النص المفهرس
صفحات 421-440
((فقال: هذا))؛ أي: الخطُّ الذي في وسط المربع ((هو الإنسان، وهذا))؛ أي: الخطُّ المربع («أجلُه محيطٌ به))، بحيث لا يمكنه الفرارُ والخروجُ منه. ((وهذا الذي هو خارج)) من المربع («أملُه)) الذي يظنُّ أنه يدركُه قبلَ موته، وهو ظنٌّ خطأ منه؛ لأن أجله أقربُ إلیه منه. ((وهذه الخطوطُ الصغارُ الأعراضُ)) من الآفات والعاهات، كالمرض وغيره، فهذه الأعراضُ مكتنفةٌ به من جميع جوانبه. ((فإنْ أخطأه هذا)»؛ أي: عرضٌ من هذه الأعراض؛ أي: تجاوزَ. (نهشَه))؛ أي: أخذَه ولدغَه ((هذا))؛ أي عرضٌ آخرُ. ((وإنْ أخطَأه هذا نهشَه هذا». ٤٠٦٨ - وعن أنسٍ قال: خَطَّ النَّبيُّ ◌َهِ خُطُوطاً فقال: ((هذا الأَمَلُ، وهذا أَجَلُهُ، فبينما هو كذلكَ إذْ جاءَهُ الخَطُّ الأَقْرَبُ)). ((وعن أنس رضي الله تعالى عنه: خطَّ النبيُّ وَله خطوطاً، فقال: هذا الأملُ، وهذا أجلُه، فبينما هو كذلك))؛ أي: في الحالة التي يرجو أن يبلغَ أملَه. ((إذ جاءه الخطُّ الأقربُ)) الذي هو أجلُه قبلَ وصوله إلى الأبعد، الذي هو أملُه. ٤٠٦٩ - عن أنسٍ قال: قال النَّبيُّ وَّهِ: ((يَهْرَمُ ابن آدَم ويَشِبُّ مَعَه اثنتانِ: الحِرْصُ على المالِ، والحِرْصُ على العُمُرِ)). ((عن أنس قال: قال رسول الله وَلهُ: يَهرَم ابن آدم)؛ أي: يَكبر سِنُّه. ٤٢١ ((ويَشِبُّ)) بفتح الياء وكسر الشين المعجمة والباء المشددة. ((منه اثنان)): هذا استعارة؛ يعني: تستحكم الخصلتان في قلب الشيخ، كاستحكام قوة الشاب في شبابه. ((الحرص على المال، والحرص على العمر))، إنما لم تنكسر هاتان الخصلتان؛ لأن الإنسانَ مجبولٌ على حُبِّ الشهوات(١)، والشهوةُ إنما تُنال بالمال والعمر . ٤٠٧٠ - عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ نَّه قال: ((لا يزالُ قَلْبُ الكبيرِ شَابّاً في اثنتَينِ: في حُبِّ الدُّنْا، وطُولِ الأَمَلِ)). ((وعن أبي هريرة﴿ه، عن النبي وَّفي قال: لا يزال قلبُ الكبير شاباً في اثنتين، في حبِّ الدنيا، وطولِ الأمل)). ٤٠٧١ - وقال: ((أَعْذَرَ الله إلى امرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حتَّى بَلَّغَهُ سِنِّينَ سَنَةً». ((وعن أبي هريرة به قال: قال رسول الله وَّهِ: أَعذَرَ الله إلى امرئ))، قيل: الهمزة في (أعذر) للسلب؛ أي: أزالَ عذرَ امرئ. ((أخر أجلَه حتى بلَّغه ستين سنةً))، فلم يتب عن المعاصي، ولم يصلح حالَه ومآلَه؛ يعني: أنه لم يترك له شيئاً في الاعتذار يتمسك به. (١) في هامش ((غ)): ((كما قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النَِّآءِ﴾ الآية)). ٤٢٢ ٤٠٧٢ - وعن ابن عبّاسٍ، عن النَّبيِّ وَ﴿ قال: ((لوْ كانَ لابن آدَمَ وادِيانِ منْ مالٍ لابْتَغَى ثالِثاً، ولا يَمْلُ جَوْفَ ابن آدَم إلاَّ التُّرابُ، ويَتُوبُ الله على مَنْ تاب)). ((وعن ابن عباس ﴾، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: لو كان لابن آدم واديانٍ من مال)» المراد منه: الإبل. ((لاَبتغى لهما ثالثاً))؛ أي: وادياً ثالثاً. ((لا يملأ جوفَ ابن آدمَ إلا الترابُ))؛ يعني لا يزال حريصاً على الدنيا حتى يموتَ ويمتلىءَ جوفُه من تراب قبره، وهذا حكمٌ على الغالب. ((ويتوب الله على مَن تاب))؛ أي: يَقبَل التوبة من التائب عن حرصه المذموم، وعن غيره من المذمومات. ٤٠٧٣ - وعن ابن عُمَرَ قال: أَخَذَ رسولُ الله ◌ِوَلِ بَبَعْضِ جَسدِي فقال: (كُنْ فِي الدُّنْيا كأنَّكَ غَرِيبٌ أو عابرُ سَبِيلٍ، وعُدَّ نَفْسَكَ مِنْ أهْلِ القُبُورِ). ((وعن ابن عمر ﴾ قال: أخذ رسولُ الله ◌َ﴿ ببعض جسدي فقال: كُنْ في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سبيلٍ))، (أو) هذه بمعنى: بل، وفي هذا ترقُّ من التشبيه الأول؛ لأن الغريبَ قد يَسكُن في بلاد الغربة ويقيم فيها، بخلاف عابر السبيل. ((وعُدَّ نفسَك من أهل القبور)). مِنَ الحِسَان: ٤٠٧٤ - عن عبدِ الله بن عَمْرٍو قال: مَزَّ بنا رَسولُ اللهِ وَلِ﴿ وأنا وأُمِّ نُطينُ ٤٢٣ شَيْئاً فقال: ((ما هذا يا عبدَالله؟)) فقُلتُ: شَيءٌ نُصْلِحُهُ، قال: ((الأَمْرُ أَسْرَعُ منْ ذلك))، غريب. ((من الحسان)): ((عن عبدالله بن عمرو قال: مرَّ بنا رسولُ الله ◌َّهِ، وأنا وأمِّ نُطين شيئاً)؛ أي: نُصلح شيئاً من البيت بالطّين. ((فقال: ما هذا يا عبدَالله؟ قلت: شيءٌ نصلحه، قال: الأمرُ أسرعُ من ذلك))؛ أي: الأجلُ أقربُ من تخرُّب هذا البيت؛ يعني: تصلح بيتَك خشيةَ أن ینهدم قبل أن تموت، وربما تموت قبل أن ینهدمَ، فإذا کان کذلك فإصلاحُ عملك أولی من إصلاح بيتك. ((غریب)). * ٤٠٧٥ - عن ابن عبّاسِ: أنَّ رسولَ الله ◌ِ﴿ كَانَ يُهْرِيقُ الماءَ فَيَمَّمُ بالتُّرابِ، فأقولُ: يا رسولَ الله! إِنَّ الماءَ مِنْكَ قريبٌ، فيقولُ: ((ما يُدرِيني؟ لَعَلِّي لا أبلُغُه». ((عن ابن عباس ﴾: أن النبي * كان يُهريق الماء))؛ أي: يبول، وقيل: يَستعمل الماءَ قبل الوقت. ((فيتيمَّم)) في الوقت ((بالتراب، فأقول: يا رسولَ الله! إن الماءَ منك قريب، يقول: ما يدريني))، (ما): للاستفهام. (لعلي لا أَبْلُغُه))؛ أي: الماءَ. ٤٢٤ ٤٠٧٦ - عن أنسٍ: أَنَّ النَّبيَّ ◌ِ قال: «هذا ابن آدَمَ، وهذا أَجَلُهُ»، ووَضَعَ يدَهُ عندَ قَفَاهُ، ثُمَّ بَسَطَ فقال: ((وَثَمَّ أَمَلُهُ). (عن أنس : أن النبي : ﴿ قال: هذا ابن آدمَ، وهذا أجلُه، ووضعَ يدَه عند قفاه))؛ يعني: وضع ◌َّ يَده على قفاه ((ثم بسط))؛ أي: مدَّ يدَه وأشار إلى موضعٍ أبعدَ من قفاه . ((فقال: وثَمَّ) بفتح الثاء (أملُه))، وفيه: إشارة إلى أن أجلَه أقربُ إليه من أمله، وإلى أن أملَه أطولُ من أجله. ٤٠٧٧ - عن أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ: أنَّ النَّبِيَّ وَّهُ غَرَزَ عُوداً بينَ يدَيهِ، وآخرَ إلى جَنْبهِ، وآخرَ أَبْعَدَ منهُ فقال: ((هلْ تدرونَ ما هذا؟)) قالوا: الله ورسولُه أَعْلَمُ، قال: ((هذا الإِنسانُ، وهذا الأَجَلُ))، أُراهُ قال: ((وهذا الأملُ، فيتَعاطَى الأَمَلَ، فَلَحِقَهُ الأَجَلُ دُونَ الأَمَلِ)). ((عن أبي سعيد الخُدري﴿: أن النبي ◌َّهُ غَرَزَ عوداً بين يدَيه))؛ أي و قُدَّامَه . (وآخرَ))؛ أي: غرزَ عوداً آخرَ ((إلى جنبه))؛ أي: جنب عُوده. ((وآخرَ أبعدَ منه))؛ أي: من ذلك العود الأبعد. ((فقال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا الإنسان، وهذا الأجل)) إشارةً إلى الذي إلى جنبه. ((أراه)؛ أي: قال الراوي: أظنُّ أنه نَِّ ((قال: وهذا الأمل)): إشارةً إلى العُود الأبعد. («فيتعاطى))؛ أي: يتناولُ الإنسانُ «الأملَ ويباشره))؛ أي يشتغل بما يأمل. ٤٢٥ ((فلحقَه الأجلُ دون الأمل))؛ أي: قبل أن يَتمَّ أملُه. ٤٠٧٨ - عن عبدِالله بن الشِّخِّيرِ قال: قالَ رسولُ الله ◌َِّ: ((مُثِّلَ ابن آدَمَ وإلى جَنْبه تِسْعٌ وتسعونَ مَنِيَةً، إنْ أَخْطَأَتْهُ المِنَايا وَقَعَ فِي الْهَرَمِ». ((عن عبدالله بن الشِّخِّير - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مُثِّلَ)) بصيغة الماضي المجهول؛ أي: صُوِّرَ وخُلِقَ. ((ابن آدم إلى جنبه)): حال، سواء كان بالواو أو دونها. (تسع وتسعون مَنِيَّةً)، وروي: ((مَثَلُ)) على وزن: فَرَس، مبتدأ خبره الجملة التي بعده؛ أي: صفته وحاله العجيبة أن تسعاً وتسعين منيةً متوجهةً نحوه منتهيةً إلى جانبه، وقيل: خبره محذوف؛ أي: مَثَلُه مَثَلُ مَن يكون إلى جانبه. ((إن أخطأتْه المنايا وقع في الهَرَم)»: تقدم بيانه في (باب عيادة المريض). ٤٠٧٩ - عن أبي هُريرةَ، عن النَّبِيِّوَّه قال: ((عُمْرُ أُمَّتي منْ ستِّينَ سنةً