النص المفهرس

صفحات 161-180

((وفي رواية: فلا أدري أحوسب))؛ أي: عوفي.
((بصعقة يوم الطور، أو بُعِثَ قبلي، ولا أقول: إن أحداً أفضل من يُونُس
ابن مَتَّى))؛ أي: لا أقول ذلك مِنْ تلقاء نفسي، ولا أفضُّل أحداً عليه من حيث
النبوة والرسالة، فإن الأنبياء كلهم متساوون فيها؛ لأن النبوة شيء واحد
لا تفاضل فيها، وإنما التفاضل باعتبار الدرجات كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ
فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَى بَعْضُ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وإنما
خصَّه بالذِّكر لما قصَّ الله تعالى عليه في كتابه العزيز من أمر يونس - عليه الصلاة
والسلام - بقلَّة احتماله عن قومه وإعراضه عنهم، قال تعالى: ﴿وَلا تَكُنْ كَصَاحِبٍ
اَلْمُتِ﴾ [القلم: ٤٨] وقال: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢] فلم يأمن عليه السلام أن
يعتقد الضعفاء من أمته نقصاناً في شأنه، فنبَّههم أنَّ ذلك ليس بقادح فيما آتاه الله
من فضله .
((وفي رواية أبي سعيد الخدري: لا تخيروا بين الأنبياء، وفي رواية:
لا تفضلوا بين أنبياء الله))؛ معناه: ترك التفضيل على وجه الإزراء ببعض؛ فإن
ذلك يكون سبباً لفساد الاعتقاد في بعضهم، وذلك كفر.
٤٤٣٦ - وقَالَ: ((مَا ينبَغيِ لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ إِنِّي خَيرٌ مِنْ يونُسَ بن مَتَّى)).
((وقال: ما ينبغي لعبد أن يقول: إني خيرٌ من يونس بن مثَّى)): قيل:
(مَثَّی): اسم أمِّ يونس .
٤٤٣٧ - وقَالَ: ((مَنْ قَالَ أَنَا خَيرٌ مِنْ يونُسَ بن مَتَّى فقدْ كَذَبَ)).
١٦١

(وقال: مَنْ قال: أنا خيرٌ من يونس بن مَتَّى)): يحتمل أن يكون لفظ (أنا)
واقعاً موقع هو، ويكون راجعاً إلى الرسول عليه الصلاة والسلام؛ يعني: مَنْ
فضَّلني على يونس في النبوة.
((فقد كَذَبَ))؛ أي: كفر، كتَّى به عن الكفر؛ لأن هذا الكذب مساوٍ
للكفر .
٤٤٣٨ - وعَنْ أُبَّيِّ بن كَعْبٍ ﴿هَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إنَّ الغُلامَ
الذي قَتَلَهُ الخَضرُ طُبعَ كَافِراً، ولوْ عَاشَ لأَرهَقَ أبوَيْهِ طُغياناً وكُفْراً.
((وعن أُبَّيِّ بن كعب ﴿ه قال: قال رسول الله وَّه: إن الغلام الذي قتلَهُ
الخَضِر)) بفتح الخاء وكسر الضاد ((طُبعَ))؛ أي: خُلِقَ (كافراً).
والتوفيق بين هذا وبين قوله ◌َّهَ: ((كلُّ مولود يُؤْلَدُ على الفِطْرَة)» أن المراد
بالفطرة: استعداده قبول الإسلام، وذلك لا ينافي كونه شقياً في جِيلَّته.
((ولو عَاشَ لأَرْهَقَ أَبوَيْه))؛ أي: غَشِيَهما ((طغياناً) عليهما، ((وكفراً)
لنعمتهما بعقوقه وسوء صنيعه، أو معناه: حملهما حُبُّهُ على أن يَتَّبِعَاه فيطغيا.
٤٤٣٩ - وعَنْ أَبي هُرِيرَةَ عَه عَنِ النَّبِيِّ وَهِ قَالَ: ((إنَّما سُمِّيَ الخَضرَ
لأَنَّهُ جَلَسَ على فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ، فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ مِنْ خَلْفِهِ خَضراءَ» .
((وعن أبي هريرة ﴿ه قال: قال رسول الله وَله: إنما سُمَِّ الخَضِرُ)):
بالرفع قائم مقام الفاعل، ومفعوله الثاني محذوف؛ أي: خَضِرَاً.
(لأنه جلس على فَرْوَةٍ)؛ أي: قطعة أرضٍ يابسةٍ .
١٦٢

(بيضاء))؛ يعني: خالية من النبات.
((فإذا هي تهتزُّ)؛ أي: تتحرّك.
(من تحته خضراء)): حال من الضمير العائد إلى (الفروة)، قيل: اسم
الخضر: بليا، والخضر لقبٌ له، وهو كان من بني إسرائيل، وقيل: كان من أبناء
الملوك الذين تزهدوا في الدنيا، وكان في أيام أفريدون، قبل موسى عليه الصلاة
والسلام، وكان مقدمة جيش ذي القرنين، وبقي إلى أيام موسى - عليه الصلاة
والسلام -.
٤٤٤٠ - وعَنْ أَبَيْ هُرَيْرَة﴾ قَالَ: جَاءَ مَلَكُ المَوْتِ إلى مُوسَى فَقَالَ
لهُ: أَجِبْ رَبَّكَ، قَالَ: فَلَطَمَ موسَى عينَ مَلَكِ الموتِ فَفَقَأَهَا، قال: فَرَجَعَ
المَلَكُ إِلَى الله تَعَالَى فَقَالَ: إِنَّكَ أَرْسَلْتَني إلى عَبدٍ لكَ لا يُريدُ المَوتَ وقَدْ فقاً
عَيْنِي، قَالَ: فردَّ الله إِلَيْهِ عَيْنَهُ وقَالَ: ارجِعْ إِلَى عَبدِي فَقُل: الحَيَاةَ تَرِيدُ؟ فإنْ
كُنْتَ تُريدُ الحَياةَ، فضَعْ يدَكَ عَلَى مَثْنِ ثَوْرٍ، فَمَا وارَتْ يَدُكَ مِنْ شَعْرةٍ فإنََّكَ
تَعِيشُ بِهَا سَنةً، قَالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: ثُمَّ تَمُوتُ، قَالَ: فالآنَ مِنْ قَرِيبٍ، رَبُّ!
أَدْنِي مِنَ الأَرْضِ المُقدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجٍ. قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((والله لوْ أنِّي عِندهُ،
لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلى جَنْبِ الطَّريقِ عِنْدَ الكَثِيبِ الأَحْمَرِ».
((وعنه أنه قال: جاء مَلَكُ الموت إلى موسى بن عِمْرَان، فقال له: أجِبْ
رَّكَ، قال: فَلَطَمَ موسى))؛ أي: ضرب بياطن كَفِّه.
(عَيْنَ مَلَكِ الموت فَفَقَأَها))؛ أي: قلع عينه وأعماها، واللَّطْمَةِ: أَثَّرَتْ في
العين الصُّورية لا في العين الملكية، فإنها غير متأثرة بها.
قيل: إن الله تعالى لإكرامه إِيَّاه ولطفه به لم يأمر الملك بِأَخْذِ روحه قَهْرَاً،
١٦٣

