النص المفهرس

صفحات 41-60

أي: تحد حداً ((في ظهرك))، وهذا يدل على وجوب الحد بقذف الزوجة، ((فقال
هلال: والذي بعثك بالحق، إني لصادق، فلينزلن الله ما يبرئ ظهري من
الحد، فنزل جبرائيل فأنزل عليه: ﴿ وَلَّذِينَ يَرَّمُونَ﴾))؛ أي: يقذفون ((﴿أَزْوَجَهُمْ ﴾
فقرأ - حتى بلغ - ﴿إِن كَانَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾، فجاء هلال فشهد))؛ أي: فلاعن.
((والنبي يقول: إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب))،
والأظهر: أنه عليه السلام قال بعد فراغهما من اللعان، والمراد: أنه يلزم الكاذب
التوبة، وقيل: قاله قبل اللعان تحذيراً لهما منه.
((ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة))؛ أي: الشهادة الخامسة
((وقفوها))؛ أي: حبسوها ومنعوها عن المضي في الشهادة الخامسة، وقيل:
أقاموها في الخامسة بعد كونها قاعدة، وهذا يدل على أن حكم لعان الزوج مقدم
على لعانها لأنه مثبت.
((وقالوا إنها))؛ أي: الشهادة الخامسة ((موجبة)) للتفريق بينكما.
((قال ابن عباس: فتلكأت))؛ أي: تبطأت له وتوقفت أن تقولها
((ونكصت)؛ أي: انقلبت ورجعت على عقبيها ((حتى ظننا أنها ترجع)) عن ذلك،
وتندم على اللعان، ((ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم))؛ أي: في جميعه،
واللام للجنس؛ أي: سائر الأيام، والمعنى: لا أفضح قومي في جميع الدهر بأن
أرجع عن اللعان وأثبت على نفسي الزنا.
((فمضت))؛ أي: أتمت اللعان في الخامسة، ((وقال النبي عليه الصلاة
والسلام: أبصروها)) بفتح الهمزة، ((فإن جاءت به أكحل العينين)) الكحل: سواد
العينين من أصل الخلقة، ((سابغ الأليتين))؛ أي: عظيم الأليتين ((خدلج
الساقين، فهو لشريك بن سحماء، فجاءت به كذلك، فقال النبي عليه الصلاة
والسلام: لولا ما مضى من كتاب الله))؛ أي: لولا أن القرآن حكم بعدم الحد
٤١

على المتلاعنين وعدم التعزير ((لكان لي ولها شأن))؛ أي: لفعلت بها ما يكون
عبرة للناظرين وتذكرة للسامعين لهتكها الحرمة بينها وبين ربها تارة بالزنا،
وأخرى بالأيمان الكاذبة، وفي تنكير لفظ الشأن تهويل لِمَا كان يريد أن يفعل
بها، وفيه دليل على أن القاضي يجب عليه أن يحكم بالظاهر، وإن كان ثمة ما
يدل على خلافه من الشبه، ولا منافاة بين حديث الملاعنة وبين قوله عليه الصلاة
والسلام: ((الولد للفراش وللعاهر الحجر))؛ لأن حديث اللعان فيمن ينفي الولد
مع وجود الفراش، والحديث الآخر فيمن يدَّعي الولد من غير فراش.
٢٤٦٨ - وعن أبي هريرةَ ﴾ه قال: قال سعدُ بن عُبادةَ: لو وَجدتُ معَ أهلي
رَجُلاً لَمْ أَمَسَّهُ حتى آتيَ بأربعةِ شهداءَ!؟ قال رسولُ الله ◌ِّر: (نعم)، قال: كلا
والذي بعثَكَ بالحقِّ، وإنْ كنتُ لأُعاجِلُه بالسَّيفِ قبلَ ذلكَ، قالَ رسولُ الله ◌ٍِّ:
(اسمَعُوا إلى ما يقولُ سَيدُكم، إنه لَغَيُورٌ وأنا أَغْيَرُ مِنه، والله أَغْيَرُ مِنِّي)).
((عن أبي هريرة ﴾ قال: قال سعد بن عبادة: لو وجدت مع أهلي رجلاً
لم أمسه))؛ أي: لم أضربه ولم أقتله حرف الاستفهام مقدرة هنا؛ أي: لم
أتعرض له بالأذى والقتل؟
((حتى آتي)) بالمد «بأربعة شهداء؟ قال رسول الله وَله: نعم، قال))؛ أي:
سعد بن عبادة: ((كلا والذي بعثك بالحق إن كنت لأعاجله بالسيف قبل ذلك))،
(إن) هذه مخففة من المثقلة، واسمها مضمر، واللام في (لأعاجله) فارقة بينها
وبين الشرطية والنافية، قيل: مراجعة سعد للنبي عليه السلام طمعاً في الرخصة
لا رداً لقوله، ولم يرد بقوله: (كلا) إنكار حُكْمه عليه الصلاة والسلام؛ لأنه
كفرٌ، وإنما بدت هذه الكلمة منه من فَرط الغيرة.
((قال رسول الله (وَق: اسمعوا إلى ما يقول سيدكم، إنه لغيور)) فعول من
٤٢