إلى سَبعین سَنَةً)، غريب. ((عن أبي هريرة ﴿ه، عن النبي ◌َّ﴾ قال: عُمرُ أمتي من ستين سنةً إلى سبعین))، ((غریب)). ٤٠٨٠ - عن أبي هُريرةَ قال: قالَ رسولُ اللهِوَّهِ («أَعْمَارُ أُمَّتي ما بينَ السِّتينَ إلى السَّبْعينَ، وأقلُّهُم مَنْ يَجُوزُ ذلكَ». ((عن أبي هريرة﴾ قال: قال رسول الله وَله: أعمار أمتي ما بين الستين ٤٢٦ إلى السبعين، وأقلّهم))؛ أي: أقلُّ أمتي ((مَن يَجُوزُ))؛ أي: يَعْبُرُ ((ذلك))؛ أي: السبعين . ٤- بل استحبابِ المالِ والعُمُر للطّاعةِ (باب استحباب المال والعمر للطاعة) مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٠٨١ - قال رسولُ اللهِ وَلِ: ((لا حَسَدَ إلاَّ في اثنتَينِ: رَجُلٌ آتاهُ الله القُرآنَ، فهوَ يقومُ بهِ آنَاءَ اللَّيلِ وآناءَ النَّهارِ، ورجلٌ آتاهُ الله مالاً، فهوَ يُنفِقُ منه آنَاءَ اللَّيلِ وآناءَ النَّهارِ». (من الصحاح)): ((عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله تليفون : لا حسدَ إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله القرآنَ فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجلٌ آتاه الله مالاً فهو ينفق منه آناء الليل وآناءَ النهار)»: تقدم بيانه في (كتاب فضائل القرآن). ٤٠٨٢ - وقال: ((إنَّ الله يُحِبُّ العَبْدَ التَّقِيَّ الغَنِيَّ الخَفِيَّ)). ((عن سعد بن أبي وقاص ﴿ه قال: قال رسول الله وَ﴾: إن الله يحبُّ العبدَ التقيَّ)): وهو مَن يتقي المعاصي، وقيل: أراد به: مَن لا يصرف مالَه في المعاصي. ٤٢٧ ((الغنيَّ)) بغنى القلب. ((الخفيَّ)) عن أعين الناس في نوافله؛ لئلا يُداخلَه الرياء، وقيل: الخفيُّ مَن لا يتكبّر على الناس ولا يفتخر عليهم بالمال، بل يجعل نفسَه منكسرةً من التواضع، وقيل: أراد به خفيّ الذِّكر لخموله، أو قليل التردُّد والخروج إلى الأسواق ونحوها. مِنَ الحِسَان: ٤٠٨٣ - عن أبي بَكْرَةَ ﴾: أنَّ رَجُلاً قال: يا رَسولَ الله! أيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قال: ((مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وحَسُنَ عَمَلُهُ)) قالَ: فأيُّ النَّاسِ شَرّ؟ قال: ((مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ». ((من الحسان)): ((عن أبي بكرة ﴿ه: أن رجلاً قال: يا رسولَ الله! أيُّ الناسِ خيرٌ؟ قال: مَن طالَ عمرُه وحَسُنَ عملُه، قال: فأيُّ الناسِ شرٌّ؟ قال: مَن طالَ عمرُه وساء عملُه)). ٤٠٨٤ - وعن عُبَيْدٍ بن خالدٍ أنَّ النَّبيَّ ◌َهِ آَخَى بِينَ رَجُلَيْنِ، فَقُتِلَ أحدُهُما في سبيلِ الله، ثُمَّ ماتَ الآخَرُ بعدَهُ بجُمُعَةٍ أو نَحْوِها، فَصَلَّوا عليهِ، فقالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((ما قُلْتُمْ؟» قالوا: دَعَوْنا الله أنْ يَغْفِرَ لهُ ويَرْحَمَهُ ويُلحِقَهُ بصاحِبِهِ، فقالَ النَّبيُّ ◌ِهِ: ((فأيْنَ صَلاَتُهُ بعدَ صَلاتِهِ، وعملُهُ بعدَ عَمَلِهِ؟ - أو قال: صِيامُهُ بعدَ صِيامِهِ - لَمَا بَيْنَهما أَبْعَدُ ممَّا بينَ السَّماءِ والأَرْضِ)). ((وعن عُبيد بن خالد : أن النبي وَل﴿ آخى))؛ أي: عقدَ الأخوةَ. ٤٢٨ (بين رجلين، فقُتل أحدُهما في سبيل الله، ثم مات الآخر بعده بجمعة أو نحوها، فصلَّوا عليه، فقال النبيِ رَله: ما قلتُم؟ قالوا: دَعَونا الله أن يغفر له ويرحَمَه ويُلحقَه بصاحبه)»؛ أي: الذي قُتل . ((فقال النبي ◌َّ﴾: فأين صلاتُه؟))؛ أي صلاةُ الميت ((بعدَ صلاتِه))؛ أي: صلاة القتيل؟ ((وعملُهُ بعدَ عملِه))؛ فإن الميتَ قد عملَ الطاعةَ بعده؟ ((أو قال: صيامُه بعدَ صيامِه))؛ يعني: هذه الزوائد التي زادها هذا بعد قتلٍ ذاك يُثاب عليها زائداً عليها؛ وذلك لأن هذا أيضاً مُرابطٌ في سبيل الله، وإلا فلا عملَ أزيدُ ثواباً على الشهادة جهاداً في سبيل الله وإظهاراً لدينه، خصوصاً في مبادئ الدعوة إليه، ومع قلة أعوانه. ((لَمَا بينهما)): اللام فيه توطئة للقَسَم، أو للابتداء؛ أي: التفاوتُ التي بينهما في القرب عند الله تعالى ((أبعد مما بين السماء والأرض)). ٤٠٨٥ - وعن أبي كَبْشَةَ الأنْمارِيِّ: أنَّه سَمِعَ رسولَ الله ◌َه يقولُ: ((ثلاثٌ أُقْسِمُ عَلَيهِنَّ، وأُحَدَّثُكُمْ حَديثاً فاحفَظُوهُ، فأمَّا الذي أُقْسِمُ عليهِنَّ، فإنَّهُ ما نَقَصَ مالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقةٍ، ولا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً صَبَرَ عليها إلا زادَهُ الله بها عِزاً، ولا فَتَحَ عَبْدٌ بابَ مَسْأَلَةٍ إلاَّ فتحَ الله عَلَيهِ بابَ فَقِرٍ، وأمَّا الذي أُحَدِّثُكُمْ حديثاً فاحفَظُوه)»، قال: ((إنَّما الدُّنيا لأَرْبعةِ نَفَرِ: عَبْدِ رَزَقَهُ الله مالاً وعِلْماً، فهوَ يَتَّقي فِيهِ ربَّهُ، ويَصِلُ فيهِ رَحِمَهُ، ويَعملُ الله فيهِ بحقِّهِ، فهذا بأفضَلِ المنازِلِ، وعَبْدٍ رَزَقَهُ الله عِلْمَاً ولمْ يرزُقْهُ مالاً، فهوَ صادِقُ النَِّّةِ يقولُ: لوْ أنَّ لي مالاً لعَمِلتُ بِعَمَلِ فُلانٍ، فهوَ ونِيَّتُهُ، فَأَجْرُهُمَا سَواءٌ، وعَبْدٍ رَزَقَهُ الله مالاً ولمْ يَرِزُقْهُ عِلْماً، فهو يتخبّطُ في مالِهِ بغيرِ عِلْمٍ، لا يَتَّقي فيهِ ربَّهُ، ولا يَصِلُ فيهِ رَحِمَهُ، ولا يَعمَلُ ٤٢٩ فِيهِ بِحَقٌّ، فهذا بأَخبَثِ المنازِلِ، وعَبْدٍ لمْ يرزُقْهُ الله مالاً ولا عِلْماً، فهوَ يقولُ: لوْ أنَّ لي مالاً لعمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلانٍ، فهوَ بنِيَتِهِ، فوِزْرُهُمَا سَواءٌ»، صحيح. ((وعن أبي كبشة الأنماريه: أنه سمع رسولَ الله وَلّم يقول: ثلاثٌ أُقْسِم عليهن، وأُحدِّثكم حديثاً فاحفظوه))؛ أي: الحديثَ. ((فأمَّا الذين أُقسم عليهن فإنه ما نقصَ مالُ عبدٍ من صدقة، ولا ظُلِمَ عبدٌ مَظلمةً) بفتح الميم وكسر اللام: اسم ما أخذه الظالم ظلماً. («فصبر عليها، إلا زاده الله تعالى به عزّاً، ولا فتحَ عبدٌ بابَ مسألة إلا فتحَ الله عليه بابَ فقرٍ، وأمَّا الذي أُحدثكم فاحفظوه فقال: إنما الدنيا لأربعةٍ نفرٍ: عبدٍ رزقَه الله مالاً وعلماً)، قيل: هو علم كيفية صرف المال في وجوه البر. «فهو يتقي فيه ربّه))؛ يعني: لا يصرف مالَه في معصية. ((ويصل فيه رَحِمَه))؛ أي: بالمواساة إلى أقاربه والإحسان إليهم بما أَحسن الله إلیه من المال. ((ويعمل الله فيه بحقه))؛ أي: بحق المال؛ أي: يؤدي ما في المال من الحقوق، كالزكاة والكفارات والنفقات وإطعام الضيف وغيرها، ويجوز أن يكون الضمير في (بحقه) راجعاً إلى الله؛ أي: بحق الله الواجب في المال. ((فهذا بأفضل المنازل، وعبدٍ رزقَه الله علماً ولم يرزقْه مالاً، فهو صادقُ النية، يقول: لو أن لي مالاً لَعملتُ بعمل فلان، فهو نيتُه، فأجرُهما))؛ أي: أجرُ القِسم الأول والثاني ((سواءٌ))؛ لأن الثاني كانت نيتُه صرفَ المال في وجوه الخير لو كان له مال، فهو يُثاب بنيته كما يُئاب صاحب المال ببذل المال في وجوه الخير . (وعبدٍ رزقَه الله مالاً ولم يرزقه علماً، فهو يتخبَّط في ماله بغير علم، ٤٣٠ لا یتقي فیه ربّه ولا يَصِلُ فیه رحِمه ولا یعمل فیه بحق؛ فهذا بأخبث المنازل، وعبدٍ لم يرزقه الله مالاً ولا علماً، فهو يقول: لو أن لي مالاً لَعملتُ فيه بعمل فلان))؛ يعني: لو كان لي مال لَصرفتُه فيما تشتهيه نفسي من لبسِ الملابس الفاخرة واستمتاعٍ بالملاهي والمناهي. ((فهو بنيتِه))؛ أي يجد الإثمَ ويُكتب عليه الذنبُ بنيته قصدَ الفسق. (ووِزرُهما))؛ أي: وِزْرُ القِسم الرابع والثالث ((سواءٌ)). ((صحيح)). ولا منافاةَ بين هذا وبين قوله ◌َّهُ: ((إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوستْ به صدورُها ما لم تَعملْ به))؛ لأنه قد عَملَ هنا بالقول اللساني، والمُتجاوَزُ عنه هو القولُ النفسيُّ. ٤٠٨٦ - عن أنسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ قال: ((إنَّ الله تعالى إذا أرادَ بِعَبْدٍ خَيْراً اسْتَعْمَلَهُ))، فقيل: وكيفَ يستعمِلُهُ يا رسولَ الله؟ قال: ((يُوفَّقُهُ لِعَمَلٍ صالِحٍ قبلَ المَوْتِ». ((عن أنس ﴿ه: أن رسول الله وَ ﴿ قال: إن الله تعالى إذا أراد بعبدٍ خيراً استعملَه، فقيل: فكيف يستعمله يا رسولَ الله؟ قال: يوفّقه لعملٍ صالحٍ قبل الموت». ٤٠٨٧ - عن شَدَّادِ بن أَوْسِ قال: قالَ رسولُ اللهِوَِّ: ((الكَيسُ مَنْ دانَ نفسَهُ وعَمِلَ لِما بعدَ المَوْتِ، والعاجِزُ مَنْ أتبَعَ نفسَهُ هَواها وتَمنَّى على الله تعالی)). «عن شداد بن أوس څہ قال: قال رسول الله چلہ: الگیسُ» یرید به: ٤٣١ العاقل الحازم المحتاط في الأمور. (مَن دانَ نفسَه))؛ أي: أذلَّها واستعبدَها، وقيل: أي حاسبَها في الدنيا أنه عملَ خيراً أم شراً؟ فإن كان خيراً حمدَ الله، وإن كان شرّاً تابَ واستغفرَ وندمَ قبل أن يُحاسَبَ في الآخرة. ((وعملَ لِمَا بعدَ الموت، والعاجزُ مَن أَتَبعَ نفسَه هواها)»؛ أي: أَعطَى ما أرادتْ من المحرَّمات . ((وتمنَّى على الله))؛ يعني: العفوَ والمغفرةَ والجنةَ من غير توبةٍ واستغفارٍ . ٥- ي التَّوَكلِ والصَّبِرِ (باب التوكل والصبر)) والمراد بـ (التوكل): وهو التوكل الخاص، هو أن يتيقَّن أنه لا يصيبه إلا ما كَتَبَ الله له من النفع والضر. مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٠٨٨ - عن ابن عبّاسِ ﴿﴾ قال: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((يدخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبعُونَ ألفاً بغيرِ حِسابٍ، هُمُ الذينَ لا يَسْتَرْقُونَ، ولا يَتَطِيَّونَ، وعلى ربهمْ يَتوَكَّلُونَ» . ((من الصحاح)): ((عن ابن عباس ﴾ قال النبي ◌َّير: يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حسابٍ، هم الذين لا يَسْتَرْقُون))؛ أي: لا يطلبون الرقيةَ. ((ولا يتطيَّرون، وعلى ربهم يتوكلون)): وهذا من صفة الأنبياء والأولياء ٤٣٢ المُعرِضين عن أسباب الدنيا، وهي درجة الخواصِّ، وأما العوامُّ فقد رُخِّصَ لهم الرقية والتداوي بالعلاج، كما مرَّ في بابها . ٤٠٨٩ - عن ابن عبّاسِ قال: خَرَجَ رسولُ الله ◌َّهِ يوماً فقال: ((عُرِضَتْ عليَّ الأُمَمُ، فَجَعَلَ يَمِزُّ النَّبيُّ ومَعَهُ الرَّجُلُ، والنَّبيُّ ومَعَهُ الرَّجُلانِ، والنَّبيُّ ومَعَهُ الرَّهْطُ، والنبيُّ وليسَ مَعَهُ أَحَدٌ، فرأَيتُ سَواداً كثيراً سَدَّ الأُفُقَ، فَرجَوْتُ أنْ يكونَ أُمَّتِي، فقيلَ: هذا موسَى في قومِهِ، ثُمَّ قيلَ لي: انظُرْ هكذا، فرأيتُ سَواداً كثيراً سَدَّ الأُفُقَ، فقيلَ: انظُرْ هكذا وهكذا، فرأيتُ سَواداً كثيراً سَدَّ الأُفُقَ، فقيلَ: هؤلاءِ أُمَّنُكَ، ومعَ هؤلاءِ سَبْعونَ ألفاً قُدَّامَهُمْ، يَدخُلُونَ الجنَّةَ بغيرِ حِسابٍ؛ هُمُ الذينَ لا يَتَطِيَّرُونَ، ولا يَسْتَرْقُونَ، ولا يَكْتَوُونَ، وعلَى ربهمْ يَتَوَكَّلُونَ»، فقامَ عُكَّاشَةُ بن مِحْصَنٍ فقالَ: ادعُ الله أنْ يَجعَلَني منْهُمْ، فقال: (اللهمَّ! اجْعَلْهُ منهُمْ))، ثمَّ قامَ رَجُلٌ آخرُ فقال: ادعُ الله أنْ يَجعلَني منهُمْ، قال: ((سَبقَكَ بها عُكَّاشَةُ)). ((وعن ابن عباس ﴾ قال: خرج رسولُ اللهِ وَّه يوماً، فقال: عُرضتْ عليَّ الأممُ))؛ أي: أراني الله الأنبياءَ مع أممهم. ((فجعل))؛ أي: طفقَ. ((يمرُّ النبيُّ ومعه الرجلُ))؛ يعني: لم يؤمن به إلا رجلٌ. ((والنبيُّ ومعه الرجلان، والنبيُّ ومعه الرَّهطُ، والنبيُّ وليس معه أحدٌ، فرأيتُ سواداً كثيراً سدَّ الأفق))؛ أي: سترَه من كثرته، ((فرجوت أن تكون أمتي، فقيل: هذا موسى في قومه، ثم قيل لي: انظر فرأيت سواداً كثيراً سد الأفق، فقيل لي: انظر هكذا وهكذا، فرأيت سواداً كثيراً سدَّ الأفقَ، فقيل: هؤلاء ٤٣٣ أمتُك، ومع هؤلاء سبعون ألفاً قُدَّامَهم يدخلون الجنة بغير حساب، هم الذين لا يتطيَّرون ولا يَسْتَرْقُون ولا يَكْتَوُون)» من: الكَيِّ. ((وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة)) - بضم العين وتشديد الكاف وتخفيفها - ((ابن مِحْصَن فقال: يا رسولَ الله! ادعُ الله أن يجعلني منهم، فقال: اللهم اجعلْه منهم، ثم قام رجل آخر))، قيل: هو سعد بن عبادة. ((فقال: يا رسولَ الله! ادعُ الله أن يجعلني منهم، فقال سَبَقَك بها)»؛ أي بتلك الدعوة والمسألة ((عُكاشةُ))؛ لأنه لم يُؤْذَن له في ذلك المجلس بالدعاء إلا لواحد . وفيه: تحريض للناس على المسارعة إلى الخيرات وطلب الأدعية الصالحة من الصالحين والصالحات؛ لأن في التأخير آفاتٍ، وقيل: كان ذلك الرجلُ منافقاً ولم يكن مستحقاً لتلك المنزلة، فأجابه ◌َّ بكلام محتملٍ، ولم يُرِدِ التصريحَ له بأنك لستَ منهم؛ لحسن خُلقه. ٤٠٩٠ - عن صُهَيْبٍ قال: قالَ رسولُ اللهِ وَاهُ: ((عَجَباً لِأَمْرِ المُؤْمنِ، إِنّ أمْرَهُ كُلَّهُ له خيرٌ، وليسَ ذلكَ لأَحَدٍ إلاَّ للمُؤْمنِ، إِنْ أصابتْهُ سرَّاءُ شَكَرَ فكانَ خيراً لهُ، وإنْ أصابتهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فكانَ خَيْراً لهُ)) . (عن صهيب ه قال: قال رسول الله وَله: عجباً لأمر المؤمن! إن أمرَه كلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سَرَّاء شكر فكان خيراً له، وإن أصابتْه ضَرَّاءُ صبر فكان خيراً له)). ٤٠٩١ - وقال: ((المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وأَحَبُّ إلى الله مِنَ المُؤْمنِ ٤٣٤ الضَّعيفِ، وفي كُلِّ خيرٌ، اِحْرِصْ على ما ينفعُكَ، واستَعِنْ بالله ولا تَعْجِزْ، وإنْ أصابَكَ شيءٌ فلا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كذا كانَ كذا وكذا، ولكنْ قُلْ: قَدَّرَ الله وما شاءَ فَعَلَ، فإنَّ لوْ تفتحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ)). ((وعن أبي هريرة ﴿ه قال: قال رسول الله وَّهِ: المؤمنُ القويُّ))؛ أي: في الاعتقاد بالله وفي التوكل عليه، وقيل: أراد به: مَن صبر على مجالسة الناس وتحمُّل أذاهم وعلَّمهم الخيرَ. ((خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف)): الذي يفرُّ من الناس ولا يخالطهم؛ لعدم تحمُّل أذاهم، ولا ينفع إلا نفسه. (وفي كلٍّ خيرٌ))؛ أي: في كلِّ مؤمنٍ خيرٌ؛ لقيام الإيمان به، وقيل: أي: في كل أمرٍ من الاختلاط بالناس والاعتزال عنهم خيرٌ من وجهٍ، إلا أن الاختلاطَ معهم أولی. ((احرصْ على ما ينفعُك، واستعنْ بالله ولا تَعجَزْ))؛ أي: عن العمل بما أُمرت، ولا تتركْه مقتصراً على الاستعانة، بل كمالُ الإيمان أن ينتفعَ أحدُهما بالآخر. (وإن أصابك شيء)) مما تكرهه ((فلا تقل: لو أني فعلتُ كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدَّر الله))؛ أي: كذا وكذا؛ أي: كان ذلك بتقدير الله ومشيئته، ((وما شاء الله فعل))، لا مَردَّ له، ومعناه: لا تُنازِعِ القَدَرَ ولا تتأسَّفْ على الفائت. (فإن لو))؛ أي لفظة (لو) ((تفتح عمل الشيطان))؛ أي: تقع فاتحةَ كلام يفضي إلى عمل الشيطان؛ لأن التكذيبَ بالقَدَر وعدمَ الرضا بصنع الله من عمل الشيطان، قيل: النهي عن تلفظ (لو) إنما هو لمن قاله معتقداً ذلك حتماً، وأما قوله ◌َّه في قلب الحج إلى العمرة: (لو أني استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم ٤٣٥ أَسُقِ الهَدْيَ)) فليس من هذا القبيل، وإنما هو