النص المفهرس

صفحات 241-260

مِنْ يدِهِ حَتَّى يَكُونَ هوَ الَّذِي يَنزِعُ يَدَهُ، ولا يَصرِفُ وجهَهُ عنْ وجهِهِ حتَّى يكونَ هوَ
الذِي يَصرِفُ وجهَهُ عنْ وجهِهِ، ولمْ يُرَ مُقدِّماً رُكبتَيْهِ بِينَ يَدَيْ جَليسٍ لهُ.
((عن أنس ﴾ أن رسول الله وب لو كان إذا صافح الرجل)) المصافحة: الأخذ باليد.
(لم يَنْزْعْ))؛ أي: لم يجر(١).
هیده من يده حتى يكون هو الذي ينزع يده، ولا يصرف وجهه حتى
يكون هو الذي يصرف وجهه عن وجهه، ولم يُر مقدِّماً ركبتيه)) قيل: كأنهما
عبارتان عن رجليه، وتقديمهما عبارةٌ عن مدِّهما؛ أي: لم يكن ◌َلِّ يمدُّ رجليه
(بين يدي جليس له)) وقيل: معناه: لم يكن مقدِّماً ركبتيه في الجلوس على رُكَب
جلسائه، بل يجلس مستوياً في الصف معهم.
وقيل: معناه: لم يرفع ركبتيه عند من يجالسه بل يخفضهما تعظيماً
لجليسه، وذلك لفرط أدبه وَ له .
٤٥٤٥ - عَنْ أَنَسِ ﴿هِ: أنَّ النَّبِيَّ وَ﴿ كَانَ لا يَدَّخِرُ شيئاً لِغدٍ .
((وقال: كان لا يدخر شيئاً)؛ أي: لا يبقي شيئاً لغدٍ توكُّلاً على الله تعالى
واعتماداً على خزائنه.
٤٥٤٦ - عَنْ جَابرٍ بن سَمُرَةَ ﴿هُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَّهِ طَوِيلَ الصَّمْتِ.
((عن جابر بن سمرة به قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم
طويل الصمت))؛ أي: كثير السكوت لا يتكلم إلا لحاجة.
(١) كذا في ((ت))، وفي (غ)): ((يجز))، ولعل المراد: ((يخلص)) أو ((يفك)). انظر: ((مرقاة
المفاتیح)) (١٠ / ٤٩٢).
٢٤١

٤٥٤٧ _ وعَنْ جَابِرٍ ◌َُ قَالَ: كانَ في كَلامِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ تَرْتِيلٌ وتَرْسِيلٌ.
((وعن جابر ه قال: كان في كلام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم
ترتيل وترسيل)) وهما بمعنَّى، وهو التبيينُ والإيضاح في الحروف.
*
٤٥٤٨ - عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَت: مَا كَانَ رَسُولُ اللهِهِ يَسْرُدُ
سَرْدَكُمْ هَذَا، ولكنَّهُ كانَ يتكلَّمُ بِكَلامِ بَيْنَهُ فَصْلٌ، يَحفظُهُ مَنْ جَلَسَ إلیهِ.
((عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما كان رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم يسرد سردكم هذا، ولكنه رَله كان يتكلم بكلام بينه فصلٌ))؛ أي: كان
مفصّلاً بعضه عن بعض .
«یحفظه من جلس إليه)).
٤٥٤٩ _ وعَنْ عَبدِالله بن الحَارِثِ بن جَزْءٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَداً أَكْثرَ تبشُّماً
مِنْ رَسُولِ الله ◌ِلهِ .
((عن عبدالله بن الحارث بن جَزْء)) - بفتح الجيم وسكون(١) الزاي المعجمة -
((قال: ما رأيت أحداً أكثر تبسُّماً من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم)).
٤٥٥٠ - عَنْ عبدِ الله بن سَلام ◌ُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذا جلَسَ
يتحدَّثُ، يُكثِرُ أنْ يرفعَ طَرْفَهُ إلى السَّماءِ.
((عن عبدالله بن سلام ﴾ قال: كان رسول الله پڼ إذا جلس يتحدث
يُكثر أن يرفع طرفه إلى السماء))؛ أي: يكثر النظر إلى السماء حالة التكلم ترقُّباً
لهبوط جبرائيل عليه السلام بالوحي.
(١) في ((ت)) و(غ)): ((وتشديد))، والصواب المثبت.
٢٤٢

٤- باب
المَبْعَثِ وَبَدْءِ الوَخي
(باب المبعث)
مِنَ الْصِحَاحِ:
٤٥٥١ _ عن عِكْرِمَةَ، عن ابن عبّاسِ ﴾ قَالَ: بُعِثَ رَسُولُ اللهِ وَل
لِأَرْبَعِينَ سَنةً، فمَكثَ بمكَّةَ ثَلاثَ عشْرةَ سَنةً يُوحَى إِليهِ، ثُمَّ أُمِرَ بالهِجرةِ فَهَاجَرَ
عشْرَ سِنِينَ، ومَاتَ وهُوَ ابن ثَلاثٍ وستِّينَ سَنةً.
وهو بمعنى البعث مصدرٌ ميمي من بَعَثَ: إذا أرسل، (وبدء الوحي)؛
أي: ابتداء الرسالة.
((من الصحاح)):
(عن عكرمة عن ابن عباس ﴾ قال: بُعث رسول الله (وَ ل﴿ لأربعين سنة))
اللام فيه للتاريخ؛ أي: أُرسل إلى كافة الخلق بعد أربعين سنة.
((فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحَى إليه، ثم أُمر بالهجرة فهاجر عشر
سنین، ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة)).
٤٥٥٢ - وعَنْ عمَّارِ بن أبي عمَّارٍ، عَنْ ابن عبّاسٍ ﴾ قَالَ: أَقَامَ
رَسُولُ اللهِ﴿ بمكّةَ خَمْسَ عِشْرَة سَنةً، يَسمَعُ الصَّوْتَ ويَرَى الضَّوْءَ سَبعَ سنينَ
ولا يَرَى شَيْئاً، وثَمَانِي سِنِينَ يُوحِى إِلَيهِ، وأقامَ بالمدِينةِ عَشْراً.
((عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس ﴾ قال: أقام النبي صلى الله
تعالى عليه وسلم بمكة خمس عشرة سنة يسمع الصوت))؛ أي: صوتَ جبرائيل
عليه السلام.
((ويرى الضوء))؛ أي: ضياء الضوء في الليالي المظلمة.
٢٤٣