بل أرسَلَهُ في صورة بشر مُنْذِرَاً بالموت، وأمره بالتَّعرض على سبيل الامتحان،
وكان في طبعه حدة حتى روي: أنه كان إذا غضب اشتعلَتْ قلنسوته ناراً؛ لحدّة
طبعه، وقد جَرَتِ السُّنَّة بدفع القاصد بسوء، فلما نظر إلى شخص يقصد إهلاكه
وهو لا يعرفه، دَفَعَ عن نفسه، وكان في دَفْعِهِ ذهاب عينه الصُّورية.
وقيل: إنما لطمها موسى - عليه السلام -؛ لأن الأنبياء - عليهم الصلاة
والسلام - كانوا مخيَّرين من عند الله آخر الأمر بأحد الشيئين؛ إما الحياة، وإما
الوفاة، فأقدم ملك الموت على قَبْضٍ روحه قبل التَّخيير.
((قال: فرجع الملك إلى الله تعالى، فقال: إنك أرسلتني إلى عَبْدٍ لك
لا يريد الموت، وقَدْ فَقََّ عيني قال: فَرَدَّ الله إليه عينه، وقال: ارجع إلى
عبدي)): وإنما ردّ إليه رسوله ليعلم إذا رأى صحَّة عينه المفقوءة أنه رسول الله
بعثه لقبض روحه، فيستسلم لأمره ويطيب نفساً بقضائه.
((فَقُل: الحياةَ تريدُ؟ فإنْ كُنْتَ تريدُ الحياةَ فَضَعْ يَدَكَ على مَثْنِ ثَوْرٍ، فما
تَوَارَتْ بَدُكَ من شَعْرَةٍ فإنك تعيش بها))؛ أي: بكل شعرة من تلك الشعور ((سنة،
قال))؛ أي: موسى عليه السلام: ((ثم مَهْ؟)): استفهام؛ أي: ثُمَّ ما يكون بعد
ذلك؟
((قال))؛ أي: ملك الموت: ((ثم تموت، قال))؛ أي: موسى عليه السلام:
((فالآن من قَرِيبٍ، ربِّ أَدْنِي))؛ أي: قرِّبني ((من الأرض المقدَّسة رَمْيَةً بِحَجَر))؛
أي: إِذْنَاءً مثل رمیة بحجر .
(قال رسول الله وَّج: والله لو أني عنده لأَرَيّئُكُمْ قَبْرَهُ إلى جَنْبِ الطَّريق
عند الكَئِيْبِ))؛ أي: المجتمع من الرمل ((الأحمر)).
١٦٤

٤٤٤١ - عَنْ أَنَسِ ﴿ه: أَنَّ رَسُولَ اللهِبَلْ قَالَ: ((مَرَرْتُ على مُوسَى لَيْلةَ
أُسرِيَ بي عِندَ الكَثِيبِ الأَحْمَرِ، وهُوَ قائِمٌ يُصلِّي في قبرِهِ».
((عن أنس ﴾: أنَّ رسول الله وَّه قال: مررْتُ على موسى ليلةَ)): نصب
على الظرف .
((أُسري بي)): الباء للتعدية.
((عند الكَثِيبِ الأحمر، وهو قائم)): الواو للحال.
(يُصَلِّ)): في موضع الحال من ضمير (قائم)، يعني: قائماً مصلياً.
((في قبره)»: صلاة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في قبورهم عبارة عن
زيادة درجاتهم بعد الموت، فإن الصلاة والسَّجدة فيها خاصية قُرْب من الله تعالى
قال الله تعالى: ﴿وَأَسْجُدْ وَأَقْتِبِ﴾ [العلق: ١٩].
٤٤٤٢ _ وعَنْ جَابرٍ ﴿هِ: أنَّ رَسُولَ اللهِوَهِ قَالَ: ((عُرِضَ عليَّ الأنبياءُ،
فإذا مُوسَى ضَرْبٌ من الرِّجَالِ كأنَّهُ مِنْ رِجَالٍ شَنُوءَةٍ، ورَأَيَتُ عِيْسَى بن مَرْيمَ فِإِذَا
أَقْرِبُ مَنْ رَأَيتُ بهِ شَبَهاً عُرْوَةُ بن مَسْعُودٍ، ورَأيتُ إِبْراهيْمَ فإذا أَقْرِبُ مَنْ رَأَيتُ
بِهِ شَبَهاً صَاحِبُّكُمْ - يَعْنِي: نَفَسَهُ -، ورَأَيْتُ حِبْرِيْلَ فإذا أَقْرِبُ مَنْ رَأَيَتُ بِهِ شَبَهاً
دَحْيَةُ بن خَليفةً».
(عن جابر: قال النبي وَله: عُرِضَ عليَّ الأنبياء))؛ أي: أرواحهم
متشكِّلين بالصُّوَر التي كانوا عليها في الدنيا مع الأجساد.
((فإذا موسى ضَرْبٌّ من الرجال)»: الضَّرْبُ: الرجل الخفيف اللحم.
((كأنه من رجال شَنُوءَة)»: قبيلة من اليمن، يقال لهم: أَزْد شَنُوءَة، وهي
لغة: التَّباعد عن الأدناس، لعلهم لُقُّبوا بذلك لطهارة نسبهم وحسن سيرتهم.
١٦٥