الغيرة وهي الحميّة والغضب على مَنْ فعل بأهله فاحشة.
((وأنا أغير منه، والله أغير مني)) أفعل تفضيل من الغيرة، وهي من الله
الزجر عن المعاصي، والحديث يدل على أن مَنْ قتل رجلاً ثم ادعى أنه وجده
على امرأته لا يسقط عنه القصاص به حتى يقيم البينة على زناه.
٢٤٦٩ - وقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((لا أحدَ أَغْيَرُ مِن الله، فلذلكَ حرَّمَ
الفواحشَ ما ظهرَ منها وما بَطَنَ، ولا أحدَ أحبُّ إليه المِدْحَةُ مِن الله، فلذلكَ
مَدَحَ نفسَه)).
وفي روايةٍ: ((ولا أحدَ أحبُّ إليهِ المِدْحَةُ مِن الله ﴾، ومِن أجلِ ذلكَ
وعدَ الله الجَنَّةَ، ولا أحدَ أحبُّ إليه العُذرُ مِن الله تعالى، من أجلِ ذلكَ بعثَ
المُنذِرينَ والمُبَشِّرِين)).
((وعن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام:
لا أحد أغير من الله))؛ أي: أزجر من المعاصي منه، ((فلذلك حرم الفواحش))
جمع فاحشة وهي: ما تجاوز عن حد الشرع.
((ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدحة)) بكسر الميم بمعنى
المدح من الله، «فلذلك مدح نفسه، وفي رواية: ولا أحد أحب إليه المدحة من
الله ومن أجل ذلك وعد الله الجنة)) لمن مدحه وأطاعه.
((ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المنذرين
والمبشرين))؛ يعني: النبيين ليخوفوا العاصين ليعتذروا ويتوبوا عن معاصيهم
ليقبل عذرهم وتوبتهم وبشروا المطيعين.
٤٣

٢٤٧٠ - وقال: ((إنَّ الله تعالى يَغارُ، وإِنَّ المُؤْمِنَ يَغارُ، وغَيْرَةُ الله: أنْ
يأتيَ المؤمنُ ما حرَّمَ الله)).
((وعن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله وَله: إن الله يغار))؛ أي:
يغضب على مَنْ فعل فاحشة، ((وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن لا يأتي المؤمن
ما حرم الله)).
٢٤٧١ - وقال: ((يا أُمَّةَ مُحمَّدٍ! والله ما مِن أَحدٍ أَغْيَرُ مِن الله أنْ يزنيَ عبدُه
أو تزنيَ أَمَنُه».
((وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله وَله: يا أمة
محمد! والله ما من أحد أغير من الله أن يزني))؛ أي: على أن يزني ((عبده أو
تزني أمته».
٢٤٧٢ - عن أبي هريرةَ ﴿ه: أنَّ أعرابيّاً أَتَى رسولَ اللهِهِ فقال: إنَّ
امرأَتَي ولدَتْ غلاماً أسودَ، وإني أَنْكَرْتُهُ؟ فقال له رسولُ اللهِِّ: ((هل لكَ مِن
إبلٍ؟)) قال: نعم، قال: ((فما أَلَوانُها؟)) قال: حُمْرٌ، قال: ((هل فيها مِن أَوْرَقَ؟»
قال: إنَّ فيها لَوُرْقاً، قال: ((فأَنَّى تَرَى ذلكَ جاءَها؟)) قال: عِرْقُ نزعَها، قال:
(ولعلَّ هذا عِرْقٌ نَزَعَه))، ولم يُرَخِّصْ له في الانتفاءِ منه)).
((وعن أبي هريرة : أن أعرابياً أتى رسول الله فقال: إن امرأتي ولدت
غلاماً أسود وإني أنكرته، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: هل لك من إبل؟
قال: نعم، قال: فما ألوانها؟ قال: حمر، قال: هل فيها من أورق؟))؛ أي:
أسمر، والورقة: السُّمرة، وفي ((صحاح الجوهري)): الأورق من الإبل: الذي
٤٤

في لونها بياض إلى سواد، وهو أطيب الإبل لحماً، وليس بمحمود عندهم في
سيره وعمله.
((قال: إن فيها لورقاً) بضم الواو، جمع الأورق، ((قال: فأنى ترى))؛ أي
كيف ترى أنت ((ذلك)) الورق ((جاءها))؛ يعني: من أين حصل لها وأبوها ليس
كذلك؟!
((قال))؛ أي: الأعرابي: ((عرق))؛ أي: هو عرق ((نزعها))؛ أي: أخرجها
وقطعها من ألوان فحلها ولقاحها وجدتها إلى الورقة، وفي المثل: العِرْق نزَّاع.
((قال))؛ أي: النبي عليه السلام: ((فلعل هذا))؛ أي: المولود ((عرق نزعه
ولم يرخص
له في الانتفاء منه))، وهذا يدل على إثبات قياس اختلاف لون الوالد
والمولود لنزع عرق على اختلاف الإبل مع اتحاد الفحل واللقاح.
٢٤٧٣ - وعن عائشة رضي الله عنها: أنها قالت: كانَ عُتبةُ بن أبي وَقَّاصٍ
عَهِدَ إلى أخيهِ سعدٍ بن أبي وَقَّاصٍ: أَنَّ ابن وَلِيدةٍ زَمْعةَ مِنِّي فاقبضْهُ إليكَ، فلمَّا
كانَ عامُ الفتحِ أَخَذَه سعدٌ فقال: إنه ابن أخي، وقالَ عبدُ بن زَمْعَةَ: أخي،
فَتَساوَقا إلى رسولِ اللهِ وَّهِ، فقال سعدٌ: يا رسولَ الله! إنَّ أخي كانَ عَهِدَ إليَّ
فيه، وقال عبدُ بن زَمْعَةَ: أخي، وابن وَلِيدِ أبي، وُلِدَ على فراشِهِ، فقال
رسولُ اللهِ: (هُوَ لكَ يا عبدَ بن زَمْعَةَ، الولدُ للفِراشِ وللعاهِرِ الحَجَرُ))، ثم
قالَ لِسَودةَ بنتِ زَمْعة: احتجِبي منه، لِما رَأَى مِن شَبَهِهِ بعُتبةَ، فما رآها حتى
لَقِيَ الله. ويُرَوى: ((هو أخوكَ یا عبدُ».
((عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان عتبة بن أبي وقاص)) وهو
الذي كسر رباعية النبي عليه الصلاة والسلام يومَ أحد فمات كافراً ((عهد إلى أخيه
٤٥

