النص المفهرس

صفحات 261-280

حَامِلُكَ على وَلَدِ نَاقٍ))، فَقَالَ: مَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ النَّاقَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((وهَلْ
تَلِدُ الإِبلَ إِلَّ النُّوقُ؟».
((وعن أنس له: أن رجلاً استحمل رسول الله (وَ ل)؛ أي: طلب منه وَل
أن يحمله على دابة .
((فقال: إني حاملك على ولد ناقة، فقال))؛ أي: الرجل: ((ما أصنع بولد
الناقة؟)) زعماً منه أنه پڼ یرید فصیلاً لا يطيق حمله.
((فقال النبي)) وَّ في جوابه: ((وهل تلد الإبل إلا النوق))؛ يعني: جميع
الإبل تلد النوق، جمع ناقة؛ يعني: أريد به ولداً كبيراً يطيق حملك، وهذا من
جملة مزاحه آل .
٣٧٩٥ - وعَنْ أَنَسٍ ﴿لَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلِ قَالَ لَهُ: ((يَا ذَا الْأُذُنَيَّنِ!)).
((وعن أنس ﴿ه قال له: يا ذا الأذنين)) قيل: هذا كناية عن مدحه بذكائه
وحسن استماعه مع کونه خارجاً مخرج انبساطه منه ◌ّ ومزاح معه.
٣٧٩٦ - ورُوِيَ: أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ قَالَ لِعَجوزِ: ((إِنَّ الجنَّةَ لا يَدْخُلُهَا العُجَّزُ))،
فَوَلَّتْ تَبْكِي. قَالَ: ((أَخْبرُوها أنَّها لا تَدْخُلُها وهِيَ عَجُوزٌ، إنَّ الله تَعَالَى يَقُولُ:
﴿إِنَّ أَنْشَأْتَهُنَّ إِنتَ ج ◌َعَلْنَهُنَّ أَبْكَارًا﴾)).
((وروي: أنه ( ﴿ قال لعجوز: إن الجنة لا يدخلها العُجُز)) بضمتين: جمع
عجوز.
(فولَّت))؛ أي: أعرضت العجوز («تبكي، قال: أخبروها أنها لا تدخلها
٢٦١

وهي عجوز))؛ أي: في حال كونها عجوزاً، بل يصيرها الله شابةً بكراً، وكذلك
جمیع الإنسان یکونون علی سنِّ مَن له ثلاثون سنة.
((إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا أَنْشَأْتَهُنَّ إِنشَاءٍ﴾))؛ أي: خلقنا وصيرنا النساء يوم
القيامة شواباً ﴿فَعَلْتَهُنَّ أَبْكَارًا﴾)).
٣٧٩٧ - وعَنْ أَنَسِ ﴾: أنَّ رَجُلاً مِنَ الْبَادِيَةِ اسْمُهُ: زاهِرُ بن حَرَامِ
كان يَهِدِي النَّبِّ وَّهِ مِنَ الْبَادِيَةِ فَيُجَهِّزُهُ رَسُولُ اللهِوَهِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، فقالَ
النَّبِيُّ وَِّ: ((إنَّ زاهراً بادِيتُنا، ونَحْنُ حَاضِرَؤُهُ»، وكَانَ النَّبِيَِ﴿ يُحِبُّهُ، وكَانَ
دَمَيْماً، فَأَتَى النَّبِيُّ ◌َهِ يَوْماً وهُوَ يَبيعُ مَتاعَهُ، فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ وَهُوَ لا يُبْصِرُهُ،
فقال: أَرْسِلْنِي، مَنْ هَذَا؟ فالْتَفَتَ فَعَرَفَ النَّبِيَّ نَّهِ، فَجَعَلَ لا يَأْلُو مَا أَلْزَقَ ظَهْرَهُ
بِصَدْرِ النَّبِّ ◌َهِ حِينَ عَرَفَهُ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يَقُولُ: ((مَنْ يَشْتَرِي العَبْدَ؟)»،
فقالَ: يا رسولَ الله! إذاً والله تَجِدُني كَاسِداً، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((لَكِنْ عِنْدَ الله
لَسْتَ بِكَاسِدٍ».
((عن أنس : أن رجلاً من أهل البادية اسمه زاهر بن حرام كان يهدي
للنبي وَل من البادية))؛ أي: يهدي له متاع البادية من الرياحين والأدوية.
((فيجهزه رسول الله ◌َلا))؛ أي: يهيئ له وَلهو أسباباً من أمتعة البلد.
((إذا أراد أن يخرج، فقال النبي ◌َلي: إن زاهراً باديتنا))؛ أي: من أهل
باديتنا [يزوِّدنا] من أمتعة البادية بما نريد، وقيل: معناه صديقنا من البادية.
((ونحن حاضروه))؛ أي: نهيئ له ما يريد من أمتعة البلد، أو معناه: نحن
صديقه من الحضر.
((وكان النبي ﴿ يحبه، وكان دميماً))؛ أي: كريه اللقاء.
٢٦٢

