النص المفهرس

صفحات 141-160

رَصاصة (١)): وهي القطعة من الرصاص.
((مثل هذه وأشار إلى مثل الجُمْجُمَة)) بضم الجيمين وسكون الميم
الأولى: وهي عظم الرأس المشتمل على الدِّماغ، أشار ◌َّ إليها تبييناً لحجمها،
وتنبيهاً على تدور شكلها؛ لیکون في ذلك بیان مدی قَعْرٍ جهنم بأبلغ ما یمکن من
البيان، وضرب المثل بالرصاص الرزين، والجوهر كلما كان أتم رزانة كان أسرع
هبوطاً إلى مستقره؛ يعني: لو أنها.
(أُرْسِلَتْ من السماء إلى الأرض، وهي مسيرة خمس مئة سنة لبلغت
الأرض قبل الليل، ولو أنها أُرْسِلَتْ مِنْ رأس السِّلسلة)): يريد بها سلسلة
الصراط .
((لسارت أربعين خريفاً الليلَ والنهارَ قبل أن تبلغ أصْلَهَا))؛ أي: أصل
السِّلسلة .
((أو قَعْرَها)): شكٌّ من الراوي، أراد بها: قعر جهنم، إذ لا قعر للسلسلة.
*
٨- بل
خَلْقِ الجَنَّةِ والنَّارِ
(باب خلق الجنة والنار)
مِنَ الْصِحَاحِ:
٤٤١٨ - عن أنسِ ظُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ: ((حُقَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ
وحُقَّتِ النَّارُ بالشَّهَواتِ)).
(١) في ((ت)): ((رضاضة)).
١٤١

((من الصحاح)):
((عن أنس قال: قال رسول اللهِ وَ﴾: حُفَّتِ الجنة))؛ أي: أُحْدِقَتْ
وأُحِيطَتْ.
«بالمكاره)): جمع كُرْهٍ على غير قياس كمحاسن وحسن، وهو المشقة
والشدة؛ يعني: الجنة محدقة بأنواع الشدائد والمشقات، وهي تكاليف الشرع
أمراً ونهياً.
((وحُفَّتِ النار بالشَّهوات)»: وهي مستلذات النفس ومراداتها.
٤٤١٩ - عن أبي هُرَيرَةَ عَ﴿ه قالَ: قالَ رسولُ اللهِوَّهِ: ((تَحَاجَّتِ الجَنَّةُ
والنَّارُ، فقالتِ النَّارُ: أُوْثِرْتُ بالمُتَكبرينَ والمُتَجبرينَ، وقالت الَجِنَّةُ: فما لي
لا يدخُلني إلاَّ ضُعفاءُ النَّاسِ وسَقَطُهُم وغِرَّتُهُمْ؟ فقالَ الله للجَنَّةِ: إنَّمَا أَنْتِ
رَحْمَتي أرحَمُ بكِ مَنْ أشاءُ مِنْ عِبادِي، وقال للنَّارِ: إنَّما أَنْتِ عَذابي أُعذّبُ بِكِ
مَنْ أشاءُ مِنْ عِبادِي، ولَكُلِّ واحدَةٍ مِنْكُما مِلْؤُها، فأمَّا النَّارُ فلا تَمْتَلِىُ حتَّى
يَضَعَ الله رِجْلَهُ فيها، وتَقُول: قَطْ قَطْ قَطْ، فَهُنالِكَ تَمْتَلِىءُ ويُزْوَى بَعْضُها إلى
بَعْضٍ فَلا يَظْلِمُ الله مِنْ خَلْقِهِ أَحَداً، وأمَّا الجَنَّةُ فإنَّ الله يُنشِىءُ لها خَلْقاً».
((قال أبو هريرة ﴿ه: قال رسول الله وَلِّ: تحاجَّت))؛ أي: تخاصَمَتْ.
((الجنة والنار، فقالت النار: أُوثِرْتُ)): على صيغة المتكلم المجهول، من
آثر بمعنى اختار.
((بالمتكبِّرِين والمتجبِّرين، وقالت الجنة: فما لي)): استفهام؛ أي: أيُّ
شيء وقع لي.
((لا يدخلني إلا ضعفاء الناس))؛ أي: أراذلهم.
١٤٢

(وَسَقَطُهُمْ(١)»؛ أي: دونهم.
((وغِرَّتُهُمْ))؛ أي: الذين لم يجرِّبوا الأمور الدنيوية، قال بَّ: ((أكثر أهل
الجنة البُلْهُ)) أي: في أمور الدنيا.
((فقال الله للجنة: إنما أنت رحمتي)): سُمِّيت الجنة رحمةً؛ لأنها
مظهرها .
(أرحم بك مَنْ أشاء مِنْ عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذِّب بك
مَنْ أشاء مِنْ عبادي، ولكل واحدة منكما مِلْؤُها، فأمَّا النار فلا تمتلئُ حتى
يَضَعَ الله رِجْلَهُ)): قيل: المراد به: القهر والاستهانة؛ أي: حتى يستهين بأهلها،
يقال: وضعْتُ رجلي على فلان؛ أي: قهرته، وقيل: المراد به: الجماعة التي
بها یتُ عدد أهل النار.
((فتقول: قَطْ قَطْ قَطْ)) بسكون الطاء وتخفيفها؛ معناه: أكتفي وأنتهي،
وروي بالكسر، معناه: حسبي، وتكرارها ثلاثاً هو إحدى الروايات في (كتاب
مسلم)، وفي سائر النسخ مرتین .
((فهنالك تَمْتَلِئُ ويُزْوَى)): على بناء المجهول؛ أي: يُضَمُّ ويجمع
(بعضها إلى بعض)) من غاية الامتلاء.
((فلا يظلم الله مِنْ خلقه أحداً)؛ يعني: كل واحد من الناس مجزَی بعمله،
إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، فحينئذٍ لا ظلم على أحد، قال الله تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ
تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَأُظُلْمَ الْيَّوْمُ﴾ [غافر: ١٧].
(وأما الجنة فإن الله تعالى ينشئ لها خلقاً)؛ أي: يخلق يوم القيامة خلقاً
لتمتلئ الجنة بهم بعد ما دخل فيها الأنبياء والأولياء والمؤمنون؛ تصديقاً لقوله:
(١) في هامش ((غ)): ((في نسخة: وسفلتهم)).
١٤٣