سعد بن أبي وقاص: أن ابن وليدة زمعة مني فاقبضه إليك)) أراد بالوليدة الأمة،
وزمعة هذا أبو سودة زوجة النبي عليه الصلاة والسلام، وكان عادة أهل الجاهلية
أن أحدهم إذا وطئ أمة غيره وحبلت بعده زعم أن الحمل منه، فإذا وضعته ادعاه
فألحق به، وكان عتبة قد فعل هذا الفعل وأوصى أخاه سعد بن أبي وقاص حين
مات بمكة أن يضم إليه ابن وليدة زمعة على أنه ابنه.
((فلما كان عام الفتح))؛ أي: فتح مكة ((أخذه سعد فقال: إنه ابن أخي،
وقال عبد بن زمعة: إنه أخي)) كان أبي يطؤها بملك اليمين، وقد ولدت على
فراشه، ((فتساوقا))؛ أي: ذهبا ((إلى رسول الله كأن كلاً منهما يسوق صاحبه إليه
عليه الصلاة والسلام، فقال سعد: يا رسول الله! إن أخي كان عهد إلي فيه،
وقال عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه، فقال رسول الله عليه
السلام: هو لك يا عبد بن زمعة)) حكم عليه الصلاة والسلام بالولد لزمعة لإقراره
بوطئها وتصييرها فراشاً له به، وأبطل ما كان عليه أهل الجاهلية من الانتساب إلى
الزاني بقوله: ((الولد للفراش)»؛ أي: لصاحب الفراش، ((وللعاهر الحجر))،
قيل: معناه: وللزاني الرجم، لكن هذا إنما يستقيم إذا كان محصَناً، ويجوز أن
يكون معناه: وللزاني الخيبة فيما ادعاه من النسب، يقال: لفلان حجر أو تراب:
إذا خاب.
((ثم قال رسول الله ◌َي﴿ لسودة بنت زمعة: احتجبي منه)) أمرها بالاحتجاب
من ذلك الابن بطريق الورع والاحتياط ((لما رأى من شبهه بعتبة، فما رآها))؛ أي:
ذلك الابن سودة ((حتى لقي الله))؛ أي: مات، ((وروي: هو أخوك يا عبد)).
٢٤٧٤ - وقالت عائِشَةُ رضي الله عنها: دخلَ عليَّ رسولُ الله ◌َِِّ ذاتَ يومٍ
وهو مسرورٌ فقالَ: ((أَيْ عائشةُ! ألم تَرَيْ أنَّ مُجزِّراً المُدْلِجِيَّ دخلَ، فرأى أسامةَ
٤٦

وزيداً وعليهما قَطيفةٌ، قد غَطَّيا رُؤوسَهما وبدَتْ أقدامُهما، فقال: إنَّ هذه
الأقدامَ بعضُها مِن بعضٍ؟).
((وقالت عائشة: دخل علي رسول الله (وَ﴿ ذات يوم))؛ أي: يوماً ((وهو
مسرور))؛ أي: فرح، ((فقال: أي عائشة! ألم تري أن مجززاً المدلجي)) بضم
الميم وكسر اللام المخففة ((دخل))؛ أي: في المسجد ((فرأى أسامة وزیداً))؛
يعني: أسامة وأبيه زيداً ((وعليهما قطيفة)) كساء غليظ ((قد غطّيا رؤوسهما وبدت
أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض)) وكان زيد أبيض وأسامة أسود
لأن أمه بركة كانت جارية حبشية الأصل ورِثها النبيُّ عليه الصلاة والسلام من أبيه
عبدالله فأعتقها وزوَّجها زيد بن حارثة، فكان المنافقون يتكلمون فيهما بما يسوء
النبي عليه الصلاة والسلام سماعه بسبب سواده، فلما سمع قول المدلجي وهو
كان قائفاً من بني مدلج؛ أي: عالماً نسب غيره، سُرِّي عنه؛ لما فيه من إشارة
الحق وغيظ أهل النفاق، وفيه دليل على ثبوت أمر القافة، وصحة الحكم بقولهم
في إلحاق الولد؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لا يُظْهِر السرور إلا بما هو حق
عنده، وهو قول الشافعي وأحمد ومالك، وعندنا: لا يجوز الحكم بقول القافة.
٢٤٧٥ - وقال رسولُ الله ◌َّهِ: (من ادَّعى إلى غيرِ أبيهِ وهو يعلمُ فالجنةُ
علیهِ حرامٌ)).
((وعن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله وَله: من ادعى إلى غير
أبيه)) عدَّى الادعاء بـ (إلى) لتضمنه معنى الانتساب ((وهو يعلم)) أنه غير أبيه،
الواو فيه للحال، وقد كانوا يفعلونه في الجاهلية ((فالجنة عليه حرام)).
قيل: هذا محمول على المستحِل، وقيل: معناه: لا يكون من الفائزين
٤٧

