النص المفهرس

صفحات 561-580

٤٢٢٧ - وعن أَنَسٍ قال: قالَ رسولُ اللهِ وَِّ: ((ما مِنْ نَبَيِّ إلاَّ قَدْ أَنْذَرَ
أُمَّتَهُ الأَعْوَرَ الكَذَّابَ، ألا إنَّه أَعْوَرُ، وإنَّ رَّكُمْ ليسَ بأَعْوَرَ، ومَكْتُوبٌ بينَ
عَيْنَیَهِ: ك ف ر)).
((عن أنس به قال: قال رسول الله وَله: ما من نبي إلا قد أنذر أمته
الأعور الكذاب، ألا أنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور)»: المراد منه: نفي النقص
والعيب، لا إثبات الجارحة.
([و]مكتوب بين عينه: ك ف ر)): إشارة إلى أنه داع إلى الكفر، لا إلى
الرشد، فاجتنبوه، وهذه نعمة عظيمة من الله تعالى في حق الأمة حيث أظهر رقم
الکفر بین عینیه .
٤٢٢٨ - وعن أبي هُريرةَ قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َِّ: ((ألا أُحدِّثُكُمْ حديثاً
عنِ الدَّجَّالِ ما حَدَّثَ بهِ نبيٌّ قَوْمَهُ؟ إِنَّ أَعْوَرُ، وإِنَّهُ يَجِيءُ مَعَهُ بِمِثْلِ الجَنَّةِ والنَّارِ،
فالتي يقولُ: إنَّها الجَنَّةُ هيَ النَّارُ، وإِنِّي أُنْذِرُكُمْ كما أَنْذَرَ بِهِ نُوْحٌ قَوْمَهُ)) .
((عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلخير: ألا أحدثكم حديثاً عن
الدجّالِ ما حدَّثَ به نبي قومه: إنه أعور، وإنه يجيء معه بمثل الجنة والنار،
فالتي يقول لها: إنها الجنة هي النار)): لأن من دخل جنته تصديقاً له استحقَّ
النار.
((وإني أنذركم، كما أنذر به نوح قومه)).
٤٢٢٩ - عن حُذَيْفةَ، عن النَّبيِّ وَ﴿ قال: ((إنَّ الدَّجَّالَ يَخْرُجُ وإنَّ معَهُ ماءً
وناراً، فأمَّا الذي يَراهُ النَّاسُ ماءً فنارٌ تُحْرِقُ، وأمَّا الذي يَراهُ النَّاسُ ناراً فماءٌ بارِدٌ
٥٦١

عَذْبٌ، فمنْ أدركَ ذلكَ مِنْكُمْ فَلْيَقَعْ في الذي يراهُ ناراً، فإنَّهُ ماءٌ عَذْبٌ طَيبٌ،
وإِنَّ الدَّجَّالَ مَمْسوحُ العَيْنِ، عليها ظَفَرَةٌ غَلِيظَةٌ، مَكْتوبٌ بينَ عَيْنِيهِ: كافِرِ،
يَقْرَؤُهُ كلُّ مُؤْمِنٍ كاتِبٍ وغيرِ كاتِب)).
((عن حذيفة قال: قال النبي ◌ٌَّ: إن الدجال يخرجُ وإنَّ معه ماءً
وناراً): فمن صدَّقه رضي عنه وأعطاه من مائه، ومن كذَّبه غضب عليه ورماه في
ناره .
((فأما الذي يراه الناس ماء؛ فنارٌ تحرق))؛ يعني: جعل الله له الماء البارد
النار المحرقة المخلدة .
((وأما الذي يراه الناس ناراً؛ فماء بارد عذب))؛ يعني: جعل الله ناره ماء
بارداً، كالنار النمرودية التي جعلها الله لخليله - عليه السلام - برداً وسلاماً.
((فمن أدرك ذلك منكم، فليقع في الذي يراه ناراً؛ فإنه ماء عذب طيب،
وإن الدجّال ممسوح العين))؛ أي: له عين واحدة، وموضع عين أخرى ممسوح
مثل جبهته ليس ثمة أثر عین.
((عليها))؛ أي: على تلك العين.
((ظفرة غليظة)): و(الظفرة) بفتحتين: جليدة تغشى العين نابتة من الجانب
الذي يلي الأنف على بياض العين إلى سوادها.
قال الأصمعي: هي لحيمة تنبت عند المآق في كثرة البكاء أو الماء.
«مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤ[٥] كل مؤمن كاتب وغير كاتب)).
٤٢٣٠ - وعن حُذَيْفة قالَ: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((الدَّجَّلُ أَعْوَرُ العَيْنِ
الْيُسْرَى، جُفَالُ الشَّعَرِ، معَهُ جَنَتَّهُ ونارُهُ، فنارُهُ جَنَّةٌ، وجَنَتَّهُ نارٌ)).
٥٦٢

((عن حذيفة قال: [قال] النبي ◌َّ﴾: الدجالُ أعور العين اليسرى)):
وجه التوفيق بينه وبين الرواية المتقدمة: أنه أعور عين اليمنى: أن الراوي سمع
اليسرى أو اليمنى على التعيين، فنسيها، فذكر اليسرى مكان اليمنى، أو عكسه،
أو يكون بالنسبة إلى أشخاص متفرقة، فقوم يرونه أعور اليسرى، وقوم يرونه
أعور اليمنى؛ ليدل ذلك على بطلان أمره؛ لأنه إذا لم تُرَ خلقته كما هي، عُلِمَ أنه
ساحر کذاب لا یکون له حقیقة .
ووجه الجمع بين كونه أعور، وممسوح العين، أو كأنها عنبة طافية: هو
بالحمل على أنه ممسوح إحدى العينين، وأعور بالعين الأخرى، والعين
الممسوحة يصدق عليها أنها عوراء؛ لأن عورَ العين أن لا تكون سليمة الفص،
وأن كلاً منهما عوراء من جهة العيب؛ إحداهما عوراء حقيقة، والأخرى معيبه
بالظفرة ونحوها، أو أن الأعور يطلق على من بقيت له عين، وذهبت عنه
أخرى، فأطلق عليه العور تارة بالذاهبة وأخرى بالباقية.
((جُفال الشعر)): بضم الجيم؛ أي: كثير الشعر.
«معه جنته وناره، فناره جنة، وجنته نار)).
٤٢٣١ - عن النَّوَّاسِ بن سَمْعانَ قال: ذَكَرَ رسولُ اللهِلَّهِ الدَّجَّالَ فقال:
(إنْ يَخْرُجْ وأنا فيكُمْ فَأَنَا حَجِيْجُهُ دُونَكُمْ، وإِنْ يَخْرُجْ وَسْتُ فِيكُمْ فامْرُؤٌ حَجِيْجُ
نَفْسِهِ، والله خليفَتي على كُلِّ مُسْلِمٍ، إنَّ شابٌّ قَطَطُ عينُهُ طافِئةٌ، كأنِّي أُشَبِهُهُ
بِعَبْدِ العُزَّى بِن قَطَنٍ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ منْكُمْ فَلْيَقْرأْ عَلَيهِ فواتِحَ سُورةِ الكَهْفِ».
وفي رِوايةٍ: ((فَلْيَقْرَأْ علَيهِ بفواتِحِ سُورَةِ الكَهْفِ فإنَّا جَوازُكم منْ نِشْتَتِهِ
- إنَّهُ خَارِجٌ مِنْ خَلَّةٍ بينَ الشَّامِ والعِراقِ، فعاثَ يَميناً وعاثَ شِمالاً، يا عِبادَ الله
٥٦٣

