النص المفهرس

صفحات 1-20

غزوة الأرض وتعاون جلدسمة
نحتاج الشهير القصي
سشَرْخُ
مُضَارَة السُّنّة
لِلإِمَامِ الْبَغَوِيٌّ
تَأليف
المُحُدّثِ الفَقِيْدِ ابْنِ المَلَك الرُّومي
مُحَدِ ينِ عَبْدِاللَّطِيفِ بنِ عَبْدِالعَزِيزِالكَمَاِيَ الرُّومِّ الحَنَفِيِّ
المتَوَفِى سَنَة ٨٥٤ هـ
رَحِمَةُ اللَّه تَعَالَى
تَحْقِيُقْ وَدِرَاسَة
مختصَّة مِنَ
بِإِشِرَافٍ
نُور الدُّنُظَ الِّم
المحققين
الُجَلَّدُ السَّادِسُ
طباعة وتوزيع
إدارة النَّقَّاقُ الإسْلامِيَّة
١٤٣٣هـ-٢٠١٢م

3
u
1

سشَرْخُ
مَضَارع السُّنَّةِ
لبنة
للإمَامِ الْبَغَوِيّ
(٦)

جميعُ اَلْحُقُوقِ مَخْفُوظَة
اُلْطَّبْعَةُ الْأُولَى
١٤٣٣هـ-٢٠١٢م

تابع
(٢٥)
كتاب الفِّر
٦- بل
نزول عيسى عليه السلام
(باب نزول عيسى عليه السلام)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٢٥٩ - عن أبي هُريرةَ ﴿ُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِوَِّ: ((والذِي نفسِي
بيدِه، ليُوشِكَنَّ أنْ يَنْزِلَ فيكُمُ ابن مَرْيمَ حَكَمَاً عَدْلاً، فَيَكْسِرَ الصَّليبَ، ويقتُلَ
الخِنزيرَ، ويَضَعَ الجِزيةَ، ويَفِيضَ المالُ حتَّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ، حتَّى تكونَ السَّجْدَةُ
الواحِدةُ خيراً منَ الدُّنيا وما فيها»، ثُمَّ يقولُ أبو هُريرةَ عَظَهَ: واقرَؤوا إنْ شِئْتُم:
﴿ وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآية.
((من الصحاح)):
(عن أبي هريرة به قال: قال رسول الله وَله: والذي نفسي بيده لَيوشكنَّ»:
بفتح اللام جواباً للقسم؛ أي: ليشرعن وليقربن.
((أن ينزل فيكم))؛ أي: في أهل دينكم.
٥

((ابن مريم حكماً)): بالتحريك؛ أي: حاكماً وإماماً.
((عدلاً))؛ أي: عادلاً، كلاهما منصوبان على الحال.
((فيكسر الصليب)): وهو في اصطلاح النصارى خشبة مثلثة، يدَّعون أن
عيسى - عليه الصلاة والسلام - صُلِب على خشبة على تلك الصورة، وقد تكون
فيه صورة المسيح، وقد لا تكون.
ومعنى كسره: إبطال النصرانية، والحكم بشرع الإسلام.
((ويقتل الخنزير)): معناه: تحريم اقتنائه وأكله، وإباحة قتله.
((ويضع الجزية)): معنى وضعها: أنه لا يقبلها عن أهل الكتاب، بل
يحملهم على الإسلام.
((ويفيض المال))؛ أي: يكثر ((حتى لا يقبله أحد))؛ إذ لا يوجد فقيرٌ في
ذلك الزمان .
((حتى تكون السجدة الواحدة)): أراد بالسجدة نفسها، أو الصلاة.
((خيراً))؛ أي: عند المسلمين.
((من الدنيا وما فيها)): والمعنى: أنهم يرغبون في طاعة الله تعالى، ويعرضون
عن الدنيا؛ لكثرة المال، فلا طاعةً في بذله والتصدق به.
((ثم يقول أبو هريرة ﴿: فاقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِثَبِ إِلَّا
لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾)»: والضمير لعيسى عليه الصلاة والسلام على ما أراده أبو هريرة، أو
لمحمد ؛ لأن عيسى عليه الصلاة والسلام يومئذ على دين محمد عليه الصلاة
والسلام، أو لله تعالى.
٦

﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]؛ أي: موت عيسى عليه الصلاة والسلام، أو
أهل الكتاب.
((الآية)).
٤٢٦٠ - وقالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((والله لَيَنْزِلنَّ ابن مَرْيَمَ حَكَمَاً عَدْلاً،
فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّليبَ، ولَيَقْتُلَنَّ الخِنْزِيرَ، ولَيَضَعَنَّ الجِزِيَةَ، ولَتْرُكَنَّ الِقِلاَصَ ولا
يَسعَى عَلَيها، ولَتَذْهَبنِ الشَّحْناءُ والتَّبَاغُضُ والتَّحاسُدُ، ولَيَدْعُوَنَّ إلى المالِ فلا
يقبلُهُ أَحَدٌ» .
((وقال رسول الله وَّي: والله لينزلنَّ ابن مريم حكماً عدلاً، وليكسرنَّ
الصليبَ، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، وليتركن القلاصَ)) بكسر القاف:
جمع (قَلوص) بالفتح، وهي الناقة الشابة.
((فلا يَسعَى عليها))؛ أي: يترك العمل عليها؛ استغناءً عنها بكثرة غيرها،
أو معناه: لا يأمر أحداً أن يسعى على أخذها وتحصليها للزكاة؛ لعدم من يقبلها .
((ولتذهبن الشحناء))؛ أي: العداوة.
((والتباغض))؛ أي: جريان البغض بين اثنين.
((والتحاسد))؛ يعني: تزول عن قلوبهم هذه الأخلاق الذميمة؛ لأنها نتيجة
حبٍّ الدنيا.
((وليدعونَّ إلى المال، فلا يقبله أحد)).
٧

٤٢٦١ - وقال: ((كَيْفَ أنْتُمْ إِذا نَزَلَ ابن مَرْيمَ فيكُمْ وإمامُكُمْ منكُمْ؟)».
((وقال: كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامُكُمْ منكم))؛ أي: من أهل
دینکم، وقيل: من قریش.
وفي بعض: (فأمَّكم منكم)؛ أي: من جنسكم، معناه: فأمكم بكتاب
ربكم، وسنة نبیکم.
والظاهر: أن المعنى: وإمامكم واحد منكم، أو يأمكم واحد منكم دون
عيسى - عليه السلام - مع وجوده، وإنما يكون عيسى عليه الصلاة والسلام
بمنزلة الخليفة .
وهذا يدل على أن عيسى عليه الصلاة السلام لا يكون من أمة محمد عليه
الصلاة والسلام، بل مقرراً لدينه - {آل﴾ - وعوناً لأمته.
٤٢٦٢ - وقال: ((لا تزالُ طائِفَةٌ منْ أُمَّتِي يُقاتِلونَ على الحَقِّ ظاهِرِينَ إلى
يَوْمِ القِيامَةِ). قال: ((فينزِلُ عيسَى بن مَرْيمَ، فيقولُ أميرُهُمْ: تعالَ صَلِّ لنا،
فيقولُ: لا، إنَّ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ أُمَرَاءُ، تَكْرِمَةَ الله هذهِ الأمّةَ).
((وقال: لا تزال طائفةٌ من أمتي يقاتلون على الحقَّ ظاهرين))؛ أي:
غالبين.
((إلى يوم القيامة، قال: فينزلُ عيسى ابن مريم فيقول أميرهم: تعالَ صلِّ
لنا، فيقول))؛ أي: عيسى عليه السلام: ((لا، إن بعضكم على بعض أمراءُ،
تكرمةَ الله)): رَّ منصوب على أنه مفعول له، والعامل محذوف؛ أي: شرع الله
٨

