النص المفهرس
صفحات 221-240
٤٥١٢ - عَنْ جَابرٍ بن سَمُرَ ﴿ه قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِوَّهِ صَلاةَ
الأُولى، ثُمَّ خَرَجَ إلى أهلِهِ وخرجْتُ مَعَهُ، فاستقْبَلَهُ وِلْدَانٌ، فَجَعلَ يَمْسَحُ خَدَّيْ
أَحَدِهِمْ واحِداً وَاحِداً، وأمَّا أنا فَمسَح خَدِّي، قَالَ: فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْداً أو رِئْحاً
كَأَنَّمَا أخرَجَهَا مِنْ جُوْنَةٍ عَطَّارٍ .
(عن جابر بن سَمُرَة ﴿به قال: صلَّيْتُ مع رسول الله وَّهِ صلاةَ الأُولى)):
وهي صلاة الظهر.
((ثم خرج))؛ أي: من المسجد.
(إلى أهله))؛ أي: متوجِّهاً إليهم.
((وخرجْتُ معه، فاستقبلَهُ))؛ أي: توجَّه إليه.
((وِلْدَانٌ»: جمع ولد، وهو الصبي.
«فجعل))؛ أي: فأخذ.
(يمسح))؛ أي: بيده ◌َل ـ
((خَدَّي أحدهم واحداً واحداً): نصب على الحال.
((وأما أنا فمسح خدَّيَّ، فوجدْتُ لِيَدِهِ بَرْداً)؛ أي: راحة.
((أو رِيحاً)؛ أي: رائحة طيبة.
((كأنما أخرجَهَا من جُوْنَةَ عَطَّار)) بضم الجيم وسكون الواو؛ أي: مِنْ
حُقَّتِهِ التي يُعَدُّ فيها الطِّيب ويُحْرَز، والحديث يدل على الشَّفقة والرَّحمة على
الأولاد والصغار.
مِنَ الحِسَان:
٤٥١٣ - عَنْ عَلِيٍّ بن أَبِيْ طَالِبٍ ◌َ﴿هَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَحِ لَيْسَ
٢٢١
بالطّويلِ ولا بالقَصِيرِ، ضَخْمَ الرَّاسِ واللِّحيةِ، شَفْنَ الكَفَّيْنِ والقَدمَيْنِ، مُشْرَباً
حُمْرَةً، ضَخْمَ الكَرادِيسِ، طَوِيلَ المَسْرُبَةِ، إِذَا مشَى تَكَفّأَ تَكْفُّأَ كأنَّما يَتحظُ مِنْ
صَبَبٍ، لَمْ أَرَ قِبَلَهُ ولا بَعْدَهُ مِثْلَهُ قَ﴾. صح.
((من الحسان)):
((عن علي﴾: كان رسول الله ◌َ﴾ ليس بالطويل ولا بالقصير، ضَخْمَ
الرأس واللُّحية، شَئنَ الكفَّيْنِ والقدمَيْنِ مُشْرَبٌ حمرة (١)): على صيغة اسم
المفعول؛ أي: مختلطاً بياضه بالحمرة، والإشراب: خَلْطُ لون بلون.
(ضَخْمَ الكَرَادِيس)): جمع الكُردوس، ملتقى كل عظمين كالركبتين
والمرفقين والمنكبين، أراد: أنه كان ضخم الأعضاء.
((طويل المَسْرُبة)) بفتح الميم وسكون السين المهملة وضم الراء: الشعر
الدقيق الذي [هو كأنه] قضيبٌ من الصدر إلى السرة.
((إذا مشى تَكَفََّ تَكَفُّأَ كأنما يَنحطُ))؛ أي ينزل.
((من صَبَبٍ))؛ أي: من موضع منحدر عالٍ.
(لم أرَ قبلَهُ ولا بعدَهُ مثله ◌َِّ).
(صح)).
٠٠٠
٤٥١٤ - وعَنْ عَلِيٍّ ◌َ﴿هَ، كَانَ إذا وصَفَ النَّبِيَّ وَّهِ، قَالَ: لَمْ يَكُنْ
بالطّويلِ المُمَّغِطِ ولا بالقَصِيرِ المُتردِّدِ، كَانَ رَبْعةً منَ القَومِ، ولمْ يَكُنْ بالجَعْدِ
القَطَطِ ولا بالسَّبطِ، كَانَ جَعْداً رَجِلاً ولمْ يَكُنْ بالمُطَهَّمِ ولا بالمُكَلْثَمِ، وكانَ في
(١) في هامش ((غ)): ((في نسخة: بالحمرة)).