فاثبُتُوا)). قُلنا: يا رسولَ الله! وما لَيْتُهُ في الأَرْضِ؟ قال: ((أَرْبعونَ يَوْماً، يومٌ
كسَنةٍ، ويَوْمٌ كَشَهْرٍ، ويَوْمٌ كجُمُعَةٍ، وسائِرُ أَيَّامِهِ كأيَّامِكُمْ))، قُلنا: يا رسولَ الله!
فذلكَ اليَوْمُ الذي كسَنةٍ أَيَكفِينا فيهِ صَلاةُ يوم؟ قال: ((لا، اقْدُروا لهُ قَدرَهُ».
قُلنا: يا رسولَ الله! وما إسْراعُهُ فِي الأَرْضِ؟ قال: ((كالغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ،
فيأتي على القَوْمِ فِيَدعوهُمْ فِيُؤْمِنونَ بهِ، فيأْمُرُ السَّماءَ فتُمطِرُ، والأَرْضَ فُنبتُ،
فتَروحُ عليهمْ سارحَتُهُمْ أطولَ ما كانتْ ذُرِّى، وأَسْبَغَهُ ضُرُوعاً، وأَمَدَّهُ خَواصِرَ،
ثم يأتي القَوْمَ فيَدعوهُمْ فِيَردُّونَ عليهِ قولَهُ، فَيَنَصرِفُ عنهُمْ، فيُصبحونَ
مُمْحِلينَ ليسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوالِهِمْ، ويمزُّ بالخَرِبَةِ فيقولُ لها: أَخْرِجي
كُنُوزَكِ فتبَعُهُ كنوزُها كيَعاسِيبِ النَّحْلِ، ثمَّ يَدعُو رَجُلاً مُمْتِئاً شباباً، فيَضْرِبُهُ
بِالسَّيْفِ فيقطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الغَرَضِ، ثمَّ يَدِعُوه فيُقبِلُ ويَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ يَضْحَكُ،
فَبَيْنَما هوَ كذلكَ إذْ بَعَثَ الله المَسِيحَ ابن مَرْيمَ، فَيَزِلُ عِندَ المنارَةِ البَيْضاءِ شَرْقِيٍّ
دِمَشْقَ بينَ مَهْرودَتَيْنِ واضعاً كفَّيْهِ على أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنٍ، إذا طَأْطَأَ رأسَهُ قَطَرَ،
وإذا رفعَهُ تَحَدَّرَ منهُ مِثْلُ جُمانٍ كاللُّؤْلؤِ، فلا يَحِلُّ لكافِرِ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إلا
ماتَ، ونَفَسُهُ يَنْتُهِي حَيْثُ يَنْتُهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدرِكَهُ بابٍ لُدٌّ فَيَقْتُلُه، ثمَّ
يأتي عيسَى قَوْمٌ قَدْ عَصَمَهُمُ الله مِنْهُ، فَيَمْسَحُ عنْ وُجوهِهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَ جَاتِهِمْ
في الجَنَّةِ، فبينما هوَ كذلكَ إذْ أَوْحَى الله إلى عيسى: إنِّي قدْ أَخْرَجتُ عِباداً لي
لا يَدانِ لأَحَدٍ بقتالِهِمْ فَحَرِّزْ عِبادِي إلى الطُّورِ، ويَبْعَثُ الله يأُجُوجَ ومَأْجُوجَ
﴿وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَفْسِلُونَ﴾ فيمُزُّ أوائِلُهُمْ عَلَى بُخَيْرةِ طَبَرِيَّةَ، فَيَشرَبونَ
ما فيها، ويمُزُّ آخِرُهُمْ فيقولُ: لقدْ كانَ بهذِهِ مَرَّةً ماءٌ، ثمّ يَسيرونَ حتَّى يَنتُهُوا
إلى جَبَلِ الخَمْرِ، وهو جَبلُ بيتِ المَقْدِسِ، فيقولونَ: لقدْ قَتَلنا مَنْ في الأرضِ،
هَلُمَّ فَلْتَقْتُلْ مَنْ فِي السَّماءِ، فَيَرِمُونَ بِنشَّابِهِمْ إلى السَّماءِ، فيرُذُّ الله عليهِمْ
نُشَّابَهُمْ مَخْضُوبَةً دَماً. ويُحْصَرُ نَبَيُّ الله وأَصْحابُهُ حتَّى يكونَ رأسُ الثَّوْرِ
٥٦٤