«فأتى النبيُّ آلّ﴾ يوماً وهو یبیع متاعه فاحتضنه))؛ أي: أخذ من حضنه.
((من خلفه وهو لا يبصره، فقال))؛ أي: زاهر: ((أرسِلْني))؛ أي: اتركني
(مَن هذا؟ فالتفت فعرف النبي ◌َّ﴿، فجعل))؛ أي: طفق زاهر ((لا يألو ما ألزق
ظهره))، (ما) مصدرية، وقيل: زائدة؛ أي: لا يقصِّر في إلصاق ظهره ((بصدر
النبي وَ ل* حين عرفه، وجعل النبي ◌َّهه يقول: من يشتري العبد؟ فقال: يا رسول
الله! إذاً والله تجدني كاسداً، فقال النبي ◌َلجر: لكن عند الله تعالى لست بكاسد)).
٣٧٩٨ - عَنْ عَوفِ بن مالِكِ الأَشْجَعِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِّ فِي
غَزْوَةٍ تَبُّوكَ وهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمِ، فَسَلَّمتُ فَرَدَّ عَلَيَّ وَقَالَ: ((ادخُلْ))، فَقُلْتُ:
أَكُلِّي يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: ((كُلُّكَ))، فَدَخَلْتُ قِيْلِ: إِنَّمَا قَالَ: أَدْخُلُ كُلِّي؟ مِنْ
صِغَرِ القُبَةِ.
((عن عوف بن مالك الأشجعي أنه قال: أتيت النبي صل﴿ في غزوة تبوك
وهو في قبة من أدم فسلمت فردّ علي فقال: ادخل، فقلت: أكلِّي يا رسول الله؟
قال: كلك، فدخلت)) قيل: إنما قال: أدخل كلي، من صغر القبة.
٣٧٩٩ - عَنِ النُّعْمَانِ بنِ بِشَيْرِ أَنَّهُ قَالَ: اسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرِ ﴿﴾ عَلَى النَّبِّ لَّهِ،
فَسَمِعَ صَوْتَ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا عالِياً، فَلَمَّ دَخَلَ تَنَاوَلَهَا لِيَلْطِمَهَا، وَقَالَ:
لاَ أَرَاكِ تَرْفَعِينَ صَوْتَكِ على رَسُولِ اللهِوَّهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِوَهِ يَحْجِزُهُ،
وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُغْضَباً، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهُ حِيْنَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ: ((كَيْفَ رَأَنْتِي
أَنْقَذْتُكِ مِنَ الرَّجُلِ؟))، قَالَتْ: فمكَثَ أَبُو بَكْرٍ أَيَّاماً، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ فَوَجَدَهُمَا قَدْ
اضْطَجَعَا، فَقَالَ لَهُما: أَدْخِلاَنِي في سِلْمِكُمَا كَمَا أَدْخَلْتُمَانِ فِي حَرْبِكُمَا، فَقَالَ
٢٦٣

النَّبِيُّ ◌َّهِ: قَدْ فَعَلْنَا، قد فَعَلْنا)).
((عن النعمان بن بشير أنه قال: استأذن أبو بكر على النبي ◌َّارِ فسمع صوت
عائشة عالياً، فلما دخل تناولها)»؛ أي: أخذها ((ليلطمها))؛ أي: ليضربها.
((وقال: لا أراك)) همزة الاستفهام مقدَّرة على سبيل الإنكار.
((ترفعين صوتك على رسول الله وَليه؟ فجعل النبي (وَّز)؛ أي: طفق.
((يحجزه))؛ أي: يمنع أبا بكر عن ضربها.
(وخرج أبو بكر مغضباً) - بفتح الضاد - أغضبه رفع صوتها.
((فقال النبي ◌َّه حين خرج أبو بكر: كيف رأيتني أنقذتك من الرجل))؛
يعني : خلصتك من أبيك.
((قال: فمكث أبو بكر أياماً، ثم استأذن فدخل فوجدهما قد اضطجعا،
فقال لهما: أدخلاني في سِلْمِكما))؛ أي: صُلْحكما ((كما أدخلتماني في
حربكما)) والمراد به رفع صوت عائشة للنبي وَّى .
((فقال النبي ◌َّهر: قد فعلنا قد فعلنا))؛ أي: أدخلناك في صلحنا.
٣٨٠٠ - عَنِ ابن عبّاسٍ ﴾ عَنِ النَّبِيِّ وَ﴿ قَال: ((لا تُمارٍ أَخاكَ،
ولا تُمازِحْهُ، ولا تَعِدْهُ مَوْعِداً فَتُخْلِفَهُ)).
((عن ابن عباس ﴾ عن النبي ◌َّخر أنه قال: لا تُمار))؛ أي: لا تخاصم
((أخاك ولا تمازحه)) بما يتأذى منه.
((ولا تَعِدْه موعداً فَتُخْلِفَه)).
((غريب)).
*
*
٢٦٤

