ بها الخشبة. ((فيوضع فوق رأسه فيشق باثنين وما يصدُّه))؛ أي: ما يصرفه ((ذلك)) العذاب الشديد ((عن دينه، ويمشَّط بأمشاط الحديد ما دون لحمه))؛ أي: ما تحت لحمه . ((من عظم أو عصب)» بيان (ما دون لحمه). ((وما يصدُّه ذلك عن دينه، والله لَيَتِمَّنَّ) بفتح اللام للتأكيد. ((هذا الأمر))؛ أي: هذا الدين. «حتی یسیر الراكب من صنعاء)» بلدٌ باليمن. ((إلى حضرموت)) وهو موضعٌ حضره صالحٌ النبيُّ عليه السلام فمات فيه فسمي بهذا الاسم، وقيل: حضر فيه موت جرجس، وقيل: هو اسم قبيلة . ((لا يخاف إلا الله تعالى، أو الذئب على غنمه)) أشار به ◌َّه إلى خلوّ الطريق والأماكن عن الأعداء، فإنها إذا خلت عن الأعداء ربما ظهر فيها الذئب، يعني: سيزول أذى المشركين عن المسلمين بظهور الدين على الأديان الباطلة. ((ولكنكم تستعجلون)) وفيه تحريض على الصبر على الأذى، والتحمُّل على المشاق، وعدم الاستعجال في الأمور. ٢٦٩ ٤٥٧٥ _ وقَالَ أَنَسٌَّ ◌َ﴿هَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَدخُلُ على أُمّ حَرامِ بنتِ مِلْحانَ، وكَانتْ تحتَ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ ﴿ه، فدَخَلَ عليها يَوماً فأطعَمَتْهُ، ثُمَّ جلسَتْ تَغْلِي رَأْسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ الله ◌ِ، ثُمَّ استيقَظَ وهُوَ يَضحَكُ، قالتْ: فقلتُ: وما يُضحِكُكَ يا رَسُولَ الله؟ قال: ((نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضوا عَلَيَّ غُزاةً في سَبِيلِ الله، يَركَبُونَ ثَبَجَ هذا البَحْرِ، مُلوكاً على الأسِرَةِ) - أَوْ: ((مِثْلَ المُلوكِ على الأسِرَّةِ» -، فقلتُ: يا رَسُولَ الله! ادْعُ الله أنْ يَجعَلَنِي منهُمْ، فَدَعا لَهَا، ثُمَّ وضَعَ رأسَهُ فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وهوَ يَضحكُ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ الله! ما يُضحِكُكَ؟ قال: (نَسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزاةً في سَبيلِ الله)) - كمَا قَالَ في الأُولى -، فقُلْتُ: يا رَسُولَ الله! ادْعُ الله أنْ يَجعَلَنِي منْهُمْ، قَالَ: ((أنتِ مِنَ الأوَّلينَ))، فركِبَتْ أُمّ حَرامِ البَحرَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ، فصُرِعتْ عَنْ دابَيِّها حِيْنَ خَرجَتْ مِنَ البَحرِ فھَلَكَتْ. ((وقال أنس له: كان رسول الله ﴿ يدخل على أم حرام بنت ملحان)): قيل: كانت من خالات النبي ◌ُّ من الرضاع. (وكانت تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها يوماً فأطعمته، ثم جلست تَفْلي رأسه)» من القمل. ((فنام رسول الله ◌َّر، ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناسٌ من أمتي عُرِضوا عليَّ غزاةً في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر)»؛ أي: وسطها. ((ملوكاً) نصب على الحال من ضمير (يركبون). ((على الأسرة)): جمع سرير بمعنى السفينة. ((أو)) قال: ((مثل الملوك)) نصبه إما حالٌ أو صفة مصدرٍ محذوف؛ أي: ٢٧٠ ركوباً مثل ركوب الملوك ((على الأسرة، فقلت: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها، ثم وضع رأسه فنام، ثم استيقظ وهو يضحك فقلت: يا رسول الله ما يضحكك؟ قال: ناس من أمتي عرضوا عليَّ غزاة في سبيل الله تعالى - كما قال في الأولى - فقلت: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت من الأولين، فركبت أم حرام البحر في زمن معاوية ﴾ فصرعت))؛ أي: سقطت. ((عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت)). ٤٥٧٦ _ وقَالَ ابن عبّاسِ ﴾: إِنَّ ضماداً قَدِمَ مَكَّةَ، وكَانَ منْ أَزْدِ شَئُوْءَةَ، وكَانَ يَرْقِي مِنْ هذِهِ الرِّيحِ، فَسَمِعَ سُفَهاءَ أهْلِ مَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ مُحمَّداً مَجِنُونٌ، فَقَالَ: لَوْ أَنِّي رَأَيْتُ هَذا الرَّجُلَ لَعَلَّ الله يَشْفِيهِ على يَدَيَّ، قَالَ: فِلِقَيَّهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إنِّي أَرْقِي منْ هذا الرِّيحِ، فهلْ لكَ؟ فقالَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ: ((إِنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ ونَسَتَعينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ الله فلا مُضلَّ لهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هَادِيَ لهُ، وأَشْهَدُ أنْ لا إِلَهَ إلاَّ الله، وحدَهُ لا شَريكَ لهُ، وأنَّ مُحَمَّداً عبْدُهُ ورَسُولُهُ، أمَّا بَعْدُ»، فَقَالَ: أعِدْ عليَّ كَلِماتِكَ هؤلاءِ، فَأَعَادَهُنَّ عليهِ رَسُولُ الله ◌َِّ ثَلاثَ مرَّاتٍ، فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعتُ قَوْلَ الكَهَنَةِ وقَوْلَ السَّحَرَةِ وَقَوْلَ الشُّعَراءِ، فما سَمِعتُ مِثْلَ كَلِمَاتِكَ هَؤُلاءِ، وَلَقَدْ بَلَغْنَ نَاعُوْسَ البَحرِ، هَاتِ يَدَكَ أُبايعْكَ عَلَى الإِسلامِ، قَالَ: فبایَعَهُ. ((وقال ابن عباس ﴾: إن ضماداً)): بكسر الضاد المعجمة، هو ضمادٌ الأَزْدُّ كان صديقاً للنبي ◌َّهِ وصاحباً له في الجاهلية قبل أن يبعث الآن. «قدم مكة)؛ أي: رجع من سفره. ((وكان من أَزْدِ شَنُوءَةَ» قبيلة من اليمن. ٢٧١ ((وكان))؛ أي: ضماد ((يرقي))؛ أي: يعالج من داءٍ بقراءةٍ ونفث فيه، وهي جملة حالية . ((من هذه الريح))؛ يعني: من العلة الحاصلة من مسِّ الجن، قال أبو موسى: الريح هنا بمعنى الجن، سُموا بها؛ لأنهم لا يُرون کالريح. ((فسمع سفهاءَ أهل مكة يقولون: إن محمداً مجنون)) ولا بُعدَ فيه؛ لأنهم كانوا مجانين، والمجانين إذا كان فيهم عاقل يسمونه مجنوناً لمخالفته إياهم. ((فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي، قال: فلقيه فقال: يا محمد! إني أرقي من هذا الريح فهل لك؟))؛ أي: هل لك من حاجة إلى دوائي؟ . ((فقال رسول الله رَله: إن الحمد لله نحمده)) على تخلصي مما ينسبونه إلي من الجنون . ((ونستعينه)) على الصبر على إيذاء السفهاء. ((مَنْ يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضْلِلْ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد)) هذا شروعٌ بعد تحميد الله إلى خطاب آخر، ولكن لم يظفر ما ذكر النبي - عليه الصلاة والسلام - ((فقال))؛ أي: ضماد حين سمع هذه الكلمات التي يقطر منها ماءُ الحياة: ((أعد عليَّ كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله بيّ ثلاث مرات، فقال)): ما أحسن وأفصح هؤلاء الكلمات. «لقد سمعت قول الكهنة)) جمع كاهن. «وقول السحرة)) جمع ساحر. ((وقول الشعراء)) جمع شاعر. ((فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغنا ناعوس البحر)) قيل: ٢٧٢ الناعوس في البحر: ما سكن فيه الأمواج، وهو الوسط؛ أي: انتهى معاني كلماتك هذه إلى سويداء قلبي، وقيل: معناه: بلغنا في سماع كلامك هذا لجةً بحرٍ لا يتناهى قعره في الفصاحة والبلاغة وكثرة المعاني. قيل: وقع الرواية في كتاب ((المصابيح)): (بلغنا) وهو غير مستقيم من طريق المعنى، والصواب: (بلغن) وكذا (ناعوس البحر) خطأ لم يسمع في لغة العرب، والصواب: (قاموس البحر)؛ أي: وسطه ومعظمه. ((هات))؛ أي: أعطني ((يدك أبايعك)) بالجزم جواب الأمر. ((على الإسلام، قال: فبايعه)) انظر إلى كمال حكمة النبي ◌َّ كيف داوى ضماداً وشفاه من جنون الجهالات. فصل في المِعْرَاجِ (باب في المعراج) وهو الدرجة، مفعال من العروج، وجميع أحاديث هذا الباب من ((الصحاح)) فلذا لم يتعرض لذكره. مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٥٧٧ - عَنْ قَتَادَةَ ﴿هِ، عَنْ أَنَسِ بنِ مالِكِ ظُهِ، عَنْ مالِكِ بن صَعْصَعَة ◌ُ﴾: أَنَّ نبِيَّ اللهَ وَّهِ حدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بهِ: (بَيْنَمَا أَنَا فِي الحَطِيمِ - وربَّما قَالَ: في الحِجْرِ - مُضطَجِعاً، إذْ أتانِي آتٍ فشقَّ ما بينَ هذِه إلى هذِهِ - يَعني: منْ ثُغْرةِ نَحْرِهِ إلى شِعْرَتِهِ - فاستخرجَ قَلبي، ثُمَّ أُتيتُ بطَسْتٍ مِنْ ذَهبٍ مملوءٍ إِنْماناً، فَغُسِلَ ٢٧٣ قَلبي، ثُمَّ حُشِيَ، ثُمَّ أُعيدَ - وفي روايةٍ: ثُمَّ غُسِلَ البَطْنُ بماءٍ زَمْزَمَ، ثُمَّ مُلِىءَ إِنْمَاناً وحِكْمةً - ثُمَّ أَتْيتُ بِدَابَّةٍ دُونَ البَغْلِ وفوقَ الحِمارِ أبيضَ، يَضَعُ خَطْوَهُ عندَ أقصَى طَرْفِهِ، فحُمِلتُ عليهِ، فانطلقَ بي جِبريلُ، حتَّى أتَى السَّماءَ الدُّنيا، فاسْتفتَحَ، قيلَ: مَنْ هذا؟ قالَ: جِبريلُ، قيل: ومَن معكَ؟ قال: محمّدٌ، قيلَ: وقدْ أُرسِلَ إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً بهِ فِنِعْمَ المجيءُ جاءَ، ففَتَحَ، فلمَّا خَلَصْتُ فإذا فيها آدمُ صَلَواتُ الله عليهِ، فَقَالَ: هذا أَبَوكَ آدمُ فسَلِّمْ عليهِ، فسلَّمتُ عليهِ، فردَّ السَّلامَ ثُمَّ قَالَ: مَرحباً بالابن الصَّالِحِ والنَّبيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بي حتَّى أَتَى السَّماءَ الثَّانيةَ، فاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذا؟ قَال: جِبريلُ، قِيلَ: ومَنْ معكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وقَدْ أُرسِلَ إليه؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرحباً بهِ فِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، فَفَتَحَ، فلمَّا خَلَصْتُ إذا يَحيَى وعيسَى صلواتُ الله عليهما، وهُمَا ابْنا خَالَةٍ، قَالَ: هذا يَحيَى وعيسَى فسلِّمْ عليهما، فسَلَّمتُ، فردًا ثُمَّ قالا: مَرحباً بالأخِ الصَّالِحِ والنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بي إلى السَّماءِ الثَّالثةِ، فاسْتفتَحَ، قِيْلَ: مَنْ هذا؟ قَالَ: جِبْريلُ، قِيْلَ: ومَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيْلَ: وقدْ أُرسِلَ إِليهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرحَباً بهِ فِنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، ففُتِحَ، فلمَّا خَلَصْتُ إذا يُوسُفُ، قَالَ: هذا يُوسُفُ فسَلِّمَ عليهِ، فسَلَّمتُ عليهِ، فردَّ ثُمَّ قَالَ: مَرَحَباً بالأخِ الصَّالِحِ والنَّبِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بي حتَّى أتَى السَّماءَ الرَّابعةَ، فاسْتَفْتَحَ، قِيْل: مَنْ هذا؟ قَالَ: جِبريلُ، قِيْلَ: ومَنْ معكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيْلَ: وقدْ أُرسِلَ إليهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرَحَباً بهِ فِنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، ففُتِحَ، فلمَّا خَلَصْتُ فإذا إِدْرِيسُ، قَالَ: هذا إِدْرِيسُ فسَلِّمَ عليهِ، فسَلَّمتُ عليهِ، فردَّثُمَّ قَالَ: مَرَحَباً بالأخِ الصَّالِحِ والتَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بي حتَّى أتَى السَّماءَ الخَامِسَةَ، فاستفتَحَ، قِيْل: مَنْ هذا؟ قَالَ: حِبْرِيْلُ، قِيْل: ومَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيْلَ: وقدْ أُرسِلَ إليهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيْلَ: مَرَحَباً بهِ فِنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، فلمَّا خَلَصْتُ فِإِذَا هَارونُ، قَالَ: هذا هَارونُ فسَلِّمَ عليهِ، فسَلَّمتُ عليهِ، فردَّ ثُمَّ ٢٧٤ قَال: مَرحَباً بالأخِ الصَّالِحِ والنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثمَّ صَعِدَ بي حتَّى أتَى السَّماءَ السَّادِسةَ، فاستفتَح، قيل: مَنْ هذا؟ قَالَ: جِبريلُ، قِيلَ: ومَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ؟ قِيْل: وقَدْ أُرسِلَ إليهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرَحَباً بهِ فِنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فإذا مُوسَى، قال: هذا مُوسَى فسَلِّمَ عليهِ، فسَلَّمتُ عليهِ، فردَّ ثُمَّ قَالَ: مَرَحَباً بالأخِ الصَّالِحِ والنَبِّ الصَّالِحِ، فلمَّا تَجَاوَزْتُ بكَى، قِيلَ لَهُ: ما يُبكِيكَ؟ قَالَ: أَنْكِي لأنَّ غُلاماً بُعِثَ بعدِي يَدخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَدخُلُها مِنْ أُمَّتِي، ثمَّ صَعِدَ بي إلى السَّماءَ السَّابعةِ، فاستفتَحَ جِبريلُ، قِيلَ: مَنْ هذا؟ قَالَ: جِبريلُ، قِيْلَ: ومَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحمَّدٌ، قِيْل: وقدْ بُعِثَ إِليْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرحَباً بهِ فِنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، فلمَّا خَلَصْتُ فِإِذَا إِبْراهيمُ، قَالَ: هَذا أَبُوكَ فَسَلِّمْ عليهِ، فَسَلَّمْتُ عليهِ، فردَّ السَّلامَ ثُمَّ قَالَ: مَرحباً بِالابن الصَّالِحِ والنَبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ رُفِعَتُ إِلى سِدْرَةِ المُنْتُهَى، فإذَا نَبَقُها مِثْلُ قِلالِ هَجَرَ، وإِذَا وَرَقُها مِثْلُ آذانِ الفِيَلَةِ، قَالَ: هذه سِدْرَةُ المُنْتُهَى، فإذا أَرْبَعَةُ أَنْهارِ : نَهَرانِ باطِنان، ونَهَرانِ ظاهرانِ، قُلتُ: ما هذانِ یا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: أمَّا الْبَاطِنَانِ فَنهرانِ فِي الجَنّةِ، وأمَّا الظّاهِرَانِ فَالنِيلُ والفُراتُ، ثُمَّ رُفِعَ لِي البَيْتُ الْمَعْمُورُ، ثُمَّ أُتيتُ بإناءٍ مِنْ خَمْرٍ وإناءٍ مِنْ لَبن وإناءٍ مِنْ عَسَلٍ، فأخذتُ اللَّبْنِ، فَقَالَ: هِيَ الفِطرةُ التي أنتَ عليها وأُمَُّكَ، ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ الصَّلاةُ خَمسينَ صَلاةً كُلَّ يومٍ، فَرَجَعْتُ فمَررْتُ عَلَى مُوسَى فَقَال: بِمَ أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمسينَ صَلاةً كُلَّ يَومٍ، قَالَ: إنَّ أمَّتَكَ لا تَستطيعُ خَمسينَ صَلاةَ في كُلِّ يومٍ، وإنِّي والله قدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وَعَالَجْتُ بني إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ المُعَالَجَةِ، فارجِعْ إلى ربك فسَلْهُ التخْفِيفَ لأُمَّتِكَ، فرجَعْتُ، فوضَعَ عنِّي عَشْراً، فرجَعْتُ إلى مُوسَى فَقَال مِثْلَهُ، فرجَعْتُ فوضَعَ عنِّي عَشْراً، فرجَعْتُ إلى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فرَجَعْتُ فوضَعَ عنِّ عَشْراً، فرجَعْتُ إلى مُوسَى فقالَ مِثْلَهُ، فرجَعتُ فَأُمِرْتُ بعَضْرِ صَلواتٍ كُلَّ يَومٍ، فرجَعْتُ إلى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فرجَعْتُ فَأُمِرْتُ بخَمسِ صلواتٍ ٢٧٥ كُلَّ يومٍ، فرجَعتُ إلى مُوسَى فقال: بِمَ أُمِرْتَ؟ قلت: أُمِرْتُ بِخَمسٍ صَلواتٍ كُلَّ يَوم، قال: إنَّ أُمَّتَكَ لا تَستطيعُ خَمسَ صَلواتٍ كُلَّ يومٍ، وإنِّي قدْ جَرَّيْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وعَالَجْتُ بني إِسْرائيلَ أَشَدَّ المُعَالجَةِ، فارجِعْ إلى ربكَ فسَلْهُ التَخْفِيفَ الْأُمَّتِكَ))، قَالَ: ((سَأَلْتُ ربي حتَّى استَحْبَيْتُ ولكنِّي أَرْضَى وأُسلِّمُ)) قال: ((فلمَّا جاوَزْتُ نادَى مُنادٍ: أمضَيْتُ فَرِيضَتِي، وخفَّفْتُ عن عِبادِي)). ((عن قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة: أن نبي الله صلى الله تعالى عليه وسلم حدَّثهم عن ليلة أسري به: بينما أنا نائم في الحطيم - وربما قال: في الحجر ـ)) بكسر الحاء ((مضطجعاً) والترديد من الراوي، اشتبه عليه أنه سمع (في الحطيم)، أو (الحجر)، وكثير من علماء العربية يرون (الحجر) و(الحطيم) شيئاً واحداً، ويقولون: سمي حجراً لما حُجر عليه بحيطانه، وسمي حطيماً لأنه حُطم جداره؛ أي: كسر عن مساواة جدار الكعبة. وقال بعضهم: هو غيره. فقال مالك: (الحطيم) ما بين المقام إلى الباب. وقال