(ورأيت عيسى بن مريم، فإذا أَقْرَبُ من رأيت به شَبَهَاً عُرْوَةُ بن مسعود)):
(إذا) للمفاجأة، و(أقرب) مبتدأ، خبره (عروة)، الجار والمجرور متعلق بقوله:
(شبهاً) وهو تمييز، أو مفعول (رأيت).
((ورأيتُ إبراهيم فإذا أَقْرَبُ مَنْ رأيْتُ به شَبَهَاً صاحِبُكُم؛ يعني))؛ أي:
يريد النبي عليه الصلاة والسلام («نفسه، ورأيت جبريل، فإذا أقرَبُ مَنْ رأيْتُ به
شَبَهَاً دَحْيَةُ)) بفتح الدال وكسرها ((ابن خَلِيْفَة)).
٤٤٤٣ - عَنِ ابن عبّاسِ ﴾، عَنِ النَّبِيِّ وَ﴿ قَالَ: ((رَأَيْتُ لَيْلَ أُسْرِيَ بي
موسَى رَجُلاً آدمَ طُوَالاً جَعْداً كأنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنوءَةَ، وَرَأَيْتُ عيسَى رَجُلاً مَربوعَ
الخَلْقِ إلى الحُمرَةِ والبَيَاضِ سَبطَ الرَّأْسِ، ورَأَيتُ مالِكاً خَازِنَ النَّارِ، والدَّجالَ
في آياتٍ أَرَاهُنَّ الله إِيَّاهُ ﴿َلَا تَكُنْ فِى مِرَةٍ مِّن لِّقَآبَدٍ﴾)).
((عن ابن عباس ﴾ عن النبي ◌َّ﴿ قال: رأيتُ ليلَةَ أُسْرِيَ بي موسى
رَجُلاً آدَمَ))؛ أي: أسمر.
((طُوَالاً))، وهو - بضم الطاء وتخفيف الواو -: الطويل جداً.
((جَعْداً)، وهو - بفتح الجيم وسكون العين -: ضد السَّبْط وهو مسترسل
الشعر .
(كأنه من رجال شَئُوءَة، ورأيت عیسی رَجُلاً مَرْبُوع الخَلْقِ))؛ يعني: لیس
بالطويل ولا بالقصير.
((إلى الحُمْرَةِ والبَيَاض))؛ أي: لونه بينهما.
(سَبِطَ الرأس))؛ أي: شعر رأسه.
((ورأيت مالِكَأَ خازِنَ النار، والدَّجَّال في آياتٍ»: جمع آية، وهي العلامة.
١٦٦

«أَرَاهُنَّ الله إِيَّاه)»: الجملة صفة (آيات)، قيل: هو من كلام الرَّاوي ألحقه
بالحديث؛ دفعاً لاستبعاد السَّامعين، وإماطة ما عسى يختلج في صدورهم يدل
عليه قوله: (إياه)، ولو كان من كلامه عليه السلام لقال: إياي.
﴿فَلا تگُن فِي مِريتٍ﴾؛ أي: في شك.
﴿مِّنْ لِّقَابِهٍ﴾))؛ أي: مِنْ رُؤْية محمدٍ هذه الأشياء، ووصوله إلى
مشاهدتها، وقيل: معناه وتقديره: رأى عليه السَّلام الدَّجَّال مع آيات أُخَر ما
حكاها، فإذا كان خروجه موعوداً فلا تكن في مِرْيَة من لقائه؛ أي: من لقاء
الدَّجَّال.
٤٤٤٤ - عَنْ أَبي هُرِيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((لَيْلَةَ أُسرِيَ بِي
لَقِيتُ موسَى - فَنَعَتَهُ -، فإذا رَجُلٌ مُضْطَرِبٌ رَجِلُ الشَّعرِ، كأنَّهُ منْ رِجالٍ
شَنُوءَةَ، ولَقَيْتُ عيسَى رَبْعَةٌ أَحمَرُ، كأنَّما خرِجَ مِنْ دِيْمَاسٍ - يعني: الحَمَّام -
ورأيتُ إِبْراهِيمَ صَلَواتُ الله عَلَيْهِ، وأنا أشبَهُ ولدِهِ بهِ، قَالَ: وأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ
أحدُهُما لَبن والآخَرُ فيهِ خَمْرٌ، فَقِيلَ لي: خُذْ أَبَّهُمَا شِئْتَ، فَأَخَذْتُ اللَّبن
فشرِئْتُهُ، فَقِيْلَ لي: هُدِيتَ الفِطْرَةَ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الخَمرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ)).
(عن أبي هريرة : قال النبي ◌َّ: ليلةَ أُسْرِيَ بِي لَقِيْتُ موسى - فَنَعَتَهُ -
فإذا هو رَجُلٌ مُضْطَرِبٌ))؛ أي: [كان] مستقيم القَدِّ حاداً، فإن موسى كان فيه
حِدَّة، والرجل الحاد يكون قلقاً متحركاً، فكان فيه اضطراباً، وقيل: معناه: كان
مضطرباً من خشية الله، وهو من صفة الأنبياء.
(رَجِل الشَّعر)) بفتح الراء وكسر الجيم؛ أي: غير شديد الجعودة والسُّبُوطة،
بل بينهما .
١٦٧