((سبع سنين، ولا يرى شيئاً)) سواه من مَلَكِ وغيره، والسرُّ فيه: أن الملك
لا يفارقه ضوءُ الملكية ونورُ الربوبية، فلو رآه ابتداءً فربما لم تُطِقْه القوة البشرية
الترابية، وعسى أن يحدث من ذلك غشيٍّ، فاستؤنس أولاً بالضوء، ثم غشيه
الملك بعد ذلك .
ويجوز أن يراد بالضوء: انشراح صدره قبل نزول الوحي، فسمَّى الانشراح
ضوءاً، ولما تكمَّل انشراحُ صدره بعد وصول العمر إلى الأربعين استعدَّ أن يكون
واسطةً بين الله تبارك وتعالى وبين خلقه.
((وثماني سنين يوحى إليه، وأقام بالمدينة عشراً).
٤٥٥٣ - ويُروَى عَنِ ابن عبّاسِ عٌ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ تُوفِّيَ وهوَ ابن
خَمْسٍ وِتِّينَ سَنةً.
((ويروى عن ابن عباس : أن رسول الله ◌َ* توفي وهو ابن خمس
وستین سنة)).
٤٥٥٤ - ورُوِيَ عَنْ رَبِيعَةَ، عَنْ أَنَسِ ﴿ه قَالَ: تَوفَّاهُ الله على رأسِ سِتِّينَ
سَنةً.
((ويروى عن ربيعة عن أنس ◌َه أنه قال: توفَّه الله تعالى على رأس ستين
سنة)» .
٤٥٥٥ _ وعَنِ الزُّبَيْرِ بن عَدِيٍّ ◌َهِ، عَنْ أَنَسٍ ﴿ه قَالَ: قُبضَ رَسُولُ الله ◌َو
وهُوَ ابن ثلاثٍ وسِتِّينَ، وأبو بَكْرٍ وهوَ ابن ثلاثٍ وسِقِينَ، وعُمَرُ وهوَ ابن ثلاثٍ
وسِتِين وقَالَ مُحَمَّدُ بن إِسْمَاعيل: ثَلاثٍ وسِتِّينَ أكثرُ.
((وعن الزبير بن عديٍّ عن أنس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: قُبض
٢٤٤

النبي ◌َ﴾ وهو ابن ثلاثٍ وستين سنة، وأبو بكر وهو ابن ثلاث وستين، وعمر
وهو ابن ثلاث وستين، قال محمد بن إسماعيل)) هو البخاري صاحب
الصحيح: ((ثلاث وستين أكثر))؛ أي: هذه الرواية أكثر وأشهر.
٤٥٥٦ - عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا قَالَتْ: أَوَّلُ ما بُدِىَ بهِ رَسُولُ اللهِ وَه
مِنَ الوَحْرِ الرُّؤْيا الصَّادِقَةُ فِي النَّومِ، فَكَانَ لا يَرَى رُؤْيا إِلَّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ
الصُّبْحِ، ثمَّ حُببَ إِليهِ الخَلاءُ، وكانَ يَخْلو بِغَارِ حِراءٍ فِيَتَحَنَّثُ فيهِ - وهو التَّعْبُّدُ -
اللَّياليَ ذَواتِ العَددِ قبلَ أنْ يَنزِعَ إِلى أَهْلِهِ ويتزوَّدَ لذلكَ، ثُمَّ يَرجِعُ إلى خَديجةَ
فيتَزوَّدُ لِمِثْلِها، حتَّى جَاءَهُ الحَقُّ وهوَ فِي غَارِ حِراءٍ، فجَاءَهُ المَلَكُ فَقَال:
(اقْرَأْ)، قَالَ: ((ما أَنَا بقارِئٍ))، قَالَ: ((فأخذَنِي فَغَطَِّي حتَّى بَلغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ
أرْسَلَنِي، فَقَال: اقْرَأْ، فَقُلتُ: مَا أَنَا بِقارِئٍ، فأخذَنِي فَغَطَّني الثانيةَ حتَّى بلغَ
مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَال: اقْرَأْ، قُلْتُ: ما أَنَا بِقارِئٍ، فأخذَنِي فَغَطَِّي
الثَّالِثَةَ حتى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرسَلَنِي فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِأَسِّ رَيْكَ الَّذِى خَقَ ا خَلَقَ
الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ ) أَقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْمُ ن الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ن عَلََّ الْإِنسَنَ مَا لَّيَمَ﴾))، فرجَعَ بها
رَسُولُ اللهِ وَِّ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ على خَديْجَةَ فَقَال: ((زَمِّلونِي، زَمِّلوني))،
فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لخَديجةَ رَضيَ الله عنها وأخْبَرَها الخبَرَ:
((لقدْ خَشيتُ على نَفْسِي))، فقالتْ خَديجةُ: كلاَّ والله لا يُخْزِيكَ الله أبداً، إنّكَ
لَتَصِلُ الرَّحمَ، وتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وتَحمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدومَ، وتَقْرِي
الضَّيْفَ، وتُعِينُ على نَوَائبِ الحَقِّ، ثُمَّ انطلقَتْ بهِ خَديجةُ إلى وَرَقَةَ بنِ نَوْفَلِ،
ابن عمِّ خَديجَةَ، فقالتْ لهُ: يا ابن عمِّ! اسمَعْ مِن ابن أخِيْكَ، فقالَ لهُ وَرَقَةُ: یا
ابن أخي! ماذا تَرَى؟ فأخبَرَهُ رَسُولُ اللهِ وَلَّهِ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ وَرَقَةُ: هذا
النَّامُوسُ الَّذِي أَنْزِلَ الله عَلَى مُوسَى، يا لَيْتَنِي فيها جَذَعاً، لَيْتَنِي أكونُ حيّاً إِذْ
يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟))، قَالَ: نعمْ، لمْ يأْتِ
٢٤٥

رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ عُودِي، وإنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أنْصُرْكَ نصْراً مُؤَزَّراً،
ثُمَّ لمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أنْ تُوفِّيَ، وفَتَرَ الوَحْيُ حتَّى حَزِنَ النَّبِيُّونَ﴿ِ- فيما بلغنا - حُزْناً
غَدَا مِنْهُ مِراراً كيْ يَتَرَدَّى مِنْ رُؤُؤْسِ شَواهِقِ الچِبالِ، فكلَّما أَوْفَى بذِروَةِ جَبَلٍ
لِكَيْ يُلقِي نفسَهُ منهُ تَبَدَّى لهُ جِبريلُ فَقَال: ((يَا مُحَمَّدُ! إِنَّكَ رَسُولُ اللهِ حَقاً).
فيَسكُنُ لذلكَ جْشُهُ وتِقِرُّ نفسُهُ.
(وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: أولُ ما بدء به رسول الله وَ﴾ من
الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثلَ فَلَقِ
الصبح))؛ أي: ضوءه.
((ثم حُببَ إليه الخلاء)» وهو في الأصل مصدر خلا يخلو، يطلق على
الموضع الخالي .
((وكان يخلو بغار حراء)» بالكسر والمد: جبل بمكة؛ أي: في كهفه.
(فيتحنَّث فيه، وهو))؛ أي: التحنُّث ((التعبد)) تفسير من قول عائشة،
ويحتمل أن يكون من كلام الزهري؛ أي: يتعبَّد في ذلك الغار، سُمي التعبد
تحتُّثاً؛ لأنه يُلقي به الحِنْثَ والذنب عن نفسه، وأصله: التجنُّب عما يوجب الحنث.
((الليالي)) نصب على الظرف لـ (يتحنَّث).
((ذوات العدد قبل أن ينزع)) متعلق بـ (يتحنّث) يعني: يتعبد فيه أياماً قلائل
قبل أن يشتد الشوق ((إلى أهله))؛ يعني: لا يترك أهله بالكلية، بل كان يجعل لهم
منه حظاً.
(ويتزوَّد لذلك))؛ أي: يأخذ الزاد قَدْرَ تلك الأيام.
((ثم يرجع إلى خديجة)) أم فاطمة إذا نَفَدَ زاده.
((فيتزود لمثلها»؛ أي: لمثل تلك الأيام.
((حتى جاءه الحق))؛ أي: الأمر الحق وهو الوحي، أو رسول الحق وهو
جبريل عليه السلام.
٢٤٦

((وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ،
قال: فأخذني فغطني))؛ أي: عصرني شديداً ((حتى بلغ مني الجُهدُ)) بضم الجيم
ورفع الدال؛ أي: بلغ مني الطاقة مبلغاً هو غايتها .
ويروى بالفتح والنصب؛ أي: بلغ مني الغاطَّ جهدي وكربي؛ لأن
المغطوط في غاية الكرب والجهد، قيل: إنما غطَّه ليختبره هل يقول من تلقاء
نفسه شيئاً إذا اضطر أم لا .
(ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية
حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ ، فأخذني
فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: ﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِكَ الَّذِى خَلَقَ ن ◌َلَقَ اُلْإِنسَنَ﴾))؛ أي:
جنسَ الإنسان.
﴿مِنْ عَلَقٍ﴾: جمع علقة.
﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ﴾: مبتدأ خبره: ﴿آلْأَكْمُ﴾ ومحلُّها حالٌ من ضمير (اقرأ)،
و(الأكرم) هو الذي لا يوازيه كريم، ولا يعادله في الكرم نظير.
﴿الَّذِى عَّْ﴾؛ أي: الخطَّ. ﴿ بِالْقَلِ﴾ ويدخل في هذا كلُّ كتابة، وكلُّ قلم،
وأول من خَطَّ بالقلم إدريس عليه الصلاة والسلام.
﴿عَلََّ آلْإِنسَنَ مَالَزَيَمْ﴾ والمراد: الجنس؛ أي: علَّمهم ما لم يكونوا عالمين
به من الهدى والبيان، وما يأتون ويذرون من مصالحهم وصناعاتهم، أو
(الإنسان) آدم علَّمه أسماء كلِّ شيء.
((فرجع بها))؛ أي: بالقراءة، أو الآية، وقيل: بسبب تلك الغطة.
((رسول الله ﴿﴿ يرجف))؛ أي: يضطرب من الخوف ((فؤاده)) الرجفة: شدة
الحركة .
((فدخل على خديجة فقال: زملوني))؛ أي: غطُّوني ودِّّروني، قيل: إنما
٢٤٧