الداخلين أولاً، عبر عنه بهذه العبارة تشديداً في الزجر عنه لأنه مؤدٍ إلى الفساد
الكثير .
٢٤٧٦ - وقال: ((لا تَرْغبُوا عن آبائِكم فمن رَغِبَ عن أبيهِ فقد كفَرَ)).
((وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: لا ترغبوا))؛ أي:
لا تعرضوا ((عن آبائكم)) بالانتساب إلى غير آبائكم، (فمن رغب)»؛ أي: أعرض
((عن أبيه)) وهو عالم أنه أبوه، ((فقد كفر)) إن اعتقد إباحته لمخالفته الإجماع،
وإن لم يعتقد يكون معناه: فقد كفر حقَّ نعمته.
مِنَ الحِسَانِ :
٢٤٧٧ - عن أبي هريرةَ ه: أنَّه سمعَ النبيَّ ◌َ﴿ يقولُ لما نزلَت آيةُ
المُلَاعَنَةِ: ((أيُّما امرأةٍ أَدْخَلَتْ على قومٍ مَن ليسَ منهم فليسَتْ مِن الله في شيءٍ،
ولن يُدخِلَها الله جنَّتَهُ، وأيّما رَجُلٍ جَحَدَ ولدَهُ وهو ينظرُ إليه احتجبَ الله منه
وفضحَه على رؤوسِ الخلائقِ في الأوَّلينَ والآخِرِينَ)). ويُروى ((وفَضَحَهُ على
رؤوس الأشهادِ».
((من الحسان)» :
((عن أبي هريرة : أنه سمع النبي عليه الصلاة والسلام يقول لما نزلت
آية الملاعنة: أيما امرأة أدخلَتْ على قوم من ليس منهم)) بانتساب ولدها المولود
من الزنا إلى زوجها ((فليست من الله في شيء))؛ أي: في رحمته وغفرانه؛
يعني: لا تجد العفو، ((ولن يدخلها الله جنته))؛ أي: مع المحسنين، بل يؤخرها
٤٨

ويعذبها ما شاء إلا أن تكون كافرة فتخلد في النار.
((وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه))؛ أي: يعلم أنه ولده وينكر مع
العلم، ذِكْر النظر تخفيف لسوء صنيعه وعظم جنايته، ((احتجب الله منه))؛ يعني:
يحتجب الله منه كما احتجب هو منه في الدنيا، ((وفضحه على رؤوس الخلائق
في الأولين والآخرين))؛ أي: يكشف سوءه قدامهم وعند مشاهدتهم.
((ويروى: وفضحه على رؤوس الأشهاد)) جمع شاهد، وهو الحاضر،
والمراد: أهل القيامة.
٢٤٧٨ - ويُروَى عن ابن عبّاسِ ◌َ﴿ه أنه قال: جاءَ رجلٌ إلى رسولِ الله وَ هـ
فقال: إنَّ لي امرأةً لا تَرَدُّ يَدَ لامِسٍ، فقالَ النبيُّ وَّهِ: ((طلَّقْها))، فقال: إني
أُحِبُّها، قال: ((فأمْسِكْها إذاً).
((وروي عن ابن عباس ﴾: أنه قال: جاء رجل إلى النبي عليه السلام
فقال: إن لي امرأة لا ترد يد لامس))؛ أي لا تمنع نفسها من يقصدها بفاحشة،
((فقال النبي عليه الصلاة والسلام: طلقها، قال: إني أحبها، قال: فأمسكها
إذاً)؛ أي: احفظها ولازمها كيلا تفعل فاحشة، وهذا يدل على أن تطليق مثل
هذه المرأة أولى لأنه قدم الطلاق على الإمساك، وقيل: معناه: لا تحفظ ما في
البيت ولا ترد يدَ مَنْ أراد أن يأخذ منه شيئاً، فمعنى قوله: «فأمسكها»؛ أي:
احفظها عما ذكرت من التبذير.
٢٤٧٩ - عن عمرو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه : أنَّ النبيَّ ◌َ﴾
قَضَى: ((أنَّ كلَّ مستَلْحَقِ استُلحِقَ بعدَ أبيهِ الذي يُدْعَى له اذَّعاهُ ورِثَّتُه))، فقَضَى:
٤٩

((أنَّ مَن كانَ مِن أَمَةٍ يملِكُها يومَ أصابها فقد لحِقَ بمن استلحَقَهُ، وليسَ له مما
قُسِمَ قبلَه مِن الميراثِ شيءٌ، وما أدركَ من ميراثٍ لم يُقْسَمْ فلهُ نصيبُه،
ولا يُلحَقُ إذا كانَ أبوهُ الذي يُدعى لهُ أنكرَهُ، فإن كانَ مِن أَمَةٍ لم يملِكْها، أو مِن
حُرَّةٍ عاهَرَ بها فإنه لا يَلحقُ ولا يرثُ، وإن كانَ الذي يُدعى له هو اذَّعاهُ فهو ولدُ
زَنْيَّةٍ، مِن حُرَّةٍ كَانَ أو أَمَةٍ)).
((عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي عليه الصلاة
والسلام قضى أن كل مستلحق)) بفتح الحاء: الولد الذي طلب الورثة أن يلحقوا
بهم ((استلحق بعد أبيه))؛ أي: بعد موت أبيه ((الذي يدعى له))؛ أي: ينسبه إليه
الناس بعد موت سيد تلك الأمة، ولم ینکر أبوه حتى يموت.
(ادعاه ورثته)) صفة لـ (مستلحق) أيضاً، ((فقضى)) تفسير للقضاء الأول:
((أن من كان من أمة يملكها يوم أصابها))؛ يعني: جامعها ((فقد لحق))؛ أي:
الولد ((بمن استلحقه، وليس له مما قسم قبله))؛ أي: قبل الاستلحاق ((من
الميراث شيء، وما أدرك من ميراث لم يقسم فله نصيبه)) على حسب ذكورته
وأنوثته، ((ولا يلحق إذا كان أبوه الذي يدعى له أنكره))؛ لأن الولد انتفى عنه
بإنكاره، وهذا إنما يكون إذا ادعى الاستبراء بأن يقول: مضى عليها حيض بعدما
وطئها وما وطئتها بعد مضي الحيض حتى ولدت وحلف على الاستبراء، فحينئذ
ینفی عنه الولد.
((فإن كان من أمة لم يملكها، أو من حرة عاهر بها))؛ أي: زنى بها، ((فإنه
لا يلحق ولا يرث))؛ لأن الزنا لا يثبت النسب، «وإن كان الذي يدعى له هو
ادعاه)) هذا تأكيد لقوله: فإنه لا يلحق ولا يرث، ((فهو ولد زنية من حرة كان أو
أمة)) .