لأَحِدِهِمْ خَيراً مِنْ مِئَةِ دِينارٍ لأحدِكُمُ الْيَوْمَ، فَيَرْغَبُ نبِيُّ الله عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إلى
الله، فيُرسِلُ الله عَلَيْهِمُ النَّغَفَ فِي رِقابِهِمْ، فَيُصْبحونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ
واحِدَةٍ، ثمّ يَهبطُ نبيُّ الله عيسَى وأصحابُهُ إلى الأَرْضِ، فلا يَجدونَ في الأَرْضِ
موضعَ شِيرٍ إلاَّ مَلأَهُ زهَمُهُمْ ونَتَّتُهُمْ، فَيَرْغَبُ نبِيُّ الله عِيسَى وأصحابُهُ إلى الله،
فيُرسِلُ الله طيراً كأعْنَاقِ البُخْتِ فَتَحْمِلُهُمْ فتطرَحُهُمْ حَيْثُ شاءَ الله - ويُروى:
فتطرَحُهُمْ بالمَهْبلِ، ويَسْتَوِقِدُ المُسْلِمونَ مِنْ قِسِيهِمْ ونُشَّابِهِمْ وجِعابِهِمْ سَبْعَ
◌ِنِينَ - ثمَّ يُرْسِلُ الله مَطَراً لا يَكُنُّ منهُ بِيتُ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ، فَيَغْسِلُ الأَرْضَ حتَّى
يتْرُكَها كالزُّلَفَةِ، ثم يُقالُ للأَرضِ: أنْبتِي ثَمَرَّتَكِ ورُدِّي بَرَكَتَكِ، فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ
العِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّنَةَ ويَسْتَظِلُّونَ بِقَحْفِها، ويُبارَكُ في الرَّسْلِ حَتَّى أَنَّ اللَّقْحَةَ مِنَ
الإِبلِ لَتَكْفي الفِئَامَ مِنَ النَّاسِ، واللَّفْحَةَ مِنَ البَقَرِ لَتَكْفي القَبِيلَةَ مِنَ النَّاسِ،
واللَّقْحَةَ مِنَ الغَنَمِ لَتَكْفي الفَخِذَ منَ النَّاسِ، فَبَيْنَما هُمْ كذلكَ إذْ بعثَ الله ◌ِرِيحاً
طَيبةً فتأخُذُهُمْ تحتَ آبَاطِهِمْ، فَتَقبضُ رُوْحَ كلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِمٍ، ويبقى
شِرارُ النَّاسِ يَتهارَجونَ فيها تَهَارُجَ الحُمُرِ، فَعليْهِمْ تقومُ السَّاعَةُ».
((عن النگَّاس)): بفتح النون وتشديد الواو.
((ابن سمعان)): بكسر السين المهملة، ومنع الصرف.
((أنه قال: ذكر رسول الله ◌َ﴿ الدجّال فقال: إن يخرج وأنا فيكم فأنا
حجيجُهُ)): فعيل بمعنى: الفاعل من أفعل المبالغة من الحجة؛ أي: غالبٌ عليه
بالحجة .
((دونکم))؛ أي: قدامكم؛ يعني: إن كنت فیکم کفیتکم شرَّه.
((وإن يخرج ولست فيكم، فامرؤٌ حجيجُ نفسه)»؛ أي: ليدفع شره عن
نفسه بما عنده من الحجج القاطعة الشرعية والعقلية، وإنما قال: (إن يخرج وأنا
فيكم) مع علمه - عليه الصلاة والسلام - أنه لا يخرج في زمانه؛ لاحتمال أنه أراد
٥٦٥

به: ديني قائم فيكم، أو يريد تحقيق خروجه؛ يعني: لا تشكوا فيه، فإنه سيخرج
لا محالة .
والأوجه: أن يراد به عدم علمه بوقت خروجه؛ لعدم علمه بالساعة.
((والله خليفتي على كل مسلم))؛ يعني: أنه تعالى وليُّ كل مسلم وحافظِه]،
فیعینه علیه، ويدفع شره عنه.
وهذا دليل على أن المؤمن الموقن لا يزال منصوراً وإن لم يكن معه نبي
ولا إمام.
((إنه شاب قطط)): بفتحتين؛ أي: شديد الجعودة مثل شعور الحبش.
((عينه طافئة، كأني أشبهه بعبد العُزَّى)) بضم العين المهملة والزاي
المعجمة المشددة المفتوحة: يهودي من خزاعة، مات في الجاهلية.
(بن قطن)): بفتح القاف والطاء المهملة المفتوحة، وتشبيهه إشارة إلى أنه
كذَّاب.
((فمن أدركه منكم، فليقرأ عليه فواتحَ سورة الكهف»؛ أي: أوائلها،
جمع فاتحة، وهي أول كل شيء، والتخصيصُ به دون سائر السور تعبديٌّ لا
يُعقَل معناه، أو لأن فواتحها مشتملة على قصة أصحاب الكهف، وعصمتهم من
دقيانوس وجنده، فكذا من قرأها حفظ من الدجال.
((وفي رواية: فليقرأ عليه بفواتح سورة الكهف؛ فإنها جوازكم)): وهو
بكسر الجيم(١) والزاي المعجمة، وهو الصُّ الذي يأخذه المسافر من السلطان
أو نوابه؛ لئلا يتعرض له المترصدةُ في الطريق.
وفي بعض النسخ بالراء المهملة، فمعناه: حافظكم.
(١) المشهور أنه بالفتح، انظر: ((القاموس المحيط))، (مادة: جوز).
٥٦٦

((من فتنته إنه خارج من خَلَّة)): وهو - بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام -:
الطريق في الرمل، يذكر ويؤنث؛ يعني: يخرج الدجال من طريق واقع ((بين
الشام والعراق، فعاث يميناً): بصيغة الماضي؛ أي: أفسد جانب يمينه.
((وعاث شمالاً))؛ أي: جانب شماله.
وفي بعض بصيغة اسم الفاعل؛ أي: مفسد، وهذا أظهر من حيث العطف.
وفيه إشارة إلى أنه لا يكتفي بالإفساد فيما يطأه من البلاد، بل يبعث سراياه
يميناً وشمالاً، فلا يأمن ولا يخلو من فتنته موطن.
(يا عباد الله فاثبتوا))؛ أي: يومئذ على ما أنتم عليه الآن من الإيمان، ولا
تتبعوا اللعين، ولو فعل بكم من العقوبات، والخطاب مع الصحابة والمراد: من
یدر که .
(قلنا: يا رسول الله! وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوماً؛ يوم
كسنة)): قيل: يمكن إجراؤه على ظاهره؛ لأن الله تعالى قادر على أن يزيد في
اليوم من الأجزاء مقدار السنة، فيكون بقدر السنة.
((ويوم كشهر، ويوم كجمعة)): وقيل: يمكن أن يحمل معناه: أن فتنة
الدجال وشدة بلائه على المؤمنين تكون في أول الأمر أشد وأصعب، وكلما مرَّ
زمان، ضَعُفَ أمره، ويهون كيده؛ لأن الحقَّ يزيد كل وقت نوراً وعزاً، والباطل
ينقص، وأيضاً فإن الناس إذا اعتادوا بالبلاء والمحنة، فإنه يهون عليهم إلى أن
يضمحل أمره.
((وسائر أيامه كأيامكم)): وفيه إشارة إلى أن الامتداد في الأيام الثلاثة على
القدر المذكور.
((قلنا: يا رسول الله! فذلك اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم؟ قال:
لا، اقدروا له قدره))؛ أي: قدروا لوقت الصلاة قدر وقتها في سائر الأيام،
٥٦٧