٢٢٢
وجْهِهِ تَذْويرٌ، أَبَيَضُ مُشْرَبٌ، أدْعَجُ العَينَيَّنِ، أَهْدَبُ الأَشْفارِ، جَلِيْلُ المُشَاشِ
والكَتَدِ، أَجْرَدُ ذو مَسْرُبَّةٍ، شَفْنُ الكفَّيْنِ والقَدمَيْنِ، إذا مشَى يَتقلَّعُ كأنَّما يمشِي
فِي صَبَبٍ، وإذا التَّفَتَ التَفَتَ مَعاً، بَيْنَ كتفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، وهوَ خَاتَمُ النَّبِينَ،
أَجْودُ النَّاسِ كَفّاً، وأَرْحِبُهُمْ صَدْراً، وأَصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً، وأليُهُمْ عَرِيْكَةً،
وأَكْرِمُهُمْ عَشيرةً، مَنْ رَآهُ بَديهةً هَابَهُ، ومَنْ خَالَطَهُ مَعرِفً أَحَبَّهُ، يَقُولُ ناعِتُهُ: لَمْ
أَرَ قبلَهُ ولا بَعْدَهُ مِثْلَهُ إِلـ
((وعنه: كان إذا وَصَفَ النبيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم قال: لم يكُنْ
بالطويل المُمَّغِطِ)): على بناء المفعول، وتشديد الميم الثانية وبالغين المعجمة،
وقيل: بالمهملة أيضاً بمعنى، وهو الممتدُّ المتناهي طولاً، وفي بعض: بتشديد
الغين المكسورة، وهو الذي بان طوله.
(ولا بالقصير المتردِّ)»؛ أي: المتناهي قصراً، كأنه تردد في بعض خلقه
على بعض، وتداخلت أجزاؤه.
((وكان رَبْعَةً من القَوْمِ، ولم يكن بالجَعْدِ القَطَط ولا بالسَّبطِ، كان جَعْدَاً
رَجِلاً)، وهو - بكسر الجيم وفتحها أيضاً -: بين الجعودة والسبوطة.
((ولم يكن بالمُطَهِّم))، وهو - بضم الميم وفتح الطاء المهملة وكسر الهاء
المشددة -: كثير اللحم، وقيل: مُنْتفخ الوجه.
((ولا بالمُكَلْثِم))، وهو - بكسر الثاء -: مستدير الوجه مع كثرة اللحم،
وقيل: مدور الوجه غاية التدوير.
((وكان في الوجه تَدْوِيْرٌ))؛ أي: تدويرٌ ما؛ يعني: كان بين الإسالة
والاستدارة .
(أبيض مُشْرَبٌ))؛ أي: مختلط بالحمرة.
٢٢٣
((أَدعَجُ العينين))؛ أي: أسود العينين غاية السواد مع سعتهما، وقيل: شِدَّة
سوادها في بياضها .
((أَهْدَب الأَشْفَار))؛ أي: طويل شعر الأجفان، وقيل: كثيرها.
((جليل المُشَاس))، وهو - بضم الميم -: رؤوس العظام اللينة الممكنة
المضغ .
((والكَتَد)) بفتح التاء وكسرها: مجتمع الكتفين، وهو الكاهل أصل العنق؛
يعني: عظيم رؤوس المناكب والعظام مثل الركبتين والمرفقين والكتفين.
«أَجْرَدُ»: وهو من ليس على بدنه شعر.
((ذو مَسْرُبَة))؛ أي: ذو شعر(١)؛ يريد: أن الشعر كان في أماكن من بدنه
كالمَسْرُبة والسَّاعدين والسَّاقین.
(شَئْنِ الكَفَّين والقدمين، إذا مشى يتقلع))؛ أي: يرفع رجليه من الأرض
رفعاً بائناً بقوة .
((كأنما يمشي في صَبَبٍ)): لا كمن يمشي اختيالاً ويقارب بين خطاه، فإنه
مِنْ مَشْئِ النساء.
((وإذا التفت التفت معاً))؛ أي: ينظر بعينيه جميعاً، لا بطرف عينه، كما
هو عادة المتکبرین وذوي الغضب.
((بين كتفيه خاتم النبوة، وهو خاتم النبيين، أجود الناس كَفَّاً،
وأرحبهم))؛ أي: أوسعهم.
((صدراً، وأصدقهم لَهجة))؛ أي: لساناً.
((وألينهم عَريكة))؛ أي: طبيعة، يقال: فلان لَين العَريكة أي: سَلس
(١) في ((غ)): ((شعرة الصدر)).
٢٢٤
مُطْوَاعِ مُنْقَاد قليل الخِلاف.
((وأكرمهم عشيرة))؛ أي: صحبة، والعشير: الصاحب.
((من رآه بديهة))؛ أي: فجأة.
((هابه))؛ أي: خاف منه، ووقع في قلبه مهابة لوقاره.
(ومن خالطه مَعْرِفَةً)) وجالسه.
((أحبه))؛ لحسن خلقه.
((يقول ناعِتُهُ))؛ أي: ناعت النبيِ وَّهِ، والنَّعْتُ: وصف الشيء بما فيه من
حُسْن.
((لم أرَ قبله ولا بعده مِثْلَه عليه الصلاة والسلام)).
٤٥١٥ - عَنْ جَابرٍ ﴿هَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهْ لَمْ يَسلُكْ طَرِيْقاً فيَتَبِعُهُ أَحَدٌ إلاَّ
عَرَفَ أنَّهُ قدْ سَلَكَهُ منْ طِيبٍ عَرْفهِ.
((وعن جابر بن سَمُرة: أنه عليه الصلاة والسلام لم يَسْلُكْ طريقاً فَيَتْبَعُهُ))؛
أي: النبي - عليه الصلاة والسلام -.
((أحد))؛ أي: يمشي عقیبه.
((إلا عرف))؛ أي: ذلك الأحد.
((أنه قد سلَكَهُ))؛ أي: أن النبي ◌َّ قد سلك هذا الطريق.
(مِنْ طِيْبٍ عَرْفِهِ))؛ أي: رائحته، وهذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام
دون سائر الأنبياء.
٢٢٥
٤٥١٦ - قِيلَ الرُّبَيع بنتِ مُعَوِّذِ بن عَفْراءَ رَضيَ الله عَنها: صِفي لَنَا
رَسُولَ الله ◌ِّهِ، قَالَتْ: يا بنيَّ! لوْ رَأَيَتَهُ رَأَيتَ الشَّمْسَ طَالِعةً.
((قيل للرُّبَيع بنت مُعَوِّد بن عفراء: صِفي)؛ أي: للمؤنث، من وَصَفَ
يَصِفُ.
((لنا رسول الله وَّه. قالت: يا بنيَّ لو رأيتَهُ رأيْتَ الشمس طالعة)).
٤٥١٧ - وعَنْ جابرٍ بن سَمُرَةَ ﴾ قَالَ: رَأَيَتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ فِي لَيْلَةٍ
إِضْحِيانٍ، فجَعلتُ أَنظُرُ إلى رَسُولِ اللهِوَه وإلى القَمرِ وعليهِ حُلَّةٌ حَمْراءُ فإذا هو
أَحسنُ عندي مِنَ القَمرِ .
((قال جابر بن سمرة: رأيت النبيَّ مَّه في ليلة إِضْحِيان)) بكسر الألف
وسكون الضاد المعجمة وكسر الحاء المهملة، وفي بعضٍ: بضم الألف؛ أي:
مقمرة مضيئة .
«فجعلت))؛ أي: طفقت.
((أنظر إلى رسول الله وإلى القمر، وعليه حُلَّةٌ حمراء))؛ أي: حُلَّة فيها
خطوط حُمر.
((فإذا هو أحسن عندي من القمر)).
٤٥١٨ - عَنْ أبي هُريرةَ ﴿ه قَالَ: ما رأيتُ شيئاً أحسنَ منْ رَسُولِ اللهِ وَيه
كأنَّ الشَّمسَ تَجرِي في وجههِ، وما رأيتُ أحداً أسرعَ في مَشْيْهِ مِنْ رَسُولِ اللهِله
كأنَّما الأرضُ تُطْوَى لهُ، إنَّا لَنُجْهِدُ أنفُسَنا، وإنَّه لَغيرُ مُكترِثٍ.
٢٢٦
((عن أبي هريرة قال: ما رأيت شيئاً أحسنَ من رسول الله وَله كأن الشَّمس
تجري في وجهه، وما رأيتُ أحداً أسرعَ في مشيته من رسول الله وَلاغير، كأنما
الأرض تُطْوى له، إنا لَنَجْهِدُ»: يجوز فيه فتح النون وضمها .
((أنفسنا))؛ أي: تحمل عليها في السّير فوق طاقتها .
((وإنه لغير مُكْتَرِثٍ))؛ أي: غير مبالٍ؛ يعني: كان ◌َّ إذا مشى ما قدرنا أن
نلحقه مسرعين في المشي، وإن اجتهدنا في مشينا.
٤٥١٩ - عن جَابرٍ بن سَمُرةَ ﴿ قَالَ: كانَ في ساقَيْ رَسُولِ اللهِّ﴾
حُمُوشَةٌ، وكانَ لا يضحكُ إِلاَّ تَبَسُّماً، وكُنْتُ إذا نَظَرتُ إليهِ قُلتُ: أَكْحَلُ
العَينَيَّنِ، وليسَ بأكْحَلَ.
((عن جابر بن سَمُرَة قال: كان في ساقَي رسول الله وَُّ حُمُوْشَة)) بضم
الحاء المهملة وبالشين المعجمة؛ أي: رِقَّة .
((وكان لا يضحك إلاَّ تَبَشُّماً)): يقال: تبسّم: إذا حرَّك شفته إرادة
الضحك، وهو دون الضحك، يقال: ضحك: إذا ظهر سنه؛ يعني كان ◌َيُ طلق
الوجه بساماً.
((وكنْتُ إذا نظرت إليه قلت: أكْحَلُ العينين)): يقال: رجل أكحل: بين
الکحل، وهو الذي في جفون عينيه سواد.
((وليس بأكحل))؛ أي: بالاكتحال، ولكن كانت عينه كحلاء خِلْقة.
٢٢٧
٣- باب
في أخْلاقِهِ وشَمَائِلِهِ إِليه
(باب في أخلاقه وشمائله {َّ): جمع شِمَال - بالكسر - وهو الخُلُق.
مِنَ الْصِحَاحِ:
٤٥٢٠ - عَنْ أَنَسِ ﴿ قَالَ: خَدمتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ عشرَ سِنِينَ فما قَالَ لِي
أُفِّ، ولا: لِمَ صَنَعتَ؟ ولا: ألا صَنَعَتَ.
((من الصحاح)):
((عن أنس قال: خدمْتُ النبيََّ ﴿ عشرَ سنين، فما قال لي: أفِّ)): وهو
في الأصل: وسخ الأذن والظفر، ويقال لكل ما يتضجر منه ويستثقل: أف له.
((ولا لِمَ صنعْتَ))، (لم): حرف يستفهم به، وأصله (لما) حذفت منه
الألف؛ أي: لم يقل عليه الصلاة والسلام لشيء صنعْتُهُ: لِمَ صنعتَه.