(ولكل واحدةٍ منكما مِلْؤُها).
٤٤٢٠ - وعن أنسٍ ه، عن النَّبيِّ ◌َ﴾ قالَ: ((لا تزالُ جَهَنَّمُ يُلقَى فيها
وتَقُولُ: ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ حتَّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فيها قدَمَهُ، فَيَنْزَوِي بَعْضُها إلى
بَعْضٍ وتقولُ: قَطْ قَطْ قَطْ بِعِزَّتِكَ وكَرَمِكَ، ولا يزالُ في الجَنَّةِ فَضْلٌ حَتَّى
يُنْشِىءَ الله لها خَلْقاً فيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الجَنَّةِ».
((قال أنس : قال النبي وَله: لا تزال جهنم يُلْقَى فيها، وتقول: ﴿هَلْ
مِن ◌َزِيدٍ﴾))؛ أي: زيادة.
((حتى يضعَ ربُّ العزَّة قَدَمَهُ فيها)»، قيل: المراد من القَدَم: قومٌ مسمى
بهذا الاسم.
قال وهب: إن الله تعالى كان قد خلق قوماً قبل آدم رؤوسهم كرؤوس
الكلاب، وسائر أعضائهم كأعضاء بني آدم، يقال لهم: القدم، فعصوا ربهم
فأهلكهم الله يملأ الله بهم جهنم حين تستزيد، أو المراد به: مَنْ قَدَّمَهُم الله وأَعَذَّهم
للنار من الكفرة، وقيل: المراد به: قدم بعض مخلوقاته أضافها إلى الله تعالى تعظيماً
كما قال: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢] وكان النافخ جبرائيل - عليه
السلام -، وقيل: هو اسم لقومٍ يخلقهم الله تعالى لجهنم، قال القاضي عياض: هذا
أظهر التأويلات، ومذهب السلف فيه التَّسليم؛ لأنه من المتشابهات.
((فَيُزْوَى بعضها إلى بعض وتقول: قَطْ قَطْ، بعزَّتِك وكرمك، ولا يزال
في الجنة فضل))؛ أي: مسكنٌ خالٍ عن ساكنها لاتساعها.
((حتى ينشئ الله تعالى لها خلقاً فيسكنهم فضل الجنة)).
١٤٤

مِنَ الحِسَان:
٤٤٢١ - عن أبي هُرِيرَةَ ◌َُ، عن النَّبيِّ وَهِّ قالَ: ((لمَّا خَلَقَ الله الجَنَّةَ
قال: لجبريلَ اذهَبْ فانظُرْ إليها، فذهَب فَنَظَرَ إليها وإلى ما أعَذَّ الله لأَهْلِها
فيها، ثُمَّ جاءَ فقالَ: أَيْ رَبِّ وعِزَّكَ لا يَسْمَعُ بها أَحَدٌ إلاَّ دَخَلها، ثُمَّ حَفَّها
بالمَكارِهِ، ثُمَّ قال: يا جبريلُ! إِذْهَبْ فَانْظُرْ إليها، فَذَهَبَ فنظَر إليها، ثُمَّ جاءَ
فقال: أيْ رَبِّ وعِزَّتَكَ لقدْ خَشِيتُ أنْ لا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ. قال: فَلَمَّا خَلَقَ الله الثَّارَ
قال: يا جبريلُ! إِذْهَبْ فانظُرْ إليها، قالَ: فَذَهَبَ فَنَظَر إليها، فقالَ: أَيْ رَبِّ
وعِزَّتَكَ لا يَسْمِعُ بها أَحَدٌ فَيَدْخُلُها، فَحَفَّها بالشَّهَواتِ، ثُمَّ قالَ: يا جبريلُ!
إِذْهَبْ فانظُرْ إليها، فذَهبَ فتَظَرَ إليها، فقالَ: أَيْ رَبِّ وعِزَّتِكَ لقدْ خَشِيتُ أنْ لا
بَبْقَى أَحَدٌ إلاَّ دَخَلَه)).
((من الحسان)):
((عن أبي هريرة ه قال: قال رسول الله وَله: لما خلق الله الجنة قال
لجبريل: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها وإلى ما أعدَّ الله لأهلها فيها، ثم
جاء فقال: أي ربّ، وعزَّتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، ثم حَفَّها بالمكاره،
ثم قال: يا جبريل، اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال: أي
ربِّ، وعزتك لقد خشيتُ أن لا يدخلها أحد، قال: فلما خلق الله النار قال:
يا جبريل اذهب فانظر إليها، قال: فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال: أي ربِّ،
وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخُلَها)): بالنصب خبر (لا) دخلها الفاء.
((فحفَّها بالشهوات، ثم قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها فذهَبَ فنظر
إليها، فقال: أي ربّ، وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها)).
١٤٥