فصلوا كلَّ صلاة إذا ذهب القدر الذي كان يذهب في سائر الأيام، ويدخل
وقتها .
((قلنا: يا رسول الله! وما إسراعه في الأرض؟))؛ أي: كيف إسراعه؟
قال: كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على القوم فيدعوهم، فيؤمنون به،
فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم))؛ أي:
ماشيتهم.
((أطول ما كانت ذُرى)): بضم الذال المعجمة وفتح الراء المهملة؛ أي:
أسنمة جمع ذروة، وهي: أعلى سنام البعير، وذروة كل شيء: أعلاه.
((وأسبغه)): أفعل تفضيل من السبوغ؛ أي: أتمه .
(ضروعاً)): جمع الضرع؛ وهو الثدي؛ أي: تعود إليهم ماشيتهم سماناً
كثيرة الدر [أكثر] مما كانت قبل، والضمير فيه للفظة (ما)، وكذا في:
((وأمده خواصر)): جمع خاصرة، وهي ما تحت الجنب، وكونها أمدها
كناية عن كثرة الأكل والامتلاء؛ أي: أوسعها وأتمها .
((ثم يأتي القوم فيدعوهم، فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون
ممحلين))؛ أي: يصيرون أصحاب مَحْل، وهو القحط، من (أمحل): إذا دخل
في القحط، وأصله انقطاع المطر، ويبس الأرض والكلأ.
((ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة))؛ أي: بالأرض الخربة.
((فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل)): جمع
يعسوب، وهو أمير النحل، ومنه قيل للسيد: يعسوب قومه، والمعنى: تتبعه
كنوز الأرض، كما يتبع النحل اليعسوب الذي هو ملكها .
((ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شباباً))؛ أي: يكون في عنفوان شبابه، نصب
٥٦٨

(شباباً) على التمييز.
((فيضربه بالسيف، فيقطعه جِزْلتين))؛ أي: قطعتين.
و(الجزلة) بكسر الجيم وسكون الزاي: القطعة، وبفتح الجيم: المصدر.
((رمية الغرض))؛ أي: الهدف؛ يعني: بعدُ ما بين القطعتين بقدر رمية
السهم؛ أي: الهدف.
قيل: هذا على تقدير كسر الجيم، وأما إن فتح؛ فهو إشارة إلى سرعة
نفوذ السيف فيه، أو إلى إصابة المحن.
((ثم يدعوه، فيُقبل))؛ أي: ذلك الشاب على الدجّال.
((ويتهلل وجهه))؛ أي: يتلألأ ويضيءُ.
((يضحك)): حال من الضمير؛ أي: يقبل ضاحكاً بشاشاً، فيقول: يصلح
هذا إلهاً.
((فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء
شرقي دمشق بين مهروذتين)): يروى بالدال المهملة والمعجمة؛ أي: حلتين أو
شقتين من الهرد، وهو الشق، وقيل: الثوب المهروذ المصبوغ بالورس ثم
بالزعفران، وقيل: ثياب فيها صفرة خفيفة.
((واضعاً كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه))؛ أي: خفضه.
((قطر))؛ أي: عرقه.
«وإذا رفعه تحدر منه))؛ أي: نزل من رأسه.
((مثل جمان)) وهو بضم الجيم وتشديد الميم: اللؤلؤ الصغار، وبتخفيفها:
حب يتخذ من الفضة كالذرة.
قيل: المراد من الجمان في صفة عيسى - عليه الصلاة والسلام - هو
٥٦٩

الحب المتخذ من الفضة.
((كاللؤلؤ)»: فإنه ◌َ﴿ شبَّه الجمان باللؤلؤ، فلا بد من المغايرة بينهما،
فيكون صفة لجمان، وجاز كون الكاف اسماً في محل الرفع بدلاً من (مثل)
الأول، وهو صفة لموصوف محذوف، وتقديره: عرق مثل جمان، أو قطرات
نورانية مثله .
((فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه))؛ أي: نفس عيسى عليه السلام.
«إلا مات، ونفسه ینتهي حیث ینتهي طرفه، فيطلبه))؛ أي: عيسى - عليه
السلام - الدجالَ .
((حتى يدركه بباب لُّدِّه بضم اللام وتشديد الدال المهملة: اسم جبل
بالشام .
((فيقتله، ثم يأتي عيسى - عليه السلام - قومٌ قد عصمهم الله منه))؛ أي:
من الدجال .
((فيمسح عن وجوههم)): قيل: أثر المشقة، وقيل: معناه: أنه يسرهم بأن
يخبرهم بأن الله تعالى قد قتل الدجال.
((ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى
- عليه السلام - أني قد أخرجت عباداً لي لا يدانِ))؛ أي: لا قدرة ولا طاقة.
((لأحد بقتالهم)): وإنما كنى باليد عن القدرة؛ لأن المباشرة والدفاع يكون
باليد، وثنَّى اليد؛ ليكون أبلغ في المعنى.
((فحرِّزْ عبادي))؛ أي: ضمهم ((إلى الطور)) وحصِّنهم.
((ويبعث الله يأجوج ومأجوج، ﴿وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ﴾)): وهو ما ارتفع
من الأرض.
٥٧٠