طلب التزميل؛ أي: التستر بالثوب؛ لأنه أصابه رعدةٌ من رؤية الملك وهيبته
وعظمة القرآن، والمرتعدُ إذا زمِّل سكن ما به.
((زملوني)) كرره للتأكيد.
((فزمَّلوه حتى ذهب عنه الروع))؛ أي: الفزع.
((فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت)) مقولُ(١) (قال)؛ أي:
خشيت ((على نفسي)) أن يكون ذلك نوعُ تخبُّطٍ من الشيطان.
((فقالت خديجة: كلا)) للردع؛ أي: امتنعْ عن هذا الكلام؛ يعني: ليس
الأمر كما تظن.
((والله لا يُخزيك الله تعالى أبداً، إنك لتصِلُ الرحم وتَصْدُقُ الحديث
وتحمِلُ الكَلَّ)) بفتح الكاف واللام المشددة؛ أي: المنقطع، تريد: إنك تعينُ
الضعيف .
(وتُكْسِبُ المعدوم)) يقال: كسب الرجلُ مالاً وأكسبتُه؛ أي: أعَنْتُّه على
كسبه، أو جعلته يكسبه، فإن كان من الأول فمعناه: إنك تصلُ إلى كلِّ معدوم
وتناله، ولا يتعذَّر عليك لبعده. وإن كان من الثاني فمعناه: إنك تعطي الناس
الشيء المعدوم عندهم وتُوصله إليهم، وهذا أولى؛ لأنه أشبه بما قبله من باب
التفضيل والإنعام، إذ لا إنعام في أن يكسب هو لنفسه مالاً كان معدوماً عنده،
وإنما الإنعام أن يُؤليه غيره.
وقيل: المراد بالمعدوم الفقير الذي صار من شدة حاجته وغاية اضطراره
کالمعدوم؛ أي: تعطيه .
وفي رواية: ((وتكسب المُعْدَمَ))؛ أي: تعطي العائل وتمنحه، قيل: وهو
الأصوب؛ لأن المعدوم لا يدخل تحت الاختيار.
(١) في ((غ)): ((مفعول)).
٢٤٨

وقيل: رواية (المعدوم) صحيحة اتساعاً، مبالغةً في العجز، كقولهم
للبخيل أو للجبان: ليس بشيء وإنما ذُكرت لفظة الكسب؛ للاستعارة في زيادة
السعي والجد.
((وتقري الضيف))؛ أي: تُحسِن إليه.
((وتعين على نوائب الحق)): جمع نائبة، وهي ما ينوب الإنسان؛ أي:
ينزل به من المهمات والحوادث؛ أي: تعين الملهوف على ما أصابه من
النوائب .
((ثم انطلقت به خديجة إلى ورقة بن نوفل)): كان نصرانياً بمكة .
((ابن عم خديجة فقالت له: يا ابن عم! اسمع من ابن أخيك، فقال له
ورقة: يا ابن أخي)) وهذا ليس على سبيل الحقيقة، بل للتعظيم والتبجيل.
((ماذا ترى؟ فأخبره صلى الله تعالى عليه وسلم خبر ما رأى، فقال ورقة:
هذا الناموس الذي أنزل الله تعالى على موسى)) قيل: (الناموس): صاحب سرِّ
الرجل الذي يُطلعه على باطن أمره ويخصُّه بما يستره عن غيره، والمراد: جبريل
عليه الصلاة والسلام؛ لاختصاصه باطِّلاع الوحي والغيب.
((يا ليتني فيها))؛ أي: في النبوة والدعوة.
((جذعاً)؛ أي: شاباً، نصب بإضمار كان؛ أي: يا ليتني كنت شاباً باقياً
وقت نبوتك ودعوتك، أو نصبٌ على الحال؛ أي: باقٍ فيها جذعاً، والأصل في
الجذع: حدیث السن .
((ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم: أومخرجيَّ هم؟)) قيل: الهمزة للاستفهام، والواو للعطف على مقدّر؛
أي: أيكون ما قلتَ وهم مخرجيَّ، قوله: (هم) مبتدأ و(مخرجي) خبره قُدِّمَ
عليه .
(قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودِي» فعلٌ ماضٍ
٢٤٩

مجهولٌ من المعاداة، وفي بعضٍ: (إلا أُوذي).
((وإن يدركني يومك)) يريد به: زمان ظهور دعوته، أو زمانَ يعاديه فيه
قومه ویریدون فيه إخراجه.
((أنصرك نصراً مؤزراً) بالهمزة المفتوحة والزاء المعجمة المفتوحة قبل
الراء المهملة؛ أي: نصراً بالغاً شديداً، من الأزر: القوة.
(ثم لم يَنشَب)؛ أي: لم يلبث.
((ورقة أن توفي))؛ أي: من أن توفي، حُذف عنه حرف الجر؛ يعني: لم
يتعلق ورقة بشيء، ولم يشتغل بعدما تكلم بهذا إلا أياماً يسيره ثم قبض روحه.
قيل: هو محكوم عليه بدخول الجنة؛ لأنه كان قائماً على دين عيسى عليه
الصلاة والسلام، وآمن بدين نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم، يدل عليه قوله:
(أنصرك).
ولمَا روي: أنه يَّي رآه بعد وفاته في ثياب بيض، وهو يدل على حسن حاله.
((وفتر الوحي))؛ أي: انقطع مدة.
((حتى حزن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيما بلغنا)) من
الأحاديث الدالة على حزنه، وهذا معترِضٌ بين الفعل ومفعوله المطلق وهو:
((حزناً غدا منه))؛ أي: ذهب من فتور الوحي ((مراراً) وقيل: (عدا) بالعين
المهملة؛ أي: جاوز.
((كي يتردی))؛ أي: يسقط .
((من رؤوس شواهق الجبال)): جمع شاهق، وهو الجبل المرتفع.
((فكلما أوفى))؛ أي: أشرف واطلع.
(بذروة جبل)) ذروة كل شيء: أعلاه.
((لكي يلقي نفسه منه، تبدی))؛ أي: ظهر.
٢٥٠