أن يكون إمام المسلمين منهم؛ لتكرمته تعالى.
((هذه الأمة)): (هذه) في موضع نصب مفعول به لـ (تكرمة)، و(الأمة)
صفة لـ (هذه)، ويجوز رفع (التكرمة) خبراً لمبتدأ محذوف؛ أي: تأمُّرُ بعضكم
على بعض تكرمةٌ من الله تعالى لهذه الأمة.
٧- بل
قُرْبِ السَّاعَة وأنَّ مَنْ ماتَ فقد قامَتْ قيامَتُه
(باب قرب الساعة وأن من مات))؛ أي: إن الشأن من مات ((فقد قامت
قيامته)): قيل القيامة ثلاثة :
الكبرى، وهي: حشر الأجساد وسوقهم إلى المحشر للجزاء.
والصغرى: وهي موت كل واحد من الإنسان.
والوسطى: وهي موت جميع الخلائق.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٢٦٣ - عن قَتَادَةَ عن أنسِ ◌َ﴾ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَهُ: ((بُعِنْتُ أنا
والسَّاعةُ كهاتينٍ)). قال قَتَادَةُ في قَصَصِهِ: كَفَضْلٍ إِحْدَاهُما على الأُخرَى.
((من الصحاح)):
((عن قتادة، عن أنس ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم: بعثت أنا والساعة)): بالرفع، ويجوز النصب مفعولاً معه؛ أي: بعثني مع
الساعة متقاربان ((كهاتين))؛ أي: كتقارب هاتين الإصبعين السبابة والوسطى.
ويحتمل أن يكون المراد: ارتباط دعوته وَله بها بحيث لا يتخلل بينهما
دينٌ آخر، كما لا يتخلل بين هاتين الإصبعين إصبع أخرى.
٩

((قال قتادة في قصصه)): بكسر القاف، والضمير لـ (قتادة).
(كفضل إحداهما على الأخرى)): يريد: ما بيني وبين الساعة من مستقبل
الزمان بالإضافة إلى ما مضى مقدارُ فضل الوسطى على السبابة .
٤٢٦٤ - عن جابرٍ ﴿ه قالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله وَ﴾ يقولُ قبلَ أنْ يَمُوتَ
بِشَهْرٍ: ((تَسْأَلونني عنِ السَّاعةِ؟ وإنَّما عِلْمُها عندَ الله، وأُقْسِمُ بالله، ما على
الأَرْضِ منْ نَفْسٍ مَنْفوسَةٍ تأتِي عليها مِئَةُ سَنَةٍ)) .
((عن جابر ه قال: سمعت رسول الله ﴾ يقول قبل أن يموت بشهر:
تسألوني عن الساعة، وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على الأرض)): (ما)
بمعنى: ليس، وهو جواب القسم.
((من نفس)): (من) زائدة .
((منفوسة)): صفة (نفس)؛ أي: مولودة.
((تأتي عليها مئة سنة))؛ يعني: لا تبقى نفس مولودة اليوم إلى مئة سنة،
والفائدة من الإعلام تنبيهٌ على قدرته تعالى في إهلاك جميع العالم، والإتيان
بغيرهم.
قيل: قاله ◌َّ على الغالب، وإلا فقد عاش بعضٌ أكثر من ذلك؛ فقيل:
عاش سلمان الفارسي ثلاث مئة سنة وخمسين، وقيل: مئتين وخمسين.
٤٢٦٥ - وعن أبي سعيدٍ ﴿، عن النَّبيِّ ◌َه: ((لا تأتِي مئة سَنَةٍ وعلى
الأَرْضِ نَفْسٌ مَنفوسَةٌ اليَوْمَ».
((عن أبي سعيد الخدري﴾، عن النبي وَّه قال: لا تأتي مئة سنة وعلى
١٠

