النص المفهرس
صفحات 61-80
يا رب! أمتي أمتي، فيقال: انطلق فأخرج من كان في قلبه مثقال ذرة»؛ أي: وزنها . ((أو خردلة من إيمانٍ)): والمراد به: أدق ما يفرض من الإيمان بحيث ينتهي إلى أنه لا يقبل قسمةً بعدُ، وأن ليس بعده إلا الكفر الصريح؛ إذ الإيمانُ كلما قلَّ قَرُبَ من الكفر حتى ينتهي إليه، هذا على مذهب من يجوِّز التجزئةَ من الإيمان، وأما من لم يجوِّز التجزئةَ؛ فيقول: المراد به: القلة من أعمال الخير مع قطع النظر عن شيء آخر، وإلا فالإيمان الذي هو التصديق القلبي لا تدخله التجزئة . ((فأنطلق فأفعل، ثم أعود، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخِرُّ له ساجداً، فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب! أمتي أمتي، فيقال: انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان، فأخرجْهُ من النار، فأنطلق فأفعل، ثم أعود الرابعة، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخِرُّ له ساجداً، فيقال: يا محمد! ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب! ائذنْ لي فيمن قال: لا إله إلا الله، قال: ليس ذلك لك))؛ أي: ليس إخراجهم من النار إليك، فاللام بمعنى: (إلى)، أو ليس إخراجهم منها لأجلك، بل إنَّ أحِقَّاءُ أن نفعلَ ذلك كرماً وتفضلاً وإجلالاً لتوحيدي وتعظيماً لاسمي. ((ولكن وعزتي)): الواو فيه للقسم. ((وجلالي وكبريائي وعظمتي، لأخرجنَّ منها من قال: لا إله إلا الله)): يعلم من هذا أن إخراج من لم يعمل خيراً قط في الدنيا سوى كلمة الإخلاص خارجٌ عن حدِّ الشفاعة، بل موكولٌ إلى محضٍ الكرم. ٦١ ٤٣١٨ - عن أبي هُرِيرَةَ ◌َُه، عن النَّبِيِّوَّهِ قالَ: ((أَسْعَدُ النَّاسِ بشفاعَتي يَوْمَ القِيامَةِ مَنْ قال: لا إله إلاَّ الله خالِصاً مِنْ قَلْبهِ - أو : - نَفْسِهِ)). ((عن أبي هريرة به قال: قال رسول الله وَ﴾: أسعدُ الناس بشفاعتي يومَ القيامة)): أفعل التفضيل هنا للزيادة المطلقة. ((من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه، أو نفسه)): شك من الراوي. والمراد به: أن لا يشوبه شرك، ولا نفاق. قيل: التوفيق بين هذا الحديث وبين الحديث المتقدم: أن المراد بالأول إخراجُ جميع الأمم الذين آمنوا على أنبيائهم، لكنهم استوجبوا النار، والمراد بالثاني: من قال: لا إله إلا الله من أمته ول . أو المراد بالأول: قائل هذه الكلمة بلا عمل أصلاً، والمراد بالثاني: الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً. والشفاعةُ تُوجَدُ على طرق شتى، منها الشفاعة في المحشر حيث يطول بهم القيام، ومنها عند ورود الحوض، وعند اختلاف السبيلين، وعند الجواز على الصراط وغيرها، فالمؤمن المطيع غير العاصي والمؤمن المطيع العاصي سعيدان بشفاعته وَالد في جميع تلك المقامات. ٤٣١٩ - عن أبي هُرِيرَةَ ﴿ه قالَ: أُتْيَ النَّبيُّ ◌َّهِ بَلَحْمٍ، فَرُفِعَ إليهِ الذِّراعُ، وكانتْ تُعْجِبُهُ، فَنَهَسَ منها نَهْسَةً، ثُمَّ قالَ: ((أنا سَيدُ النَّاسِ يومَ القِيامَةِ، ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾، وتَدَنُو الشَّمْسُ فِيَبْلُغُ النَّاسُ مِنَ الغَمِّ والكَرْبِ ما لا يُطيقونَ، فيقولُ النَّاسُ: ألا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لكُمْ إلى رَبِكُمْ؟ فيأتونَ آدمَ))، وذَكَرَ حَدِيْثَ الشَّفَاعَةِ، وقال: ((فَأَنْطَلِقُ، فَآَتِي تَحْتَ العَرْشِ، فَأَقَعُ ٦٢ ساجِداً لربي، ثُمَّ يَفْتَحُ الله عَلَيَّ مِنْ مَحامِدِهِ وحُسْنِ الثَّاءِ عليهِ شيئاً لمْ يَفتحْهُ على أَحَدٍ قَبَلي، ثُمَّ يُقالُ: يا مُحَمَّدُ! ارفَعْ رَأَسكَ، سَلْ تُعطَهْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسي فأقولُ: أُمَّتِي، يا رَبِّ! أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي ياربّ، فيقالُ: يا محمَّدًا أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لا حِسابَ عليهمْ من الباب الأيمنِ من أبوابِ الجنَّةِ وهم شركاءُ النَّاسِ فيما سِوَى ذلك مِنَ الأَبُوابِ. ثُمَّ قال: والذي نفْسي بيدِه إنَّ ما بينَ المِصْراعَيْنِ منْ مَصاريعِ الجَنَّةِ كما بينَ مَّةَ وهَجَرَ)). ((وعن أبي هريرة ﴿ه قال: أَتِّي النبي ◌َِّ بلحم، فرُفِعَ إليه الذراع، وکانت))؛ أي: الذراع، وهو يذكر ويؤنث. ((تعجبه))؛ أي: النبي ◌َّ؛ لسمنها وحسن طبخها. ((فنهس منها نهسةً))؛ أي: أخذ ما عليها بمقدَّم أسنانه . ((ثم قال: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة))؛ يعني: أن جميع الناس يوم القيامة من الأنبياء وغيرهم محتاجون إلى شفاعتي؛ لكرامتي عند الله، فإذا اضطروا أتوا إليَّ طالبين لشفاعتي لهم. (يوم يقوم الناس لرب العالمين)): يحتمل أن يكون جواب سائل قائل: ما يوم القيامة؟ ويحتمل أن يكون بدلاً لـ (يوم القيامة). ((وتدنو الشمس))؛ أي: من الغروب، أو من رؤوس الناس في العرصات. ((فيبلغ الناس من الغمّ والكرب ما لا يطيقون، فيقول الناس: ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيأتون آدم، وذكر))؛ أي: النبي ◌َّى . ((حديث الشفاعة، وقال: فأنطلق فآتي تحت العرش، فأقع ساجداً لربي، ثم يفتح الله تعالى عليَّ من محامِدِهِ وحُسنِ الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب! أمتي يا رب! أمتي يا رب! فيقال: يا محمد! أدخل ٦٣ من أمتك من لا حساب عليهم)) من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاءُ الناس فيما سوى ذلك ((من الأبواب، ثم قال: والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين)): وهما قطعتا باب واحد، تغلقان على منفذ واحد، وهو مِفْعال من (الصرع)، وهو الإلقاء، سمي الباب به؛ لأنه كثير الدفع والإلقاء. ((من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر)): يحتمل أن يكون هجر؛ الذي هو قرية من قرى المدينة، وأن يكون هجر البحرين، وهي قرية من قراها؛ يعني : مسافة ما بينهما كمسافة ما بين مكة وهجر. ٤٣٢٠ - وعن حُذَيْفةَ ﴿ه في حَديثِ الشَّفَاعَةِ، عن رسولِ اللهِ وَِّ قالَ: ((وتُرْسِلُ الأَمانةُ والرَّحِمُ فيقومانِ جَنَبَتَيْ الصِّراطِ يَميناً وشِمالاً)» . ((وعن حذيفة ه في حديث الشفاعة، عن النبي وَّه قال: تُرسَلُ الأمانةُ والرحمُ))؛ يعني: أن الأمانة والرحم لعظم شأنهما وفخامة ما يلزم العباد من رعاية حقهما يُمثّلان هنالك للأمين والخائن، والواصل والقاطع. ((فتقومان جَنَبَتَي الصراطِ)»: و(الجنبة) بفتحتين؛ بمعنى: الجانب. (يميناً وشمالاً)): يقوم أحدهما من هذا الجانب، والآخر من ذاك، وتحاجَّان عن المحق، وتشهدان على المبطل؛ ليتميز كلٌّ منهما، وقيل: يرسل من الملائكة من يحاج لهما، وفي هذا من الحثِّ على رعاية حقوقهما. ٤٣٢١ - عن عَبْدِالله بن عَمْرٍو بن العاصِ: أنَّ النَّبيَّ نَّهِ ثَلا قولَ الله تعالى في إبراهيمَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِّ فَمَنْ تَّبِعَنِىِ فَإِنَّهُ مِنِى﴾، وقالَ عيسَى: ﴿ إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإَِهُمْ عِبَادُكَ﴾، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وقالَ: ((اللهمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي)). وبَكَى، ٦٤ فقالَ الله ◌َّ: يا جِبْرِيلُ اِذهَبْ إلى مُحَمَّدٍ وربُّكَ أعلَمُ فسَلْهُ ما يُبكيهِ؟ فأتاهُ جِبْرِيلُ فَسَأْلَهُ، فَأَخْبَرَهُ رسولُ اللهِ وَّهِ بما قالَ، فقالَ الله لِجِبْرِيلَ: إِذْهَبْ إلى مُحَمَّدٍ فقُلْ: إنَّ سَنُرْضِيْكَ في أُمَّتِكَ ولا نَسُوؤُكَ. ((عن عبدالله بن عمرو بن العاص ﴾ أنه و * تلا قول الله تعالى في إبراهيم))؛ أي: في حقه عليه السلام: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِّ فَمَنْ تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنِىِّ وَمَنْ عَصَانِ فَإِنَّكَ غَفُورُ زَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]. ((وقال عيسى عليه الصلاة والسلام))؛ أي: قوله: ((﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإَِهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨]، فرفع يديه فقال: اللهم أمتي أمتي، وبكى، فقال الله ذلك: يا جبريل! اذهب إلى محمد، وربك أعلم، فاسأله ما يبكيه؟ فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام، فسأله، فأخبره ◌َ له بما قال، فقال الله تبارك وتعالى لجبريل: اذهب إلى محمد، فقل: إنا سنرضيكَ في أمتك، ولا نَسُوءُكَ». ٤٣٢٢ - عن أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ ﴾ أنَّ ناساً قالوا: يا رسولَ الله! هلْ نَرَى رَبَنا يومَ القِيامَةِ؟ قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((نَعَمْ، هلْ تُضارُّونَ فِي رُؤْيةِ الشَّمْسِ بالظّهيرةِ صَحْواً ليسَ مَعَها سَحَابٌ، وهلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ القَمَرِ ليلةَ البَدْرِ صَخْواً ليسَ فيها سَحَابٌ؟)) قالوا: لا يا رسولَ الله، قال: ((ما تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الله يومَ القيامةِ إلَّ كما تُضارُّونَ فِي رُؤْيةِ أحدِهِما، إذا كانَ يومُ القِيامةِ أَذَّنَ مُؤْذِّنٌ: لِيَتَبَعْ كُلُّ أُمَّةٍ ما كانتْ تَعْبُدُ، فلا يَبقَى أحدٌ كَانَ يَعْبُدُ غيرَ الله مِنَ الأَصْنامِ والأنصابِ إلَّ يَتساقَطُونَ في النَّارِ، حتَّى إذا لمْ يَبْقَ إلَّ مَنْ كانَ يَعْبُدُ الله من بَرِّ وفاجِر أتاهُمْ رَبُّ العالَمِينَ قال: فَماذا تَنَتَظِرِونَ؟ يَتَّبِعُ كُلُّ أُمَّةٍ ما كانتْ تعبُدُ، قالوا: يا رَبنا فارَقْنَا النَّاسَ في الدُّنيا أفقَرَ ما كُنَّا إِلَيْهِمْ ولمْ نُصاحِبْهُمْ)). ٦٥ وفي رِوايةِ أبي هُرِيرَةَ ﴾: ((فيقولونَ: هذا مَكانُنا حتَّى يأتِيَنا ربنا، فإذا جاءَ ربنا عَرَفْناهُ» . وفي رِواية أَبِي سعيدٍ ﴾: ((فيقولُ: هلْ بَيْنكُمْ وبينَهُ آيَةٌ تَعرِفُونَهُ؟ فيقولون: نَعَمْ، فَيُكشَفُ عنْ ساقٍ فلا يَبقَى مَنْ كانَ يَسْجُدُ لله مِنْ تِلقاءِ نَفْسِه إلاَّ أَذِنَ الله لهُ بالسُّجودِ، ولا يَبقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ اتَّقَاءَ ورِياءً إلاَّ جَعَلَ اللهِ ظَهْرَهُ طَبَقَةً واحِدَةً، كُلَّمَا أَرَادَ أنْ يَسْجُدَ خَرَّ على قَفَاهُ، ثمَّ يُضرَبُ الجِسْرُ على جَهَنَّمَ وتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ، ويقولونَ: اللهمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، فَيَمُرُّ المُؤْمِنونَ كَطَرْفِ العَيْنِ وكالبَرْقِ وكالرِّيحِ وكالطَّيرِ وكأجاوِيدِ الخَيْلِ والرِّكابِ، فناجٍ مُسَلَّمٌ، ومَخدوشُ مُرْسَلٌ ومَكْدوسٌ في نارٍ جَهَنَّمَ، حتَّى إذا خَلَصَ المُؤْمِنونَّ مِنَ النَّارِ، فوالَّذي نَفْسي بيدِه ما مِنْ أَحَدٍ منكُمْ بِأَشَدَّ مُناشَدَةً في الحَقِّ، وقدْ تبيَّنَ لكُمْ، مِنَ المُؤْمنينَ لله يومَ القيامةِ لإِخْوانِهِمُ الذينَ في النَّارِ، يقولونَ: ربنا كانوا يَصومونَ مَعَنا، ويُصْلُّونَ معنا، ويَحُجُونَ معنا، فيُقالُ لهمْ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ على النَّارِ، فيُخرِجونَ خَلْقاً كثيراً ثُمَّ يقولونَ: ربنا ما بقيَ فيها أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بهِ، فيقولُ: إِرجِعُوا فمَنْ وَجَدْتُمْ في قلبهِ مِثْقالَ دِينارٍ منْ خَيْرٍ فَأَخْرِ جوهُ، فيُخْرِجونَ خَلْقاً كثيراً، ثُمَّ يقولُ: إِرجِعُوا فمَنْ وَجَدتُمْ في قلبهِ مِثْقَالَ نِصْفٍ دِينارٍ منْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فيُخْرِجونَ خَلْقاً كثيراً، ثُمَّ يقولُ: إِرجِعُوا فمَنْ وَجَدْتُمْ في قلبهِ مِثقالَ ذرّةٍ منْ خَيْرِ فَأَخْرِ جُوهُ، فيُخرِجونَ خَلْقاً كثيراً، ثمَّ يقولونَ: ربنا لمْ نَذَرْ فيها خَيْراً، فيقولُ الله شَفَعَت الملائِكةُ، وشَفعَ النبيُّونَ، وشَفَعَ المُؤْمِنونَ، ولمْ يَبقَ إلاَّ أَرْحَمُ الرَّاحِمينَ، فيَقْبضُ قَبْضَةً مِنَ النارِ، فَيُخْرِجُ مِنْها قَوْماً لم يَعْمَلوا خَيْراً قَطُّ قَدْ عَادُوا حُمَماً، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهْرِ فِي أَفْوَاِ الجَنَّةِ يُقالُ لهُ: نهرُ الحياةِ، فَيَخْرُجُونَ كما تَخْرُجُ الحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، فِيَخرُجونَ كاللُّؤْلؤِ فِي رِقابهِمُ الخَواتِمُ، فيقولُ أهلُ الجنَّةِ: هؤلاءِ عُتَقَاءُ الرَّحْمنِ، أَدْخَلَهُمُ الجنَّةَ بغيرٍ عَمل عَمِلُوهُ، ولا خَيرٍ قَدَّموهُ، فيُقالُ لهمْ: لَكُمْ ما رأَيْتُمْ ومِثْلُهُ مَعَهُ». ٦٦ «عن أبي سعيد الخدري م﴾ أن ناساً قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال عليه السلام: نعم، هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحواً ليس معها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحواً ليس فيها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال: ما تضارون في رؤية الله تعالى يوم القيامة، إلا كما تضارون في رؤية أحدهما، إذا كان يوم القيامة أذَّن مؤذنٌ؛ لتتبعْ كلُّ أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحدٌ كان يعبد غير الله من الأصنام)»: بيان (غير الله): جمع صنم، ((والأنصاب)): جمع (نُصْب) بالفتح والضم وسكون الصاد، وقد يحرك مع الضم، وهو ما نُصِب من الحجارة، فعُبد من دون الله تعالی . ((إلا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبقَ إلا من كان يعبد الله تعالى مِنْ برِّ أو فاجرٍ، أتاهم ربُّ العالمين))؛ أي: أمره، وقيل: يجوز أن يُعبَّر بالإتيان عن التجليات الإلهية، والتعريفات الربانية. ((قال: فماذا تنظرون؟ تتبعُ كلُّ أمة ما كانت تعبُدُ، قالوا: يا ربنا! فارقنا الناسَ)): والمراد بالناس هنا: هم الذين عبدوا غيرَ الله تعالى. ((في الدنيا أفقرَ)): منصوب على أنه حال من ضمير (فارقنا). ((ما كنا إليهم)): (ما) هذه مصدرية؛ أي: أفقر زمان كوننا إليهم. ((ولم نصاحبهم)): والمعنى: فارقناهم في الدنيا على تلك الحال من شدة افتقارنا واحتياجنا إلى ما في أيديهم من الأمور الدنيوية، فمفارقتنا إياهم الآن أولى مع عدم الاحتياج إليهم في أمرٍ ما أصلاً. ((وفي رواية أبي هريرة ه: فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه)). ((وفي رواية أبي سعيد ظه: فيقولون: هل بينكم وبينه))؛ أي: بين الله. ٦٧ ((آية))؛ أي: علامة. (تعرفونه))؛ أي: ربكم بتلك الآية، وهي المعرفة والمحبة والإيمان. ((فيقولون: نعم، فيكشفُ عن ساقٍ)): قد مرَّ تفسير كشفِ الساق في (بابٌ: لا تقوم الساعة). ((فلا يبقى من كان يسجد لله تعالى من تلقاء نفسه إلا أذن الله تعالى له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجدُ الله تعالى اتقاءً))؛ أي: من العباد والسيف. ((ورياء إلا جعل الله تعالى ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خَرّ)؛ أي: سقط. ((على قفاه، ثم يُضرَب الجسرُ على متن جهنم، وتحلُّ الشفاعة، ويقولون))؛ أي: الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - طلباً للسلامة لأمتهم. (اللهم سلِّمْ سلِّمْ)): أمر من التسليم، وهو: جعل الشخص سالماً من الآفة، والثاني تأكيد للأول؛ أي: اجعل أمتي سالمين من ضرر الصراط والسقوط في النار. ((فيمزُّ المؤمنون كطرفة العين)): يقال: طرف طرفاً: إذا أطبق أحدَ جفنيه على الآخر، والتاء للوحدة. (وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل)): جمع: أجود، وجواد، وهو الفرس السابق الجيد. ((والركاب)): وهو الإبل التي يُسارُ عليها، الواحدة: راحلة، ولا واحدَ لها من لفظها . (فتاجٍ مُسلَّم))؛ أي: فالناس بالإضافة إلى المرور على ثلاث طبقات: الأولى: ناجون سالمون من الآفات، وهم المؤمنون الذين ذكر مرورهم قبلُ. ٦٨ ((ومخدوش))؛ أي: الثانية: مخدوش؛ أي: الذي خُدِش جلده؛ أي: جُرِح بالكلاليب من عصاة أهل الإيمان. (مُرسَلٌ))؛ أي: مطلق عن القيد والغل بعد أن عُذِّبوا مدة. ((ومكدوش))؛ أي: الثالثة: مكدوش؛ أي: مغلول مقيد بالسلاسل والأغلال ((في نار جهنم)): وهم الكفار. ويروى: بالسين المهملة؛ أي: مدفوع في النار من وراء ظهره. ((حتى إذا خَلَص المؤمنون من النار)): (حتى) غاية لمرور البعض على الصراط وسقوط البعض في النار. ((فوالذي)»: الفاء جواب (إذا)، والواو للقسم. (نفسي بيده ما من أحد)): (من) فيه زائدة للاستغراق، و(أحد) اسم (ما). ((منكم)) : صفة لـ (أحد). «بأشد»: خبر (ما). ((مناشدة)): نصب على التمييز؛ أي: مطالبة ومناظرة، من نشدت الضالة: إذا طلبتها . ((في الحق))؛ أي: في أمر الحق، وهو ظرف لـ (مناشدة). ((قد تبين لكم)): نصب على الحال؛ أي: ظهر لكم الحق. ((من المؤمنين)): متعلق بـ (أشد). (الله)): متعلق بـ (المناشدة). ((يوم القيامة)): متعلق أيضاً بـ (أشد). ((لإخوانهم))؛ أي: لأجل نجاة إخوانهم. ((الذين في النار)): تلخيصه: لا يكون أحدٌ منكم أكثر اجتهاداً ومبالغة في ٦٩ طلب الحق حين ظهوره من المؤمنين في طلب خلاص إخوانهم العصاة في النار من النار يوم القيامة . ((يقولون: ربنا! كانوا يصومون معنا، ويصلون، ويحجون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار، فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربنا! ما بقي فيها أحدٌ ممن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير، فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير، فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقال: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف ذرة من خير، فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربنا لم نذرْ فيها))؛ أي: لم نترك في جهنم ((خيراً)؛ أي: أهل خير. ((فيقول الله تعالى: شفعت الملائكةُ، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبقَ إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضةً من النار)): القبضة: عبارة عما يسعه الكفُّ، والله سبحانه وتعالى منزهٌ عن الجوارح؛ فإنها صفة الأجسام، ومثل هذا من المتشابهات فتركُ الخوض فيها أقربُ إلى السلامة. ((فيخرج الله منها قوماً لم يعملوا خيراً قط قد عادوا حُمَماً)): جمع حممة، وهي الفحم؛ أي: قد صاروا محترقين سُوداً مثل الفحم. ((فيلقيهم في نهر في أفواهِ الجنة)): صفة نهر؛ أي: في أوائلها ومقدماتها وطرقها، يقال: فوهة الطريق، والجمع: (أفواه) على غير قياس. (يقال له: نهر الحياة، فيخرجون كما تخرجُ الحِبَّة)) بكسر الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة: اسم جامع لحبوب البقول