((كأنه من رجال شَنُوْءَة، ورأيت عيسى عليه السلام رَبْعَة))؛ أي: مَرْبُوْعَ
القامة لا طويل ولا قصير، وأنَّث على تأويل النفس.
(أحمر، كأنما خرج من ديماس)) بفتح الدال وكسرها؛ ((يعني: الحَمَّام،
ورأيت إبراهيم، وأنا أَشْبَهُ وَلَدِه به، قال: وأُوْتِيْتُ بإناءَيْنِ أحدهما ◌َبن، والآخر
فيه خَمْرٌ)): فيه إشعارٌ بأن اللَّبن كان أكثر من الخمر.
((فقيل لي: خُذْ أيهما شِئْتَ، فأخذْتُ اللبن فشربته، فقيل لي: هُدِيْتَ
الفِطْرَةَ»؛ أي: التي فُطِرَ الناس عليها، وفي هذا القول له عند أخذ اللبن لطف
ومناسبة، فإن اللبن لما كان في العالم الحسِّي ذا خلوص وبياض، وأول ما
يحصل به تربية المولود صيغ في عالم القدسي مثال الهداية والفطرة التي يتمُّ بها
تربية القوة الروحانية؛ لأن العالم القدسي قد تُصاغ فيه الصور من العالم الحسي
لإدراك المعاني.
((أَمَا)): كلمة تنبيه.
((إنَّك)) بكسر الهمزة ((لو أخذت الخمر)): بدل اللبن.
((غَوَتْ))؛ أي: ضَلَّتْ.
((أمتك)): فإن الخمر لكونه ذات تَلَفٍ (١) ومفسدة صيغ منها مثال الغواية،
وما يفسد القوة الروحانية.
٤٤٤٥ - عَنِ ابن عبّاسِ قَالَ: سِرْنا معَ رَسُولِ الله ◌ِوَّهِ بِيْنَ مِكَّةَ والمَدِينَةِ،
فَمَرَرْنا بِوادٍ فَقَالَ: ((أَيُّ وادٍ هَذَا؟ ) فَقَالُوا وَادِي الأَزْرَقِ، قَالَ: ((كأنِّي أَنظُرُ إلى
موسَى، فذكَرَ منْ لونِهِ وشَعْرِهِ شَيْئاً، واضعَاً أُصْبُعَيْهِ في أُذُنَّهِ، لَهُ جُؤْارٌ إلى الله
(١) في ((غ)): ((كلف)).
١٦٨

بالتَّبيَّةِ مارّاً بهذا الوَادِي))، قَالَ: ثُمَّ سِرْنا حتَّى أَيْنَا عَلَى ثَنِيَّةٍ فَقَال: ((أَيُّ ثَنِيَّةٍ
هذهِ؟)) قالوا: هَرْشَى أو: لِفْتٌ، فَقَال: ((كَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى يُونُسَ عَلَى نَاقَةٍ
حَمْراءَ، عليهِ جُبَّةُ صُوفٍ، خِطامُ ناقَتِهِ خُلْبَةٌ مَارَّاً بِهَذا الوَادِي مُلبياً».
((عن ابن عباس ﴾ قال: سِرْنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم
بين مكَّة والمدينة فمررنا بِوَادٍ، فقال: أيُّ وَادٍ هذا؟ فقالوا: وادي الأزرق)):
سمي به؛ لزرقة مائه، وقيل: منسوب إلى رجل بعينه.
(قال: كأني أنظر إلى موسى))؛ والمراد به: الحقيقة، وإنما عَبَّرَ بلفظ
كأني لئلا يلزموه الإراءة.
((فذكر من لونه وشَعَرِهِ شيئاً، وَاضِعَاً»: حال من موسى؛ أي: حال كونه
واضعاً.
((إِصْبَعَيْهِ في أُذُنَّهِ، له جُؤَار»؛ أي: صِيَاح وتضُّع.
((إلى الله تعالى بالتَّلبية، مارّاً بهذا الوادي قال: ثم سِرْناً حتى أتينا على
ثَنِيَّةِ)): اسم موضع.
((فقال: أيُّ ثَنِيَّةٍ هذه؟ قالوا: هَرْشَى)) : - بالشين المعجمة - على مثال
شكرى، ثنيَّة بين مكة والمدينة، وقيل: جبل بقرب الجحفة.
((أو لفت)) بسكون الفاء وكسرها، وفتحها وفتح اللام، ويروى بكسر اللام
مع سكون الفاء: ثنيَّةٌ أيضاً، [شلَّ] بينهما.
((فقال ◌َ﴾ كأني أنظر إلى يونس على نَقَةٍ حَمْرَاءَ عليه جُبَّةُ صُوفٍ خِطَام
ناقته»؛ أي: زمامها.
((خُلْبَة)) بضم الخاء المعجمة وسكون اللام، قيل: وضمها أيضاً: واحد
خُلْب، وهو الليف، وقد يسمى الحبل نفسه خُلْبةً.
١٦٩