الأرض نفسٌ منفوسة اليوم)): إشارة إلى زمانه عليه السلام.
٤٢٦٦ - وعن عائِشَةَ رضي الله عنها قالت: كانَ رِجالٌ منَ الأَعْرابِ جُفاةٌ
يأتونَ النَّبِيَّ وَهُ ويَسأَلونَهُ عن السّاعةِ، فكانَ ينظُرُ إلى أَصْغرِهِمْ فيقولُ: ((إنْ
يَعِشْ هذا لا يُدرِكْهُ الهَرَمُ حتَّى تَقُومَ عَلَيْكُمْ ساعتُكم».
((عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان رجال من الأعراب يأتون
النبي عليه الصلاة والسلام، فيسألونه عن الساعة، فكان ينظر إلى أصغرِهِمْ،
فيقول: إن يعشْ هذا)): إشارة إلى الأصغر.
((لا يدركه الهرمُ حتى تقومَ عليكم ساعتُكم)): أراد به: القيامة بطريق
موتهم؛ فإن الرجل إذا مات يرى جزاء ما فعل، فكأنه رأى القيامة؛ يعني: قبل
أن يصير هذا الصغير هرماً يأتي على بعضكم أو على جميعكم الموت.
مِنَ الحِسَان:
٤٢٦٧ - عن المُسْتَوْرِدِ بن شَدَّادٍ ﴿، عن النَّبيِّوَ﴿ قال: ((بُعِثْتُ في
نَفَسِ السَّاعَةِ، فسبقْتُها كما سبقَتْ هذِهِ هذِه)»، وأَشارَ بِإِصْبَعَيْهِ السَبَّابَةِ
والوُسْطَى.
((من الحسان)):
(عن المُستورِد بن شدَّادُه، عن النبيِ ◌ِّ قال: بعثت في نَفَسِ
الساعة)): بفتح النون والفاء؛ أي: في قربها، وظهور أشراطها المتتابعة الخارقة
للعادة .
((فسبقتها))؛ أي: الساعة.
١١

((كما سبقت هذه هذه)): فـ (هذه) الأولى محلها رفع؛ لأنها فاعل سبقت،
وهذه الثانية محلها نصب لأنها مفعول به .
((وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى))؛ يعني: مقدار ما بيني وبين الساعة من
الزمان مقدار ما فضل الوسطى على السبابة.
٤٢٦٨ - عن سَعْدِ بن أبي وقَّاصٍ ﴿ه، عن النَّبيِّ وَه قال: ((إنِّي لأَرْجُو
أنْ لا تَعَجِزَ أُمَّتي عِنْدَ ربها أنْ يُؤَخِّرَهُمْ نِصْفَ يَوْمٍ))، يعني: خَمْسَ مِئَّةِ سَنَّةٍ .
((عن سعد بن أبي وقّاص ◌ُه، عن النبي ◌َّي أنه قال: إني لأرجو أن
لا تعجزَ أمتي)»؛ أي: أن لا تفوت.
((عند ربها)): مِنْ أعجزه الشيء؛ أي: فاته .
((أن يؤخرهم)): بدل من قوله: (أن لا تعجز)، قيل: أراد به: بقاء دينه
وملته في الدنيا مدة خمس مئة سنة، أو متعلق به على حذف (عن)؛ أي: عن
يؤخرهم الله ك في الدنيا سالمين عن العقوبات والذلة والشدائد.
((نصف يوم؛ يعني: خمس مئة سنة)): وقيل: أن لا يؤخرهم إلى يوم
القيامة أكثر من خمس مئة سنة، وهذا ليسلموا عن شدائد الزمان ومن فتنته.
٨ - بل
لا تقومُ السَّاعةُ إلا على الشَّرار
(باب لا تقوم الساعة إلا على الشِّرار)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٢٦٩ - عن أَنَسِ ﴾: أَنَّ رسولَ الله ◌ِوَ﴿ِ قال: ((لا تَقُومُ السَّاعةُ حتَّى
١٢