٢٤٨٠ - عن جابر بن عَتيكٍ ﴾: أنَّ النّبيَّ نَ ◌ّهِ قال: ((مِن الغَيْرَةِ ما يُحِبُّ
الله، ومنها ما يُغِضُ الله، فأمَّا التي يُحبُّها الله: فالغَيْرةُ في الرِّبيةِ، وأمَّا التي
يُغِضُها الله: فالغَيْرةُ في غيرِ رِيبٍ، وإنَّ مِن الخُيَلاءِ ما يُبِغِضُ الله، ومنها ما
يحبُّ الله، فَأَمَّا الخُيَلاءُ التي يحبُّ الله: فاختيالُ الرجلِ عندَ القِتالِ واختيالُهُ عندَ
الصَّدقةِ، وأمَّا التي يُبغِضُ الله تعالى: فاختيالُهُ في الفخرِ)). ويُروى: ((في
البَغْيِ)).
((عن جابر بن عتيك: أن نبي الله بَ ◌ّير قال: إن من الغيرة ما يحب الله،
ومنها ما يبغض الله، فأما التي يحبها الله فالغيرة في الريبة)): وهي التهمة
والشك، وهنا الاختلاط مع الأجانب؛ يعني: إذا علم أن بين زوجته أو أمته وبين
الأجنبي ملاقاة وانبساطاً ومراحاً ينبغي للرجال أن لا ترضى بهذا.
((وأما التي يبغضها الله: فالغيرة في غير الريبة))؛ بأن يقع في خاطره ظن
سوء من غير أمارة.
((وإن من الخيلاء))؛ أي: الكبر ((ما يبغض الله، ومنها ما يحب الله، فأما
الخيلاء التي يحب الله: فاختيال الرجل عند القتال))، وهو التبختر عند المعركة
والاستهانة بالعدو، وإظهار الشجاعة حتى يتمكن الروع واسعة في قلبه.
((واختياله عند الصدقة)) وهو بأن تهزه الأريحية للسخاء، فيعطيها طيبة بها
نفسه فلا يستكثر الكثير، بل لا يعطي منها إلا وهو يعده قليلاً.
((وأما الذي يبغض الله: فاختياله في الفخر)) بأن يقول: أنا أشرف نسباً
وكرماً من فلان، ((ويروى: في البغي)) وهو الظلم.
٥١

١٤ - باب
العدَّة
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٤٨١ - عن أبي سلمةَ، عن فاطمةَ بنتِ قيسٍ: أنَّ أبا عمروٍ بن حفصٍ
طلَّقَها البَّةَ وهو غائبٌ، فَأَرسلَ إليها وكيلَه بشعيرٍ، فَتَسَخَّطَتْهُ، فقال: والله ما
لكِ علينا مِن شيءٍ، فجاءَتْ رسولَ اللهِ وَّهِ، فذكرَتْ ذلكَ له، فقال: ((ليسَ لكِ
نفقةٌ))، فأَمَرَها أنْ تعتذَّ في بيتِ أُمِّ شَريكٍ، ثم قال: ((تلكَ امرأةٌ يغشاها
أصحابي، اعتدِّي عندَ ابن أُمّ مكتومٍ فإنه رجلٌ أعمى، تَضعِينَ ثيابَكِ، فإذا
حَلَلْتِ فَآَذِنِينِ))، قالت: فلمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لهُ أنَّ مُعاوِيَةَ بن أبي سفيانَ، وأبا
جَهْمٍ خَطَباني؟ فقال: ((أمَّا أبو جَهْمٍ: فلا يَضَعُ عَصاهُ عن عاتِقِهِ، وأمَّا مُعاوِيةُ:
فصُعْلوٌ لا مالَ لهُ، انكِحي أُسامةَ بن زيدٍ)»، فَكَرِهْتُهُ ثم قال: ((انكِحي أُسامةَ
ابن زيدٍ))، فَنَكَحتُه فجعلَ الله فيهِ خيراً واغتبَطْتُ)).
وفي روايةٍ: ((فأمَّا أبو جَهْمٍ فرجلٌ ضَرَّابٌ للنِّساءِ)».
ورُوي: أنَّ زوجَها طلَّقَها ثلاثاً، فَأَتَتْ النبيَّ وَّهِ فقال: ((لا نفقةَ لكِ إلا أنْ
تکونی حاملاً».
(باب العدة)
((من الصحاح)):
((عن أبي سلمة، عن فاطمة بنت قيس: أن أبا عمرو بن حفص طلقها
البتة)) المراد بها هنا: الطلقات الثلاث ((وهو غائب، فأرسل إليها وكيله))؛ أي:
إلى فاطمة وكيل أبي عمرو ((الشعير للنفقة فسخطته))؛ أي: استقلته وعدَّته قليلاً
ولم ترض به.
٥٢