١٣- باب
المُفاخَرَةِ والعَصَبيَّةِ
(باب المفاخرة والعصبية)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٨٠١ - عَنْ أبي هُرِيْرَةَ ﴾ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ؟
قالَ: ((أُكْرَمُهُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاهُمْ))، قالوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قالَ: ((فَأَكْرَمُ
النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ الله، ابن نَبَيِّ الله، ابن نَبَيِّ الله، ابن خَليلِ الله))، قَالُوا: لَيْسَ
عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ: ((فَعَنْ مَعَادِنِ العَرَبِ تَسْأُوني؟))، قَالُوا: نَعَمْ، قالَ:
((فَخِيَارُكُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ في الإِسْلامِ إِذا فَتُهُوا)).
((من الصحاح)):
((عن أبي هريرة ه أنه قال: سئل رسول الله بَّهُ: أَيُّ الناس أكرم؟ قال:
أكرمهم عند الله أتقاهم، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فأكرم الناس
يوسف نبي الله)) سمي كريماً لأنه اجتمع له شرف النبوة والعلم وكرم الأخلاق
والعدل ورئاسة الدنیا والدین.
((ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله، قالوا: ليس عن هذا نسألك،
قال: فعن معادن العرب))؛ أي: أصولها التي ينسبون إليها ويتفاخرون بها
(«تسألوني؟ قالوا: نعم، قال: فخياركم في الجاهلية)) بالمآثرة والشرف ((خياركم
في الإسلام إذا فقهوا)) بضم القاف؛ أي: علموا آداب الشريعة وأحكام الإسلام،
ومن لم يُسلم فقد هدم شرفه وضيّعه.
٣٨٠٢ - وقَالَ رَسُولُ اللهِوَاءِ: ((الكَرِيمُ، ابن الكَريمِ، ابن الكَرِيْمِ، ابن
٢٦٥

الكَريْمِ: يُوسُفُ بن يَعْقُوبَ بن إِسْحَاقَ بن إِبْراهِيْمَ صلَّى الله عليْهِم)) .
((وعن ابن عمر ﴾ قال: قال رسول الله ◌َي: الكريم ابن الكريم ابن
الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم»، (الكريم) اسم
جامع لكل ما يحمد به، فإنه مع الشرف والفضائل المذكورة ابن ثلاثة أنبياء
مرسلين، فأيُّ رجل أكرمُ من هذا؟ .
٣٨٠٣ - عَنِ الْبَرَاءِ بن عَازِبٍ: أَنَّ قَالَ في يَوْمِ حُنَيَّنٍ: كَانَ أبو سُفْيانَ بن
الحَارِثِ آخِذاً بِعِنَانِ بَغْلَتِهِ - يَعْنِي: بَغْلَةَ رَسُولِ اللهِّهِ - فلمَّا غَشِيَهُ المُشْرِكونَ
نَزَلَ فَجَعَلَ يَقُولُ:
أَنَا ابْن عَبْدِ المُطَّلِبْ»
(أَنَا النَّبيُّ لا كَذِبْ
قَالَ: فَمَا رُِّيَ مِنَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ أَشَدُّ مِنْهُ.
((عن البراء بن عازب أنه قال: في يوم حنين كان أبو سفيان بن الحارث
آخذاً بعنان بغلته - يعني: بغلة رسول الله ير - فلما غشيه المشركون))؛ أي:
غلبوه وأتوه من کل جانب «نزل)) ◌َّر عن بغلته.
((فجعل يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب)) قيل: انتسب ول
إلى عبد المطلب للتعريف دون المفاخَرة، وذلك أن عبدالله كان قد رأى في
المنام أن شجرة عظيمة خرجت من صلبه وانتشرت، وبلغت أغصانُها في
المغرب والمشرق، وارتفعت فروعها إلى السماء، فقص الرؤيا على المعبرين
فعبروها بأنه نبي آخر الزمان يخرج من صلبك، وكانت هذه القصة مشهورةً فيما
بين العرب، فأشار ﴿ ﴿ بهذا إلى أنه هو الولد الذي رآه في المنام، وهذا وأمثاله
مقولٌ على سبيل الشكر والتحدُّث بالنعمة، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَيِّكَ
٢٦٦

فَحَدِّثْ﴾، فاللام في (أنا النبي) حينئذ للعهد.
وقيل: انتسابه للمفاخرة، والافتخارُ المنهيُّ ما كان في غير جهاد الكفار،
وقد رخّص الخيلاء في الحرب مع نهيه عنها في غيرها.
((قال))؛ أي: الراوي: ((فما رؤي من الناس يومئذ أشد منه))؛ أي: أقوى
وأشجع من النبي ◌َّ.
*
٣٨٠٤ - عَنْ أَنَسِ رَ﴾ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ وَهِ فَقَالَ: يَا خَيْرَ البَرِيَّةِ!
فَقَالَ رَسُولُ اللهِِّ: ((ذاكَ إِبراهِيمُ)).
((وعن أنس به أنه قال: جاء رجل إلى النبي وَله فقال: يا خير البرية!
فقال رسول الله (مثل: ذاك إبراهيم عليه السلام)) يحمل على أنه وَّ قاله على جهة
التواضع؛ ليوافق الأحاديث الدالة على فضله ◌َ﴿ على سائر البشر، أو يحمل
على أن إبراهيم كان يُدْعَى بهذا النعت حتى صار عَلَماً له كالخليل، فيكون معنى
(خير البرية) على هذا في إبراهيم راجعاً إلى مَن خُلق دون مَن لم يُخلق بعد.
٣٨٠٥ - وقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لاَ تُطْرُوني كما أَطْرَتْ النَّصَارَى ابن
مَرْيَمَ، فإنَّما أنَاَ عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ الله ورَسُولُهُ».
(وعن عمر قال: قال رسول الله وَله: لا تُطروني))؛ أي: لا تُجاوِزوا
عن الحد في مدحي.
((كما أطرت النصارى ابن مريم))؛ أي: كما بالغوا في مدحه حتى ضلُّوا
وجعلوه ولداً لله وإلهاً، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
٢٦٧