التي تنتشر إذا هبت الريح، ثم إذا أمطرت السماء من قابل نبتت. ٧٠ (فِي حَميلِ السيل))؛ أي: محموله من طين ونحوه، فإذا اتفقت فيه حبة، واستقرت على شطٍّ مجرى السيل، تنبت في يوم وليلة، فشبّه بها سرعةَ عود أبدانهم وأجسامهم إليهم بعد إحراق النار لها . وفيه دليلٌ على أن العاصي لا يخلد في النار، وعلى تفاضل الناس في الإيمان. (فيخرجون كاللُّؤْلؤ في رقابهم)): جمع رقبة. ((الخواتم)): جمع خاتم، والمراد بها: العلامة، وتعليق الخواتم؛ ليمتازوا عن المغفورين بواسطة العمل الصالح. (فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاءُ الرحمن، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدَّموه، فيقال لهم))؛ أي: للعتقاء. (لكم ما رأيتم))؛ أي: مدَّ بصركم من فضله الكامل. ((ومثله معه))؛ أي: مع ما رأيتم من الدور والقصور. ٤٣٢٣ - وقال: ((إذا دَخَلَ أهلُ الجَنَّةِ الجنّةَ وأهلُ النَّارِ النَّارَ يقولُ الله تعالى: مَنْ كانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ منْ إيمانٍ فَأَخْرِ جُوهُ، فيُخْرَجونَ قدِ امْتَحَشُوا وعادُوا حُمَماً، فيُلِقَوْنَ في نهرِ الحياةِ فِيَنْبُتُونَ كما تَنَبُتُ الحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَوْا أنَّها تَخْرُجُ صَفْراءَ مُلتَوِيةً)» . ((وقال: إذا دخل أهلُ الجنة الجنة، وأهلُ النار النارَ، يقول الله تعالى: من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجوه، فيخرجون قد امْتَحَشُوا))؛ أي: احترقوا، والمحش: احتراق الجلد، وظهور العظم. ((وعادوا حُمماً، فيُلقَون في نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحِبَّ في ٧١ حميل السيل، ألم تروا أنها تخرج صفراء))؛ أي: خضراء. ((ملتوية))؛ أي: مجتمعة. ٤٣٢٤ - عن أبي هُرِيرَةَ ﴿: أنَّ النَّاسَ قالوا: يا رسولَ الله! هلْ نَرَی ربنا يومَ القيامةِ؟ فذكرَ معنَى حديثِ أبي سعيد ◌َ﴾ غيرَ كَشْفِ السَّاقِ. وقال: (ويُضْرَبُ الصِّراطُ بينَ ظَهْرانَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ، ولا يَتكلَّمُ يَومِئِذٍ إلَّ الرُّسُلُ، وكلامُ الرُّسُلِ يَومَئِذٍ: اللهمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وفي جَهَنَّمَ كلالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدانِ لا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِها إلاَّ الله، تَخْطَفُ النَّاسَ بأَعْمَالِهِمْ، فمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ بِعَمَلِهِ، ومنهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو، حتَّى إذا فَرَغَ الله مِنَ القَضاءِ بينَ عِبادهِ، وأرادَ أنْ يُخْرِجَ مِنَ النَّارِ مَنْ أرادَ أنْ يُخرِجَهُ ممَّنْ كانَ يَشهدُ أنْ لا إله إلاَّ الله؛ أَمَرَ الملائِكَةَ أنْ يُخرِجُوا مَنْ كانَ يعبُدُ الله، فيُخرِجونَهُمْ، ويَعْرِفُونَهُمْ بآثارِ السُّجودِ، وحَرَّمَ الله على النَّارِ أنْ تَأْكُلَ أثرَ السُّجودِ، فَكُلُّ ابن آدمَ تأكلُهُ النَّارُ إلَّ أثرَ السُّجودِ، فيُخرَجونَ مِنَ النَّارِ قِدِ امتَحَشُوا، فَيُصَبُّ عليهِمْ ماءُ الحَياةِ، فَيَنْبُونَ كما تنبُتُ الحِبَّة في حَمَيلِ السَّيْلِ، ويَبقَى رَجُلٌ بينَ الجَنَّةِ والنَّارِ، وهوَ آخِرُ أهلِ النَّارِ دُخولاً الجَنَّةَ، مُقْبِلٌ بوَجِهِهِ قِبَلَ النَّارِ، فيقولُ: يا ربِّ اصْرِفْ وَجْهي عنِ النَّارِ، قَدْ قَشَبني رِيحُها وأحرَقَني ذَكَاؤُها، فيقولُ: هلْ عَسَيْتَ إنْ فُعِلَ ذلكَ بِكَ أنْ تسألَ غيرَ ذلك؟ فيقولُ: لا وعِزَّتِكَ، فيُعطِي الله ما شاءَ مِنْ عَهْدٍ ومِيثاقٍ، فيَصرِفُ الله وَجْهَهُ عنِ النَّارِ، فإذا أقبَلَ بهِ إلى الجَنَّةِ رأَى بَهْجَتَها سَكَتَ ما شاءَ الله أنْ يَسكُتَ، ثم قال: يا رَبِّ قَدِّمْني عِندَ بابِ الجنَّةِ، فيقولُ الله تباركَ وتعالَى: أليسَ قَدْ أَعطَيْتَ العُهُودَ والمِيثاقَ أنْ لا تَسألَ غيرَ الذي كنتَ سألتَ؟ فيقولُ: يا ربِّ لا أَكُونُ أَشْقَى خَلقِكَ، فيقولُ: فما عَسَيْتَ إنْ أُعْطِيْتَ ذلكَ أنْ تسألَ غيرَهُ، فيقولُ: ٧٢ لا وعِزَّتِكَ لا أَسألُك غيرَ ذلكَ، فيُعْطِي ربَّهُ ما شاءَ منْ عَهْدٍ وميثاقٍ، فيُقدِّمُهُ إلى بابِ الجَنَّةِ، فإذا بلغَ بابَهَا فرأَى زَهْرَتَها وما فيها مِنَ النَّضْرَةِ والسُّرورِ، فَسَكَتَ ما شاءَ الله أنْ يَسكُتَ، فيقولُ: يا رَبِّ أَدْخِلْنِي الجَنَّةَ، فيقولُ الله تباركَ وتعالَى: وَيْلَكَ يا ابن آدمَ ما أغدَرَكَ! أليسَ قدْ أَعْطِيْتَ العُهودَ والمِيثاقَ أنْ لا تَسألَ غيرَ الذي أُعْطِيتَ؟ فيقولُ: يا رَبِّ لا تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلِكَ، فلا يزالُ يَدعُو حَتَّى يَضْحَكَ الله منهُ، فإذا ضَحِكَ أذِنَ لهُ في دُخُولِ الجَنَّةِ، فيقولُ: تَمِنَّ، فِيَتَمِنَّى حتى إذا انقَطَعَ أُمِنِيَتُهُ قالَ الله تعالَى: تَمَنَّ كذا وكذا، أَقْبَلَ يُذكِّرُهُ ربُّهُ، حَتَّى إذا انتهتْ بهِ الأَمانِيُّ قالَ الله تعالَى: لكَ ذلكَ ومِثْلُهُ معه)». وقالَ أبو سعيدٍ ﴿ُه: قالَ رسولُ اللهِوَ﴿: ((قالَ الله تعالَى: لكَ ذلكَ وعَشْرَةُ أَمْثالِهِ». ((عن أبي هريرة # أن الناس قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فذكر معنى حديث أبي سعيد ه غير كشف السَّاق، وقال: ويُضرَبُ الصِّراط بين ظَهْرَانَيْ جهنم، فأكون أوَّلُ من يَجُوْزُ من الرُّسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ إلا الرُّسل، وكلام الرُّسل يومئذ: اللهم سَلَّمْ سَلُّمْ، وفي جهنّم كلاليب)»: جمع كُلاَّب - بالضم والتشديد -، وهو حديدة معوجَّة الرَّأس يُجرَّ الناس بها. ((مثل شوك السَّعْدان)): نبت أغبر اللون يأكله كل الذَّواب، وهو عند العرب أطيب مرعى الإبل، وله شوك يشبه حلمة الثدي. ((لا يعلم قدر عِظَمها إلا الله، تَخْطَفُ الناس بأعمالهم، فمنهم مَنْ يُوْبَق))؛ أي: يُحْبَسُ ((بعمله، ومنهم مَنْ يُخَرْدَلُ))؛ أي: يُقطَّع؛ يعني: تقطعه كلاليب الصراط حتى يهوي في النار، ثم ينجو، وقيل: تقطّع الكلاليب لحمه على الصراط وتخرج أعضاؤه. (ثم ينجو)) ولا يقع في النار، يقال: خَرْدَلْتُ اللحم؛ أي: قَطّعته صغاراً. ٧٣ ((حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده، وأراد أن يُخْرِج من النار مَنْ أراد أن يُخرجه، ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله، أمر الملائكة أن يُخْرِجُوا مَنْ كان يعبد الله، فيُخْرِجُونهم ويَعْرِفُونهم بآثار السُّجود، وحرَّمَ الله على النَّار أن تأكل أثر السُّجود، فكل ابن أدم تأكله النار إلا أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتَحَشُوا، فيصبُّ عليهم ماء الحياة، فينبتون كما تنبت الحِبَّة في حَمِيْلِ السَّيْل، ويبقى رجل بين الجنة والنار، وهو آخر أهل النار دخولاً الجنة، مُقْبِلٌ بوجهه قِبَلَ النار، فيقول: يا ربِّ، اصرف وجهي عن النار فقد قَشَبني))؛ أي: آذَاني. (ريحها وأحرقني ذَكَاؤُها))؛ أي: شدَّة وهجها واشتعالها. ((فيقول: هل عَسَيْتَ)): استفهام بمعنى التقرير. (إن فُعِلَ ذلك بك)»: جملة شرطية يدل على جزائه ما تقدم؛ أي: إن صُرِف وجهك عن النار فهل عسيت ((أن تسأل غير ذلك، فيقول: لا وعزَّتك فيعطي الله))؛ أي: الرجلُ رَّه. ((ما شاء من عَهْدٍ وميثاق، فيصرف الله وجهَهُ عن النار، فإذا أقبل به))؛ أي : بوجهه. ((على الجنة، ورأى بهجَتَها))؛ أي: حُسْنَها . ((سَكَتَ ما شاء الله أن يَسْكُتَ، ثم قال: يا ربّ، قدِّمني عند باب الجنة، فيقول الله تبارك وتعالى: أليس قد أعطيْتَ العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي كنت سألْتَ؟ فيقول: يا ربِّ، لا أكون أشقى خلقك، فيقول: فما عسيت إن أُعطيْتَ ذلك أن تسأل غيره؟ فيقول: لا وعزَّتك لا أسألك غير ذلك، فيعطي ربَّه ما شاء الله من عهد وميثاق، فيقدِّمُهُ إلى باب الجنة، فإذا بَلَغَ بابها، فرأى زهرتَها))، و(الزهرة): البياض، وزهرة الدنيا: نضارتها؛ أي: رأى طيب العيش في الجنة. ٧٤ ((وما فيها من النَّضْرَة))؛ أي: الحُسْنِ والرَّونق. (والسرور))؛ أي: الفرح. ((فسكت ما شاء الله أن يسكُتَ، فيقول: يا ربِّ، أدخلني الجنة، فيقول الله تبارك وتعالى: ويلك)»: عبارة عن الهلاك؛ أي: هلكْتَ هلاكاً. (يا ابن آدم ما أغدَرَكَ)): (ما) فيه إما للتعجب؛ أي: إنك تستحق أن يُتَعَجَّب من كثرة غدرك وثباتك عليه، أو للاستفهام؛ أي: أي شيء صيَّرك غادراً. ((أليس قد أعطيْتَ العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي أُعْطِيْتَ))، روي: (أعذرك) - بالعين المهملة والذال المعجمة -؛ معناه: أي شيء جعلك في هذا السؤال معذوراً. ((فيقول: يا ربِّ لا تجعلني أشقى خلقك، فلا يزال يدعو))؛ أي: يداوم في دعائه. ((حتى يضحك الله منه))، ضحكه تعالى: عبارة عن كمال الرضى. ((فإذا ضحك أَذِنَ له في دخول الجنة، فيقول له تمنَّ)»: أمر مخاطب من تمنّيت الشيء: إذا اشتهیته. ((فيتمنَّى حتى إذا انقطع أُمْنِيَتُهُ»؛ أي: مُشْتَهاه ومطلوبه. «قال الله تعالی: تمنَّ من كذا وكذا)؛ أي: من كل جنس تشتهي منه. ((أقبلَ ربُّه))؛ أي: طفق لطفه تعالى ((يذكِّره)) ما تفضل عليه من النِّعم. ((حتى إذا انتهت به الأمانيُّ، قال الله تعالى: لك ذلك ومثله