٩- بن
بدءِ الخَلقِ، وذكر الأنبياءِ عليهم السَّلام
(باب بدء الخلق وذكر الأنبياء)
مِنَ الْصِحَاحِ :
٤٤٢٢ - عن عِمرَانَ بن حُصَينٍ ◌َِ: أنَّه قال: إنِّي كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ وَهَ إِذْ
جاءَهُ قَوْمٌ منْ بني تَميمٍ، فقالَ: (اقبَلُوا البُشْرَى يَا بني تميمٍ)). قالوا: بَشَّرتَنَا
فَأَعِطِنا، فَدَخَلَ ناسٌ منْ أهلِ الْيَمَنِ، فقالَ: ((اقبَلُوا البُشْرَى يا أَهْلَ اليمنِ إذْ لم
يَقْبَلْها بنو تميمٍ)). قالوا: قبلْنا، جِئْناك لتَفَقَّهَ في الدِّينِ، ولنَسْأَلِكَ عنْ أَوَّلِ هذا
الأَمْرِ ما كان؟ قالَ: كانَ الله ولَمْ يكنْ شَيْءٌ قبلَهُ، وكانَ عَرْشُهُ علَى الماءِ، ثُمَّ
خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ، وكَتَبَ في الذِّكْرِ كلَّ شيءٍ». ثُمَّ أتاني رَجُلٌ فقالَ: یا
عِمرانُ! أدْرِكْ ناقَتَكَ فقدْ ذَهَبَتْ، فانطلَقْتُ أَطلُبُها، والمُ الله لودِدْتُ أنَّها قد
ذَهَبَتْ ولمْ أُمْ».
((من الصحاح)):
((عن عِمْرَان بن حصين ﴾ أنه قال: إني كنْتُ عند النبيِوَ﴿ إِذْ جاءَهُ قومٌ
مِنْ بني تميم))؛ أي: وقت مجيئهم.
((فقال: اقبلوا البُشْرَى يا بني تميم، قالوا: بَشَّرْتَنَا))؛ أي: قَبْلَ هذا
بالرحمة والجنة.
((فَأَعْطِنا))؛ أي: الآن حاجتنا من الدنيا، وإنما قالوا هذا؛ لعدم وثوقهم
بقول النبي * وارتهان هممهم بالحظوظ الدنيوية.
((فدخل ناس من أهل اليمن، فقال: اقبلوا البُشْرَى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها
بنو تميم، قالوا: قَبِلْنَا جِئْنَاك لنتفقَّه في الدِّين))؛ أي: لنتعلَّم الفقه وأحكام الشرع.
١٤٦

((ولنسألك عن أوَّل هذا الأمر))؛ أي: هذا الخلق.
((ما كان))؛ يعني: ما خُلِقَ أولاً قبل خلق السماوات والأرض.
((قال: كان الله، ولم يكن قبله شيء))؛ يعني: أنه الأول قبل كل شيء،
ولا شيء قبله.
((وكان عرشه على الماء))؛ يعني: أنهما كانا مخلوقَيْن قبل السماوات
والأرض، ولم يكن تحت العرش قبل خَلْقِهِمَا إلا الماء، فالعرش على الماء،
والماء على متن الريح، والريح قائمة بقدرة الله القديمة.
(ثم خلق السماوات والأرض وكتب في الذِّكْرِ))؛ أي: أثبت في اللوح
المحفوظ .
((كلَّ شيء)) مما هو كائن.
((ثم أتاني رجل فقال: يا عِمْرَان أدرِكْ ناقَتَكَ، فقد ذهبَتْ، فانطلقْتُ))؛
أي: فذهبْتُ ((أطلبها)»؛ أي: الناقة.
((وايم الله)): قال الكوفيون: هو محذوف عن أَيْمُن، جمع يمين، والهمزة
للقطع، وعند سيبويه: كلمة بنفسها وُضِعَتْ للقسم، وليسَتْ جمعاً، والهمزة
للوصل.
(لَوَدِدْتُ))؛ أي: تمنّيت واشتهيت.
((أنها قد ذهبَتْ ولم أَقُمْ)).
٤٤٢٣ - عن عُمَرَ ﴾ قالَ: قامَ فينا رَسُولُ اللهِوَّهِ مَقاماً، فَأَخْبَرَنا عنْ بِدْءِ
الخَلْقِ حتَّى دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ منازِلَهُمْ، وأهلُ النَّارِ منازِلَهُمْ، حَفِظَ ذلكَ مَنْ
حَفِظَهُ، ونَسِيَهُ مَنْ نَسِيه)).
١٤٧

((عن عمر ظه قال: قام فينا النبي (مَا))؛ أي: خطبنا.
((مَقَاماً))؛ أي: قياماً.
((فأخبرنا عن بِدْءِ الخلق حتى دخلَ أهلُ الجنَّةِ منازِلَهُمْ وأهلُ النَّار
منازِلَهُمْ))؛ يعني: أخبرنا عن أحوال جميع الأمم، وعن أحوال أُمَّته مما يجري
عليهم من الخير والشر إلى أن يدخل أهل الجنة الجنةَ منهم وأهل النار النار.
(حفظ ذلك))؛ أي: الأخبار.
(مَنْ حَفِظَه، ونَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ».
*
*
٤٤٢٤ - وعن أبي هُريرةَ ﴿به قالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ وَّهِ يقولُ: ((إنَّ الله
تعالى كتبَ كِتاباً قبلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضِبَي، فهو مَكْتوبٌ
عِندَهُ فَوْقَ العَرْشِ)).
((قال أبو هريرة له قال: [سمعت] رسول الله (َله) يقول: إن الله كتب))؛
أي: أثْبَتَ ((كتاباً قبل أن يخلُقَ الخَلْقَ: إن رحمتي سَبَقَتْ غضبي))، معنى
سبقها: أن قِسْطَ الخَلْقِ منها أكثر مِنْ قِسْطِهِمْ من الغضب؛ لنيلهم إيَّاها بلا
استحقاق، والغضب بالاستحقاق، فهو يرحم البر والفاجر في الدنيا والآخرة،
ولا يغضب إلا على الفاجر .
وقيل: رحمة الله: إرادة الخير لعباده، وغضبه: إرادة عقوبتهم، فمعنى
سبقها: أنه لا يعجِّل عقوبة الكفار والعصاة، بل يرزقهم الله ويعافيهم ويحفظهم
عن الآفات، ويَقْبَلُ توبتهم إذا تابوا.
((فهو مكتوبٌّ عنده))؛ أي: ذلك الكتاب مثبت في علمه الأزلي.
(فوق العرش)): معنى كونه فوقه: ثبوته مستوراً عن جميع الخَلْقِ مرفوعاً
١٤٨