﴿يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦]؛ أي: يسرعون.
((فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية)»: تصغير بحرة، وطبرية: قصبة بالشام،
وطول تلك البحيرة عشرة أميال.
((فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقول: لقد كان بهذه))؛ أي: بهذه
البحيرة.
(مرة ماء، ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر)) بفتح الخاء المعجمة
والميم: هو الشيء الملتف، وفي بعض بسكون الميم.
((وهو جبلُ بيتِ المقدس)): وإنما فسر به؛ لكثرة شجره.
((فيقولون: لقد قتلنا مَنْ في الأرض هَلمَّ)؛ أي: تعال، ويطلقه أهل
الحجاز على المذكر والمفرد وفروعهما بلفظ واحد، وبنو تميم تطابق به .
((فلنقتل مَنْ في السماء، فيرمون نشابهم)) بضم النون وتشديد الشين:
جمع النشابة، وهي السهم.
((إلى السماء، فيرد الله تعالى عليهم نشابهم مخضوبةً دماً، ويحضر نبي
الله))؛ يعني :
((عيسى)) عليه الصلاة والسلام ((وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم
خيراً من مئة دينار لأحدكم اليوم))؛ يعني: يبلغ الفقر بهم هذا الحد.
((فيرغب نبي الله عيسى - عليه الصلاة والسلام - وأصحابه))؛ أي: يدعوا
الله تعالی بهلاکهم واستئصالهم.
((فيرسل الله عليهم التَّغَفَ)) بفتح النون والغين المعجمة: دود يكون في
أنف الإبل والبقر والغنم، واحدها: نغفة.
((في رقابهم، فيصبحون فَرْسى))؛ أي: يصيرون قتلى، جمع: فريس،
٥٧١

وهو القتيل، مِنْ فَرَسَ الذئبُ الشاة؛ أي: كسرها وقتلها.
((كموت نفس واحدة))؛ أي: فيموتون في وقت واحد، وفيه تنبيهٌ على أنه
تعالی يهلكهم في أدنى ساعة بأهون شيء.
«ثم یھبط))؛ أي: ينزل.
((نبي الله عيسى - عليه الصلاة والسلام - وأصحابه إلى الأرض)): من
الطور.
((فلا يجدون في الأرض موضعَ شبر إلا ملأه زَهَمهم ونتنهم))، والزهم
بفتح الزاي المعجمة والهاء: مصدر زَهِمت يده - بالكسر - تزهم؛ أي: دسمت
من رائحة اللحم.
ويروى بضم الزاي مع فتح الهاء؛ جمع (زُهْمة) بالضم ثم السكون، وهي
المنتنة؛ يعني: تنتن الأرض من جيفهم.
((فيرغب نبي الله عيسى - عليه الصلاة والسلام - وأصحابه إلى الله تعالى،
فيرسل الله طيراً كأعناق البخت)): وهي جمال طوال الأعناق؛ أي: ملائكة على
صورتها .
((فتحملهم، فتطرحهم حيث شاء الله تعالى، ويروى: تطرحهم بالنهبل)) :
وقيل: حيث تطلع الشمس.
((ويستوقد المسلمون من قسيهم ونشابهم وجِعابهم)) بكسر الجيم: جمع
الجَعْبة بالفتح، وهو غلاف النشاب.
((سبع سنين، ثم يرسل الله مطراً لا يكِنُّ منه)): من الإكنان، والكنُّ: ما
يردُّ الحرَّ والبرد من الأبنية والمساكن، كننته أكنُّه كناً: سترته وصنته، وأكننته
أيضاً بمعنى، وهو صفة (مطر)، ومفعوله محذوف؛ أي: لا يستر ولا يصون من
ذلك المطر.
٥٧٢

(بيت مدر، ولا وبر))؛ أي: أهل الحضر والبدو، بل يعمُّ جميع الأماكن.
((فيغسل الأرض حتى يتركها كالزَّلفة)) بفتح الزاي المعجمة واللام:
واحدة الزلف، وهي مصانع الماء، أراد: أن المطر يغزر فتصير الأرض كلها
كمصنعة من مصانع الماء، وقيل: الزلفة: المرأة، شبّه الأرض بها؛ لاستوائها
ولطافتها، وقيل: الروضة.
(ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، ورُدِّي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة))؛
أي: الجماعة من الناس.
((من الرمانة، ويستظلون بقحفها)): بالكسر ثم السكون؛ أي: بقشرها،
أصل القحف: العظم المستدير فوق الدماغ، ثم استعير لقشر الرمان تشبيهاً به.
((ويبارك)): بصيغة المجهول من البركة، وهي الكثرة والاتساع.
(في الرِّسْل)): وهو - بكسر الراء -: اللبن والحليب.
((حتى إن اللقحة من الإبل))، وهي - بكسر اللام -: الناقة التي نتجت
حديثاً.
((لتكفي الفِئام من الناس)) بكسر الفاء: الجماعة الكثيرة، لا واحدَ لها من
لفظها، وأراد بها هنا: أكثر من القبيلة التي هي أكثر من الفخذ؛ فإن الناقة أكثر
رسلاً من البقر، وهي من الغنم.
((واللقحة من البقر، لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم، لتكفي
الفخذ من الناس، فبينما هم كذلك)): (هم) مبتدأ، و(كذلك) خبره؛ يعني:
تنعمون في طيب عيش وسعة ورفاهية.
(إذ بعث الله))؛ أي: أرسل عليهم فجاءة.
(ريحاً طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روحَ كلِّ مؤمن وكل
مسلم)): فيموت من في ذلك الزمان من أهل الطاعة.
٥٧٣