((ماراً بهذا الوادي ملبِّياً).
*
*
٤٤٤٦ - عَنْ أَبي هُرِيْرَةَ ﴿هِ، عَنِ النَّبيِّ نَّهِ قَالَ: ((خُقِّفَ عَلَى دَاوِدَ
القُرآنُ، فَكَانَ يأمرُ بدوابهِ فتُسرَجُ، فَيَقْرَأُ القُرآنَ قبلَ أنْ تُسرَجَ دَواتُّهُ، ولا يأكُلُ
إِلَّ مِنْ عَمِلٍ بَلِهِ).
((عن أبي هريرة ظه عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم - أنه قال:
خُفِّفَ على داود القرآن»؛ أي: القراءة، ويحتمل المقروء.
((فكان يأمر بدوابّه)): جمع الدابة، وهي التي تُرْكَب، والمراد هنا:
الفرس .
(( فُتُسْرَجُ، فيقرأ القرآن))؛ أي: المقروء، والمراد به: الزَّبور؛ يعني:
خفف عليه قراءة الزبور بحيث لو أمر بِسَرْج دابته مبتدئاً في قراءته لفرغ من
قراءته .
((قبل أن تُسْرَجَ دابته)): وهذا من جُملة معجزاته عليه السلام، وهذا
الحديث يدل على جواز طيِّ الزَّمان.
((ولا یأکل إلا من عمل یدیه)).
٠٠
٤٤٤٧ - وعَنْ أَبَيْ هُرَيْرَةَ ﴿ه، عَنِ النَّبيِّ نَ﴿ قَالَ: ((كَانتْ اِمْرَأَتَانٍ مَعَهُما
ابناهُما، جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بابن إِحْدَاهُمَا، فَقَالتْ صَاحِبَتُها: إِنَّما ذَهبَ بِابنكِ،
وقَالَتِ: الأُخرى: إنَّما ذَهَبَ بابنكِ، فَتَحَاكَمَا إِلى دَوْدَ، فَقَضَى بِهِ لِلْكُبرى،
فخَرجَتَا عَلَى سُلَيْمانَ بنِ دَاوَدَ، فَأَخْبَرِتَاهُ فَقَال: انْتُونِي بالسِّكِّينِ أشقُّهُ بَيْنَكُما،
فَقَالتْ الصُّغْرَى، لاَ تَفْعَلْ، يَرِحَمُكَ الله، هُوَ ابنها، فَقَضَى بهِ للصُّغْرَى)).
١٧٠

(عن أبي هريرة ، عن النبي وَلي قال: كانت امرأتان معهما ابناهما،
جاء الذِّئْبُ، فذهب بابن إحداهما، فقالت صاحبتها إنما ذهب بابنك، وقالت
الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكما))؛ أي: ترافعا الأمر.
«إلی داود» : للُكْم.
«فقضی به))؛ أي: حَگم بالابن.
(للكُبْرَى، فخرجتا)) من عند داود، ودخلتا ((على سليمان بن داود عليهما
الصلاة والسلام فأخبرتاه)) ما حكم داود بذلك، فألهمه الله تعالى بما كان محرّكاً
للرحمة والمحبة البعضية.
((فقال: ائتوني بالسُّكين أشقُّه بينكما، فقالَتْ الصغرى» خوفاً على ذهاب
روح الابن: ((لا تفعل)): يا نبيَّ الله. ((يرحمك الله، هو ابنها، فقضى به))؛ أي:
حَكَمَ سليمان بالابن ((للصغرى)): لوجود هذه القرينة المعيِّة لها، وهي الرِّقة
والشفقة.
اعلم أن قضاءهما كان حقّاً بالاجتهاد، وكان مُسْتَنَدُ حكمهما في هذه
القضية نفس القرينة، لكنَّ قرينة سليمان أقوى من حيث الظاهر.
قيل: يحتمل أن قرائن الأحوال كانت في شرعهم بمثابة البيّنة فلذا حكموا
بها.
٤٤٤٨ - عَنْ أَبيْ هُريْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللهِوَّهِ: ((قالَ سُلَيْمانُ
صَلَواتُ الله عليهِ: لأَطُوفَنَّ اللَّيلةَ عَلَى تِسْعِيْنَ آَمْرأةً - وفي رِوَايَةٍ: على مِئَةِ امرأةٍ -
كُلُّهنَّ تَأْتِي بِفارِسِ يُجاهِدُ في سَبيلِ الله، فَقَالَ لَهُ المَلَكُ: قُلْ: إنْ شاءَ الله، فلمْ
يُقُلْ ونَسِيَ، فَطَافَ عليهِنَّ، فلمْ تحمِلْ منهُنَّ إلَّ اَمْرأةٌ واحِدةٌ جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ،
١٧١

وايْمُ الَّذِي نَفْسُ محمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهِ، لَجَاهَدُوا فِي سَبِيْلِ الله
فُرْسَاناً أَجْمَعُونَ)).
((وعنه قال: قال رسول الله وسلم: قال سليمان)) عليه الصلاة والسلام:
(لأطوفَنَّ)): اللام فيه جواب قسم مُقَدَّر تقديره: والله لأطوفَنَّ.
((الليلةَ على تسعين امرأة)»: والطواف هنا: كناية عن الجماع.
((وفي رواية: بمئة امرأة كلُّهنَّ)): مبتدأ، وخبره ((تأتي))؛ أي: تلد.
((بفارسٍ يُجَاهد)): صفة لـ (فارسٍ).
((في سبيل الله، فقال له الملَكُ: قُلْ: إن شاء الله، فلم يقل فنسي، فطاف
عليهن))؛ أي: جامع كلهنَّ.
((فلم تحمِلْ منهنَّ إلا امرأة واحدة جاءَتْ بشقِّ رجل))؛ أي: بنصفه،
ونصفه الآخر أَشَل.
((وايم الذي نفس محمدٍ بيده)): وهذا قسم.
((لو قال))؛ أي: سليمان عليه الصلاة والسلام: ((إن شاء الله، لجاهدوا))؛
أي: لحصل مقصوده، وحملَتْ كل واحدةٍ منهنَّ، وأتَتْ بفارس فجاهدوا.
((في سبيل الله فرساناً): نصب على الحال من ضمير (جاهدوا).
((أجمعون)): تأكيد للضمير، أو حال أيضاً.
٤٤٤٩ - وعَنْ أَبيْ هُرَيْرَةَ ﴿ه: أَنَّ رَسُولَ اللهِهِ قَالَ: ((كَانَ زَکرِيًّا
نجَّاراً).
((وعن أبي هريرة ﴿ه: أنَّ رسول الله وَّه قال: كان زكريّا نجَّاراً»: ينجر
١٧٢