لا يُقالَ في الأَرْضِ: الله، الله)).
((من الصحاح)):
(عن أنس م أنه وَّه قال: لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله
الله))؛ يعني: لا تقوم الساعة ما دام على وجه الأرض موحِّدٌ يذكر الله تعالى.
وهذا يدل على أن بركة العلماء والصلحاء تصلُ إلى من في العالم من
الإنس والجن والدواب والطير، وتكرير لفظ (الله) عبارة عن ذكره كثيراً، وقيل:
معناه: الله حسبي، أو الله هو الإله لا غيره، أو الله هو المستحق للعبودية
لا غيره.
فالأول مبتدأ، والثاني خبره.
٤٢٧٠ - وقالَ: ((لا تَقُومُ السَّاعَةُ على أَحَدٍ يَقولُ: الله، الله)).
((وقال: لا تقوم الساعة على أحد يقول: الله الله)).
٤٢٧١ - عن عبدِالله بن مَسْعودٍ ﴿، عن النَّبيِّ وَّهِ: ((لا تَقُومُ السَّاعةُ إلّ
على شِرارِ الخَلْقِ)).
((عن عبدالله بن مسعود﴿ه، عن النبي وَلو قال: لا تقوم الساعة إلا على
شِرار الخلق» .
٤٢٧٢ - وقالَ: ((لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِساءِ دَوْسِ حَوْلَ
ذي الخَلَصَةِ - وذو الخَلَصَةِ: طاغِيَةُ دَوْسِ التي كانوا يَعْبُدُونَ في الجاهِليَّةِ».
١٣

(وقال: لا تقوم الساعة حتى تضطربٍ))؛ أي: تتحرك.
((أَلَيَاتُ)) بالفتحات: جمع ألية، وهي لحم المقعد.
(نساء دوس)) بفتح الدال المهملة وسكون الواو وبالسين المهملة: قبيلة
من اليمن .
((حول ذي الخَلَصة)) بالفتحات: جمع خالص، وذو الخلصة («طاغية
دوس)؛ أي: صنمهم.
((التي كانوا يعبدون في الجاهلية)): سمي بذي الخلصة زعماً منهم أن من
عبده وطاف حوله فهو خالص، وقيل: ذو الخلصة بيت فيه أصنام لهم؛ يعني:
أنهم سيرتدون ويرجعون إلى عبادة الأصنام، فترمل نساؤهم بالطواف حول ذي
الخلصة، فتتحرك أکفالهن.
٤٢٧٣ - وعن عائِشَةَ رضي الله عنها قالت: سَمِعْتُ رسولَ اللهِّهِ يقولُ:
(لا يَذْهَبُ اللَّلُ والنَّهارُ حتَّى تُعْبَدَ اللاتُ والعُزَّى))، فقلتُ: يا رسولَ الله! إنْ
كُنْتُ لِأَظُنُّ حينَ أنزلَ الله ﴿ هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَيِّ لُِظْهِرَهُ
عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهِ الْمُشْرِكُونَ﴾ أنَّ ذلكَ تام، قال: ((إِنَّهُ سَيَكونُ مِنْ
ذلكَ ما شاءَ الله، ثُمَّ يَبعَثُ الله رِيْحاً طَيبةً، فَتَوَنَّى كُلَّ مَنْ كانَ في قَلْبهِ مِثقالُ
حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ مِنْ إيمانٍ، فيَبقَى مَنْ لا خيرَ فيهِ، فَيَرجِعونَ إلى دينِ آبَائِهِمْ».
((عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: سمعتُ النبي ◌َّ﴾ يقول: لا يذهب
الليلُ والنهار))؛ أي: لا تقوم الساعة.
((حتى تُعبَد اللاتُ)): وهو اسم صنم لثقيف.
((والعُزَّى)) بضم العين المهملة وفتح الزاي المعجمة المشددة: اسم صنم
لغطفان وسلیم.
١٤