((ويبقى شرارُ الناس، يتهارجون فيها))؛ أي: يختلطون ويتفاسدون في
الأرض، وهو حال من (شرار الناس)؛ أي: متهارجين.
((تهارجَ الحمر))؛ أي: كاختلاطها؛ يعني: يجامعون النساء بحضرة
الناس.
((فعليهم تقوم الساعة)).
*
*
٤٢٣٢ - عن أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَاهِ: ((يَخْرُجُ
الدَّجَّالُ فَيَتَوَجَّهُ قِبَلَهُ رَجُلٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَتَلْقَاهُ المَسالِحُ، مَسالِحُ الدَّجَّالِ،
فيقولونَ لهُ: أينَ تَعْمِدُ؟ فيقولُ: أَعْمِدُ إلى هذا الذي خَرَجَ، قال فيقولونَ لهُ: أَوَ
ما تُؤْمِنُ بِرَينا؟ فيقولُ: ما بِرَبنا خَفَاءٌ، فيقولونَ: اقْتُلُوه، فيقولُ بعضُهُمْ لبعضٍ :
أليسَ قدْ نَهَاكُمْ رِبُّكُمْ أنْ تقتُلُوا أَحَدَاً دُونَهُ، فينطلِقُونَ بهِ إلى الدَّجَّالِ، فإذا رآهُ
المُؤْمِنُ قال: يا أيُّها النَّاسُ هذا الدَّجَّلُ الذِي ذَكَرَ رسولُ اللهِ، قالَ: فَيَأْمُرُ
الدَّجَّالُ النَّاسَ بِهِ فِيُشَبَّحُ، فيقولُ: خُذوهُ وشُجُوهُ، فَيُوسَعُ ظَهْرُهُ وبَطْنُهُ ضَرْباً،
قال فيقولُ: أما تُؤْمِنُ بي؟ قالَ فيقولُ: أنتَ المَسِيحُ الدَّجَّلُ الكَذَّابُ، قالَ:
فِيُؤْمَرُ بِهِ فَيُؤْشَرُ بالمِثْشارِ مِنْ مَفْرِقِهِ حَتَّى يُفَرَّقَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ، قال: ثمَّ يَمْشي
الدَّجَّالُ بينَ القِطْعَتَيْنِ، ثمَّ يقولُ لهُ: قُمْ، فَيَستوِي قائِماً، ثُمَّ يقولُ لهُ: أَتُؤْمِنُ
بي؟ فيقولُ: ما ازْدَدْتُ فيكَ إلا بَصِيرَةً، قالَ: ثُمَّ يقُولُ: يا أيُّها النَّاسُ إنّ
لا يَفْعَلُ هذا بَعْدِي بِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، قال: فيأخُذُهُ الدَّجَّالُ لِيَذْبَحَهُ فِيُجعَلُ ما بينَ
رقَبَتِهِ إلى تَرْقُوَتِهِ نُحاساً، فلا يَسْتَطِيعُ إليهِ سَبِيلاً، قال: فَيَأْخُذُ بِيدَيْهِ ورِجلَيْهِ
فِيَقْذِفُ بِهِ، فيَحْسِبُ النَّاسُ أَنَّمَا قَذَفَهُ إِلى النَّارِ، وإنَّمَا أُلقيَ في الجنَّةِ)). فقالَ
رسولُ الله ◌َّهِ: ((هذا أَعْظَمُ النَّاسِ شَهادَةً عندَ رَبِّ العالمينَ)).
٥٧٤

((عن أبي سعيد الخدري عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم يخرج الدجال فيتوجه قِبَله)»: بكسر القاف وفتح الباء الموحدة؛ أي:
نحوه و جانبه .
((رجل من المؤمنين فتلقاه))؛ أي: الرجلَ.
((المسالحُ)): جمع مَسْلَحَة، وهي قوم ذوو سلاح.
((مسالح الدجال)): بدل من المسالح.
((فيقولون له: أين تعمِد؟))؛ أي: تقصد.
((فيقول: أعمد إلى هذا الذي خرج، قال))؛ أي: النبي ◌ِّ.
((فيقولون له: أوما تؤمن بربنا؟ فيقول: ما بربنا خفاء، فيقولون: اقتلوه،
فيقول بعضهم لبعض: أليس قد نهاكم ربكم أن تقتلوا أحداً دونه، فينطلقون
به إلى الدجال، فإذا رآه المؤمن قال: يا أيها الناس! هذا الدجّال الذي ذكر
رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: فيأمر الدجال به، فيُشبَّح)»: الشَّبْحُ
في الرأس: هو أن يُضرَب بشيء، فيجرحه ویشقه.
((فيقول: خذوه، وشجوه)): قيل: معناه: شدوا أربعة أطرافه بالأوتاد؛
لیجلد.
((فيوسع ظهره وبطنه ضرباً))؛ أي: فيكثر الضرب فيهما.
((قال: فيقول))؛ أي: الدجال.
((أما تؤمن بي؟ قال: فيقول))؛ أي: الرجل المؤمن.
((أنت المسيح الكذاب، قال: فيؤمر به فيؤشَرَ بالمنشار))؛ أي: يشق به.
«من مفرقه حتی یفرَّق بين رجليه، قال: ثم يمشي الدجّال بين القطعتين،
ثم يقول له: قم، فيستوي قائماً، ثم يقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت)):
٥٧٥

على بناء المجهول.
((فيك إلا بصيرةٍ)؛ أي: علماً بك وبفعلك بأنك كاذب مُمَوِّهٌ.
((قال: ثم يقول))؛ أي: المؤمن.
((يا أيها الناس! إنه لا يفعل [هذا] بعدي بأحد من الناس))؛ أي: ما فعل
بي من القتل والإحياء في الظاهر.
((قال: فيأخذه الدجال؛ ليذبحه، فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاساً))؛
أي: فيجعل الله ما بينهما كالنحاس لا يعمل فيه السيف.
((فلا يستطيع إليه سبيلاً، قال: فيأخذه بيديه ورجليه، فيقذف به،
فيحسب الناس أنما قذفه إلى النار، وإنما ألقي في الجنة، فقال رسول الله وَّن:
هذا أعظمُ الناسِ شهادة عند رب العالمين)).
٤٢٣٣ - عن أُمِّ شَرِيكٍ أنَّها قالت: قالَ رسولُ اللهِلَّهِ: ((لَيَفِرَّنَّ النَّاسُ مِنَ
الدَّجَّالِ حَتَّى يَلْحَقُوا بالجِبالِ)). قالت أُمُّ شَرِيكٍ: قلتُ يا رسولَ الله! فَأَيْنَ
العَرَبُ يومئذٍ؟ قالَ: ((هُمْ قَليلٌ)).
((عن أم شَرِيك - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى
عليه وسلم: ليفرنَّ الناسُ من الدجال حتى يلحقوا بالجبال. قالت أم شَرِيك:
قلت: يا رسول الله! فأين العرب يومئذ؟)): الفاء فيه جواب شرط محذوف؛
أي: إذا كان حال الناس هذا؛ فأين المجاهدون من العرب في سبيل الله؟
((قال: هم قليل».
٤٢٣٤ - عن أنس، عن رسولِ اللهِ وَ﴿ قال: ((يَتْبعُ الدَّجَّالَ منْ يَهودِ
أَصْبَهَانَ سَبْعونَ ألفاً عليهِمُ الطَّيَالِسَةُ».
((عن أنس ﴿ه، عن رسول الله وَّر: أنه قال: يَتَّبعُ الدجالَ)): بتشديد
التاء.
٥٧٦