الخشبة؛ أي: ینحتها.
٤٤٥٠ - وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ وَّهِ: ((أَنَا أَوْلَى النَّاسِ
بِعِيسَى بن مَريمَ في الأُولَى والآخِرةِ، الأَنْبيَاءُ إِخْوَةٌ مِنْ عَلَتٍ، وأُمَّهاتُهُمْ
شَتَّى، ودينُهُمْ واحِدٌ، ولَيْسَ بَيْنَا نَبِيٌّ).
((وعن أبي هريرة عنه قال: قال رسول الله ﴿: أنا أَوْلَى الناس))؛ أي:
أقربهم.
(بعيسى بن مريم في الأُوْلَى))؛ أي: في الدنيا ((والآخرة))، لأنه أقرب
المسلمین إلیه، ودینه متَّصل بدينه، ومبشر به، وداع للخلق إلى دينه وتصديقه.
((الأنبياء إخوةٌ من عَلأَت))؛ أي: من أبٍ واحد.
((وأمهاتهم شتى))؛ أي: متفرقة.
((ودينهم واحد))؛ يريد به: أن دينهم واحد في الأصل، وهو إرشاد الخَلْقِ
إلى الحقِّ، فهذا كالأب المتحد، وشرائعهم مختلفة وهي كالأمهات المختلفة.
«ولیس بيننا»؛ أي: ليس بيني وبينه.
((نبي)): بل جئْتُ بعده كما قال الله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُ:
أَحْمَدُ ﴾ [الصف: ٦].
٤٤٥١ - وعَنْ أَبِي هُرِيرَةَ ﴿ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((كُلُّ بني أَدْمَ يَطْعنُ
الشَّيْطانُ في جَنْبَيْهِ بِإِصْبعَيْهِ حِينَ يُولَدُ، غيرَ عيسَى بن مَرْيمَ، ذَهَبَ يَطْعنُ فَطَعنَ
فَوَقَعَ في الحِجَابِ».
١٧٣

((وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَه: كل ابن آدم يَطْعن
الشيطان)) بفتح العين وضمها، والطَّعْنُ: الضَّرْبُ، وهنا: المسُّ.
((فِي جَنْيْهِ بإصبعيه))؛ يعني: السبابة والوسطى.
((حين يُؤْلَد)): وقيل: الطَّعْنُ: كناية عن استفزازه إيَّاه إلى العصيان،
وتحريكه إلى الشَّهوات الملقية في الطغيان.
((غير عيسى بن مريم ذَهَبَ))؛ أي: أراد.
(يَطْعِن فَطَعَنَ في الحِجَاب)»: وهذا كناية عن سلامته مِنْ تسويله.
وقيل: عبارة عن المَشِيمَة، يعني: ما وصل إليه من مَسِّه شيء؛ لأنه طعن
بحيث ما كان متأثراً من طعنه، وإنما لم يتأثر من مَسِّه؛ لأن الله تعالى أعاذ مريم
وولدها من الشيطان؛ لاستجابة دعاء أمها حنة، قال الله تعالى حكاية عنها:
﴿وَإِّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]، وقيل: معناه: حُجِبَ
عن طعنه بازدحام الملائكة.
٤٤٥٢ - عَنْ أَبِي مُوسَى ﴿هَ، عَنِ النَّبِيِّ،وَهِ قَالَ: ((كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ
كَثِيرٌ، ولَمْ يَكُمُلْ مِنَ النِّساءِ إِلَّ مَرْيمُ بنتُ عِمرَانَ وآسِيَّةُ امرَأَةُ فِرِعَوْنَ، وفَضْلُ
عَائِشَةَ عَلَى سَائِرِ النِّسَاءِ كَفَضْلِ الَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ».
(عن أبي موسى ، عن النبي ﴿﴿ قال: كَمُلَ من الرجال کثیر»؛ يعني:
كثر أهل الكمال في الرجال، وهم الأنبياء(١)، فإنهم الكاملون في أنفسهم،
والمكمِّلون لغيرهم على حسب مراتبهم في علمهم.
(١) في ((غ)) زيادة: ((والأولياء)).
١٧٤

((ولم يَكْمُلْ من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسِيَة امرأة فرعون)): قال
الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: ١١].
قيل: لما علم فرعون إيمانها، أَوْتَدَ يديها ورجليها، وألقى على صدرها رحّى
عظيمة واستقبل بها الشمس إذ قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِىِ عِندَكَ بَيْنًا فِى الْجَنَّةِ﴾ [التحريم:
١١]، تريد مكاناً شريفاً، فكشف لها بيتها، فسهل عليها تعذيبها .
وقيل: رفعت إلى الجنة حية، فهي تأكل وتشرب ﴿وَتِىِ مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ،
وَجِِّى مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [التحريم: ١١]، ﴿وَمَرْيَمَ أَبْنَتَ عِمْرَنَ الَّتِىّ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا
فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَبِّهَا﴾؛ أي: بشرائعه ﴿ وَكُتُبِهِ﴾؛
أي: المنزلة ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَنِينَ﴾ [التحريم: ١٢] أي: المطيعين لربها .
((فَضْلُ عائشة على النساء كَفَضْلِ الثَّريد على سائر الطعام)»: ضرب المثل
بالثَّريد؛ لأنه أفضل الأطعمة عندهم؛ لكونه مركباً من الخبز وقوة اللحم، وفيه التذاذ
وغذاء وسهولة المساغ، وفضل عائشة على النساء من جهة: حُسْنِ المعاشرة
والخلق، وفصاحة اللهجة، وجودة القريحة، وتعقلها من رسول الله صلجر ما لم يعقل
من رسول الله غيرها من النساء.
مِنَ الحِسَان:
٤٤٥٣ - عَنْ أَبِي رَزيْنِ قَالَ: قُلتُ: يا رَسُولَ الله! أَيْنَ كَانَ ربنا قبلَ أنْ
يَخْلُقَ خَلْقَهُ؟ قَال: ((كَانَ فِي عَمَاءِ مَا تحتَهُ هَوَاءٌ ومَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ، وخَلَقَ عَرْشَهُ
عَلَى المَاءِ»، وقَال يَزِيدُ بن هَارُون: العَمَاءُ؛ أَيْ: لَيْسَ مَعَه شَيءٌ .
((من الحسان)):
﴿* قال: قلت: يا رسول الله! أين كان ربنا قبل
((عن أبي رَزِين العُقَيلي
١٧٥