((ولا أَلاَّ صنعت)) (ألا) بفتح الهمزة وتشديد اللام: حرف تحضيض،
معناه: لم لا؛ أي: لم يقل لشيء لم أصنعه وكنْتُ مأموراً به: لِمَ لا صنعْتَ،
قيل: الحكمة في ذلك: أنه ولو كان مشغولاً بتحمل الأحوال لا بتغيرها، وهذا
مستند أهل الحق في تفويض الأمر إلى الله تعالى، وعدم الاعتراض على الخلق؛
لأن الفاعل الحقيقي هو الله تعالى.
٤٥٢١ - وقَالَ أَنَسٌ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَّهِ مِنْ أَحْسنِ النَّاسِ خُلُقاً، فأرسَلَنِي
يوماً لِحَاجَةٍ، فقلتُ: والله لا أذهبُ، وفي نفسِي أنْ أذهبَ لِما أمرَنِي بِهِ رَسُولُ اللهِصَِّ،
فخَرجتُ حتَّى أمُرَّ على صِبيانٍ وهُمْ يَلعبونَ في السُّوقِ، فإذا رَسُولُ اللهِ قِدْ
٢٢٨
قَبِضَ بِقَفايَ مِنْ ورائِي، قَالَ: فنظرتُ إليهِ وهو يَضحكُ فقال: ((يَا أُنْيَّسُ! ذَهَبْتَ
حيثُ أَمَرْتُكَ؟))، قُلتُ: نعمْ، أنا أذهبُ يا رَسُولَ الله!
((وقال: كان ◌َّ﴿ من أحسن الناس خُلُقاً، فأرسلني يوماً لحاجة، فقلت))؛
أي: في نفسي: ((والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهَبَ لما أمرني به ◌َِّ،
فخرجْتُ حتى مررْتُ على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله وَله
قد قبض»؛ أي: أخذ.
(بقفايَ)): وهو - مقصوراً - مؤخّر العنق.
((من ورائي))؛ أي: من خلفي.
((قال: فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: يا أُنَيَّس)»: تصغير أنس.
((ذهبْتَ)): بحذف همزة الاستفهام؛ أي: أذهبت.
((حيث أمرتُكَ، قلت: نعم)): وإنما قال: نعم، ولم يذهب بعدُ بناءً على
جزم العزم على الذهاب؛ لأن المأمول كالموجود، ولذا صرَّح بقوله:
((أنا أذهبُ یا رسول الله)).
٤٥٢٢ - وعَنْ أَنَسِ ﴿هُ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِوَّهِ وعليهِ بُرْدٌ
نَجْرانِيٌّ غليظُ الحاشِيَةِ، فأدركَهُ أعرابيٌّ فَبذَهُ بردائِهِ جَبْذَةٌ شَدِيدةً، رَجَعَ نبيُّ الله
فِي نَحْرِ الأَعْرابِيِّ، حتَّى نَظَرْتُ إلى صَفْحَةٍ عاِقِ رَسُولِ اللهِلَّهِ قد أثَّرَتْ بها
خَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةٍ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يا مُحَمَّدًا مُرْ لي مِنْ مالِ الله الذي
عِندَكَ، فالتفَتَ إليهِ رَسُولُ اللهِِّ ثُمَّ ضحِكَ، ثمَّ أمرَ لهُ بعَطاءٍ.
((وقال: كنت أمشي مع رسول الله وَ﴿ٍ وعليه بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ))؛ أي: منسوب
إلى نجران، بلد باليمن، وقيل: موضع بين الشام والحجاز واليمن.
٢٢٩
((غليظُ الحاشية)»: حاشية كل شيء: طرفه.
((فأدركه))؛ أي: النبي ◌َّ
(أعرابيٌّ فجَبَذَهُ)؛ أي: جرَّ الأعرابيُّ النبي ◌َّ.
(بردائِه)) الذي عليه ((جبذة شديدة))؛ أي: جَرَّاً شديداً بحيث ((رجع نبي الله وَّ
في نَحْرِ الأعرابي، حتى نظرْتُ إِلى صَفْحَةِ عاتِقِ رسول اللهِّه قد أثَّرَتْ بها حاشِيَةُ
البُرْدِ من شِدَّة جبذته ثم قال: يا محمد! مُرْ لي من مال الله الذي عندك)»: قيل: هو
الزكاة .
((فالتفَتَ إليه رسول الله وَّ ثم ضحك، ثم أمر له بعطاءٍ»: وفيه إشارة إلى
أن مَنْ وَلِيَ على قوم يُسْتَحَبُّ له الاحتمال من أذاهم.
٤٥٢٣ - عَنْ أَنَسِ ﴿ه قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ أَحْسِنَ النَّاسِ، وأجودَ النَّاسِ،
وأشجَعَ النَّاسِ، ولقد فَزِعَ أهلُ المَدِينةِ ذَاتَ لَيلةٍ، فانطلقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوتِ،
فاستقبلَهُم النَّبِيُّ ◌َهِ قَدْ سَبقَ الناسَ إلى الصَّوتِ، وهو يقول: ((لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ
تُراعُوا))، وهوَ على فرَسِ لأبي طَلْحَةَ عُرْىٍ ما عليهِ سَرِجٌ، في عُنُقِهِ سَيْفٌ،
فَقَالَ: ((لقدْ وجدْتُهُ بَحْراً».