((من يهود أصفهان سبعون ألفاً عليهم الطيالسة)): جمع الطيلسان.
قال سليمان بن جرير: ليس هذا أصفهان العراق، إنما هو أصفهان
بخراسان.
٤٢٣٥ - وقالَ: ((يأتي الدَّجَّالُ، وهوَ مُحَرَّمٌ عليهِ أنْ يَدخُلَ نِقابَ المَدينةِ،
فينزِلُ بَعْضَ السِّاخِ التي تَلِي المَدينَةَ، فيخرُجُ إليهِ رَجُلٌ، وهو خَيْرُ النَّاسِ، أو
مِنْ خِيارِ النَّاسِ، فيقولُ: أَشْهَدُ أنَّكَ الدَّجَّلُ الذِي حَدَّثَنَا رسولُ اللهِّهِ حَدِيثَهُ،
فيقولُ الدَّجَّالُ: أرأَيْتُمْ إِنْ قَتَلتُ هذا ثمَّ أَحْبَيْتُهُ هلْ تَشُكُّونَ في الأَمْرِ؟ فيقولونَ:
لا، فيقتُلُهُ ثمّ يُحْييهِ، فيقولُ: والله ما كُنْتُ فيكَ أَشَدَّ بَصيرةً مِنِّي اليَوْمَ، فيُريدُ
الدَّجَّالُ أنْ يقْتُلَهُ فلا يُسلَّطُ عليهِ».
((وقال: يأتي الدجال، وهو محرَّمٌ عليه أن يدخل نِقابَ المدينة)): وهو
بكسر النون: جمع نقب، وهو الطريق بين الجبلين؛ أي: لا يستطيع أن يدخل
طرفها .
(((فينزل بعض السِّباخِ)): بكسر السين: جمع سبخة.
((التي تلي المدينة، فيخرج إليه رجل)): قيل: هو الخضر عليه الصلاة
والسلام.
((وهو خير الناس، أو من خيار الناس، فيقول: أشهد أنك الدجال الذي
حدثنا رسول الله وَّفي حديثه، فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا، ثم أحيته،
هل تشكون في الأمر؟ فيقولون: لا))؛ أي: لا نشك، وإنما قالوا ذلك خوفاً
منه، لا تصديقاً، ويحتمل: أنهم قصدوا لا نشك في كذبك وكفرك، وخادعوه
بهذه التوریة خوفاً منه .
٥٧٧

ويحتمل: أنهم هم الذين يصدقونه من اليهود وغيرهم ممن قدر الله
شقاوته .
((فيقتله، ثم يحييه، فيقول: والله ما كنت فيك أشدَّ بصيرةً مني اليوم،
فيريد الدجال أن يقتله، فلا يسلط عليه))؛ أي: لا يقدر على قتله.
قال الكلاباذي: في الحديث دليل على أنَّ الدجال لا يقدر على ما يريده،
وإنما يفعل الله ما يشاء عند حركته في نفسه، ومحل قدرته ما شاء الله أن يفعله؛
اختباراً للخلق وابتلاء لهم؛ ليهلك من هلك عن بينة، ويحيي من حي عن بينة،
ويضل الله الظالمين، ويفعل الله ما يشاء.
٤٢٣٦ - عن أبي هريرةَ عن رسولِ اللهِ وَّرِ قال: ((يأتي المَسيحُ منْ قِبَلِ
المَشْرِقِ هِمَّتُهُ المَدينةُ، حتَّى يَنْزِلَ دُبْرَ أُحُدٍ، ثمَّ تَصْرِفُ الملائِكَةُ وَجْهَهُ قِبَلَ
الشَّامِ، وهُنالِكَ يَهلِكُ» .
((عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وسلم: يأتي المسيح))؛ أي:
الدجال.
((من قِبل المشرق وهمتُه))؛ أي: قصده.
((المدینةُ، حتى ينزل دبر أحد)»؛ أي: خلف جبل أحد.
((ثم تصرف الملائكة وجهه قبل الشام وهنالك يُهلك».
٤٢٣٧ - وعن أبي بَكرَةَ أَنَّ النَّبيَّ نَّهِ قالَ: ((لا يَدْخُلُ المَدينَةَ رُعْبَ
المَسيحِ الدَّجَّالِ، لها يَوْمَئِذٍ سَبعةُ أبوابٍ عَلَى كلِّ بابٍ مَلَكانٍ)).
٥٧٨