معه، وقال أبو سعيد: قال رسول الله وَله: قال الله تعالى: لك ذلك وعشرة أمثاله)). ٧٥ ٤٣٢٥ - عن ابن مَسْعودٍ ﴿: أنَّ رسولَ اللهِ له قال: ((آخِرُ مَنْ يَدخُلُ الجَنَّةَ رَجُلٌ فهوَ يَمْشِي مَرَّةً ويَكْبُو مَرَّةً وتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فإذا جاوَزَها التَفَتَ إِلَيْها فقال: تَبَارَكَ الذي نجَّاني مِنكِ لقدْ أَعْطانيَ الله شَيْئاً ما أعطاهُ أَحَداً مِنَ الأوَّلينَ والآخِرِينَ، فَتُرْفَعُ لهُ شَجَرَةٌ فيقولُ: أَيْ رَبِّ أدْنِي منْ هذِ الشَّجَرةِ فلأَسْتَظِلَّ بظِلِّها، وأَشْربَ منْ مائِها، فيقولُ الله: يا ابن آدمَ لعَلِّ إِنَّ أَعْطَيْتُكَها سألتَني غيرَها، فيقول: لا يا رَبِّ، ويُعاهِدُهُ أنْ لا يسألَهُ غيرَها، فيُدنِيه منها، فيَستظِلُّ بظِلُّها، ويَشْرَبُ منْ مائِها ثُمَّ تُرْفَعُ لهُ شَجَرةٌ هيَ أَحْسنُ مِنَ الأُولى، فيقولُ: أَيْ رَبِّ أدْنِي منْ هذهِ الشَّجَرةِ لأَشربَ منْ مائِها، وأَستظِلَّ بظِلِّها، فيقولُ: لَعلِّي إِنْ أدنيُّكَ منها تسألُني غيرَها، فيُعاهِدُه أنْ لا يسأَلَهُ غيرَها، فيُدنیهِ منها فيَستظِلُّ بظِلِّها، ويَشْرَبُ منْ مائِها، ثمَّ تُرفَعُ لهُ شجَرةٌ عندَ بابِ الجَنَّةِ هيَ أَحْسنُ مِنَ الأُولَبَيْنِ فيقولُ: أيْ ربِّ أدْنِنِي منْ هذِهِ فلأستظِلَّ بظِلِّها وأشربَ منْ مائِها، فيقولُ: يا ابن آدمَ أَلَمْ تُعاهِدْني أنْ لا تَسأَنِي غيرَها؟ قال: بَلَى يا رَبِّ هذهِ لا أسألُكَ غيرَها، ورَبِّهُ يَعْذِرُهُ لأَنَّهُ يَرَى مالا صَبْرَ لهُ عليهِ، فيُدنِيهِ منها، فإذا أدناهُ منها سَمِعَ أَصْواتَ أَهْلِ الجَنَّةِ فيقولُ: أيْ ربِّ أَدْخِلْنِها، فيقولُ: يا ابن آدمَ ما يَصْرِيني منكَ؟ أَيُرضيكَ أنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيًا ومِثلَها مَعَها؟ قال: أَيْ رَبِّ أتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وأنتَ ربِّ العالمينَ)). فضَحِكَ ابن مسعودٍ فقالوا: مِمَّ تَضْحَكُ؟ قال: هكذا ضَحِكَ رسولُ اللهِوَّهِ، فقالوا: مِمَّ تَضْحَكُ يا رسولَ الله؟ قال: ((منْ ضحْكِ ربِّ العالمينَ حِينَ قال: أنَستهْزِئُ مِنِّي وأنتَ ربُّ العالمينَ؟ فيقولُ: إِنِّي لا أَسْتَهْزِئُ مِنكَ، ولكنِّي على ما أشاءُ قِدِير)). ((وعن ابن مسعود ﴿ه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: آخِرُ مَنْ يدخل الجنة رجل فهو يمشي مرَّة ويَكْبُو مرَّة»؛ أي: يقف تارة، والكَبْوَة: الوقفة، وقيل: أي يسقط لوجهه. ٧٦ ((وتَسْفَعُهُ النار مرَّة))؛ أي: تلفحه لفحاً يسيراً فتغيِّر لون بشرته، وقيل: أي تعلمه علامة؛ يعني: به أثر منها. «فإذا جاوزها»؛ أي: النار. (التَفَتَ إليها، فقال: تَبَارَكَ الذي نجَّاني))؛ أي: خلَّصني. (منك، لقد أعطاني الله شيئاً ما أعطاه أحداً من الأوَّلين والآخرين، فَتُرْفَع))؛ أي: تظهر. (له شجرة، فيقول: أَيْ ربِّ أدْنِني)): أمرٌ من الإدناء؛ أي: قرِّبني. ((مِنْ هذه الشجرة فلأستظل)): الفاء زائدة؛ أي: لأستريح. ((بظلها وأشرب من مائها، فيقول الله تعالى: يا ابن آدم، لعلي إن أعطيْتُكَها سألتني غيرها، فيقول: لا يا رب، ويعاهده على أن لا يسأله غيرها، فيدنيه منها فيستظل بظلها ويشرب من مائها، ثم تُرْفَعُ له شجرة هي أحسن من الأُولى، فيقول: أَيْ ربِّ أَدْنِني من هذه الشجرة لأشرب من مائها وأستظل بظلِّها، فيقول: يا ابن آدم، ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها، فيقول لعلِّي إن أدنَيَّتُكَ منها سألتني غيرها، فيعاهده أن لا يسأله غيرها، فيدنيه منها فيستظل بظلُّها ويشرب من مائها، ثم تُرْفَع له شجرة عند باب الجنة، وهي أحسن من الأُوْلَبَيْنِ، فيقول: أَيْ ربِّ، أَدْنِنِي مِنْ هذه فلأستظِلَّ بظلُّها وأشرب من مائها، فيقول: يا ابن آدم، ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ قال: بلى يا ربِّ، هذه لا أسألك غيرها، ورُّهُ يعذِرُهُ؛ لأنه يرى ما لا صبْرَ له عليه، فيدنيه منها، فإذا أدناه منها سمع أصواتَ أهل الجنة، فيقول: أي ربِّ، أدخلنيها، فيقول: يا ابن آدم، ما يَصْرِيني منك))؛ أي: ما الذي يقطع مسألتك عني ويرضيك مني. ((يرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها، قال: أَيْ ربِّ أتستهزئ مني))، يريد به: أتحلني محلَّ المستَهْزَى به، ((وأنت ربُّ العالمين))، والاستهزاء ٧٧ بالشيء إذا أُسْنِد إلى الله يراد به: إيقاع الهَوَان، فإن قيل: كيف صحَّ هذا القول منه بعد كشف الغطاء واستواء العالم والجاهل في معرفة ما يجوز على الله وما لا يجوز . قلنا: مثابة هذا العبد مثابة العالم العارف الذي يستولي عليه الفرح بما آتاه الله، فيزلُّ لسانه من شدة الفرح، كما أخطأ في القول مَنْ ضَلَّتْ راحلته بأرض فلاة وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، ثم بعد ما وجدها وأخذ بخطامها قال من شدَّة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. («فضحك ابن مسعود فقالوا: ممَّ تضحك؟ قال: هكذا ضحك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: مِنْ ضحك ربِّ العالمين حين قال: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين))، وإنما ضحك وَله سروراً بما رآه من كمال رحمته، ولطفه بعبده المذنب، وغاية رضاه عنه استعجاباً منه . ((فيقول: إني لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قدير)): وهذا استدراك عن مقدَّر، فإنه تعالى لما قال: (أيرضيك إن أعطيتك الدنيا ومثلها معها) فاستبعده العبد لما رأى أنه ليس أهلاً لذلك، وقال: أتستهزئ بي، قال سبحانه وتعالى: نعم كنْتَ لسْتَ أهلاً له لكني أجعلك أهلاً له وأعطيك ما استبعدته؛ لأني على ما أشاء قدير. ٤٣٢٦ - وفي رِوَايةٍ: ((ويُذَكِّرُهُ الله سَلْ كذا وكذا، حتَّى إذا انقَطَعَتْ بهِ الأمَانِيُّ قال الله: هوَ لكَ وعَشَرةُ أمثالِهِ، قال: ثُمَّ يَدْخُلُ بيتَهُ فتدخُلُ عليهِ زَوْجتاهُ مِنَ حُوْرِ العِينِ فتقولانِ: الحَمْدُ لله الذي أحْياكَ لنا وأحيانا لكَ، قَالَ فيقولُ: ما أُعطيَ أَحَدٌ مِثلَ ما أُعْطِيتُ)). ٧٨ (وفي رواية: ويذكره الله: سَلْ كذا وكذا، حتى إذا انقطعَتْ له الأماني، قال الله تعالى: هو لك وعشرة أمثاله، قال: ثم يدخله بيته، فتدخل عليه زوجتاه من الحور العين، فتقولان: الحمد لله الذي أحْيَاك لنا وأحْيَانا لك، قال: فيقول: ما أعطي أحدٌ مِثْلَ ما أُعْطِيْتُ)). ٤٣٢٧ - عن أنسٍ ﴿: أنَّ النَّبِيَّ وَِّ قال: ((لَيُصِيبن أَقْواماً سَفْعٌ مِنَ النَّارِ بِذُنُوبٍ أَصابُوها عُقوبةً، ثمَّ يُدخِلُهُمْ الله الجنَّةَ بفَضْلِ رَحْمَتِهِ، فَيُقالُ لهُمْ: الجَهَنَّمُِّونَ» . (عن أنس ﴿ أن النبي ﴿ قال: لَيُصِيْين أقواماً)): جواب قسم مقدَّر. ((سَفْعٌ))؛ أي: إحراق قليل. (من النار)): صفة (سفع). «(بذُنُوبٍ)): الباء فيه للسببية. «أصابوها)): صفة (ذنوب). ((عقوبةً)): مفعول له. (ثم يُدْخِلُهم الله الجنة بفضل رحمته، فيقال لهم: الجَهَنَّمُِّون)): جمع جَهَنَّمِيٍّ، وهو منسوب إلى جهنّم. ٤٣٢٨ - عن عِمران بن حُصَيْن، عن النَّبيِّ وََّ قالَ: ((يَخرُجُ قومٌ مِنَ النَّارِ بِشَفاعِةِ مُحَمَّدٍ ﴿ فِيَدخُلُونَ الجَنَّةَ ويُسمَّوْنَ: الجَهنَّميينَ)). وفي روايةٍ: ((يَخْرُجُ قومٌ مِنْ أُمَّتِي مِنَ النَّارِ بِشَفاعَتِي يُسمَّوْنَ: الجَهَّميينَ)). ٧٩ ((عن عِمْرَان بن حُصَيْن ◌َه: قال النبي ◌َّهِ: يخرج قومٌ من النار بشفاعة محمد ﴿ فيدخلون الجنَّة، ويُسَمَّوْنَ الجَهَنَّمِييِّن)): كذلك في أكثر النُّسخ، وفي بعضها: (الجَهَنَّمِتُّونَ)، ليست التَّسمية بها تنقيصاً لهم، بل لأن ذلك يكون عَلَمَاً لكونهم عتقاء الله تعالى. ((وفي رواية: يخرج قومٌ من أمتي من النار بشفاعتي، يُسَمَّوْنَ الجَهَنَّمَيِّين)). ٤٣٢٩ - عن عبدِالله بن مَسْعودٍ ﴿ه قال: قالَ النَّبيُّ ◌َّهِ: ((إنِّي لأَعلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُروجاً منها، وآخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخولاً، رَجُلٌ يخرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْواً، فيقولُ الله: اِذْهَبْ فادخُلِ الجَنَّةَ، فيأْتِيها فيُخَيَّلُ إليهِ أنَّها مَلأَى، فيقولُ الله: يا رَبِّ وَجَدتُها مَلَى، فيقولُ الله: اذهَبْ فادخُلِ الجَنَّةَ فإنَّ لكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وعَشَرَةَ أمثالِها، فيقول: تَسْخَرُ مِنِّي - أو تَضْحَكُ مِنِّي - وأنتَ المَلِكُ؟ » ولقَدْ رَأَيْتُ رسولَ اللهِوَ﴾ِ ضَحِكَ حتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ. وكانَ يُقالُ: ((ذلكَ أدنَى أهلِ الجنَّةِ مَنزِلةً» . ((عن عبدالله بن مسعود : قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إنِّي لأعلم آخر أهل النَّار خُروجاً منها، وآخر أهل الجنة دخولاً، رجلٌ يخرج من النار حَبْوَاً): وهو المشي على أربع، أو الدَّب على الأست، نصب على الحال، أو المصدر. ((فيقول الله: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها فيخيَّل إليه أنها مَلأى)) تأنيث ملآن. («فيقول: يا ربِّ وجدْتُها مَلأى، فيقول: اذهب فادخل الجنة، فإنَّ لك مِثْلَ الدنيا وعشرة أمثالها، فيقول: أتسخَرُ مني، أو: تَضْحَكُ مني، وأنت الملك؟! ٨٠