((فإنما أنا عبده فقولوا)) في حقي: ((عبدالله ورسولُه)).
٣٨٠٦ - عَنْ عِياضٍ بن حِمارِ المُجاشِعِيِّ ﴿ه: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ قَالَ:
(إنَّ الله أَوْحِىَ إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلى أَحَدٍ، ولا يَبْغِي أَحَدٌ
على أَحَدٍ».
((عن عياض بن حمار)) المجاشعي ((أن النبي وَّر قال: إن الله مك أوحى
إليَّ أن تواضعوا))، (أن) هذه مفسِّرة، والتواضعُ تفاعُلٌ من الضَّعَة وهي الذلُّ
والهوان .
((حتى لا يفخر أحد على أحد)) والفخر ادعاءُ العظم والكبر والشرف.
((ولا يبغي))؛ أي: لا يظلم ((أحد على أحد)).
مِنَ الحِسَان:
٣٨٠٧ - عَنْ أَبَيْ هُريْرَةَ ﴿هُ عَنِ النَّبيِّ ◌َهْ قَالَ: ((لَتْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ
بِآبَائِهِمْ الَّذِينَ مَاتُوا، إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى الله من الجُعَلِ
الَّذِي يُدَهْدِهُ الخُرْءَ بأَنْفِهِ، إنَّ الله قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ وفَخْرَهَا بِالآباءِ،
إِنَّمَا هُوَ مُؤْمِنٌ تَقَيُّ، أَوْ فَاجِرٌ شَقِيٌّ، النَّاسُ كُلُّهُمْ بنو آدمَ، وآدَمُ مِنْ تُرابٍ)).
((من الحسان» :
((عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ﴾ قال: لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين
ماتوا، إنما هم فحم جهنم، أو ليكونُنَّ)؛ أي: القوم.
((أهون على الله))؛ أي: أذلُّ.
٢٦٨

((من الجعل)) بضم الجيم وفتح العين: هي الدُّوَيبَّة السوداء.
((الذي يدهده الخرء))؛ أي: يدحرج العَذِرة والرَّوث.
(بأنفه)) شبَّه ◌َّر المفتخرين بآبائهم الذين ماتوا في الجاهلية بالجعل،
وآباءَهم المُفْتخَرَ بهم بالعذرة، ونفسَ افتخارهم بهم بالدهدهة بالأنف، و(أو)
في (ليكونن) لأحد الأمرين من الانتهاء عن الافتخار بآبائهم ومن كونهم أذلَّ عند
الله من الجعل الموصوف، والتخيير ثابتٌ في وصفهم بأيهما أريد، وجاز جَعْلُ
(أو) بمعنى (إلا) الاستثنائية، والمعنى: لينتهين الأقوام المذكورون، وإلا؛ أي:
وإن لم ينتهوا عن الافتخار بالآباء فوالله ليكونن كذا.
((إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية)) بضم العين وكسرها وفتح الباء ثم
الياء المشددة؛ أي: فخرها وتکبُّرها.
((وفخرها بالآباء، إنما هو))؛ أي: المفتخر المتكبر بالآباء ((مؤمن تقي))
فإذن لا ينبغي له أن يتكبر على أحد، ((أو فاجر شقي)) فهو ذليل عند الله، والذليل
لا يستحق التكبر، فالتکبر منفيٌّ بکل حال.
((الناس كلهم بنو آدم وآدم من تراب))؛ أي: خُلق منه فلا يليق بمن أصلُه
التراب أن يفتخر.
٣٨١٦ - وعن مُطَرِّفٍ قَالَ: انطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بنِيْ عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِوَه
فَقُلْنَا: أنتَ سَيدناُ، فَقَال: ((السَّيدُ الله))، فَقُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلاً، وأَعْظَمُنَا
طَوْلاً، فَقَال: ((قُولُوا قَوْلَكُم، أَوْ بَعْضَ قَولِكُمْ، ولا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَان» .
((وعن مطرف بن عبدالله [بن] الشخير أنه قال: قال أبي: انطلقت في وفد
بني عامر إلى رسول الله ﴿ ﴿ فقلنا: أنت سيدنا))، سلك القوم فيه على عادتهم في
الخطاب مع رؤسائهم، فكرهه 98 لأنه كان من حقه أن يخاطبوه بالنبي تقلية
٢٦٩