((عن أنس ظه: كان رسول الله ﴿﴿ أحسَنَ الناس، وأجود الناس،
وأشجع الناس، ولقد فَزِع أهل المدينة))؛ أي: استغاثوا.
((ذاتَ ليلة))؛ أي: في ليلة .
((فانطلق)»؛ أي: ذهب.
((الناس قِبَل الصَّوت))؛ أي: جانبه.
((فاستقبلهم النبي ◌َّة، قد سبق الناس إلى الصوت، وهو يقول: لم تُرَاعُوا،
٢٣٠
لم تُرَاعُوا))، (لم) هنا بمعنى (لا)، والعرب تضع (لم) و(لن) بمعنى (لا)، والرَّوع
هو الخوف؛ أي: لا فزع ولا روع فاسكنوا، ويروى: (لن تُرَاعوا) خبراً بمعنى
النھي .
(وهو))؛ أي النبي ◌َلّ .
((على فرس لأبي طلحة عُرْيٍ)): يقال: فرس عُزْيٍ - بالضم وسكون الراء -:
إذا لم یکن عليه سَرْج.
((وقوله: ما عليه سَرج)): وقع تأكيداً وبياناً.
((وفي عُنُقِهم سيف فقال: لقد وجدتُهُ بَحْرَا))؛ أي: واسع الجري، يقال
للفرس الذي لا ينقطع جريه: بحر؛ تشبيهاً له بالبحر الذي لا ينقطع ماؤه.
وقيل: إنما شبهه بالبحر لأن البحر إذا كانت الريح طيبة يستريح مَنْ يركب
فيه، فكذلك الفرس إذا کان جواداً غير شموس، يستريح راکبه ويسيره کما يشاء
بلا تعب .
٤٥٢٤ - وقَالَ جَابِرٌ﴿ه: ما سُئِلَ رَسُولُ اللهِهِ شَيئاً قطُّ فَقَالَ: لا.
((وقال جابر له: ما سئل رسول الله (َ﴿ شيئاً قط فقال: لا))؛ يعني:
ما كان من شأن النبي و * أن يردّ السائل، كان يعطى إذا حضر عنده شيء من
الأموال، وإلا كان يجيب بنعم.
٤٥٢٥ - عَنْ أَنَسٍ ﴿: أنَّ رَجُلاً سَألَ النَّبِيَّ ◌َهِ غَنَماً بينَ جبلَيْنِ فأعطَاهُ
إِيَّاهُ، فَأتَى قَوْمَهُ فَقَال: أيْ قومٍ! أسْلِمُوا، فَوَالله إنَّ مُحمَّداً ليُعطِي عَطاءً ما يَخافُ
الفقرَ.
٢٣١
((عن أنس ظله: أن رجلاً سأل النبي عليه الصلاة والسلام غَنَماً))؛ أي:
قطيعاً من الشاة .
((بين جبلين): قيل: كان ذلك الغنم أربعين ألفاً.
((فأعطاه إيَّاه، فأتى))؛ أي: الرجل قومَه.
((فقال: أَيْ قَومٍ)): بكسر الميم، أصله قومي، حذفت الياء اكتفاء
بالكسرة، و(أي): لنداء القريب.
((أسلِمُوا، فوالله إنَّ محمداً ليعطي عطاءً ما يخاف الفقر)): والجملة صفة
(عطاء).
٤٥٢٦ - عن جُبَيْرٍ بن مُطْعِم ◌ُ: بَيْنَمَا هو يَسيرُ معَ رَسُولِ اللهِوَّهِ مَقْفَلَهُ
مِنْ حُنَيْنٍ، فَعَلِقَتِ الأَعْرَابُ يَسْأَلُونَهُ حتَّى اضْطَرُّوهُ إلى سَمُّرَةٍ فخطِفَتْ رداءَهُ،
فوقَفَ النَّبِيُّ ◌َّه فقال: ((أعطُوني رِدَائِي، لوْ كَانَ لِي عَددُ هذِهِ العِضَاءِ نَعَماً
لَقسمْتُهُ بينكُمْ، ثُمَّ لا تَجِدُونَنِي بَخيلاً ولا كَذوباً ولا جَباناً) .
((عن جبير بن مطعم بينما هو يسير مع رسول الله (صَ﴿ مَقْفَلَهُ)) بفتح الميم
وسكون القاف وفتح الفاء بعدها: مصدر ميمي، يستعمل في اسم الزمان والمكان،
من القُفُول، وهو الرجوع من السفر؛ أي: وقت قُفُوله ورجوعه، أو مكانه.
(من حُنَيْن)): موضع بين مكة والطائف.
((فَعَلِّقَتِ الأعراب))؛ أي طفقوا.
«يسألونه حتى اضطَرُّوه))؛ أي ألجؤوه.
((إلى سَمُرَة)): وهو ضَرْب من شجرة الطّلح، وهو شجر عظام من شجر
العِضَاه.
٢٣٢
((فخُطِفَتْ))؛ أي: استَلَبَتِ الشجرة أو الأعراب.
((رداؤه، فوقف النبي ◌َ﴿ فقال)) من غاية لطفه العظيم:
((أعطوني ردائي، لو كان بي عددً»: نصب بنزع الخافض؛ أي: كعدد، أو
على المصدر؛ أي: بعَدِّ عدد.