أن يخلُقَ خلقه؟ قال: كان في عَمَاء)»: وهو السَّحاب الرقيق، وقيل: هو الكثيف
المنطبق، وقيل: هو شبه الدخان یرکب رؤوس الجبال.
وروي: (عمى) بالقصر قيل: هو كل أمر لا تدركه عقول بني آدم، ولا
يبلُغُ كُنْهَهُ الوصف.
((ما تحته هواء وما فوقه هواء))؛ أي: ليس معه شيء، عَبَّر عليه السلام عن
عدم المكان بما لا يُدْرَك ولا يُتَوهَّم، وعن عدم ما يحويه ويحيط به: بالهواء فإنه
يُطْلَقُ ويراد به: الذي هو عبارة عن عدم الجسم؛ ليكون أقرب إلى فهم السامع،
قیل: هنا حذف مضاف؛ أي: أین کان عرش ربنا بدليل قوله:
((وخلق عرشه على الماء)»: لأنه لو لم يكن السؤال عنه؛ لكان التَّعرض له
من غير حاجةٍ .
((قال يزيد بن هارون: العماء: أي: ليس معه شيء)).
٤٤٥٤ - عَنِ العَبَّاس بن عَبْد المُطَلِب ﴿ه: زَعَمَ أنَّه كانَ جَالِساً في
البَطْحَاءِ فِي عِصَابةٍ وَرَسُولُ اللهِهِ جَالِسٌ فِيهِمْ، فمرَّتْ سَحَابَةٌ فنظَرُوا إليها،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((ما تُسَمُّونَ هَذِه؟))، قَالُوا: السَّحَابُ، قَالَ: ((والمُزْنُ))،
قَالُوا: والمُزْنُ، قَالَ: ((والعَنَانُ))، قَالُوا: والعَنَانُ، قَالَ: ((هَلْ تَدَرَونَ مَا بُعْدُ مَا
بَيْنَ السَّماءِ والأَرْضِ؟))، قَالُوا: لا نَدَرِي، قَالَ: ((إنَّ بُعْدَ مَا بينَهُمَا إِمَّا واحِدَةٌ
وإِمَّا اثْنَتَانِ أو ثَلاَثٌ وسَبْعُونَ سَنةً، والسَّمَاءُ الَّتِي فَوْقَها كَذلِكَ، حتَى عَدَّ سَبْعَ
سَمَاواتٍ، ثُمَّ فَوْقَ السَّماءِ السَّابعَةِ بحرٌ بَيْنَ أَعْلاهُ وأَسْفِهِ كَمَا بَيْنَ سَماءٍ إلى
سَماءٍ، ثُمَّ فوقَ ذَلِكَ ثَمَانِيةُ أوْ عَالٍ بَيْنَ أَظْلافِهِنَّ ورُكَبِهِنَّ مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إلى
سَمَاءٍ، ثُمَّ عَلَى ظُهورِ هِنَّ العَرْشُ بَيْنَ أَسْفِلِهِ وَأَعلاهُ مَا بَيْنَ سَماءٍ إلى سماءٍ، ثُمَّ
الله فَوْقَ ذَلِكَ)) .
١٧٦

((وعن العباس بن عبد المطلب ﴿ه زعم أنه كان جالساً في البَطْحَاء في
عِصَابٍ»؛ أي: في جماعة من الناس.
((ورسول الله وَ﴿ جالس فيهم، فَمَرَّتْ سحابَةٌ فنظروا إليها، فقال
رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما تسمُّون)): (ما) استفهام بمعنى
التقرير؛ أي: أيُّ شيء تسمُّون.
((هذه): إشارة إلى السحابة، مفعول الثاني (لتسمُّون)، ومفعوله الأول
(ما) مُقَدَّم عليه.
((قالوا: السَّحاب)): منصوب بفعل محذوف؛ أي: تسميتها السَّحاب، أو
مرفوع خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هي السَّحاب.
((قال: والمُزْنُ، قالوا: والمُزْنُ)) بضم الميم وسكون الزاء المعجمة: هو
السَّحاب الأبيض.
((قال: والعَنَان؟ قالوا: والعَنَان))، وهو بفتح العين المهملة: السَّحاب،
سُمِّي به لأنه من عَنَّ في السماء؛ أي: ظهر.
((قال: هل تدرون ما بُعْدُ ما بين السماء والأرض؟ قالوا: لا ندري، قال:
إِنَّ بُعْدَ ما بينهما إما واحدة))؛ أي: واحدة وسبعون.
«وإما اثنتان» وسبعون.
((أو ثلاث وسبعون سنة)): شكٌّ من الراوي.
((والسماء التي فوقها))؛ أي: فوق السماء الدنيا.
((كذلك، حتى عَدَّ»؛ أي: النبي ◌َّر ((سبع سماوات، ثم فوق السماء
السابعة بحرٌ بين أعلاه وأسفله)): الضمير فيهما يعود إلى البحر.
(كما بين سماء إلى سماءٍ، ثم فوق ذلك)): إشارة إلى البحر.
١٧٧