والرسول، فإنها المنزلة التي لا منزلة وراءها لأحد من البشر، وحوَّل الأمر فيه
إلى الحقيقة.
((فقال: السيد هو الله))؛ أي: الذي يملك أمور الخلق ويسوسهم هو الله
تعالى، وأما العبد فسيادته قاصرة، قيل: إنما منعهم أن يدعوه سيداً مع أنه ويَله
قال: ((أنا سيد ولد آدم))؛ لأنهم قوم حديثُلِّوا] عهد بالإسلام، فحسبوا أن السيادة
بالنبوة کھي بأسباب الدنيا .
((فقلت: أنت أفضلنا فضلاً وأعظمنا طَوْلاً))؛ أي: عطاء.
((فقال: قولوا قولكم))؛ أي: قولوا مجموع ما قلتم من قولكم: (أفضلنا
فضلاً وأعظمنا طولاً).
((أو بعض قولكم)) بأن تقتصروا على إحدى الكلمتين من غير حاجة إلى
المبالغة بهما .
أو معناه: قولوا قولَ أهل ملَّتكم، فخاطبوني بما يخاطبونني: بالنبي
والرسول، ودعوا التكلُّف في الثناء.
((ولا يَسْتجرینكم الشيطان))؛ أي: لا يتّخذنكم جَرِيَّه؛ أي: وکیله، وهو
من الجريِّ: الوكيل؛ لأنه يجري مجرى موكِّله، يريد: تكلموا بما حضركم من
القول ولا تتكلفوه كأنكم وكلاء الشيطان تنطقون عنه في الإضلال والكفر
والبدع، أو من الجرأة - بالهمزة - وهو الشجاعة، فالمعنى: لا يجعلنكم ذوي
شجاعة علی التکلُّم بما لا يجوز.
٣٨٠٨ - عَنِ الحَسَنِ بن سَمُرَةَ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((الحَسَبُ
المَالُ، والكَرَمُ التَّقْوَى)).
٢٧٠

((عن الحسن بن سمرة ه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم: الحسب)) بفتح الحاء والسين المهملتين، وهو ما يفتخر به الرجل من
خصال حميدة توجد فيه وفي آبائه؛ يعني: الشيء الذي يكون الرجل به عظيمَ
القَدْر عند الناس :
(المال، والكرم)) وهو ضد اللوم؛ يعني: الشيء الذي يكون الرجل به
عظيم القَدْر عند الله: ((التقوى))، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنَقْنَكُمْ﴾
[الحجرات: ١٣] والافتخار بالآباء ليس بشيء منهما.
٣٨٠٩ - وعَنْ أَبَيِّ بن كَعْبِ هِ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَله يقول:
(مَنْ تَعَزَّى بِعَزاءِ الجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوْهُ بِهَنِ أَبْهِ ولا تَكْنُوا)).
((وعن أبي بن كعب أنه قال: سمعت رسول الله ﴿ يقول: مَن تعزَّى»؛
أي: انتسب ((بعزاء الجاهلية))؛ أي: بنسبها؛ يعني: مَن افتخر بآبائه وقبائله
الكفارِ على العادة الأولى.
((فَأَعِضُّوه بِهَنٍ أبيه)»؛ أي: قولوا له: اعضض بأير أبيك.
((ولا تكنوا)) عن الأير بالهنٍ؛ تنكيلاً له عما تباهى به، والعضُّ: أخذ
الشيء بالأسنان.
قال [أبو] عبيد الهروي: الهنُ: القبيح من الفعل والقول؛ يعني: قولوا
له: اذكر قبائح آبائك من عبادة الأصنام والزنا وشرب الخمر وغيرها، ويجوز أن
یکون معناه: عُدُّوا أنتم يا مسلمون قبائح آبائه ولا تكنوا؛ أي: لا تذكروا قبائح
آبائه بطريق الكناية بل بالمجاهرة والتصريح، فلعله يستحي من الافتخار بآبائه.
٢٧١

٣٨١٠ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أَبِي عُقَبةَ، عْنِ أَبَي عُقْبَةَ عَ﴾، وكَانَ مَوْلَى
مِنْ أَهْلِ فَارِسٍ، قَالَ: شَهِدْتُ معَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ أُحُدَاً، فَضَرَبْتُ رَجُلاً مِنَ
المُشْرِكِينَ، فَقُلْتُ: خُذْهَا مِنِّي وَأَنَا الغُلامُ الفَارِسِيُّ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ فقالَ: ((هَلَّ
قُلْتَ: خُذْها مِنِّي وَأَنَا الغُلامُ الأَنْصَارِيُّ؟».
((عن عبد الرحمن بن أبي عقبة، عن أبي عقبة وكان مولَّى))؛ أي: معتقاً
((من أهل فارس أنه قال: شهدت))؛ أي: حضرت ((مع رسول الله وَل﴿ أُحداً،
فضربتُ رجلاً من المشركين فقلت: خذها))؛ أي: الضربة أو الطعنة مني.
((وأنا الغلام الفارسي، فالتفت))؛ أي: الرسول وَله ((إليَّ فقال: هلاً
قلت: خذها مني وأنا الغلام الأنصاري))؛ أي: هلاَّ افتخرت بشرف النسبة؛
يعني: إذا افتخرت عند الضراب فانتسب إلى الأنصار الذين هاجرتُ إليهم
ونصروني، وكان عادة المحاربين إذا خرج واحد منهم للمبارزة أن يخبره باسمه
وقبيلته إظهاراً لشجاعته، وكان أهل فارس في ذلك الزمان كفاراً، فكره وَلـ
الانتسابَ إليهم لذلك وأمره بالانتساب إلى الأنصار.
٣٨١١ - عنِ ابن مَسْعُودٍ ﴿ عَنِ النَّبِّ ◌َ﴿ قَال: ((مَنْ نَصَرَ قَوْمَهُ عَلَى غَيْرِ
الحَقِّ فَهُوَ كَالْبَعِيْرِ الَّذِي ترَدَّى، فَهُوَ يُنْزَعُ بِذَنَهِ)) .
(عن ابن مسعود ظه عن النبي ◌ّ ﴾ قال: من نصر قومه على غير الحق
فهو كالبعير الذي تردَّى))؛ أي: سقط في البئر وهلك.
((فهو يُنزع بذنبه)) شبَّه القوم بالبعير الهالك؛ لأن من كان على غير الحق
فهو هالكٌ، وشبَّه ناصرهم بذَنَب هذا البعير الهالك؛ لأنه يُنزع بذَنَبَه منها فلا
يقدر على خلاصه وإن جهد كل الجهد بنزعه إياه بالذَّنَب، فكما أن نزعه بذَنَبَه
٢٧٢