((فقلت: يا رسول الله! إن كنت)): (إن) هذه مخففة من المثقلة، واللام في
(لأظن)) للفرق بينها وبين (إن) الشرطية والنافية؛ أي: أن الشأن كنت أظن
((حين أنزل الله تعالى: ﴿هُوَ أَلَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِاَلْهُدَى﴾))؛ أي: بالتوحيد،
وهو شهادة أن لا إله إلا الله.
﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾: وهو دين الإسلام.
((﴿ُِظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] = أن ذلك
تامٌّ)؛ أي: أن عبادة الأصنام قد تمت، ولا تكون كذلك بعدُ أبداً.
((قال))؛ أي: النبي ◌َّ.
((إنه)): الضمير للشأن.
«سیکون من ذلك))؛ أي: من عبادتها.
«ما شاء الله تعالی))؛ أي: مدةً يشاءُها، وقد بيَّن ذلك بقوله:
((ثم يبعث الله ريحاً طيبة، فتتوفَّى كلَّ من كان في قلبه مثقال حبة من
خردل من إيمان، فيبقى من لا خيرَ فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم)): المشركين.
٤٢٧٤ - عن عبدِالله بن عَمْرِو ﴿ه قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((يَخْرُجُ
الدَّجَّالُ فِيَمكُثُ أَرْبعينَ - لا أدري أربعينَ يَوْماً أو شَهْراً أو عَاماً -، فيبعثُ الله
عيسَى بن مريمَ عليهما السَّلامُ كأنَّهُ عُرْوَةُ بن مَسْعودٍ ﴾ فيَطلُبُهُ فِيُهْلِكُهُ، ثُمَّ
يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ ليسَ بينَ اثنين عَداوَةٌ، ثمَّ يُرسِلُ الله رِيْحاً بارِدَةً منْ قِبَلِ
الشَّامِ، فلا يَبقَى على وَجْهِ الأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبهِ مِثْقَالُ ذرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ أو إيمانٍ إلاَّ
قَبَضَتْهُ، حَتَّى لَوْ أنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ في كَبدِ جَبَلٍ لدخلَتْهُ عليهِ حتى تقبضَهُ».
قال: ((فيبقَى شِرارُ النَّاسِ في خِفَّةِ الطَّيرِ وأَحْلامِ السِّباعِ، لا يعرِفونَ مَعْروفاً
١٥

ولا يُتْكِرُونَ مُنكَراً، فيَتمثَّلُ لهُمُ الشَّيطانُ فيقولُ: ألا تستحيُونَ؟ فيقولونَ: فما
تَأْمُرُنا؟ فيأمُرُهُمْ بِعِبادَةِ الأَوْثَانِ، وهُمْ في ذلك دارٌ رِزْقُهُمْ، حَسَنٌ عَيْشُهُمْ، ثمّ
يُنفَغُ فِي الصُّورِ، فلا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إلاَّ أَصْغَى لِيْتاً ورَفَعَ لِيْتاً). وقال: ((وأوَّلُ مَنْ
يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلوطُ حَوْضَ إبلهِ، فَيَصْعَقُ ويَصْعَقُ النَّاسُ، ثمّ يُرسِلُ الله مَطَراً
كأنَّهُ الطَّلُّ فِيَبتُ منهُ أَجْسادُ النَّاسِ، ثَمَّ يُنفَعُ فيهِ أُخرَى ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَظُرُونَ﴾،
ثمَّ يُقالُ: يا أيُّها النَّاسُ! هَلُمَّ إلى ربكُمْ: ﴿وَقِفُوٌ إِنَّهُم تَسْئُولُونَ﴾، ثمَّ يُقالُ:
أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ، فيُقالُ: مِنْ كَمْ؟ فيُقالُ: مِنْ كُلِّ ألفٍ تِسْعَ مِثَةٍ ونِسعَةً
وتسعينَ، قال: فذاكَ يومَ ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَنَ شِيبًا﴾، وذلكَ ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾)).
((عن عبدالله بن عمر ﴾ قال: قال رسول الله وَّر: يخرج الدجالُ فيمكث))
في الأرض ((أربعين، لا أدري أربعين يوماً، أو شهراً، أو عاماً)): هذا من كلام
الراوي؛ أي: لا أدري أياً أراد به النبي عليه الصلاة والسلام من هذه الثلاثة.
((فيبعث الله ت عيسى ابن مريم، كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه فيهلكه،
ثم يمكث الناسُ سبعَ سنين، ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله تعالى ريحاً
باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحدٌ في قلبه مثقال ذرة من خير
أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل))؛ أي: في جوفه
ووسطه، وکبد کل شيء: وسطه.
((لدخلته عليه حتى تقبضه، قال: فيبقى شرارُ الناس في خِفَّةِ الطير)):
بكسر الخاء المعجمة وتشديد الفاء؛ أي: اضطرابها وتنفرها بأدنى توهم.
((وأحلام السباع)): جمع الحلم: العقل؛ أي: هم في قلة المعرفة واستيلاء
الجهل عليهم في أحلام السباع.
((لا يعرفون معروفاً، ولا ينكرون منكراً)): شبّه حال الأشرار وعدم ثباتهم
وميلهم إلى الفسق والفجور بحال الطير والسباع.
١٦