ابن جريج: هو ما بين الركن والمقام وزمزم، و(الحجر) حيث ينحطم الناس للدعاء؛ أي: ينكسر. وقيل: ما بين الركن الأسود إلى الباب. وقال ابن عباس : (الحطيم) جدار الكعبة، و(الحجر) ما أحاط به (الحطيم) مما يلي الميزاب من الكعبة. ((إذ أناني آت)) يريد به جبريل - عليه السلام -. ((فشق ما بين هذه إلى هذه، يعني من ثغرة نحره))؛ أي: من نقرة نحره ((إلى شعرته)) بكسر الشين؛ أي: إلى عانته، والشعرة: منبت شعر العانة. ((فاستخرج قلبي)) قيل: هذا الشق غير الشق الذي كان في صغره؛ لأن ذاك كان لأن يخرج من قلبه مادة الهوى، ولأن يصير قلبه مثل قلوب الأنبياء، وهذا ٢٧٦ كان لأن يدخل فيه كمال المعرفة والعلم والإيمان، ولأن يصير قلبه مثل قلوب الملائكة . (ثم أُتيت بطست من ذهب مملوءٍ إيماناً) قيل: لعله من باب التمثيل، أو تَمثَّل له الإيمان بصورة الجسم كما تَمثَّل له أرواح الأنبياء بالصور التي كانوا عليها . ((فغُسل قلبي)) وهذا الغَسل كان لتصفيته وتزيد قابليته لمعرفته ما عجز القلوب عن معرفته. (ثم حُشي)) على بناء المجهول؛ أي: مُلى إيماناً وحكمة بدليل الرواية الأخرى. «ثم أعید» إلى مكانه. ((وفي رواية: ثم غُسل البطن بماء زمزم، ثم مُلئ إيماناً وحكمة)). (ثم أتيت بدابة)) هي البراق. ((دون البغل وفوق الحمار، أبيض، يضع خطوه عند أقصى طَرْفه))؛ أي: عند غاية مدِّ بصره. ((فحملت عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح))؛ أي: طلب فتح بابها . ((قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد)) وفيه إشارة إلى أنه إنما استفتح لكون إنسان معه، ولو انفرد لما طلب الفتح، وإلى أن السماء محروسةٌ لا يقدر أحد أن يمر عليها أو يدخلها إلا بإذن الحارسين. (قيل: وقد أرسل إليه؟))؛ أي: هل أرسل الله إلى محمد للعروج رسولاً؟. ((قال: نعم، قيل: مرحباً به))؛ أي: لقي رحبةً وسعة. ٢٧٧ ((فنعم المجيء جاء)) وفيه تقديم وتأخير، والمخصوص بالمدح محذوف فيه، تقديره: جاء فنعم المجيءُ مجیُه. ((ففتح))؛ أي: باب السماء الدنيا. ((فلما خلصت))؛ أي: وصلت إلى السماء الدنيا. ((فإذا فيها آدم عليه الصلاة والسلام))، (إذا) للمفاجأة. ((فقال))؛ أي: جبريل: ((هذا أبوك آدم فسلَّم عليه، فسلَّمت عليه فردًّ السلام، ثم قال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح)) قيل: إنما أُمر بالتسليم على الأنبياء وإن كان أفضل منهم؛ لأنه كان عابراً عليهم، وكان في حكم القائم وهم في حكم القعود، والقائم يسلّم على القاعد. (ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة))؛ يعني: كل منهما ابن خالة الآخر؛ لأن عيسى بن مريم بنت عمران، ویحیی بن إیشاع بنت عمران. ((قال: هذا يحيى وعيسى فسلّم عليهما، فسلمت فردًا، ثم قالا: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، ففُتح فلما خلصت إذا يوسف، قال: هذا يوسف فسلّم عليه، فسأَّمت عليه فردّ ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى إلى السماء الرابعة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت فإذا إدريس قال: هذا إدريس فسلّم عليه، فسلّمت