لا يخلِّصه من الهلكة، فكذلك الناصر على غير الحق وقع في الإثم والهلاك.
٣٨١٢ - عَنْ واثِلَةَ بن الأسْقَعَ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ الله! مَا العَصَبيَّةُ؟
قال: ((أَنْ تُعِينَ قَوْمَكَ على الظُّلْمِ)).
((وعن واثلة بن الأسقع أنه قال: قلت: يا رسول الله! ما العصبية؟))؛ أي:
التعصب .
((قال: أن تُعين قومك على الظلم)).
٣٨١٣ - وعَنْ سُراقَةَ بن مالِكِ بن جُعْشُم قَالَ: خَطَبنا رَسُولُ اللهِ وَله
فَقَالَ: ((خَيْرُكُمْ المُدَافِعُ عَنْ عَشِيرَتِهِ مَا لَمْ يَأْثَمْ).
((عن سراقة بن مالك بن جُعْشُم أنه قال: خطبنا رسول الله وَّه فقال:
خيركم المدافع))؛ أي: مَن يدفع الظلم ((عن عشيرته))؛ أي: عن أقاربه.
((ما لم يأثم)؛ أي: ما لم يظلم؛ يعني: لو قدر في دفعه عنهم بكلام لم
يَجز له الضربُ، ولو قدر بالضرب لم يجز له بالقتل.
٣٨١٤ - عَنْ جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ﴿ قَالَ: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعا
إِلَى عَصَبيَّةٍ، ولَيْسَ مِنّا مَنْ قاتَلَ عَصَبيَّةً، ولَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ».
((عن جبير بن مطعم: أن رسول الله بَّه قال: ليس منا من دعا إلى
عصبية))؛ أي: إلى معاونة ظالم.
((وليس منا من قاتل عصبيةً))؛ أي: بالباطل.
٢٧٣

((وليس منا من مات على عصبية))؛ أي: على الباطل.
٣٨١٥ - عَنْ أَبِيْ الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِّ لَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((حُبُّكَ الشَّيءَ يُعْمِي
وَيُصِمُّ).
((عن أبي الدرداء عن النبي ◌َّفي أنه قال: حبك الشيء يُعمي))؛ أي:
يجعلك أعمی عن رؤية معايبه بحيث لا تبصر فيه عيباً.
(ويصم))؛ أي: يجعلك أصمَّ عن سماع قبائحه بحيث لا تسمع منه كلاماً
قبيحاً لاستيلاء سلطان المحبة على فؤادك، وعينُ المحبِّ عمياءُ وأذنُهُ صمَّاءُ.
*
١٤ - باب
البرِّ والصِّلَة
(باب البر والصلة)
يريد بالصلة: صلة الرحم وغيرها، والبر أعم منها.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٨١٧ - عَنْ أَبي هُرِيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله! مَنْ أَحَقُّ
بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قال: ((أُمُّكَ))، قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ((أُمُّكَ))، قالَ: ثُمَّ مَنْ؟
قالَ: ((أُمُّكَ))، قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((أبوكَ)).
ويُروَى: مَنْ أَبَّ؟ قَالَ: ((أمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أَبَاكَ، ثُمَّ أَدْناكَ
أدناك».
((من الصحاح)):
((عن أبي هريرة ه أنه قال: قال رجل: يا رسول الله! من أحقُّ بحسن
٢٧٤