«هذه العِضَاه)) بكسر العين المهملة والضاد المعجمة والهاء: شجر أم
غیلان، وقيل: کلُّ شجر له شوك.
((نعمٌ)) اسم (كان) وخبره (لي) مقدَّماً.
(لقسمته بينكم ثم لا تجدوني))؛ أي: لا تعلموني («بخيلاً ولا كذوباً ولا
جباناً» .
٤٥٢٧ - وعَنْ أَنَسِ ظُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَه إذا صلَّى الغَدَاةَ جَاءَ
خَدُ المَدِينةِ بآنِيَّهِمْ فيها المَاءُ، فَمَا يأْتُونَ بإناءٍ إلاَّ غَمَسَ يَدهُ فِيْها، فرُبَّمَا جَاؤُوهُ
في الغَداةِ البَارِدَةِ فِيَغِمِسُ يَدهُ فيها .
((عن أنس به قال: كان النبي ◌َ﴿ إذا صلى الغداة))؛ أي: الصبح.
((جاء خدم المدينة)): جمع خادم؛ أي: خدم أهلها من جاريةٍ وغلام
ونحو ذلك.
((بآنيتهم)): جمع إناء. ((فيها الماء، فما يأتون بإناء إلا غمس بده فيها))؛
يعني: كانوا يتبرَّكون بالماء الذي كان يغمس يده صلى الله تعالى عليه وسلم فيه.
((فربما جاؤوه في الغداة الباردة فيغمس يده فيها)) وفيه دليلٌ على جواز أن
يُطلب مثل ذلك مما يُتبرَّك به من العلماء والصُّلحاء.
٢٣٣
٤٥٢٨ _ وقَالَ أَنَرٌ ﴾: كانتِ الأمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ المَدِينةِ لَتَأخذُ بيدٍ
رَسُولِ الله ﴿ فتنطَلِقُ بهِ حيثُ شاءَتْ.
((وقال أنس ﴿ه كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله وَله
فتنطلق به))؛ أي: تذهب به ((حيث شاءت)) والباء للتعدية، يقال: انطلق به: إذا
أذهبه؛ يعني: لو دعاه صلى الله تعالى عليه وسلم عبدٌ أو أمة إلى شغل لأجابه
بحیث لو کان یأخذ بيده پڼ فيذهب به حیث شاء.
٤٥٢٩ - وعَنْ أَنَسِ ﴿ه: أنَّ امرَأةً كَانتْ في عَقْلِها شيءٌ، فقَالَت: يا رَسُولَ
الله! إنَّ لي إليكَ حَاجَةً، فَقَال: ((يا أُمَّ فُلانٍ! انظُري أَّ السِّكَكِ شِئْتِ حَتَّى أقْضيَ
لكِ حاجَتَكِ))، قال: فخَلا مَعَها في بَعْضِ الطُّرُقِ حتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجتِها.
((وعن أنس به: أن امرأة كان في عقلها شيء))؛ أي: عقلُها ناقصٌ من
جنون أو غيره.
((فقالت: يا رسول الله! إن لي إليك حاجةً، فقال: يا أم فلان! انظري أيَّ
السكك شئت)»: جمع سكة، وهي بمعنى الزقاق.
((حتى أقضي لك حاجتك، فخلا))؛ أي: مضى ((معها في بعض الطرق
حتی فرغت من حاجتها».
٤٥٣٠ - وعَنْ أَنَسِ ظُهُ قَالَ: لم يكُنْ رَسُولُ اللهِلَّهِ فَاحِشاً ولا لعَّاناً
ولا سَبَّاباً، كانَ يَقُولُ عندَ المَعْتَبَةِ: ((ما لَهُ؟ تَرِبَ جَبِينُهُ)).
((وعن أنس ه قال: لم يكن رسول الله ﴿﴿ فاحشاً ولا لعاناً ولا سباباً،
٢٣٤
كان يقول عند المعتبة))؛ أي: عند العتاب، من عتب: إذا غضب.
((ما له تَرِبَ جبينُه)) وفي هذا القول احتمالُ إرادةِ الدعاء له بكثرة السجود
لله تعالی.
٤٥٣١ - عَنْ أَبِي هُرِيرَةَ ﴾ قَالَ: قيلَ: يَا رَسُولَ الله! ادْعُ على المُشركينَ،
قَالَ: (إنِّي لمْ أُبعثْ لعَّاناً، وإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمةًا.
((وعن أبي هريرة ﴿ه قال: قيل: يا رسول الله! ادع على المشركين،
قال: إني لم أبعث لمَّاناً))؛ يعني: لو كنتُ أدعو عليهم لبَعُدوا عن رحمة الله،
ولصرتُ قاطعاً عن الخير فإني ما بُعثت لهذا.
((وإنما بعثت رحمة))؛ أي: ما بعثت إلا رحمةً للعالمين، أما للمؤمنين
فظاهرٌ، وأما للكافرين فلأنَّ العذاب رُفع عنهم في الدنيا بسببه، قال الله تعالى:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣].
٤٥٣٢ - عَنْ أَبِي سَعِيْدِ الخُدْرِيّ ﴿ه قال: كانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ أَشدَّ حَياءً مِنَ
العَذْراءِ فِي خِدْرِها، فإذا رَأَى شَيئاً يكرَهُهُ عَرَفْناهُ في وجههِ .