((عن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ◌َّ: أنه قال: لا يدخل
المدينة رُعْبَ المسيح الدجال)»: بضم الراء وسكون العين المهملة؛ أي: خوفه.
((لها))؛ أي: للمدينة.
«يومئذ سبعةُ أبواب على كل باب ملكان)).
٤٢٣٨ - عن فاطمةَ بنتِ قَيْسٍ قالت: سَمِعْتُ مُنادِيَ رسولِ اللهِ الّله
يُنادِي: الصَّلاةَ جامِعَةً، فخَرَجْتُ إلى المَسْجِدِ فَصَلَّيْتُ مَعَ رسولِ اللهِ، فَلَمَّا
قَضَى صَلاتَهُ جَلَسَ عَلَى المِنبرِ وهوَ يَضْحَكُ فقال: ((لِيَلَزَمْ كلُّ إِنْسَانٍ مُصَلاهُ»،
ثُمَّ قال: ((هلْ تَدَرونَ لِمَ جَمعتُكُمْ؟)) قالوا: الله ورسولُهُ أعلمُ، قال: ((إِنِّي والله
ما جَمَعْتُكُمْ لرَغْبةٍ ولا لرَهْبَةٍ، ولكنْ جَمَعْتُكُمْ لأَنَّ تَميماً الدَّارِيَّ كانَ رَجُلاً
نَصْرانًِّ، فجاءَ وأَسْلَمَ، وحَدَّثَنِي حَديثاً وافَقَ الذي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ بِهِ عنِ المَسيِحِ
الدَّجَّالِ، حدَّثَني أنَّهُ ركِبَ في سَفينةٍ بَحْرِيَّةٍ مَعَ ثلاثينَ رَجُلاً منْ لَخْمٍ وجُذامَ،
فِلَعِبَ بِهِمْ المَوْجُ شَهْراً في البَحْرِ، فَأَرْفَؤُوا إلى جَزيرةٍ حينَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ،
فجَلَسُوا في أَقْرُبِ السَّفينةِ فدخَلُوا الجزيرةَ، فلقِيَتْهُمْ دَابَّةٌ أَهْلَبُ كثيرُ الشَّعَرِ،
لا يَدْرونَ ما قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ منْ كثرةِ الشَّعَرِ، قالوا: ويلَكِ ما أنتِ؟ قالت: أنا
الجَسَّاسَةُ، انطلِقُوا إلى هذا الرَّجُلِ في الذَّيْرِ فإنُّ إلى خَبَرِكُمْ بِالأشْواقِ، قال:
لمَّا سَمَّتْ لنا رجلاً فَرِقْنا منها أنْ تكونَ شَيْطانةً، قال: فانطلَقْنا سِراعاً حتَّى
دخَلْنا الدَّيْرَ، فإذا فيهِ أَعْظَمُ إِنْسانٍ ما رأيناهُ قطُّ خَلْقاً، وأشدُّهُ وِثاقاً، مَجْمُوعَةٌ
يَداهُ إلى عُنُقِهِ ما بينَ رُكِبَتِهِ إلى كَعْبهِ بالحَديدِ، قُلنا: وَيْلَكَ ما أنتَ؟ قال: قَدْ
قَدَرْتُمْ عَلَى خَبرِي فأخبروني ما أنْتُمْ؟ قالوا: نَحْنُ أُناسٌ مِنَ العَرَبِ ركِينا في
سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ فَلَعِبَ بنا البَحْرُ شَهْراً فدَخَلْنا الجزيرةَ، فَلَقِتْنا دابَّةٌ أَهْلَبُ فقالت:
أنا الجَسَّاسَةُ، اعْمِدُوا إلى هذا الرَّجلِ في الدَّيْرِ، فأقبَلْنا إليكَ سِرَاعاً، فقال:
٥٧٩

أَخْبروني عنْ نَخْلِ بَيْسانَ هلْ تُثِرُ؟ قُلْنا: نَعَم، ثُمَّ قال: أَما إنَّها يُوشِكُ أنْ
لا تُثْمِرَ، قال: أَخْبروني عنْ بُخَيْرَةِ الطَّبَرِيَّةِ هلْ فيها ماءٌ؟ قلنا: هيَ كثيرةُ الماءِ،
قال: أَمَا إِنَّ ماءَها يُوشِكُ أنْ يذهَبَ، قال: أَخْبروني عنْ عَيْنِ زُغَرَ هلْ في
العينِ ماءٌ؟ وهلْ يَزْرَعُ أهلُها بماءِ العَيْنِ؟ قلنا: نعمْ، هيَ كثيرةُ الماءِ، وأهلُها
يزرَعونَ مِنْ مائِها، قال: أَخْبروني عنْ نَبَيِّ الأُمِّينَ ما فعلَ؟ قالوا: قد خرجَ
من مكةَ ونزلَ يثربَ، قال: أقاتَلَه العربُ؟ قلنا نعم، قال: كيفَ صَنَعَ بهمْ؟
فأخبرناهُ أنَّهُ قدْ ظَهَرَ عَلَى مَنْ يَلِيهِ مِنَ العَرَبِ وأطاعوهُ، قال: أَمَا إنَّ ذلكَ خَيْرٌ
لهمْ أنْ يُطيعوهُ، وإنِّي مُخبرُكُمْ عَنِّي، إنِّي أنا المَسِيحُ، وإنِّي أُوشِكُ أنْ يُؤْذَنَ لي
في الخُروجِ فَأَخْرُجَ فَأَسيرَ في الأَرْضِ فلا أَدَعَ قريةً إلاَّ هَبَطْتُها في أربعينَ ليلةً
غيرَ مَكَّةَ وطَيْبَةَ، هُما مُحَرَّمَتانِ عليَّ كِلتَاهُما، كُلَّمَا أَرَدْتُ أنْ أَدْخُلَ واحِدَةً
مِنْهُما استقبَلَني مَلَكٌ بِيدِهِ السَّيْفُ صَلْناً يَصُدُّنِي عنها، وإنَّ على كلِّ نَقْبٍ منها
ملائِكَةً يَحرُسونَهَا))، قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ، وطَعَنَ بِمِخْصَرَتِهِ في المِنْبَرِ: ((هذِه
طَيْبَةُ، هذِهِ طَيِيَةُ، هذه طيبةُ))، يَعني: المَدينَةَ، ((ألا هلْ كنتُ حَدَّثْتُّكُمْ؟)) فقالَ
النَّاسُ: نعمْ، قال: ((ألا إِنَّهُ في بَحْرِ الشَّامِ أوْ بَحْرِ اليَمَنِ، لا بَلْ مِنْ قِبَلِ المَشرِقِ
ما هُوَ))، وأَوْمَأَ بيدِه إلى المَشرِقِ.
((عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها: أنها قالت: سمعت مناديَ
رسول الله ﴿ ينادي: الصلاة جامعةً)): برفعهما مبتدأ وخبر، أو بنصبهما على
تقدير: احضروا الصلاة في حال كونها جامعة، وبرفع الأول على تقدير: هذه
الصلاة، ونصب الثاني على الحالية، وبالعكس على تقدير: احضروا الصلاة
وهي جامعة، وهو ضعيف؛ لإضمار حرف العطف، وعلى جميع التقادير فمحل
الجملة نصب؛ لأنه مفعول (ينادي) حكاية لكونه في معنى القول.
((فخرجت إلى المسجد، فصليت مع رسول الله ێے، فلما قضى صلاته،
جلس على المنبر وهو يضحك، فقال: ليلزمْ كلُّ إنسان مُصلاَه))؛ أي: ليقعدْ
٥٨٠