صحابتي؟))؛ أي: مَن الأَوْلى بأن أُحسنَ إليه وأَحفظَ حقوقه.
((قال: أمك، قال: ثم مَن؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال:
ثم من؟ قال أبوك)).
ويروى: من أبرُّ؟ قال: أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أباك، ثم أدناك
فأدناك»؛ أي: أقرباءك.
٣٨١٩ - وقَالَ رَِّ: ((رَغِمَ أَنْفُهُ، رَغِمَ أَنْفُهُ، رَغِمَ أَنْفُهُ»، قِيْلَ: مَنْ
يا رسولَ الله! قَالَ: ((مَنْ أَدْرَكَ والِدَيْهِ عِنْدَ الكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، ثُمَّ لَمْ
يَدْخُلِ الجَنَّةَ».
((عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلفيه: رغم أنفه)) معناه: لصق
بالرَّغام وهو ترابٌ مختلطً بالرمل، والمراد منه الذل، إخبارٌ أو دعاءٌ عليه.
((رغم أنفه، رغم أنفه، قيل: مَن يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه عند
الكبر أحدُهما)) بالرفع فاعلٌ للظرف وهو: (عند)، ((أو كلاهما)) عطف عليه،
وفي بعض النسخ بالنصب، فيكون بدلاً عن (والديه)، خص حال الكبر لأنه
أحوجُ الأوقات إلى الخدمة والإحسان إليهما.
((ثم لم يدخل الجنة))؛ يعني: بسبب عقوقهما والتقصيرِ في حقوقهما.
٣٨٢٠ - وعَنْ أَسْمَاءَ بنتِ أَبِي بَكْرِ أَنَّا قَالَت: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهيَ
مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ الله! إنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وهيَ راغِبَةٌ،
أَفَأَصِلُها؟ قالَ: ((نَعَمْ، صِليْهَا)).
٢٧٥

((عن أسماء بنت أبي بكر ﴾ أنها قالت: قدمتْ عليَّ أمي وهي مشركة في
عهد قريش، فقلت: يا رسول الله! إن أمي قدمت علي وهي راغبة))؛ أي: في
صلتي وطامعةٌ لعطائي، وقيل: راغبة في الإسلام، ويروى: (راغمة) بالميم، قيل:
هو الصواب؛ أي: ذليلة محتاجة إلى عطائي، أو غاضبة لإسلامي وهجرتي.
((أفَأَصِلُها؟))؛ أي: أعطيها شيئاً.
((قال: نعم صليها))؛ أي: أعطيها، وفيه دليل بوجوب نفقة الأب والأم
الكافرين على الولد المسلم، وأن الإحسان إلى الكفار جائز.
٣٨٢٠/ م - وعَنْ عَمْرِو بن العَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِّ ◌َ﴿ يَقُولُ: ((إنَّ آلَ
أَبِي فُلانٍ لَيْسوا لي بأَوْلِيَاءَ، إِنَّما وَلييَ الله وصَالِحُ المُؤْمِنِينَ، ولَكِنْ لَهُمْ رَحِمٌ
أَبِّلُها ببَلالِها».
((عن عمرو بن العاص أنه قال: سمعت النبي ◌ٍَّ يقول: إن آل أبي فلان))
قيل: هذه الكناية من بعض الرواة خوفاً من الفتنة، والمكنيُّ عنه هو أبو سفيان،
وقيل: هو الحكم بن العاص.
((ليسوا لي بأولياء))؛ أي: لا أوالي أحداً بالقرابة ولا أحبه .
(إنما ولييَ الله وصالح المؤمنين)) قيل: المراد بهم الأنبياء، وقيل: أبو
بكر وعمر څئا، وقيل: علي كرم الله وجهه.
(ولكن لهم رحم أبلَّها بيلالها))، (البلال) بكسر الباء: كل ما يُبل به
الحلق من الماء واللبن، والمراد به هنا: ما يوصَل به الرَّحِمُ من الإحسان؛ أي:
أصِلُ تلك الرحم بصلتها والإحسان إليهم.
٢٧٦

٣٨٢١ - وقَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِنَّ الله حَزَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهاتِ، وَوَأْدَ
البناتِ، ومَنْعاً وَهَاتٍ، وكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وكَثْرَةَ السُّؤالِ، وَإِضَاعَةَ المَالِ)).
((عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله وَله: إن الله حرَّم عليكم
عقوق الأمهات))؛ أي: عصيانها، خصَّ الأم لأن لعقوقها مزيةً في القبح.
((ووأد البنات))؛ أي: دفنهن أحياء.
((ومنع)) يروى على بناء الماضي وعلى المصدر، ((وهات)) اسم فعل بمعنى
أعطني؛ عبَّر بهما عن البخل والمسألة، وقيل: منع الواجب من الحقوق وأخذ ما
لا يحلُّ من أموال الناس.
(وكره لكم قيل وقال))؛ أي: نهى عن فضول ما يتحدث به المجالسون من
قولهم: قيل كذا وقال كذا، وقيل: المراد بهما النهي عن القول بما لا يصح ولا
تُعلم حقيقته، وقيل: أراد النهي عن كثرة الكلام مبتدئاً ومجيباً؛ لأن كثرته تُورث
قساوة القلب.
((وكثرة السؤال))؛ أي: من العلماء فيما لا حاجة فيه للمعاندة والمعارضة،
أو هي مسألة الناس أموالَهم، أو السؤالُ عن أمورهم وكثرةُ البحث عنها.
((وإضاعة المال))؛ أي: إنفاقه في غير طاعة الله، وإيتاؤه صاحبَه وهو سفيه
حقيقٌ بالحجر، وقيل: التبذير والإسراف وإن كان في حلالٍ مباحٍ، كمجاوزة
الحد في النفقة والملبس والمفرش وتمويه الأواني والسقوف.
٣٨٢٢ - وقَالَ: ((مِنَ الكَبائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ والِدَيْهِ»، قالوا: يا رسولَ الله!
وهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ والِدَيْهِ؟ قال: ((نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، ويَسُبُ
أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أُقَّهُ».
((وعن عبدالله بن عمرو ﴾ قال: قال رسول الله صل: من الكبائر شتم
٢٧٧