((له جبريل)) عليه الصلاة والسلام.
((فقال: يا محمد! إنك رسول الله حقاً) مصدر مؤكِّدٌ للجملة السابقة،
وهي قوله: (إنك رسول الله)، نُصِبَ بفعلٍ مضمر؛ أي: أحق هذا الكلام حقاً.
«فيسکن لذلك جأشه»؛ أي: روع قلبه.
((ويقر)) من القرار؛ أي: يطمئن.
«نفسه» ویزول روعه.
*
٤٥٥٧ - عَنْ جَابِرِ هِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ بَّهِ يُحدِّثُ عَنْ فَتْرةِ الوَحْي
قَالَ: ((فبَيْنَا أَنَا أمشِي إِذْ سَمِعْتُ صوتاً مِنَ السَّماءِ، فرفعتُ بَصَرِي، فَإِذَا المَلَكُ
الَّذِي جَاءَتِي بحِراءٍ قاعِدٌ على كُرسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأَرْضِ، فَجُئِئْتُ منهُ رُعْباً،
حَتَّى هَوَيْتُ إلى الأَرْضِ، فَجِئْتُ أَهْلِي فقُلتُ: زمِّلوني، زمِّلوني، فزمَّلُوني،
فَأَنزَلَ الله تعالى: ﴿يَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) قُرْفَذِرْ﴾ - إلى قوله -: ﴿فَاهْجُرْ﴾، ثُمَّ حَمِيَ
الوَحْيُ وتَتَابَعَ) .
(عن جابر أنه سمع النبي ◌َّه يحدث عن فترة الوحي قال: فبينا أنا
أمشي سمعت صوتاً من السماء، فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء
قاعدٌ على كرسي بين السماء والأرض، فُجُئِثتُ)) بهمزة بعد الجيم المضمومة؛
أي: فزعت.
((منه رعباً)) نصب على المصدر؛ أي: ممتلئاً رعباً، أو على الحال؛ أي:
مرعوباً كلَّ الرعب.
((حتى هويت))؛ أي: سقطت.
((إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت: زمِّلوني، زمِّلوني، فزمَّلوني فأنزل
الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّفِرُ نْ قُرْفَأَذِيرٌ ﴾))؛ أي: أَعْلِم الناس بالتخويف عن العذاب.
٢٥١

((إلى قوله: ﴿فَأَهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] ثم حمي الوحي وتتابع))؛ أي: اشتد
نزوله متتابعاً متواتراً.
٤٥٥٨ - عَنْ عَائِشَةَ رَضيَ الله عَنْها: أنَّ الحَارِثَ بن هِشام ◌َ سَألَ
رَسُول الله وَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُوْلَ الله! كيفَ يأتِيكَ الوَحْيُ؟ فقالَ رَسُولُ الله ◌ِّ:
(أَحْياناً يأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وهوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيُقْصِمُ عِنِّي وقدْ وَعَيْتُ
عنهُ ما قَالَ، وأحياناً يَتمثَّلُ لي المَلَكُ رَجُلاً فيُكلِّمُني فأعِي ما يقولُ»، قالت
عَائِشَةُ رَضِيَ الله عَنْها: ولقدْ رأيتُهُ يَنْزِلُ عليهِ الوَحْيُّ في اليومِ الشَّدیدِ البِرْدِ،
فِيَقْصِمُ عَنْهُ وإنَّ جَبينَهُ لِيَتَفَصَّدُ عَرَقاً.
((عن عائشة - رضي الله عنها - أن الحارث بن هشام سأل رسول الله والموت
فقال: يا رسول الله! كيف يأتيك الوحي؟))، (كيف) سؤالٌ عن الحال.
((فقال النبي ◌َّهِ: أحياناً) جمع (حين)، نصب على الظرفية.
((يأتيني مثل صلصلة الجرس))؛ أي: صوته إذا حرِّك، وهذه الصلصلةُ
كانت من ضرب أجنحة الملك الذي كان يهبط إليه.
قال الخطابي: يريد - والله أعلم - أنه صوتٌ متدارِكٌ يسمعه ولا يثبته عند
أول ما يقرع سمعه حتى يتفهم فيتلقّفه ویعیه، ولذا قال:
«وهو أَشَدُّه))؛ أي: إتيانه إياي مثلَ صلصلة الجرس أشدُّ نوعي الوحي
((عليَّ، فَيَفْصِمُ عني))؛ أي: ينقطع الوحي عني ((وقد وعيت عنه))؛ أي: حفظت
«ما قال)).
وإنما حقَّق الوحيَ في هذا النوع بحرف (قد)؛ لبعد الوحي في هذه الحال
لصعوبته وعسره فيها .
٢٥٢

((وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي))؛ أي: فأحفظ ((ما يقول))
وإنما لم يقل فيه لفظة (قد)؛ لسهولته ويسره.
قيل: وقد يكون الوحي بالكلام، ولا يتأتى ذلك إلا بواسطة ملك يتمثّل
في صورة بشر كجبريل تمثّل في صورة دحية الكلبي.
وقد يكون بالرمز والإشارة والكتابة كما قال الله تبارك: ﴿فَأَوْحَىّ إِلَيْهِمْ أَنْ
سَبِّحُواْبُّكْرَةٌ وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١] قيل: معناه: أشار، وقيل: كتب.
وقد يكون بالإلهام كقوله تعالى: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَىَنْ أَرْضِعِيَّةٍ ﴾ [القصص:
٧].
وقد يكون بالتسخير كقوله تعالى: ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨].
وقد يكون بالرؤيا، قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ((انقطع
الوحي وبقيت المبشِّرات))؛ أي: رؤيا المؤمن.
والثلاثة الأخيرة لا تختص بالأنبياء، بل قد تكون للأولياء أيضاً.
(قالت عائشة - رضي الله تعالى عنها -: ولقد رأيته ينزل عليه الوحيُّ في
الیوم الشديد البرد فیفصم عنه وإن جبينه))؛ أي: جبهته .
((ليتفصَّد))؛ أي: ليتصبَّب ويسيل.
((عرقاً)) نصبٌ على التمييز.
٤٥٥٩ - عَنْ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ ﴿هَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ نَّهِ إِذَا أُنزِلَ عَلَيْهِ
الوَحْيُ كُرِبَ لِذِلِكَ وَتَرَّدَ وجْهُهُ.
وفي رِوَايَةٍ: نَكَسَ رأسَهُ، ونَكَسَ أَصْحَابُهُ رؤسَهُمْ، فلمَّا سُرِّيَ عنْهُ رَفَعَ
رأسَهُ.
٢٥٣

((عن عبادة بن الصامت ه قال: كان رسول الله وَّ إذا نزل عليه الوحي
كُرِبَ لذلك))؛ أي: لنزول الوحي عليه، والكرب: هو الغم الذي يأخذ بالنفس.
(وتربَّد وجهه))؛ أي: تلوَّن وتغيّر فصار كلون الرماد.
يحتمل أنه وَّ﴿ كان يهتمُّ بأمر الوحي اهتماماً شديداً، ويهابُ مما يطالَبُ به
من حقوق العبودية والقيام بشكر المنعِم، ويخشى على عصاة الأمة أن ينالهم
غضبٌ من الله تعالى، فيأخذه الغمُّ حتى يعلم ما يقضى.
((وفي رواية: نكس رأسه))؛ أي: نظر إلى الأرض كالمتفكِّر تعظيماً
للوحي وإجلالاً له.
((ونكس أصحابه رؤوسهم)) موافقةً له صلى الله تعالى عليه وسلم في
ذلك.
«فلما أُتْلِيَ عنه))؛ أي: قطع عنه ((الوحي رفع رأسه)).
٤٥٦٠ - عَنِ ابن عبّاسِ ﴿﴾ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِنَ
خَرَجَ النَّبِيُّ ◌َهِ حَتَى صَعِدَ الصَّفَا، فَجَعَلَ يُنادِي: ((يا بني ◌ِهْرٍ! يا بني عَدِيّ!»،
لِبُطونِ قُريشٍ، حتَّى اجتمعُوا، فجَعَلَ الرَّجُلُ إذا لمْ يستطِعْ أنْ يَخرِجَ أَرْسَلَ
رَسُولاً لِينظُرَ ما هوَ، فَجَاءَ أبو لَهَبٍ وَقُريشٌ، فقال: ((أرأيتُمْ إِنْ أخبرتُكُمْ أنَّ
خَيْلاً تخرُجُ منْ سَفْحِ هذا الجَبلِ - وفي رِوَايةٍ: أنَّ خَيْلاً تخرجُ بالوادِي تُريدُ أنْ
تُغيرَ عليكُم - أكُنُمْ مُصَدِّقِيَّ؟))، قالوا: نَعَمْ، مَا جرَّبنا عليكَ إلاَّ صِدقاً، قَالَ:
((فإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عذابٍ شَدِيدٍ))، قَالَ أبو لَهَبٍ: تبّأَ لكَ، أَلِهِذا جَمعْتَنَا؟
فنزلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ .
((عن ابن عباس : لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِنَ ﴾ [الشعراء: ٢١٤]
٢٥٤

خرج النبي (م﴿ حتى صعد الصفا فجعل))؛ أي: طفق ((ينادي: يا بني فهرٍ))
بكسر الفاء وسكون الهاء: أبو قبيلة من قريش، وهو فهر بن مالك بن النضر بن
كنانة .
(يا بني عدي)) وهو عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن
النضر.
((لبطون قريش)): جمع بطن، وهو دون القبيلة.
((حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً
لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريشٌ، فقال))؛ أي: النبي ◌َّ:
((أرأيتم))؛ أي: أخبروني.
((إن أخبرتكم))؛ أي: أعلمتكم.
((أن خيلاً))؛ أي: فرساناً.
«تخرج من صفح هذا الجبل))؛ أي: من جانبه وناحيته.
((وفي رواية: أن خيلاً تخرج بالوادي تريد أن تُغِير عليكم أكنتم
مصدِّقيَّ؟))؛ أي: هل أنتم تصدقونني أم لا؟.
((قالوا: نعم ما جرَّبنا عليك إلا صدقاً، قال: فإني نذير))؛ أي: منذر.
«لکم بين يدي))؛ أي: قدام.
((عذاب شديد)) إما في الدنيا، أو في الآخرة.
(قال أبو لهب) للنبي (ێ :
((تباً لك))؛ أي: خسراناً وهلاكاً لك.
(ألهذا جمعتنا))؛ أي: لأجل هذا دعوتنا، وروي أنه أخذ حجراً ليرميه بها.
((فنزلت: ﴿تَبَّتْ﴾))؛ أي: خسرت وهلكت.
٢٥٥