عن حَيِّزِ الإدراك، لا أن فوقه مكاناً.
٤٤٢٥ - وعن عائِشَةَ رضي الله عنها: أَنَّ رسولَ الله ◌َّهُ قالَ: ((خُلِقَتِ
المَلائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وخُلِقَ الجَانُّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ، وخُلِقَ آدمُ مِمَّا وُصِفَ لُمْ)).
((عن عائشة - رضي الله عنها -، عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم
قال: خُلِقَتِ الملائكة من نور، وخُلِقَ الجانُّ»: أبو الجنِّ.
((من مَارِج من نار))؛ أي: من لهب مختلط بسواد النار.
((وخُلِقَ آدم مما وُصِفَ لكم))؛ أي: من الطُّين، أو هو إشارة إلى قوله
تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ مِن صَلْصَلٍ كَالْفَخَّارِ ﴾ [الرحمن: ١٤].
٤٤٢٦ - وعن أنسٍ ﴾: أَنَّ رسولَ اللهِوَّه قال: ((لَمَّا صَوَّرَ الله آدمَ في
الجَنَّةِ تَرَكَهُ ما شاءَ الله أنْ يترُكَهُ، فجَعَلَ إِبْليسُ يُطيفُ بهِ يَنْظُرُ ما هوَ، فَلَمَّا رَآهُ
أَجْوَفَ عَرَفَ أنَّهُ خُلِقَ خَلْقاً لا يَتَمَالَكُ)).
(وعن أنس ﴾: أنَّ رسول الله وَّه قال: لما صَوَّرَ الله آدمَ في الجنة تركَهُ
ما شاء الله أن يترُكَه)»: ظاهر الحديث على أنه خُلِقَ في الجنة، والأخبار دالة على
أن الله تعالى خَلَقَ آدم من تُرَابٍ قبضه من وجه الأرض، وخَمَّرَهُ حتى صار طيناً،
ثم تركه حتى صار صلصالاً، وكان ملقّى بين مكة والطائف ببطن نُعْمان، وهو
من أودية عرفات.
وقيل: ذلك لا ينافي تصويره في الجنة؛ فإنه من الجائز أن تكون طينته لما
خُمِّرَتْ في الأرض وتُرِكَتْ فيها حتى مَضَتْ عليها الأطوار واستعدَّتْ لقَبُول
١٤٩

الصُّورة الإنسانية، حُمِلَتْ إلى الجنة، فصوَّرَتْ ونُفِخَ فيها الروح.
ولعله لما كان مادة آدم - عليه الصلوات والسلام - التي هي البدن من
العالم السفلي أضاف النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تكوُّن مادته إلى الأرض؛
لأنها نشأَتْ فيها، ولما كانت صورته التي بها يضاهي المَلَك، وبها يتميز عن
سائر الحيوانات من العالم العلوي أضاف صورته إلى الجنة.
((فجعل)): الفاء للعطف على قوله: (تركه)؛ أي: شرع.
((إبليس يُطِيْفُ به يَنْظُرُ ما هو))؛ أي: يتفكّر في عاقبة أمره، وماذا يظهر
منه .
«فلما رآه أجوف»: وهو الذي له جوف.
((عرف أنه خُلِقَ خَلْقَاً لا يَتَمَالك))؛ أي: لا يقدر أن يملك نفسه عن المنع
من الشَّهوات، وقيل: أي: لا يتماسك، وقيل: لا يملك بعضه بعضاً، بل يكون
فيه أبعاض مختلفة، فيصدر منه ما يوجب تغير الأحوال عليه، وعدم الاستمرار
على الطاعة، ويكون محتاجاً إلى الطعام والشَّراب والنِّكاح.
٤٤٢٧ - عن أنسٍ ﴿ه: قالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ وَ﴿ فقال: يا خَيْرَ البِرِيَّةِ،
فقالَ: ((ذاكَ إِبْراهِيمُ)).
((وعنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال:
يا خَيْرَ البَرِيَّة)»: فعيلة مِنْ برأ، بمعنى خَلَقَ؛ أي: المخلوق.
((فقال: ذاك))؛ أي: خَيْرُ البَرِيَّة ((إبراهيم))، إنما قاله ◌َّ تواضعاً مع أسلافه
الأكرمين، وإلا فنبيّنا - عليه الصلاة والسلام - سيِّد الأولين والآخرين، أو لأن
هذه الصفة مختصَّة به، وله أن يُنْعِمَ بها على غيره كالصَّلاة عليه المخْصُوصَةِ به،
١٥٠