الرجل والديه، قالوا: يا رسول الله! وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم،
يسبُّ أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه)) فإن عقوق الوالدين من
الكبائر، وارتكابُ ما يفضي إلى سب أحدهما مما يقرُّب إلى العقوق، قيل: إنما
يكون هذا من العقوق إذا كان المسابة بالزنا والكفر أو البهتان.
٣٨٢٣ - وقَالَ: ((إِنَّ مِنْ أَبَرِّ البرِّ صِلَةُ الرَّجُلِ أهْلَ وُدِّ أَبِيهِ، بَعْدَ أَنْ يُؤَلِّي
الأَبُّ)».
((وعن ابن عمر قال: قال رسول الله وَله: إن من أبر البر صلة الرجل
أهل ود أبيه)) بضم الواو بمعنى المودة.
(بعد أن توفي))، في بعض: (بعد أن يولي)؛ أي: غاب، أعم من أن
يكون بموتٍ أو سفر، وفيه إشارةٌ إلى تأكيد حق الأب.
٣٨٢٤ - وقَالَ: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، ويُنْسَأَ لَهُ في أَثَرِهِ،
فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» .
((وعن أنس قال: قال رسول الله ﴾: من أحب أن يبسط له في رزقه
وينسأ له))؛ أي: يؤخّر.
((في أثره)) وهو ما بقي من رسم الشيء، والمراد هنا: ما بقي من العمر
والأجل.
((فليصل رحمه)) ويجوز أن يكون المعنى: إن الله يبقي أثر واصل الرحم
مدة طويلة في الدنيا، وأنه لا يضمحل سريعاً.
٢٧٨

٣٨٢٥ _ وقَالَ: ((خَلَقَ الله الخَلْقَ، فَلمَّا فَرَغَ مِنْهُ قامَتْ الرَّحِمُ فَأَخَذَتْ
بِحِقْوَي الرَّحمَنِ، فقالَ: مَهْ؟ قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ العَائِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ، قَالَ: أَلَا
تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى، يَا رَبُّ! قَالَ:
فَذَاكَ لَكِ».
((وعن أبي هريرة ﴿ه قال: قال رسول الله وَّه: خلق الله الخلق))؛ أي:
قدَّر المخلوقات في علمه السابق على ما هم عليه وقت وجودهم.
((فلما فرغ منه»؛ أي: قضاه وأتمه؛ لأن الفراغ الحقيقي بعد الشغل، وهو
على الله ممتنع .
((قامت الرحم فأخذت بحقوي الرحمن)) والأصل في الحقو - بالفتح -:
معقد الإزار، ثم سمي به الإزار للمجاورة، قيل: المراد به كبرياء الله وعظمته،
وهذا تمثيل واستعارة؛ يعني: التجأت الرحم وعاذت بعزة الله وعظمته من أن
يقطع أحد الرحم.
((فقال: مه)) بطريق الزجر للرحم؛ أي: اكْفُفي وامتنعي عن هذا الالتجاء،
ويجوز أن يكون استفهاماً فقلبت الألف هاءً؛ يعني: ما لك؟ بأيِّ سبب عذت
بي؟ فالمراد منه الأمر بإظهار الحاجة دون الاستعلام.
((قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة)» (هذا) صفةٌ محذوفٍ؛ أي:
مقامي هذا مقامُ المستعيذ بك من قطيعتي.
((قال: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى
يا رب، قال: فذاك))؛ أي: أفعل ما قلتُ مِن وصلي مَن وصلك وقطعي مَن
قطعك.
٢٧٩

٣٨٢٧ - وقَالَ: ((الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بالعَرْشِ، تَقَوْلُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ الله،
ومَنْ قَطَعَنِي قَطَعَه الله)).
((وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله ويلي: الرحم معلقة
بالعرش))؛ أي: متمسكةٌ به تتعوَّذ بالله مِن قَطْع الرحم، وهذا من باب التمثيل
أيضاً، وفيه تنبيهٌ على منزلتها عند الله حيث جعل الرحم متشبثةً بالعرش الذي هو
أعظم خلق الله تعالى.
((تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله تعالى))؛ أي: قطع
عنه كمال عنايته، وهذا إخبارٌ أو دعاء.
٣٨٢٦ - وقَالَ: ((الرَّحِمُ شجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ، قالَ الله تَعَالَى: مَنْ وَصَلكِ
وَصَلْتُهُ، ومَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ)) .
((وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
الرحم شجنة)) بضم الشين المعجمة وكسرها: عروقُ شجرٍ متداخلةٌ.
((من الرحمن))؛ يعني حروف الرحم موجودة في اسم الرحمن ومتداخلةٌ
فيه كتداخل العروق؛ لكونهما من أصل واحد وهو الرحمة.
((فقال الله تعالى: من وصلك وصلْته))؛ أي: بالرحمة.
((ومن قطعك قطعته))؛ يعني: أعرضت عنه.
٣٨٢٨ - وقَالَ: ((لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قاطِعُ رَحِمٍ».
((وعن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله وَلير: لا يدخل الجنة قاطع))؛
٢٨٠