كلامٌ قَصدَ به تطييبَ قلوبهم، وتحريضَهم على التحلّل من أعمال الحج إلى أعمال العمرة، كما مرَّ في بابه. مِنَ الحِسَان: ٤٠٩٢ - عن عمرَ بن الخَطَّاب﴿ه قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ وَ لَّه يقول: (لوْ أنَّكُمْ تتوكَّلونَ على الله حَقَّ توكُلِهِ لَرَزَقَكُمْ كما يَرْزُقُ الطَّيرَ، تَغْدو خِماصاً، وتَرُوحُ بِطاناً) . ((من الحسان)): (عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - قال: سمعتُ رسولَ اللهِوَله يقول: لو أنكم تتوكلون على الله حقَّ توكُّلهِ))؛ يعني: لو اعتمدتم على الله اعتماداً تاماً، وعلمتُم أن الله لا يُخلِف وعدَه فيما قال: ﴿وَمَا مِن دَآبَةٍ فِ اُلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]. (لَرَزْقَكم))؛ أي: لَوصَّلَ إليكم رزقَكم من غير سعي منكم. ((كما يَرِزُق الطيرَ؛ تغدو))؛ أي: بُكرةً. ((خِماصاً)) بكسر الخاء المعجمة: جمع خميص، وهو الضامر، والمراد هنا: الجائع. (وتَرُوحُ))؛ أي: عِشاءً ((بِطَاناً) بكسر الباء: جمع بطين، وهو عظيم البطن، والمراد: الشِّبَع، يُحكى: أن فرخَ الغراب عند خروجه من بيضته يكون أبيضَ اللون، فيُنكره الغراب، فيتركه ويذهب، ويبقى الفرخُ جائعاً، فيُرسل الله إليه الذبابَ والنملَ، فيلتقطهما إلى أن يَكبرَ قليلاً ويسودَّ، فيرجع إليه الغراب، فيراه أسودَ، فيضُه إلى نفسه ويتعهَّده، فهذا يَصِلُ إليه رزقُه بلا سعي، وهو المراد في الحديث. قيل: هذا الحديث ليس لمنع الناس عن الاكتساب ٤٣٦ والاحتراف، بل لتعليمهم وتعريفهم أن الرازقَ هو الله تعالى. قال الشيخ أبو حامد: مَن ظنَّ أن التوكلَ تركُ الكسب بالبدن والتدبير بالقلب فقد أخطَأ؛ فإنه حرامٌ في الشرع. وقال الإمام القُشيري: محلُّ التوكل القلبُ، والحركةُ بالظاهر لا تنافيه. ٤٠٩٣ - عن عبدِالله بن مَسْعودٍ، عن النَّبيِّ وَّه قال: ((أَيُّهَا النَّاسُ! ليسَ مِنْ شيءٍ يُقرِّبُكُمْ إلى الجَنَّةِ ويُباعِدُكُمْ مِنَ النارِ إلاَّ قَدْ أَمَرْتُكُمْ بهِ، وليسَ شيءٌ يُقرِّبُّكُمْ مِنَ النَّارِ ويُباعِدُكُمْ مِنَ الجِنَّةِ إلَّ قَدْ نَهَيتُكُمْ عنهُ، وإنَّ الرُّوحَ الأَمينَ - ويُروى: وإِنَّ رُوحَ القُدُسِ - نَفَثَ فِي رُوْعِي: أنَّ نَفْساً لنْ تموتَ حتَّى تَستكمِلَ رِزْقَها، ألا فاتَّقُوا الله وأَجْمِلُوا في الطَّلَبِ، ولا يَحمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أنْ تَطْلُبوهُ بمَعاصِي الله، فإنَّهُ لا يُدرَكُ ما عِندَ الله إلاَّ بطاعتِهِ)). ((عن عبدالله بن مسعود ، عن النبي وَّ﴾ قال: أيها الناسُ! ليس من شىء))، (من): زائدة. (يقرِّبكم إلى الجنة ويباعدكم من النار إلا قد أمرتكم به، وليس شيءٌ يقرِّبكم من النار ويباعدكم من الجنة إلا قد نَهَيُتُكم عنه، وإن الروحَ الأَمينَ))؛ يعني: جبريل عليه الصلاة والسلام. ((ويروى: وإن رُوحَ القدسِ نفثَ))؛ أي أَوحَى أو نفخَ. (في روعي))؛ أي في نفسي وقلبي، والغرض: أنه أَوحَى إليه وحياً غيرَ جَلِيّ. ((أن نفساً) بفتح الهمزة ويجوز الكسر؛ لأن الإيحاءَ في معنى القول. ٤٣٧ (لن تموتَ حتى تستكملَ رزقَها، ألا فاتقوا الله وأَجمِلُوا في الطلب))؛ أي: اكتسبوا المالَ الحلالَ بوجهٍ جميلٍ؛ أي: شرعي. ((ولا يَحمِلَنَّكم استبطاءُ الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله))، إنما قال: (استبطاء الرزق) دون إبطائه؛ لأن الرزقَ لا يُلستكبطأ عن وقته، ولكن يُستعجل قبل وقته المقدَّر، فإذا لم يأتِ قبل ذلك الوقت استُبطِئ. ((فإنه)): الضمير للمشار. ((لا يُدرَك ما عند الله)) من الجنة التي وعدَها الله تعالى للمؤمنين، أو من الرزق ((إلا بطاعته)). فإن قلت: قد يُدرَك الرزق بالمعاصي؟ قلت: ما يُدرَك به لا بركةَ فيه، فكأن إدراكَه كعدمه، أو أُريد بالإدراك: الطلب؛ لأنه لازمُه، أو المراد به: الرزق الحلال. ٤٠٩٤ - عن أبي ذَرٍّ، عن النَّبيِّ وَ﴿ قال: ((الزَّهادَةُ في الدُّنْيا ليستْ بَتَحْرِيمِ الحَلالِ، ولا إِضَاعَةِ المالِ، ولكنِ الزَّهادَةُ في الدُّنْيَا أنْ لا تكونَ بما في يَدْكَ أوْثَقَ مِمَّا فِي يَدَي الله، وأنْ تكونَ في ثَوابِ المُصيبَةِ إذا أَنْتَ أُصِبْتَ بها أرْغَبَ فيها لوْ أنَّها أُبْقِيَتْ لكَ))، غريب. ((عن أبي ذر قال: قال رسول الله وَ﴾: الزَّهادةُ في الدنيا»؛ أي: تركُ الرغبة فيها . ((ليست بتحريم الحلال))؛ أي: بأن تحرِّم حلالاً على نفسك بألا تأكلَ لحماً، ولا تَلبَسَ ثوباً جديداً؛ فإن الله تعالى قال: ﴿لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]. ٤٣٨ ((ولا إضاعة المال، ولكن الزَّهادةَ في الدنيا أن لا تكونَ بما في يديك أوثقَ مما في يد الله))؛ يعني: ليكنِ اعتمادُك بوعد الله من إيصال الرزق إليك أقوى وأشدَّ مما في يدك من المال؛ فإن ما في يدك منه يمكن تلفُه، وما عند الله باقٍ. ((وأن تكونَ في ثواب المصيبة إذا أنت أُصبتَ)) بضم الهمزة: مجهول المخاطَب. (بها))؛ أي: بالمصيبة . (أرغبَ فيها لو أنها أُبقيت لك))؛ أي لو أن تلك المصيبةَ مُنعت وأُخِّرت عنك، وهو حال من فاعل (أرغب)، المعنى: أن تكون في وصول المصيبة وقتَ إصابتها أرغبَ من نفسك في المصيبة حالَ كونك غيرَ مصابٍ بها؛ لأنك لا تُثاب بوصولها إليك، ويفوتك الثوابُ إذا لم تَصِلْ إليك. ((غريب)). * ٤٠٩٥ - عن ابن عبّاسٍ قال: ((كُنْتُ خَلْفَ رسولِ اللهِوَّهُ يَوْماً، فقال: يا غلامُ! احْفَظِ الله يَحْفَظْكَ، احفَظِ الله تَجِدْهُ تُجاهَكَ، إذا سَأَلْتَ فاسأَلِ الله، وإذا استَعَنْتَ فاستَعِنْ بالله، واعْلَمْ أنَّ الأُمَّةَ لو اجتَمَعَتْ على أنْ يَنفَعُوكَ بشيءٍ لمْ يَنفعوكَ إلا بِشَيْءٍ قدْ كتبَهُ الله لك، ولو اجتمَعُوا على أنْ يَضرُّوكَ بشيءٍ لمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كتبَهُ الله عليكَ، رُفِعَتْ الأَقْلامُ، وجَفَّتْ الصُّحُفُ)). ((عن ابن عباس ﴾ قال: كنتُ خلفَ رسول الله وَّه يوماً، فقال: يا غلامُ: احفظِ الله))؛ أي: احفظْ حدودَ الله، وامتثلْ أوامره، واجتنب نواهيه. (يحفظْك)): في الدنيا من الآفات والمكروهات، وفي الآخرة من العقاب والدركات. ٤٣٩ ((احفظ الله تجده تجاهَك))؛ أي: تلقاءَك؛ يعني: إذا حفظتَ طاعةَ الله وجدتَه يحفظك وينصرك في مهماتك أينما توجهت من الأمور، ويسهّل أمورَك التي تقصدها. (إذا سألتَ فاسألِ الله، وإذا استعنتَ فاستعنْ بالله، واعلم أن الأمةَ لو اجتمعتْ على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضرُّوك بشيءٍ لم يضرُّوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلامُ))؛ أي: أقلامُ التقدير عن كتابة الأقدار والأقضية. ((وجفَّت الصُّحف)): التي دُوِّنَ فيها أقضيةُ المخلوقين، فلا توضَع عليها الأقلامُ بعدُ بتدوين شيء آخر، وعبَّر عن سبقِ القضاء والقَدَر برفع القلم وجفاف الصحيفة تشبيهاً بفراغ الكاتب في الشاهد من كتابته . ٤٠٩٦ - عن سَعْدٍ قال: قالَ رسولُ الله ◌ِوَّهِ: ((مِنْ سَعادةِ ابن آدمَ رِضَاهُ بما قَضَى الله لهُ، ومِنْ شَقاوَةٍ ابن آدمَ تركُهُ اسْتِخارَةَ الله، ومِنْ شَقَاوَةِ ابن آدمَ سَخَطُهُ بِما قَضَى الله له))، غريب. ((وعن سعد ه قال: قال رسول الله وَّه: من سعادةٍ ابن آدم رضاه بما قضى الله له، ومِن شقاوة ابن آدم تركُه استخارةَ الله))، والاستخارة: طلب الخير، ومعنى تركه ذلك: ألا يرضى بما استخار الله له ويتركَه. ((ومِن شقاوة ابن آدم سخطُه))؛ أي: غضبه. ((بما قضى الله تبارك وتعالى)) من الآفات والفقر والمرض وغير ذلك. (غریب)) . ٤٤٠