((عن أبي سعيد الخدري ﴾ قال: كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم
أشدَّ حياءً من العذراء))؛ أي: من البكر.
(في خدرها))؛ أي: في سترها؛ يعني: كان أكثر حياءً من البكر المخذَّرة
التي من شأنها الحياء.
«فإذا رأى شيئاً يكرهه عرفناه))؛ أي: كراهته (في وجهه)).
٢٣٥
٤٥٣٣ - وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها قَالَتْ: مَا رأيتُ النبيَّ نَّهِ مُستجْمِعاً
قطُّ ضاحِكاً حتَّى أَرى منهُ لهَوَاتِهِ، إِنَّمَا كانَ یَتبسّمُ.
((وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت النبي صل﴿ مستجمعاً قط
ضاحكاً))؛ أي: ما رأيته ضاحكاً كلَّ الضحك مقبلاً عليه بكلِّيته.
((حتى أرى منه لهواته)): جمع لهاة، وهي ما في أقصى سقف الفم.
((إنما كان يتبسم)) دون الضحك.
٤٥٣٤ - وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا قَالَتْ: إنَّ رَسُولَ اللهِ لمْ يَكُنْ
يَسْرُدُ الحَدِيثَ كَسْردِكُمْ، كانَ يُحدِّثُ حَدِيثاً لو عَدَّهُ العَادُّ لأَحصَاهُ.
((وقالت: لم يكن يسرد الحديث كسردكم))؛ يعني: ما كان أحاديثه
متتابعةً بعضها على إثر بعض كما هو عادتُكم في التحدّث باستعجال، بل كان
يفصِل بين الكلامين حتى لا يشتبه على المستمع بعضُ كلامه ببعض.
((كان يحدِّث حديثاً لو عدَّه العادُّ)؛ أي: لو أراد أن يَعُدَّه بسهولة
((لأحصاه))؛ أي: لعدَّه.
٤٥٣٥ - وسُئِلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ الله عَنْها: ما كانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَصنعُ في بيتهِ؟
قَالَت: كَانَ يَكُونُ في مَهْنَةٍ أَهْلِهِ - تَعِنِي: خِدمَةَ أَهْلِهِ - فإذا حَضرتْ الصَّلاةُ خرجَ
إلى الصَّلاة.
((وسئلت عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي ◌َّر يصنع في بيته؟ قالت:
كان يكون في مهنة أهله)) بكسر الميم، وقيل: بالفتح.
٢٣٦
«تعني خدمة أهله))؛ يعني: كان يشتغل بمصالح أهله وعياله.
((فإذا حضرت الصلاة))؛ أي: جاء وقتها ((خرج إلى الصلاة)).
٤٥٣٦ - وعَنْها قَالَتْ: ((ما خُيرَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِينَ أمرَيْنِ قطُّ إلاَّ أَخذَ
أيسَرَهُما، ما لمْ يَكُنْ إِثْماً، فإنْ كانَ إِثْماً كانَ أبعدَ النَّاسِ منهُ، وما انتقمَ
رَسُولُ اللهِلَّه لنفسِهِ فِي شَيءٍ قَطُّ، إلاَّ أنْ تُنْتَهكَ حُرمَةُ الله فيَنْتِقِمَ لله بها.
((وعنها: قالت: ما خير رسول الله وَله بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما
ما لم يكن إثماً، فإذا كان إثماً كان أبعد الناس منه، وما انتقم))؛ أي: ما كان
يعاقب أحداً («لنفسه في شيء قط))؛ أي: في شيء يتعلق بنفسه.
((إلا أن تنتهك حرمة الله تعالى)) انتهاك الحرمة: تناولُها بما لا يحلُّ،
يقال: انتهك محارم الله؛ أي: فعل ما حرَّم الله تعالی علیه.
«فينتقم لله بها)).
٤٥٣٧ - وقَالَت: ما ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﴾ِ شيئاً قطُّ بيدِه، ولا امرأةً، ولا
خادِماً، إلاَّ أنْ يُجاهِدَ في سَبيل الله، وما نِيلَ منهُ شَيءٌ قطَّ فيَنْتَقِمَ منْ صَاحِبِهِ،
إلاَّ أنْ يُنْتهَكَ شَيءٌ مِنْ مَحارِمِ الله فيَنْتِقِمَ لله.
((وقالت: ما ضرب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شيئاً قط بيده،
ولا امرأة ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى)) فإنه ◌َ﴿ قتل أبيَّ بن
خلف .
((وما نيل منه))؛ أي: ما أصابه ((شيء قط فينتقم من صاحبه))؛ أي: صاحب
٢٣٧
ذلك الشيء .
((إلا أن يُنتهك شيءٌ من محارم الله فينتقم لله تعالى)).
مِنَ الحِسَان:
٤٥٣٨ - عَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: خَدمتُ رَسُولَ اللهِّهِ وَأَنَاَ ابن ثَمانِ سِنِينَ،
خَدمتُهُ عشرَ سِنِينَ، فما لامَنِي على شيءٍ قطُّ أُتَيَ فيهِ على يَدِيَّ، فإنْ لامَنِي لائمٌّ
مِنْ أَهْلِهِ قَالَ: ((دَعُوهُ فإنَّهُ لو قُضيَ شيءٌ كَان)).