وقد كان يصلِّي على معطي الزكاة.
٤٤٢٨ - وعن أبي هُرِيرَةَ ﴿ُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((اِخْتَتَنَ إِبراهيمُ
النَّبِيُّ ◌َه وهوَ ابن ثَمانِينَ سَنَّةً بالقَّدُومِ».
((وعن أبي هريرة ، قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
اختتَنَ إبراهيم النبي - عليه الصلاة والسلام - وهو ابن ثمانين سنةً بالقَدُوِمِ)) بفتح
القاف وتخفيف الدَّال: اسم موضع، وقيل: قرية بالشام، فالباء بمعنى (في)،
وقيل: أراد به قَدُوم النَّجار، وهذا وهم، وقيل: بالتشديد وهو غلط.
٤٤٢٩ - وعن أَبِي هُرِيرَةَ ﴾ قالَ: قالَ رسولُ اللهِوَِّ: ((لَمْ يَكْذِبْ
إبراهيمُ إلاَّ ثلاثَ كَذَباتٍ: ثِنتَيْنِ مِنْهُنَّ في كتابِ الله تعالَى: قولهُ: ﴿إِنِّ سَقِيمٌ﴾،
وقولهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ، كَبِيِرُهُمْ هَذَا﴾ .
وقالَ: بَينا هُوَ ذاتَ يومٍ وسارَةُ إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنَ الجَبابرَةِ، فقيلَ لهُ:
إِنَّ ها هُنا رَجُلاً مَعَهُ امرأةٌ منْ أَحْسَنِ النَّاسِ، فَأَرْسَلَ إليهِ فَسَأْلَهُ عنها: مَنْ هذِهِ؟
قال: أُخْتِي. فأتَى سارَةَ فقالَ لها: إنَّ هذا الجَبَّارَ إِنْ يَعْلَمْ أنَّكِ امرأتي يغلِني
عليكِ، فإنْ سَأَلَكِ فأخبريهِ أنَّكِ أُخْتِي، فإنَّكَ أُخْتِي في الإِسلامِ، ليسَ علَى
وَجْهِ الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وغَيْرُكِ. فَأَرْسَلَ إليها فَأُتِيَ بها، وقامَ إِبراهيمُ يُصَلَّي،
فلَمَّا دخَلَتْ عليهِ ذَهَبَ يتناوَلُها بيدِهِ فَأُخِذَ - ويُروَى فِغُطَّ حتَّى رَكضَ بِرِجْلِه -
فقالَ: ادعِي الله لي ولا أَضُرُّكِ، فدعَتِ الله فأُطلِقَ، ثُمَّ تناوَلَها الثَّانِيَةَ فَأُخِذَ مِثْلَها
أو أَشَدَّ، فقال: ادعِي الله لي ولا أَضُرُّكِ، فدعَتِ الله فأُطلِقَ، فدعا بعضَ
حجَبِهِ فقالَ: إنَّكَ لمْ تأتِني بإنسانٍ إِنَّمَا أَفَتَنِي بِشَيْطانٍ، فَأَخْدَمَها هاجَرَ، فأتَّهُ
١٥١

وهو قائِمٌ يُصَلِّي، فَأَوْمَاً بيدِهِ مَهْيَمْ؟ قالت: رَدَّ الله كَيْدَ الكافرِ فِي نَحْرِهِ وأَخْدَمَ
هاجر)).
قال أبو هُرِيرَةَ ﴾: تِلْكَ أُمُّكُم يا بني ماءِ السَّماءِ.
((وعنه قال: قال رسول الله وَ﴿: لم يكذِبْ إبراهيم إلا ثلاث كَذَبَات،
ثنتین منهنَّ»؛ أي: من الكذبات الثلاث.
((في ذات الله))؛ أي: لأجل الله، وقيل: أي: في أمر الله، وفيما يتعلق
بتنزيه ذات الله عن الشَّريك، ويجوز أن يُرَاد به: القرآن؛ أي: في كلام الله، عَبَّرَ
به عنه لما لم ينفك الكلام عن المتكلّم، كما هو رأي الأشعري.
((قوله: ﴿إِنِّ سَقِيمٌ﴾)): حين طلبوا منه - عليه السلام - أن يخرج معهم إلى
عيدهم، فأراد أن يتخلف عن الأمر الذي هم به، فنظر نظرةً في علم النجوم،
فقال: ﴿إِنِ سَقِيمٌ﴾؛ أي: خارج مزاجي عن حَدِّ الاعتدال.
((وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ، كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾)): حين كسر عليه السلام أصنامهم
إلا كبيرها، وعَلَّقَ الفأس في عنقه، نَسَبَ ذلك إلى كبيرهم؛ إثباتاً للحُجَّة
عليهم؛ لأنهم إذا نظروا النَّظر الصحيح علموا عَجْزَ كبيرهم.
((وقال: بينا هو ذاتَ يوم وسَارة)): بنت عم إبراهيم وزوجته، وكانت هي
أحسن النساء وَجْهَاً شِبْهَ حواء في حُسْنِها، تزوَّجها إبراهيم عليه الصلاة والسلام
بعدما أهلك الله عدوه نمرود، فعزم على الخروج بها نحو الشام.
((إذا أتى على جَبَّارٍ من الجبابرة، فقيل له: إن هاهنا رجلاً معه امرأة من
أحسن الناس، فأرسل إليه فسأله عنها مَنْ هذه؟ قال: أختي))؛ يعني: أختي في
الدين، قيل: إنما عدل عن الإخبار بالزوجيّة إلى الأختيَّة؛ لأن في دين ذلك
الملك الجبار لا يحل له التَّزوج، ولا التَّمتع بقرابات الأنبياء، وقيل: كان من
عادته أن لا يتعرض إلا لذوات الأزواج.
١٥٢

وإنما سمى ذلك كذباً، وإن كان من المعارض؛ لعلوٍّ شأن الأنبياء عن
الكناية بالحق، فيقع ذلك منهم موقع الكذب من غيرهم؛ لأن حسنات الأبرار
سيئات المقربين، وقيل: لتصورها بصورة الكذب.
((فأتى))؛ أي: إبراهيم.
((سارة، فقال لها: إنَّ هذا الجبار إنْ يعلَمْ أنَّك امرأتي يَغْلِني عليك، فإن
سأَلَكِ فأخبريه أنك أختي، فإنك أختي في الإسلام ليس على وجه الأرض
مؤمن غيري وغيرك فأرسل))؛ أي: الجبّار ((إليها، فأَتِيَ بها، فقام إبراهيم
يصلِّي، فلمَّا دخلَتْ عليه ذهب يَتَنَاوَلُها))؛ أي: أراد تناولها .
(بيده فَأُخِذَ): على صيغة المجهول؛ أي: حُبِسَ عن إمساكها، وقيل:
أي: عوقب بذنبه، وقيل: أي: أغمي عليه.
٠
((ويروى: فَغُطَّ) بالغين المعجمة والطاء المهملة المشددة، على صيغة
المجهول؛ أي: حصراً شديداً، أو قيل: الغَطُّ هنا: بمعنى الخَنْق؛ أي: أخذ
[بمجامع] مجاري نفسه حتى يُسْمَع له غطيط؛ أي: نخير، وهو صوتٌ بالأنف.
((حتى ركض برجله))؛ أي: ضرب بها الأرض من شِدَّة الغَطِّ.
((فقال: ادْعِي الله لي ولا أَضُرُّكِ فَدَعَتِ الله فَأُطْلِقَ، ثم تناولها الثانية فأُخِذَ
مثلها، أو أَشَدَّ فقال: ادْعِي الله لي ولا أَضُرُّكِ، فَدَعَتِ الله فَأَطْلِقَ فدعا)»؛ أي:
طلبَ الجبّار ((بعض حَجَبَتِهِ)): جمع حاجب.
((فقال: إنك لم تأتني بإنسان، إنما أتيتني بشيطان))؛ أي: متمرِّد من
الجنّ، قاله لأنهم كانوا يهابون الجنَّ ويعظّمون أمرهم.
((فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ))؛ أي: فجعل ذلك الجبّار سارة تخدمها هَاجَرَ، وهي أم
إسماعيل - عليه السلام -، وأرسلها طاهرةً لما رأى من كرامتها عند الله، قيل:
إنما سميت هاجر؛ لأنها هاجَرَتْ من الشَّام إلى مكة.
١٥٣