(فقال))؛ أي: الوكيل: ((والله ما لك علينا من شيء))؛ لأنك مطلقة
بائنة، «فجاءت)) فاطمة ((رسولَ الله وَالِهِ، فذكرت ذلك له، فقال رسول الله: ليس
لك نفقة)) قال الشافعي ومالك: لا نفقة للمطلقة البائنة إلا أن تكون حاملاً لكن
لها السُّكنى، وعندنا: تجب لها النفقة والسكنى في العدة كالمطلقة الرجعية.
معنى قوله: (ليس لك نفقة)؛ أي: النفقة التي تريدينها لأنها لم ترض
بالشعیر وأرادت أجود منه.
((فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: تلك))؛ يعني: أم شريك
((امرأة يغشاها أصحابي))؛ أي: يدخلون إليها فلا يصلُح بيتها للمعتدة، ((اعتدي
عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك)) خبر في معنى الطلب
بملازمة المسكن، والنهي عن الخروج، ووضع ثياب الزينة إلى انقضاء العدة؛
أي: لا تلبسي ثياب الزينة في حال العدة.
((فإذا حللت))؛ أي: من العدة بانقضائها ((فآذنيني))؛ أي: فأعلميني،
((قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني، فقال
رسول الله : أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه))، هذا كناية أنه كثير
الضرب والتأديب للنساء فلا تطيق ضربه.
((وأما معاوية فصعلوك))؛ أي: فقير ((لا مال له)) فلا تستريحين منه، وفيه
دليل على أن المستشار إذا ذكر الخاطب عند المخطوبة ببعض ما فيه من العيوب
على وجه النصيحة والإرشاد إلى ما فيه لم يكن غيبة موجبة للإثم، وأن المال
معتبر في الكفاءة.
(انكحي أسامة بن زيد، فكرهته، ثم قال: انكحي أسامة بن زيد،
فنكحته، فجعل الله فيه خيراً كثيراً، واغتبطت))؛ أي: صرت بحيث تغبطني
النساء بحظ كان لي منه بحيث يتمنى النساء مثل أحوالي.
٥٣

((وفي رواية: فأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء، وروي: أن زوجها
طلقها ثلاثاً فأتت النبي عليه الصلاة والسلام فقال: لا نفقة لك إلا أن تكوني
حاملاً)).
٢٤٨٢ - وقالت عائشةُ رضي الله عنها: إنَّ فاطمةَ كانتْ في مكان وَحْشٍ
فخيفَ على ناحييِّها، فلذلكَ رَخَّصَ لها رسولُ اللهِوَلَّهِ، تَعني فِي النُّقْلَة.
((وقالت عائشة: إن فاطمة)) بنت قيس («كانت في مكان وحش))؛ أي:
خال لا ساكن به، ((فخيف على ناحيتها))؛ أي: جانبها؛ يعني: نفسها، ((فلذلك
رخص لها النبيُّ عليه الصلاة والسلام؛ تعني)) الضمير لعائشة ((في النقلة)) بضم
النون؛ أي: في الانتقال من موضعها إلى بيت ابن أم مكتوم؛ لأنه لا سكنى لها
على الزوج.
٢٤٨٣ - وقالت عائشةُ رضي الله عنها: ما لِفاطمةَ أنْ لا تَتَّقي الله - يعني
في قولها: لا سُكنَى ولا نفقةَ.
((وقالت عائشة ما لفاطمة))، (ما) استفهامية بمعنى الإنكار ((ألا تتقي
الله))؛ أي: أما تخشي الله في نسبة هذا القول إلى النبي عليه الصلاة والسلام.
(يعني في قولها: لا سكنى ولا نفقة))، وما قال لها النبي صل﴿ هذا، بل
تجب للمطلقة النفقة والسكنى، وإنما أمرها بالخروج من منزلها لكون مكانها
وحشاً.
روى الجعفي: أن عمر ظُه رفع إليه حديث فاطمة، فقال: لسنا نترك
٥٤

كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة، وذلك بمحضر من الصحابة.
٢٤٨٤ - وقال سعيدُ بن المُسيبِ: إنما نُقِلَتْ فاطمةُ لطولٍ لسانِها على
أحمائها .
((قال سعيد بن المسيب: إنما نقلت فاطمة لطول لسانها على أحمائها)):
جمع حمو: قریب الزوج؛ يعني: كانت سليطة تؤذي أقارب زوجها.
٢٤٨٥ - وعن جابرٍ ﴾ قال: طُلِّقَتْ خالتي ثلاثاً، فَأَرادَتْ أنْ تَجُدَّ نخلَها
فزجرَها رجُل أنْ تَخْرُجَ، فَأَتَت النبيَّ وَّهِ فقالَ: ((بلى فَجُدِّي نخلَكِ، فإنه عَسَى
أنْ تَصَدَّقي أو تَفْعلي معروفاً).
((عن جابر ﴿ه قال: طلقت خالتي ثلاثاً فأرادت أن تجد نخلها))؛ أي:
تقطع ثمرة نخلها، ((فزجرها رجل))؛ أي: منعها ((أن تخرج، فأتت النبي عليه
الصلاة والسلام فقال: بلى، فجدي نخلك))؛ أي: اقطعي ثمرة نخلك، وهذا
يدل على أن المعتدة الخروج نهاراً للعذر، فلعل خالة جابر لم تكن لها من
يصلح نخلها، فرخص عليه الصلاة والسلام في الخروج.
((فإنه عسى أن تصدقي)) أصله: أن تتصدقي؛ أي: تؤدي زكاة ثمرتك إن
بلغت نصاباً، ((أو تفعلي معروفاً) بأن تصدقي صدقة التطوع إن لم يبلغ نصاباً.
٢٤٨٦ - وعن المِسْوَر بن مَخْرَمَة: أنَّ سُبَيْعةَ الأَسلَمِيَّةَ نُفِسَتْ بعدَ وفاةِ
زوجها بليالٍ - ويُروَى: وضعَتْ بأربعينَ ليلةً - فجاءَتْ النبيَّ وَ﴿ فاستأذنَتَّه أنْ
٥٥