﴿يَدَآ أَبِ لَهَبٍ﴾ عبَّر باليد عن نفسه مجازاً إطلاقاً للجزء على الكل، أو
اليد زائدة .
﴿وَتَبَّ ﴾ تأكيد للأول.
٤٥٦١ - عَنْ عبدِ الله بن مسعودٍ ﴿هُ قَالَ: بَيْنما رَسُولُ اللهِوَّهِ يُصلِّي عِندَ
الكَعبةِ، وجَمْعُ قُريشٍ في مَجالِسِهِمْ، إذْ قالَ قائِلٌ: أَيُّكُمْ يقومُ إِلى جَزورِ آلِ
فُلانٍ فِيَعْمِدُ إلى فَرْئِها ودَمِها وسَلاها، ثُمَّ يُمْهِلُهُ حتَّى إذا سجدَ وضعَهُ بينَ
كِتِفَيْهِ؟ فانبعَثَ أَشْقَاهُمْ، فلمَّا سَجِدَ وَضَعَهُ بينَ كِتِفَيْهِ، وَثَبَتَ النَّبِيُّ ◌َهِ سَاجِداً،
فضَحِكوا حتَّى مَالَ بعضُهم على بَعضٍ مِنَ الضَّحِكِ، فانطلقَ مُنطلِقٌ إلى فَاطِمةَ
رَضِيَ الله عَنْها فأخبَرَهَا، فأقبلَتْ تسعَى، وثَبَتَ النبيُّ وَهُ سَاحِداً حتَّى ألقَتْهُ
عنهُ، وأقبَلَتْ عَلَيهِمْ تسُبُّهُمْ، فلمَّا قضَى رَسُولُ اللهِنَِّ الصَّلاةَ قَالَ: ((اللهمَّ!
عليكَ بقريشٍ))، ثلاثاً - وكانَ إذا دَعا دَعا ثلاثاً، وإذا سألَ سألَ ثلاثاً - اللهمَّ!
عليكَ بعَمرِو بن هِشامٍ، وعُتبةَ بن رَبيعةَ، وشَيْبَةَ بن رَبيعةَ، والوليدِ بن عُثْبةَ،
وَأُمِيَّةَ بن خَلَفٍ، وعُقْبَةَ بن أبي مُعَيْطٍ، وعُمَارةَ بن الوَليدِ))، قَالَ عبدُالله: فوَالله
لَقَدْ رَأيْتُهُمْ صَرْعَى يومَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبوا إلى القَلِيبِ قَلِيبٍ بَدْرٍ، ثُمَّ قالَ
رَسُولُ اللهِوَّةِ: ((وأُتْبَعَ أَصْحَابُ القَلِيبِ لَعنةً)) .
((عن عبدالله بن مسعود ه قال: بينما رسول الله وَلخير قائماً يصلي عند
الكعبة وجمعُ قريش في مجالسهم، إذ قال قائل: أيكم يقوم إلى جزور آل
فلانٍ)) بفتح الجيم وضم الزاء المعجمة قبل المهملة، وهو من الإبل يقع على
الذكر والأنثى.
((فيعمد))؛ أي: يقصد.
٢٥٦

((إلى فرثها)) وهو السرجين ما دام في الكرش.
((ودمها وسَلاها)) بفتح السين بالقصر، وهو جلدٌ رقیق یکون فيه الولد من
المواشي، فإذا انقطع في البطن هلكت الناقة والولد.
((ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه، فانبعث أشقاهم))؛ أي: ذهب
أشقى كفار قريش، قيل: هو أبو جهل، وقيل: عقبة بن أبي معيط، جاء بسلا جزور
((فلما سجد وضعه بين كتفيه، وثبت النبي - عليه الصلاة والسلام - ساجداً) وإنما
ثبت النبي وسي ساجداً في الصلاة؛ لأن هذا الصنيع منهم كان قبل تحريم هذه الأشياء
من الفرث والدم وذبيحة أهل الشرك، فلم تكن تبطل الصلاة بها .
((فضحكوا حتى مال بعضهم إلى بعض من الضحك، فانطلق منطلقٌ إلى
فاطمة فأخبرها، فأقبلت تسعى وثبت النبي ◌َّلفي ساجداً حتى ألقته عنه وأقبلت
عليهم تسبهم، فلما قضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الصلاة قال:
اللهم عليك بقريش)) الباء زائدة، و(عليك) اسم فعل بمعنى: خذ؛ أي: خذهم
مقهورین واستأصلهم.
(«ثلاثاً، وكان إذا دعا دعا ثلاثاً وإذا سأل سأل ثلاثاً: اللهم عليك بعمرو
ابن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة
ابن أبي معيط وعمارة بن الوليد، قال عبدالله : فوالله لقد رأيتهم صرعى)):
جمع صراع، أو صريع، نصب على الحال من الضمير المنصوب في (رأيتهم).
((یوم بدر ثم سحبوا))؛ أي: جزُّوا.
((إلى القليب)) وهو البئر قبل أن تُطْوى.
(قليب بدر، ثم قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: وأُتبعَ
أصحاب القليب لعنة))؛ يعني: لحقتهم اللعنة.
٢٥٧