((فأتته وهو قائم يصلّي فأَوْما»؛ أي: أشار إبراهيم ((بيده)): إلى سارة،
وهو في الصلاة .
((مَهْيَمْ))؛ أي: ما شأنك، وهي كلمة استخبار بلغة اليمن، وقد جعلت
لفظة (مَهْيَمْ) هنا مفسرة للإيماء، وليست بترجمة لقوله عليه السلام، وإلا لكان
من حقُّه أن يقال: فأومأ بيده وقال: مهیم.
قالت: رَدَّ الله كَيْدَ الكافر في نَحْرِه))؛ أي: في صدره.
((وأَخْدَمَ هَاجَرَ»: قيل: كان لا يولد له من سارة، فوهبَتْ هَاجَرَ له،
وقالت: عسى الله أن يرزقَكَ منها ولداً، وكان إبراهيم يومئذٍ ابن مئة سنة.
«قال أبو هريرة ﴿: تلك))؛ أي: هَاجَر.
(أُّكم يا بني ماء السماء)): يريد به العرب؛ لأنهم يعيشون بماء المطر،
وقيل: أي: يا بني إبراهيم الطاهر كماء السماء، خاطبهم به تنبيهاً على طهارة
نسبهم .
وقيل: أراد بهم الأنصار؛ لأنهم أولاد عامر بن حارثة الأزدي جد نعمان
بن المنذر، وكان ملقباً بماء السماء؛ لأنه كان يُسْتَمطر به .
وقيل: أشار بذلك إلى كونهم مِنْ وَلَدِ هَاجَرَ؛ لأن إسماعيل عليه الصلاة
والسلام أنبع الله له ماء زمزم، وهي ماء السماء.
٤٤٣٠ - وعن أبي هُرِيرَةَ ﴿ه قالَ: سُئِلَ رسولُ اللهِلَّهِ: أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ؟
قال: ((أكرَمُهُمْ عِنْدَ الله أتقاهُمْ) قالوا: لَيْسَ عنْ هذا نَسْألُكَ، قالَ: ((فَأَكْرَمُ
النَّاسِ يوسُفُ نَبَيُّ الله ابن نَبَيِّ الله ابن نبيِّ الله ابن خليلِ الله)). قالوا: ليسَ عنْ
هذا نَسْألُكَ، قال: ((فعَنْ معادِنِ العَرَبِ تسألُونني؟)) قالوا: نَعَم، قالَ:
١٥٤

((فِخِيَارُكُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيارُكُمْ في الإِسلامِ إذا فَقِهُوا)).
((وعن أبي هريرة ه قال: سئل رسول الله وَّرِ أَيُّ الناس أَكْرَمُ؟ قال:
أكرمُهُمْ عند الله أتقاهم، قالوا: ليس عن هذا نسألُكَ، قال: فأكرم الناس)):
الفاء: جواب شرط مقدَّر؛ أي: إذا لم تسألوني عن هذا فأكرم الناس؛ أي: في
زمانه .
(يوسُفُ)): وهو مبتدأ قُدِّمَ خبره للعناية به .
«نبي الله)): صفة.
((ابن نبيِّ الله))؛ يعني: يعقوب عليه السلام.
(بن نبيِّ الله))؛ يعني: إسحاق عليه السلام.
(بن خليل الله))؛ أي: إبراهيم عليه السلام.
(قالوا: ليس عن هذا نسألُكَ، قال: فَعَنْ معادن العرب))؛ أي: عن
أصولهم.
((تسألوني؟ قالوا: نعم، قال: فخيارُكُمْ في الجاهلية))؛ أي: بالمآثر.
((خيارُكُمْ في الإسلام إذا فَقِهُوا))؛ أي: إذا صاروا عالمين في أحكام
الشريعة .
٤٤٣١ - وعن ابن عمرَ ﴾، عن النَّبيِّ وَ﴿ِ قالَ: ((الكَرِيمُ ابن الكَريمِ ابن
الكَريمِ ابن الكَريمِ: يوسُفُ بن يعقوبَ بن إِسْحاقَ بن إبراهيم».
(وعن ابن عمر ﴾ عن النبي ◌َّ: الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن
الکریم»: اسم جامع لكلِّ ما يُحْمَد به.
١٥٥