«من الحسان»:
((عن أنس ﴿ه قال: خدمتُ رسول الله وَّ﴿ وأنا ابن ثمانٍ سنين، خدمتُه
عشر سنين فما لامني))؛ أي: ما يلومني.
((على شيء قط أُتي فيه)): صفة لـ (شيء) بمعنى أُهلك وأُتلف، من
قولهم: أتى عليهم الدهر؛ أي: أهلكهم وأفناهم والضمير في (فيه) يعود إلى
(شيء).
((على يدي)) حال أو صفة.
((فإن لامني لائم من أهله قال: دعوه فإنه لو قُضي شيء لكان)).
٤٥٣٩ - عَنْ عَائِشَةَ رَضيَ الله عَنْها قَالتْ: لمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِّهِ فَاحِشاً ولا
مُتفخِّشاً، ولا سخَّاباً في الأَسْواقِ، ولا يَجِزِي بالسَّيئةِ السَّيئةَ، ولكنْ يَعْفُو ويَصفحُ.
((عن عائشة رضي الله تعالى قالت: لم يكن رسول الله وَل﴿ فاحشاً)؛ أي:
ذا فحش .
٢٣٨
((ولا متفحشاً)؛ أي: متكلِّفاً ومتعمِّداً في الفحش.
«ولا سخّاباً)؛ أي: كثير الصياح.
((في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئةَ، ولكن يعفو ويصفح)).
٤٥٤٠ - عَنْ أَنَسِ ظُهُ يُحدِّثُ عَنِ النَّبيِّ لَهِ: أنَّهُ كَانَ يَعُودُ المَرِيضَ،
ويتْبِعُ الجَنَازَةَ، ويُجِيبُ دَعوةَ المَمْلُوكِ، ويَركَبُ الحِمَارَ، لقدْ رأيتُهُ يومَ خَيْبَرَ
علی حِمارٍ خِطامُه لِیفٌ.
((عن أنس رضي الله تعالى عنه: كان يحدث عن النبي وَلاغير أنه كان يعود
المريض ويتبع الجنازة ويجيب دعوة المملوك ويركب الحمار، ولقد رأيته يوم
خیبر» موضعٌ بالحجاز.
((على حمار خطامُه))؛ أي: زمامه ((ليف)) بكسر اللام؛ أي: خُوص
النخل، وفيه دليلٌ على أن ركوب الحمار سنَّة.
٤٥٤١ - وعن عَائِشَةَ رَضِيَ الله عنها قَالَت: كانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَخْصِفُ
نَعَلَهُ، ويَخِيطُ ثوبَهُ، ويَعمَلُ في بيتِهِ كَمَا يَعْمَلُ أحدُكُمْ في بیتِهِ.
((عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان النبي ◌َلقه يخصف نعله))؛ أي:
يَرْقَعُه.
((ويخيط ثوبه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته)).
٢٣٩
٤٥٤٢ - وقَالَتْ: كَانَ بَشَراً منَ البِشَرِ، يَفْلِي ثَوْبَهُ، ويَحلُبُ شَاتَهُ، ويَخدُمُ
نفسَهُ.
((وقالت: كان ◌َّهِ بشراً)؛ أي: النبيُّ وَلَه خَلْقاً ((من البشر)) تريد: أنه واحد
من أولاد آدم من حيث الظاهرُ، قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ
مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠].
((يفلي ثوبه))؛ أي: يلقط القمل من ثوبه ويطلبه.
((ويحلب شاته، ويخدم نفسه)).
٤٥٤٣ - وقِيْلَ لِزَيدِ بنِ ثَابتٍ عَّه: حدِّثْنَا أَحَاديثَ رَسُولِ اللهِلَّهِ قَالَ:
كُنْتُ جَارَهُ، فَكَانَ إذا نزلَ عَلَيهِ الوَحْيُ بعثَ إليَّ فكتَبْتُهُ لَهُ، وكانَ إذا ذَكَرْنا الدُّنْيا
ذَكرَها مَعنا، وإذا ذَكَرْنا الآخِرَةَ ذَكَرَها معَنا، وإذا ذكَرْنا الطَّعَامَ ذَكَرَهُ معَنا، فَكُلُّ
هذا أُحدِّثُكُمْ عِنْ رَسُولِ اللهَِّد.
((وقيل لزيد بن ثابت: حدَّثنا أحاديثَ رسول الله وَلِّ، قال: كنت جاره))
الجار هو الذي يجاورك.
((فكان إذا نزل عليه الوحي بعث))؛ أي: أرسل ((إلي فكتبته له))؛ أي:
الوحي لرسول الله صلی الله تعالی علیه وسلم.
((فكان إذا ذكرنا الدنيا))؛ أي: شرعنا في ذكرها، ((ذكرها معنا))؛ أي:
يوافقنا في ذكرها.
(وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، فكلُّ هذا»
إشارة إلى ما ذكر قبل .
((أحدِّثكم عن رسول الله (َا)).
* * *
٤٥٤٤ - عَنْ أَنَسِ ﴿ه: أنَّ رَسُولَ اللهِوَ﴿ كَانَ إذا صَافِحَ الرَّجُلَ لَمْ يَنِزِعْ يَدَهُ
٢٤٠