٤٥٦٢ - عن عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: يا رَسُولَ الله! هلْ أتَى عَلَيْكَ
يَومٌ كانَ أَشَدَّ مِنْ يومٍ أُحُدٍ؟ قَال: «لقدْ لَقِيتُ منْ قومِكِ، وكانَ أشدَّ ما لَقِيتُ منْهُمْ
يومَ العَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نفسِي على ابن عبدِ يالِيلَ بن عبدِ كُلالٍ فلمْ يُجِبني إلى مَا
أردْتُ، فانطلقتُ وأنا مَهمومٌ على وجْهِي، فلمْ أستَفِقْ إلَّ بقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فرفعتُ
رأسِي فإذا أنا بسَحابةٍ قَدْ أظلَِّي، فنظَرْتُ فإذا فيها جِبريلُ، فنادَانِي فَقَال: إنَّ الله
سَمِعَ قولَ قومِكَ وما ردُّوا عليكَ، وقدْ بعثَ إليكَ مَلَكَ الجِبالِ لِتَأْمُرَهُ بما شِئْتَ
فِيهِمْ)، قَالَ: ((فَنَادَنِي مَلَكُ الجِبالِ وسلَّمَ عليَّ، ثمَّ قالَ: يا مُحَمَّدًا إنَّ الله قدْ سَمِعَ
قولَ قومِكَ، وأنا مَلَكُ الجِبالِ، وقدْ بَعَثِنِي رِبُّكَ إليكَ لِتَأْمُرَني بأمْرِكَ، إنْ شِئْتَ أنْ
أُطْبِقَ عليهِمُ الأخشَبَيْنِ))، فقالَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ: ((بلْ أرجُو أنْ يُخرِجَ الله منْ
أَصْلابِهِمْ مَنْ يعبُدُ الله وحْدَهُ لا يُشرِكُ بِهِ شَيئاً».
((عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: يا رسول الله! هل أتى عليك
يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: لقد لقيت من قومك)) بحذف المفعول؛ أي:
ما هو أشد من یوم أحد.
((وكان أشدُّ ما لقيت منهم)) بحذف خبر (كان)؛ أي: ما لقيتُ ((يومَ العقبة))
وهي التي يضاف إليها الجمرة موضعٌ بمكة، وكان ◌َّر وقف يوماً عند العقبة في
الموسم يدعو القبائل من العرب إلى الإسلام، فأبوا فاشتد ذلك عليه.
((إذا عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن كُلالٍ، فلم يجبني إلى ما
أردت، فانطلقت وأنا مهموم))؛ أي: كأني مَغْشيٍّ عليه.
((على وجهي)) متعلق بـ (انطلقت)، وكان ذلك بعد وفاة عمه أبي طالب،
وكان أبو طالب ينصره على كفار قريش، فلما مات كان الكفار يؤذونه وَليزر، فخرج
إلى الطائف يدعو ثقيفاً إلى الله فأبوا ذلك، فلما يئس منهم قدم مكة ووجد الكفار
أشدَّ مما كانوا عليه من إيذائه وَلّ ومخالفته، إلا شرذمة قليلين آمنوا بالله وصدقوه.
٢٥٨

فلما أراد الله إظهار دينه ونصرة نبيه ذهب إلى الموسم فأجاب رهط من
الخزرج أراد الله بهم الخير بما دعاهم إليه وقبلوا منه الإسلام، ثم رجعوا
إلى بلادهم فدعوا قومهم إلى الإسلام، فأجابوهم إليه حتى فشا فيهم الإسلام،
حتى إذا كان العام المقبل فوصل إلى رسول الله وَ إ اثنا عشر رجلاً منهم
بالعقبة، فبايعوه على بيعة النساء، وهو أن لا يشركوا بالله شيئاً ولا يسرقوا ولا
يزنوا ... إلخ.
((فلم أستفق))؛ أي: لم يزل عني ذلك الغم والحيرة.
((إلا بقرن الثعالب)) جبل بين مكة والطائف، والباء بمعنى (في).
((فرفعت رأسي فإذا أنا)) (إذا) للمفاجأة.
((بسحابةٍ قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله سمع
قول قومك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت
فيهم، قال: فناداني ملك الجبال فسلَّم عليَّ، ثم قال: يا محمد! إن الله قد
سمع قول قومك، وأنا ملكُ الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك إن
شئت أن أطبق عليهم)) من الإطباق، وهو جعل الشيء فوق الشيء محيطاً بجميع
جوانبه .
((الأخشبين)) قيل: أخشبا مكة جبلان مُطْبقان بمكة، وهما أبو قبيس
والأحمر، قيل: تارةً يضافان إلى مكة، ومرة إلى منى، وكلُّ جبل خشنٍ عظيمٍ
فهو أخشب.
(فقال رسول الله وَّ *: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله
وحده لا يشرك به شيئاً)).
٢٥٩

٤٥٦٣ - عن أَنَسِ عَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ﴿ كُسِرَتْ رَبَاعِيتُهُ يومَ أُحُدٍ وشُجَّ
في رأسِهِ، فجَعلَ يَسْلُتُ الدمَ عنهُ ويقولُ: ((كيفَ يُفْلِحُ قومٌ شَجُوا نِبَّهُمْ
وكَسَرُوا رَبَاعِيّهُ؟!)).
((عن أنس : أن رسول الله (َ﴿ كسرت رباعيته)) بفتح الراء وتخفيف
الباء؛ أي: سنُّه التي بين الثنية والناب.
((يوم أحد)) جبل بالمدينة.
«وشج في رأسه))؛ أي: کسر رأسه.
«فجعل يَسْلُتُ الدمَ عنه»؛ أي: یزیله ويمسحه.
:((ويقول: كيف يفلح))؛ أي: يظفر ويفوز.
((قوم شجوا رأس نبيهم، وكسروا رباعيته)).
٤٥٦٤ - وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ◌َُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِِّ: ((اشتدَّ غضَبُ الله
على قَوْمٍ فعلُوا بنبيهِ - يُشيرُ إلى رَبَاعِيَتِّهِ - اشْتَدَّ غضَبُ الله على رَجُلٍ يَقْتُلُهُ
رَسُولُ الله في سَبيلِ الله)).
((عن أبي هريرة قال: قال النبي وَيّ: اشتد غضب الله على قوم فعلوا
بنبيه - ويشير إلى رباعيته - اشتد غضب الله على رجل)) - وهو أبي بن خلف -
(يقتله رسول الله في سبيل الله)) وفيه إشعار بأن مَن يقتله من هو رحمةٌ للعالمين
لم يكن إلا أشقى الناس.
مِنَ الحِسَان:
٤٥٦٥ - عَنْ جَابِرِ ﴿ُهِ، عَنْ رَسُولِ الله ◌َّهِ: (أُذِنَ لِيْ أَنْ أُحَدِّثَ عنْ
ء
٢٦٠