((فيتمثل لهم الشيطانُ، فيقول: ألا تستحيون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟)):
(ما) هذه استفهامية؛ أي: أي شيء تأمرنا؟
((فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك))؛ أي: في عبادتها.
((دارٌ))؛ أي: نازل.
((رزقهم، حسنٌ عيشهم، ثم يُنفَخُ في الصور، فلا يسمعه أحدٌ إلا أصغى))؛
أي: أمال.
(ليتاً): بكسر اللام؛ أي: صفحة عنقه.
((ورفع ليتاً)؛ يعني: من سمع ذلك يسقط رأسه إلى أحد شقيه خوفاً
ودهشة، فتسقط قواه، فيميل ليتاً، ويرفع ليتاً.
(وأول من يسمعُهُ رجلٌ يلوط حوضَ إبله))؛ أي: يطينه ويصلحه.
((فيصعق))؛ أي: يموت هو، ((ويصعق الناس))؛ أي: يموتون، والصعق :
أن يغشى على الإنسان من صوت شديد يسمعه، وربما استُعمِلَ في الموت
كثيراً.
((ثم يرسل الله مطراً كأنه الطَّلُّ)) بفتح الطاء: أضعف المطر.
((فينبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون))؛
أي: فإذا جميع الخلائق يقومون من قبورهم، وينظرون أهوال يوم القيامة .
((ثم يقال: يا أيها الناس! هلم)»: اسم فعل يستوي فيه الواحد والجمع؛
أي: تعالوا وارجعوا.
((إلى ربكم: ﴿وَقِفُوُرْ﴾)): الخطاب فيه للملائكة، وضمير المفعول
للناس؛ أي: احبسوهم وقفوهم.
((﴿إِنَّهُمْ تَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]))، فيسألون، ((ثم يقال: اخرجوا بعث النار)):
١٧

(البعث): الجماعة يبعثون الأمر إلى موضع، والمراد: المبعوثون إلى النار.
((فيقال: من كم كم؟)): هذا استفهام عن مقدار المخرج منه والمخرج،
قيل: (كم) الأولى خبر مقدم، و(كم) الثانية مبتدأ.
((فيقال: من كل ألف تسع مئة): مفعول فعل محذوف؛ أي: أخرجوا تسع
مئة ((وتسعة وتسعين)): قيل: هم ممن استوجبَوا النار بذنوبهم، يُعرضون عليها،
ويُتركون فيها بقدر ما تقتضيه ذنوبهم، ويجوز أن يُصرفوا عن طريق جهنم بالشفاعة .
((قال: فذلك ﴿يَوْمَا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ﴾)»: جمع وليد، وهو الصبي.
((﴿يشِيبًا﴾ [مريم: ٤])): جمع أشيب؛ أي: يصير الأطفال شيباً من أهوال
ذلك اليوم وشدائده، ويجوز أن يراد به: عظم الأهوال، لا حقيقة صيرورتهم
شيباً؛ يعني: لو أن وليداً شابَ من واقعة عظيمة، لكان شاب في ذلك اليوم.
((وذاك ﴿يَوْمَ يُّكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]))؛ أي: عن أمر عظيم، وهو:
أهوال القيامة، والساق: الشدة والمشقة، يقال: كشفت الحربُ عن الساق: إذا
اشتد الأمر في الحرب.
مِنَ الحِسَان:
*
٤٢٧٥ - عن مُعاوِيَةَ ﴿ه قالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِهِ يقولُ: ((لا تَنْقَطِعُ
الهِجْرَةُ حتَّى تَنْقَطِعَ الثّوبَةُ، ولا تَنْقَطِعُ الثَّوبَةُ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ منْ مَغْرِبِها)).
((من الحسان)):
((عن معاوية - رضي الله تعالى عنه - قال: سمعت رسول الله المحلية:
لا تنقطع الهجرةُ»؛ أي: من المعاصي إلى الطاعة، ومن الكفر إلى الإيمان، أو
عن ديار الشر إلى ديار الخير.
١٨

((حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلعَ الشمسُ من مغربها)).
١- بل
النَّفْخِ في الصُّورِ
(باب النفخ في الصور)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٢٧٦ - عن أبي هُريرةَ ﴿ه قالَ: قالَ النَّبيُّ وَّهِ: ((ما بينَ النَّفْخَيْنِ
أَرْبعون))، قالوا: يا أبا هُريرةً! أَرْبعونَ يَوْماً؟ قال: أَبَيْتُ، قالوا: أَرْبعونَ شَهْراً؟
قالَ: أَبَيْتُ، قالوا: أَرْبعونَ سَنَةً؟ قال: أَبَيْتُ، ((ثُمَّ يُنزِلُ الله منَ السَّماءِ ماءً
فيَبُتُونَ كما ينبُتُ البَقْلُ»
قالَ: ((وليسَ مِنَ الإِنسانِ شَيْءٌ لا يَبْلَى إلا عَظْماً واحِداً، وهوَ عَجْبُ
الذَّنَبِ، ومنهُ يُركَّبُ الخَلْقُ يَوْمَ القِيامَةِ».
وفي روايةٍ: ((كُلُّ ابن آدمَ يَأْكُلُهُ التّرابُ إلا عَجْبَ الذَّنَبِ، منهُ خُلِقَ وفيه
يُرگَّبُ».
((من الصحاح)):
((عن أبي هريرة قال: قال النبي ◌ُّر: ما بين النفختين))؛ أي: نفخة
النشور ونفخة الصعق.
((أربعون، قالوا: يا أبا هريرة! أربعون يوماً؟ قال: أبيتُ))؛ أي: امتنعت
عن الجواب؛ فإني لا أعلمه .
((قالوا: أربعون شهراً؟ قال: أبيتُ، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيتُ))،
وقد جاءت مفسرة من رواية غيره: أربعون سنة.
١٩

((ثم ينزل الله تعالى من السماء ماء، فينبتون كما ينبت البقل، قال: وليس
من الإنسان شيء إلا يبلى)): خبر (ليس)، وقوله: (من الإنسان) في المعنى
صفة لـ (شيء)، فلما تقدم على موصوفه انتصبَ على الحال.
(إلا عظماً واحداً)): استثناء من موجب؛ لأن نفي النفي إثبات، فيكون
تقديره: كل شيء من الإنسان يبلى إلا عظماً واحداً.
((وهو عَجْبُ الذنب)) بفتح العين وسكون الجيم: عظم في أسفل الصُّلب
عند العجز بين الأليتين، والمراد منه: طول بقائه تحت التراب، لا أنه لا يبلى
أصلاً؛ فإنه خلاف المحسوس، والحكمة فيه: أنه قاعدة بدن الإنسان وأساسه،
فبالحريِّ أن يكون أصلبَ من الجميع، فيكون أطول بقاء، ((فمنه يُرَّب الخلق
يوم القيامة)).
((وفي رواية: كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب، فمنه خُلِقٍ،
ومنه يركَّب)): قيل: خُصَّ منه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ فإن الله تَك حرم
على الأرض أجسادهم.
٤٢٧٧ - وقال: ((يَقْبِضُ الله الأَرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَطْوِي السَّماءَ بِيَمِينِهِ،
ثُمَّ يقولُ: أنا المَلكُ، أَيْنَ مُلوكُ الأَرْضِ؟».
((وقال: يقبض الله الأرضَ يوم القيامة)): فهذا تصوير لكمال القدرة،
ونفاذ التصرف فيها .
((ويطوي السماءَ بيمينه))؛ أي: بقدرته، والمراد من الطي: التسخير التام،
والقهر الكامل .
((ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض»؟
٢٠