(يوسُفُ بن يعقوبَ بن إسحاق بن إبراهيم): اجتمع في يوسف مع كونه
ابن ثلاثة أنبياء متراسلين: شرف النبوة، وحسن الصورة، وعلم الرؤيا، ورئاسة
الدنيا، وحياطة الرعايا في القَحْط والبلايا، وأنَّى رجل أكرم مِنْ هذا؟!
٤٤٣٢ - وقالَ رسولُ اللهِ وَلِ: ((نَحْنُ أَحَقُّ بالشَّكِّ مِنْ إبراهيمَ إذْ قالَ:
﴿َرَبٍّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِى الْمَوْقَى﴾، ويَرْحَمُ الله لُوْطاً لقدْ كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ
شَديدٍ، ولوْ لبغْتُ في السِّجنِ طُولَ ما لَبِثَ يوسُفُ لأَجَبْتُ الدَّاعِي)).
((وقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: نحن أحقُّ بالشَّكِّ مِنْ
إبراهيم إِذْ قال: ﴿رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِىِ الْمَوْقَ﴾)): قيل: لما نزلت هذه الآية
قالوا: شَكَّ إبراهيم، ولم يشك نبينا فقال بَّه تواضعاً: (نحن أحقُّ بالشكِّ من
إبراهيم).
والقصد: نفي الشكِّ عن إبراهيم - عليه السلام - لا إثبات الشكِّ لنفسه،
يعني: نحن لا نشكُّ فكيف يشكُّ إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - بسؤاله:
﴿أَرِبِ كَيْفَ تُحِى الْمَوْنَى﴾، مع علوِّ درجته؛ لأنه أري ملكوت السموات
والأرض، وإنما سأل عن ذلك لزيادة العلم بالمشاهدة؛ فإنها تفيد من المعرفة
والطمأنينة ما لا يفيده الاستدلال، أراد بذلك: تعظيم شأن إبراهيم عليه الصلاة
والسلام لكمال فكرته وعلوِّ همته الطالبة لحصول الاطمئنان بالوصول إلى درجة
العَیَان .
((ويرحَمُ الله لوطاً لقَدْ كان يأْوِي إلى رُكْنٍ شديدٍ)): حين قصد قومه أضْيَافه
بسوء ظانِين أنهم غلمان، وهم الملائكة نزلوا على صُورة المرد الحِسَان، کان یناظرهم
من وراء الباب مغلقاً فقال: ﴿لَوَ أَنَّ ◌ِ بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىّ إِلَى رُكْنِ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]؛
١٥٦

يعني: لو أن لي بدفعكم قوة البدن، أو انضم إليَّ عشيرة منيعة لدفعناكم ما صدر عنه
عليه السلام هذا القول إلا حين صعب عليه الأمر، وضاق الصدر، فدعا له النبي
صلى تعالى عليه وسلم بالمغفرة؛ لأنه استغرب هذا القول وَعَذَّه نادرةً، إذ لا رُكْنَ
أشدُّ من ضمان الله وكلامه له، فلما رأى المَلَكُ ما به من الاحتراق قالوا له: يا لوط
إن رکنك لشدید إنا رسل ربك.
(ولو لبثْتُ في السِّجن طول ما لبث يوسف لأجبْتُ الدَّاعي))؛ أي: داعي
المَلِكِ، ولم أقلْ لرسول المَلِكِ: ﴿ أَرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسْقَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اَلَّتِى قَطَّعْنَ
أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٥٠]، مدحه عليه السلام على شدَّة صبره، وترك استعجاله
للخروج من السجن مع امتداده.
قيل: إن يوسف - عليه الصلاة والسلام - أشْفَقَ أَنْ يراه الملِكُ بعين
مَشْكُوْكِ في أمره مُتَّهَمٍ بفاحشة، فأحبّ أن يراه بعد أن يزول عن قلبه ما كان فيه
◌ُّهم.
٤٤٣٣ - وقالَ: ((إنَّ مُؤْسى صلواتُ الله عليه كانَ رَجُلاً حَبيَّاً سِتِيراً
لا يُرَى منْ جِلْدِهِ شَيءٌ اسْتِخْياءً، فآذاهُ مَنْ آذاهُ منْ بني إِسْرائيلَ فقالوا: ما يَتَسَتَّرُ
هذا التَّستُّرَ إلا مِنْ عَيْبٍ بجِلدِهِ: إِمَّا بَرَصٍ أو أُدْرَةٍ، وإنَّ الله أرادَ أنْ يُبَرَّتُهُ، فَخَلا
يَوْماً وَحْدَهُ لِيَغْتَسِلَ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ على حَجَرٍ، فَفَزَّ الحَجَرُ بثَوْبِهِ، فَجَمَحَ مُوْسی
في إثْرِهِ يقولُ: ثَوْبِي يا حَجَرُ، ثَوْبِي يا حجرُ، حتَّى انتهَى إلى مَلٍ منْ بني
إِسْرائيلَ فرأَوْهُ عُرْياناً أَحْسَنَ ما خَلَقَ الله، وقالوا: والله ما بِمُوسى منْ بَأْسٍ،
وأَخَذَ ثوبَهُ وطَفَقِ بالحَجَرِ ضَرْباً، فوالله إنَّ بالحَجَرِ لَنَدَباً منْ أثرٍ ضربهِ» ثلاثاً أو
أَرْبَعاً أو خَمْسَاً.
١٥٧

((وقال: إنَّ موسى عليه السلام كان رجلاً حَبِيَّاً)؛ أي: مُسْتَحْبِيَاً.
((سِتِّيرَاً)؛ أي: مستوراً، يعني: كان من شأنه أن يَسْتُرَ جميع بدنه عند
اغتساله .
((لا يُرَى من جِلْدِهِ شيءٌ استحياءً، فَآذاه مَنْ آذاه من بني إسرائيل)) بأن
نسبوا إليه العيوب.
((فقالوا: ما تستَّر هذا التَّسَتُّرَ إلا من عَيْبٍ بجلده: إمَّا بَرَضٌ أو أُدْرَةٌ»
بالضم ثم السكون: نفخةً في الخصية.
((وإن الله أراد أَنْ يُبَرِّتَهُ)): مما قالوا.
((فخلا يوماً وحدَهُ ليغتَسِلَ فوضَعَ ثَوْبَهُ على حجر، ففرَّ الحجر بثوبه
فَجَمَحَ موسى))؛ أي: عَدَا وأَسْرَعَ إسراعاً.
«في إِثْرِهِ»؛ أي: عقيب الحجر.
«یقول: ثوبي)؛ أي: دع ثوبي.
((يا حجر، ثوبي يا حجر، حتى انتهى إلى ملأ»؛ أي: وصل إلى جماعة
الأشراف.
((من بني إسرائيل، فرأوه عُرْيَاناً أَحْسَنَ ما خلق الله، وقالوا: والله
ما بموسی من بأس))؛ أي: عيب.
((وأخذ ثوبه فطَفِقَ))؛ أي: شرع موسى ((بالحجر ضَرْباً): تمييز، ضَرْبُهُ
الحجر لا يعد سَفَهَاً عند ثوران الغضب؛ شفاء للغيظ، مع العلم بأن الحجر
لا يتأثر بالضرب، أو يقال: حسب أنه شيطان أرسل إليه في صورة حجر.
((فوالله، إنَّ بالحجر لَنَدَباً): بالتحريك؛ أي: أثر الجرح.
((من أَثَرِ ضَرْبِهِ ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً): (أو) هذه للشكِّ من الراوي
١٥٨