تَنْكِحَ فأذِنَ لها فَنَكَحَتْ.
((عن المسور بن مخرمة: أن سبيعة)) بضم السين المهملة وفتح الباء
((الأسلمية نفست)) بضم النون؛ أي: ولدت بعد وفاة زوجها ((بليال، ويروى:
وضعت بأربعين ليلة، فجاءت النبي عليه الصلاة والسلام فاستأذنته أن تنكح،
فأذن لها فنكحت)) يدل على عدة الحامل بوضع الحمل.
٢٤٨٧ - عن أمِّ سلمةَ رضي الله عنها قالت: جاءَتْ امرأةٌ إلى النبيِّ لَله
فقالت: يا رسولَ الله! إِنَّ ابنتي تُوفِّيَ عنها زَوجُها، وقد اشتَكَتْ عينَها
أَفَتَكْخُلُها؟ فقال رسولُ الله ◌َِّ: ((لا))، مرتين أو ثلاثاً، كلُّ ذلكَ يقولُ: ((لا))،
ثم قال: ((إنما هي أربعةُ أَشْهُرٍ وعَشْرٌ، وقد كانَتْ إحداكُنَّ في الجاهليةِ تَرْمي
بالبَعرةِ على رأسِ الحولِ)).
((وعن أم سلمة قالت: جاءت امرأة إلى النبي عليه الصلاة والسلام
فقالت: يا رسول الله! إن ابنتي توفي عنها زوجها))؛ أي: مات ((وقد اشتكت
عينها))؛ أي: وجعت ((أفنكحلها؟ فقال رسول الله عليه السلام: لا، مرتين أو
ثلاثاً)) شك من الراوي، ((كل ذلك يقول: لا)) وفيه حجة لأحمد على أنه لا يجوز
الاكتحال بالإثمد للمتوفى عنها زوجها لا في رَمَد ولا في غيره، وعندنا ومالك:
يجوز الاكتحال به في الرمد.
وقال الشافعي: تكتحل للرمد ليلاً وتمسحه نهاراً.
((ثم قال: إنما هي أربعة أشهر وعشراً، وقد كانت إحداكن في الجاهلية
ترمي بالبعرة على رأس الحول))؛ يعني: كانت عدة المتوفى عنها زوجها في
الجاهلية حولاً كاملاً، فنسخ بأربعة أشهر وعشر، وذلك أن المرأة إذا توفي عنها
٥٦

زوجها دخلت بيتاً ضيقاً ولبست شرّ ثيابها ولا تمس شيئاً فيه زينة من طيب وغيره
حتى تمضي عليها سنة، ثم يؤتى بدابة من حمار أو شاة أو طير فتكسر بها
عدتها، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها، تريد انقضاء العدة بهذا الفعل
المحسوس .
٢٤٨٨ _ عن أمِّ حبيبةَ، وزينبَ بنتِ جَحْشٍ، عن رسولِ اللهِوَّ ه قال:
((لا يَحِلُّ لامرأةٍ تؤمنُ بالله واليوم الآخرِ أنْ تُحِدَّ على ميتٍ فوقَ ثلاثِ ليالٍ إلا
على زوجٍ: أربعةَ أشهرٍ وعشراً).
((عن أم حبيبة وزينب بنت جحش، عن رسول الله مَلي قال: لا يحل
لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت)) بترك الزينة والطيب والكحل
والدهن ((فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً) وفيه دليل على
وجوب الحداد على معتدة الوفاة .
٢٤٨٩ - وعن أمِّ عطيّةَ رضي الله عنها، أنَّ رسولَ اللهِوَّهِ قال: ((لا تُحِدُّ
امرأةٌ على ميتٍ فوقَ ثلاثٍ إلا على زوجٍ أربعةَ أشهرٍ وعَشْراً، ولا تَلْبَسُ ثوباً
مصبوغاً إلا ثوبَ عَصْبٍ، ولا تكتحلُ، ولا تَمَسُّ طِيْباً إلا إذا طَهُرت نُبذةً مِن
قُسْطٍ، أو أَظفارٍ))، ويروى: ((ولا تَخْتضبْ)).
((وعن أم عطية: أن رسول الله وَلثم قال: لا تحد امرأة على ميت فوق
الثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً، ولا تلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب
عصب)) بفتح العين وسكون الصاد المهملتين، نوع من البرود اليمنية يعصب
غزلها؛ أي: يجمع ویشد ثم يصبغ وینسج، فلا بأس بلبسه.
٥٧