عليه فرد ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح ٢٧٨ والنبي الصالح، ثم صعد بي إلى السماء الخامسة فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت فإذا هارون قال: هذا هارون فسلّم عليه، فسلمت عليه فرد، ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة، فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا موسى قال: هذا موسى فسلِّم عليه، فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما تجاوزت))؛ أي: عن موسی. (بكى قيل له: ما يبكيك؟ فقال: أبكي لأن غلاماً بُعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي)) إنما بكى عليه السلام إشفاقاً على أمته حيث قصر عددهم عن عدد أمة محمد وَلي، لا حسداً عليه؛ لأن ذلك لا يليق بصفات الأنبياء. وأما قوله: (أن غلاماً بعث بعدي) فلم يكن على سبيل الإزراء، بل على معنى تعظيم منة الله على محمد صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك بلا طول عمرٍ في عبادته. (ثم صعد إلى السماء السابعة فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، فلما خلصتُ فإذا إبراهيم عليه السلام، قال: هذا أبوك إبراهيم فسلِّم عليه، فسلَّمت عليه فردَّ السلام، ثم قال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح)). قيل: المرئيُّ كان أرواح الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - متشكِّلةً بصورهم التي كانوا عليها إلا عيسى بن مريم فإنه مرئيٍّ بشخصه، ورؤيتهم على ٢٧٩ الترتيب المذكور تدل على تفاوت منازلهم وعروجهم، وعبورُهُ وَُّ عن جميعهم يدل على أنه يَّ﴿ أعلى منهم درجةً ورتبةً وعروجاً. ((ثم رفعت لي))؛ أي: جُعلت قريبة ((سدرة المنتهى)) وهي شجرة في أقصى الجنة ينتهي إليها أعمال العباد، أو ينتهي إليها علم الملائكة والرسل. ((فإذا نَبَقُها)) بكسر الباء الموحدة؛ أي: ثمرتها. ((مثل قلال هجر)): جمع قلة، وهي جرَّة عظيمة، و(هَجَر) بالفتحات: قرية قريبة من مكة كانت يُعمل فيها القِلاَلُ مثلُ الحِبَاب. ((وإذا ورقها مثل آذان الفيلة)) بكسر الفاء وفتح الياء: جمع الفيل، كقِرَدة جمع قردٍ. ((قال))؛ أي: جبريل عليه السلام: ((هذا سدرة المنتهى، فإذا أربعة أنهارٍ: نهران باطنان ونهران ظاهران، قلت: ما هذان يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة)) يقال لأحدهما: كوثر وللآخر: نهر الرحمة، وإنما قال: باطنان، لخفاء أمرهما فلا تهتدي العقول إلى وصفهما، أو لأنهما مَخفيَّان عن أبصار الناظرين فلا يُريان حتى يَصَبًّا فى الجنة. ((وأما الظاهران فالنيل والفرات)) والأوجه أنهما النهران المسميان على ما عرفنا بأعيانهما، وتكون مادتهما مما يخرج من أصل السدرة. ويحتمل أن تكون تسميتهما بهذين الاسمين من باب الاستعارة، بأن شبَّههما بنهري الجنة في الهضم والعذوبة، أو من باب تَوافُق الأسماء بأن يكون اسما نهري الجنة موافقتین لاسمي نهر الدنیا. (ثم رفع لي البيت المعمور)) قيل: هو بيتٌ في السماء السابعة حيال الكعبة، حرمتُه في السماء كحرمة الكعبة في الأرض، ويقال لهذا البيت أيضاً: صراخ . ٢٨٠