(ثمانية أَوْعَال)»: جمع وَعْل: تيس شياه الجبل، والمراد: ثمانية ملائكة
على صور الأوعال.
(بين أَظْلاَفِهِنَّ)): جمع ظِلْف.
((وأوْرَاكِهِنَّ»: جمع الورك، ما فوق الفخذ.
((مثل ما بين سماءٍ إلى سماءٍ، ثم على ظُهُورِهِنَّ العَرْشُ بين أسْفَلِهِ
وأَعْلاَه)»: الضمير فيهما عائد إلى (العرش).
(ما بين سماء إلى سماء، ثم الله فوق ذلك)): إشارة إلى العرش؛ أي: الله
سبحانه وتعالى فوق العرش حكماً وعظمةً وعُلُوَّاً، لا بالمكان تعالى الله عما
يقول الظالمون علواً كبيراً.
٤٤٥٥ - عَنْ جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللهِوَهِ أَعْرابِيٌّ فَقَال:
جُهِدَتْ الأنفُسُ وجَاعَ العِيالُ، ونُهِكَتْ الأَمْوالُ، وهَلكَتْ الأَنْعَامُ، فاسْتَسْقِ الله
لَنَا، فإنَّا نستَشْفِعُ بِكَ عَلَى الله، ونستَشْفِعُ بالله عَلَيْكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَِّ: ((سُبْحَانَ
الله، سُبحانَ الله))، فَمَا زَالَ يُسبحُ حتَّى عُرِفَ ذلكَ في وُجوهِ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ
قَالَ: ((وَيْحَكَ! إِنَّهُ لا يُستَشْفَعُ بالله عَلَى أَحَدٍ، شَأْنُ الله أَعْظَمُ مِنْ ذلكَ، وَيُحَكَ!
أَدْرِي مَا الله؟ إنَّ عَرْشَهُ عَلَى سَمَاوَاتِهِ لَهَكَذا - وقَالَ بِأَصابِهِ مِثْلَ القُنَةِ عليهِ -،
وإِنَّهَ لَيَئِظُّ بِهِ أطِيطَ الرَّحْلِ بِالرَّاكِبِ».
((عن جُبَيْر بن مُطْعِمٍ ﴿ه قال: أتى رسول الله بَّه أعرابيٌ فقال: جُهِدَتِ
الأنفس))؛ أي: حُمِّلَتْ فوق طاقتها.
((وجاع العِيَال))، عيال الرجل: مَنْ يَمُوْنُهُ من الزوجة والأولاد والعبيد
وغير ذلك.
(ونُهِكَتِ الأموال))؛ أي: نقصت.
١٧٨

((وهلكت الأنعام)»: جمع النَّعَم - بفتح النون والعين -، وهي الإبل والبقر
والغنم.
((فاسْتَسْقِ الله))؛ أي: اطلب السقي ((لنا، فإنا نستشفع بك))؛ أي: نطلب
الشفاعة بوجودك ((على الله، ونستشفع بالله عليك، فقال النبي ويتلقى: سبحان الله،
سبحان الله، فما زال يسبِّح حتى عُرِفَ ذلك))؛ أي: التغير.
((في وجوه أصحابه))؛ يعني: سَاءَهم تكرير التسبيح منه وَّ، وتوهَّموا أنه
عليه السلام غضب من هذا السؤال، فخافوا من غضبه، فتغيرت وجوههم؛
خوفاً من الله تعالى، فلما أثَّر فيهم الخوف، رقَّ لهم وَّر وقطع التسبيح.
(ثم قال: ويحك إنه لا يُسْتَشْفَعُ بالله على أحدٍ؛ شَأْنُ الله أعظم من
ذلك))؛ أي: من أن يستشفع به على أحدٍ.
((ويحك، أتدري ما الله))؛ أي: ما عظمة الله سبحانه وتعالى.
(إنَّ عرشه على سماواته لَهكذا)) بفتح اللام، ((وقال بأصابعه))؛ أي: أشار
بها.
((مثل القبة))؛ أي: العرش مثل القبة.
((وإنه))؛ أي: العرش مع ما وصف من العظمة والسَّعة.
((لَيَِطُّ به))؛ أي: ليصوِّت بعظمة الله.
((أطيط الرَّحل))؛ أي: كتصويت الرحل الجديد.
(بالراكب)): قرره ويخر بهذا النوع من التمثيل، معنى عظمة الله وجلاله
وارتفاع عرشه؛ ليعلم أن الموصوف بعلوِّ الشأن وجلالة القَدْر لا يُجْعَل شفيعاً
إلى من هو دونه في القدر وأسفل منه في الدرجة.
١٧٩

٤٤٥٦ - عَنْ جَابِرٍ بن عَبْدِ الله ◌ِهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ قَالَ: ((أُذِنَ لِي أَنْ
أُحدِّثَ عنْ مَلَكٍ مِنْ ملائِكَةِ الله مِنْ حَمَلَةِ العَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةٍ أُذُنِيهِ إِلَى
عَاتِقِهِ مَسِيْرةُ سَبْعٍ مِنَّةٍ عَامٍ» .
((عن جابر بن عبد الله ﴿ه، عن رسول الله (وَّه قال: أُذِنَ لي))؛ أي: صِرْتُ
مأذوناً مِنْ حضرته تعالی .
((أن أُحدِّثَ))؛ أي: أخبر أمتي.
(عن مَلَكٍ))؛ أي: عن كيفية عِظَم جثة مَلَكِ.
(من ملائكة الله تعالى من حملة العرش)): جمع حامل؛ أي: الذين
يحملون .
(إنَّ ما بين شَحْمَةٍ أُذُنَّه إلى عاتقه مسيرة سبع مئة عام)).
٤٤٥٧ - عَنْ زُرَارَةَ بن أَوْفَى ﴾: أَنَّ رَسُولُ اللهِ قَالَ لِجِبْرِيِلَ عليه
السلام: ((هل رَأَيتَ ربَّك؟))، فانتفضَ جِبْرِلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَالَ: يا مُحَمَّدُ! إنَّ
بَيْنِي وبيْنَهُ سَبْعِيْنَ حِجَاباً مِنْ نُورٍ لَو دنَوْتُ مِنْ بَعْضها لاَحْتَرَقْتُ.
(عن زرارة بن أوفى﴿هُ أنَّ رسول الله وَّ قال لجبريل عليه الصلاة
والسلام: هل رأيتَ ربَّك فانتفض جبريل))؛ أي: ارتعد ارتعاداً شديداً من عظمة
ذلك السؤال .
(وقال: يا محمد! إنَّ بيني وبينه سبعين حجاباً من نور)): والحجاب عبارة
عن كمال الله تعالى ونقصان جبريل عليه الصلاة والسلام، فالحجاب من طرف
جبريل عليه السلام.
(لو دَنَوْتُ))؛ أي: لو قربت.
١٨٠