يتعلق بالضَّرب، أو بالنَّدَبِ .
*
*
٤٤٣٤ - وقالَ: ((بَيْنا أَيُوبُ يَغْتَسِلُ عُرْياناً فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرادٌ مِنْ ذَهَبٍ،
فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْتَنِي فِي ثَوبهِ، فناداه ربُّه: يا أَيُّوبُ أَلَمْ أُكُنْ أغنَيَّتُكَ عَمَّا تَرَى؟
قَالَ: بَلَى وعِزَّتِكَ، ولَكِنْ لا غِنِى بِيْ عَنْ بَرَكَتِك)).
((وقال: بينما أيوب - عليه الصلاة والسلام - يغتسل عُرْيَاناً فَخَرَّ عليه))؛
أي: سقط من عُلُوٍ.
(جَرَادٌ من ذَهَبٍ فَجَعَلَ))؛ أي: أراد أيوب أن ((يَحْتَئِّي))؛ أي: يجمع ((في
ثوبه، فناداه ربه: يا أيُّوبُ، ألم أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ))؛ أي: جعلتك ذا غنّى.
((عمَّا ترى؟ قال: بلى وعزتك، ولكن لا غِنَاءَ بي عن بَرَكَتِكَ)) وإِنْعَامِكَ
عليَّ.
٤٤٣٥ - عَنْ أَبي هُرِيْرَةَ﴾ أنَّهُ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ المُسلِمِينَ وَرَجُلٌ
مِنَ اليَهودِ، فَقَالَ المُسلمُ: والَّذي اصطَفَى مُحمَّداً على العَالَمِيْنَ، فقالَ
اليَهُودِيُّ: والذي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى العَالَمِينَ، فَرَفعَ المُسْلمُ يدَهُ عندَ ذلكَ
فلطَمَ وَجْهَ اليَهُودِيِّ، فَذَهبَ اليَّهُودِيُّ إِلى النَّبِيِّ ◌َ﴿ فأخبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ
المُسلِمِ، فَدَعا النَّبِيُّ وَهُ المُسلِمَ فَسَأْلَهُ عَنْ ذلكَ، فأخبَرَه، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ:
(لا تُخيِّروني على موسَى، فإنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يومَ القِيامَةِ فَأَصْعَقُ مَعَهُم فأكون
أوَّلَ من يُفيقُ، فَإِذَا موسَى باطِئٌ بجانِبِ العَرشِ، فلا أَدْرِي كَانَ فيمَنْ صَعِقَ
فأفاقَ قَبْلِي، أَوْ كَانَ مِمَّنْ استَثْنَى الله)).
وفي رِوَايَةٍ: ((فَلاَ أَدْرِي أَحُوسِبَ بِصَعقةٍ يَومِ الطُّورِ أَوْ بُعِثَ قَبْلِي،
١٥٩

ولا أَقُولُ إِنَّ أَحَداً أَفْضَلُ مِنْ يونُسَ بن مَتَّى)).
وفي رِوَايَةٍ: ((لا تُخيِّروا بينَ الأَنبياءِ)).
وفي رواية: ((لا تُفْضِلُوا بَيْنَ أَنْبِياءِ الله)).
((وعن أبي هريرة ﴾ قال: استَبَّ رجلٌ من المسلمين ورجلٌ من
اليهود))؛ أي: جرى بينهما السَّبُّ؛ أي: الشَّتم.
(«فقال المسلم: والذي اصطفى محمداً على العالمين، فقال اليهود:
والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم يده عند ذلك، فلطَمَ وَجْهَ
اليهودي، فذهب اليهودي إلى النبي ◌َّ﴿ فأخبره بما كان مِنْ أمره وأمر المسلم،
فدعا النبي * المسلم فسأله عن ذلك، فأخبره، فقال النبي : - عليه الصلاة
والسلام -: لا تُخَيِّرُوني))؛ أي: لا تُفَضِّلُوني ((على موسى)).
وإنما نهى عليه الصلاة والسلام عن تفضيله عليه مِنْ تلقاء أنفسهم؛
تواضعاً منه وَّه، وزَجْرَاً للأمة عن تفضيل بعض الأنبياء على بعض من عند
أنفسهم؛ لأداء ذلك إلى العَصَبِيّة وإلى الإفراط في محبةٍ نبي، والتفريط في محبة
آخر، أو الإزراء به، وهو کفر .
((فإن الناس يَصْعَقُون))؛ أي: يصيرون مغشيًّاً عليهم.
((يوم القيامة، فَأَصْعَقُ معهم)): قيل: هذه الصَّعْقَة بعد البعث عند نفخة
الفزع.
((فأكون أول مَنْ يفيق، فإذا موسى بَاطِئٌ بجانب العَرْشِ))؛ أي: متعلِّق به
بقوة .
((فلا أدري، كان فيمن صَعِقَ فأفاق قَبْلي، أو كان مِمَّنِ استثنى الله)) في
قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِ الْأَرْضِ إِلَّ مَنْ شَآءَ اللَّهُ﴾ [الزمر:
٦٨].
١٦٠