((ولا تكتحل، ولا تمس طيباً إلا إذا طهرت نبذة))؛ أي: قطعة يسيرة (من
قسط)) بضم القاف عود يحمل من الهند يجعل في الأدوية، وقيل: هو عقاقير
البحر طيب الريح تتبخر به النفساء.
((أو أظفار)) بفتح الهمزة جنس من الطيب أسود يجعل في الدخنة لا واحد
له من لفظه، والتقدير: ولا تمس طيباً إلا نبذة منهما إذا طهرت بعد الحيض
الذي يعتبر بها في العدة، فإنه يباح لها ذلك، ويروى: (ولا تختضب).
مِنَ الحِسَان:
٢٤٩٠ - عن زينبَ بنتِ كعبٍ: أنَّ الفُرَيعةَ بنتَ مالكِ بن ◌ِنانٍ، وهي
أختُ أبي سعيدِ الخُدريِّ رضي الله عنها، أخبرَتْها أنها جاءَتْ إلى رسولِ الله وَه
تسألُهُ أنْ تَرجِعَ إلى أهلِها في بني خُدْرةَ، فإنَّ زوجَها خرجَ في طلبٍ أَعْبُدٍ له
أَبَقُوا فقتلُوه، قالت: فسألتُ رسولَ اللهِوَّهِ أَنْ أَرْجِعَ إلى أهلي، فإنَّ زوجي لم
يترُكْني في منزلٍ يملِكُهُ ولا نفقةٍ، فقالت: قال رسولُ اللهِ وَّ: ((نعم))،
فانصرَفْتُ حتى إذا كنتُ في الحُجْرةِ أو في المسجدِ دَعاني، فقال: ((أُمْكُني في
بيتِكِ حتى يبلغَ الكتابُ أجلَهُ»، قالت: فاعتدَدْتُ فيه أربعةَ أشهرٍ وعَشْراً.
((من الحسان)):
((عن زينب بنت كعب: أن الفريعة)) بضم الفاء وفتح الراء المهملة ((بنت
مالك بن سنان، وهي أخت أبي سعيد الخدري أخبرتها: أنها جاءت إلى
رسول الله ﴿ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة)) بضم الخاء المعجمة حي
من الأنصار، ((فإن زوجها خرج في طلب أعبد له)) جمع عبد ((أبقوا))؛ أي:
هربوا ((فقتلوه، قالت: فسألت رسول الله وَ ل﴿ أن أرجع إلى أهلي، فإن زوجي لم
يتركني في منزل يملكه ولا نفقة))؛ أي: ولا في نفقة، ((فقالت: قال رسول الله رَتليفون :
٥٨

نعم، فانصرفت))؛ أي: فرجعت من عنده عليه الصلاة والسلام، ((حتى إذا كنت
في الحجرة أو في المسجد دعاني فقال: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب
أجله))؛ أي: حتى تنقضي العدة، سميت العدة كتاباً؛ لأنها فريضة من الله تعالى
كما قال تعالى: ﴿كُنِبَ عَلَيْكُمْ ﴾؛ أي: فرض.
((قالت: فاعتددت))؛ أي: قضيت عدتي ((فيه أربعة أشهر وعشراً) وهذا يدل
على أن المعتدة تعتد في المنزل الذي وجبت فيه العدة إلا أن تنتقل منه بعذر.
٢٤٩١ - عن أمّ سَلَمَةَ قالت: ((دخلَ عليَّ رسولُ الله ◌ِِّ حينَ توفي أبو
سلَمَةَ وقد جعلتُ على عَينِيَّ صَبراً فقال: ((ما هذا يا أُمَّ سلمةَ؟)) فقلتُ: إنما هو
صَبرٌ ليسَ فيه طِيبٌ، فقال: ((إنه يَشُبُّ الوجهَ فلا تجعَليهِ إلا بالليلِ وَتَنْزَعِيهِ
بالنَّهارِ، ولا تَمْتَشِطِي بالطِّيبٍ، ولا بالحِنَّاءِ فإنه خِضابٌ))، قلتُ: بأيِّ شيءٍ
أَمْتَشِطُ يا رسولَ الله؟ قال: ((بالسّدر تُغَلِّفِينَ به رأسَكِ)).
((عن أم سلمة قالت: دخل علي رسول الله وَ في حين توفي أبو سلمة وقد
جعلت على عيني صبراً)) بفتح الصاد وكسر الباء: الدواء المر، ((فقال: ما هذا يا
أم سلمة؟ فقلت: إنما هو صبر ليس فيه طيب، فقال: إنه يشب الوجه))؛ أي:
يوقده ويلونه ويلينه ويحسنه، «فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار ولا تمتشطي
بالطيب)): الباء فيه للحال؛ أي: حال كون المشط مطيباً ((ولا بالحناء فإنه
خضاب قلت: بأي شيء أمتشط يا رسول الله؟ قال: بالسدر تغلفين)) بفتح التاء،
أصله: تتغلفين ((به رأسك)): من قولهم تغلف: إذا تلطخ بها؛ يعني: لا تكثرين
منه على شعرك حتى يصير غلافاً له، فتغطيه كتغطية الغلاف المغلوف، وروي
بضم التاء فمعناه: لا تمكني أن يفعل بك ذلك.
*
٥٩

٢٤٩٢ - عن أمّ سلمةَ رضي الله عنها: أنَّ النبيَّ بَّ أنه قال: ((المُتَوفَّى
عنها زوجُها لا تلبَسُ المُعَصفَرَ من الثّيابِ، ولا المُمَشَّقَةَ، ولا الحُليَّ، ولا
تختَضبُ، ولا تكتَحِلُ)).
((عن أم سلمة، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: المتوفى عنها
زوجها لا تلبس المعصفر) بضم الميم وفتح العين؛ أي: الذي يصبغ بالعصفر
((من الثياب، ولا الممشقة)) بضم الميم الأولى وفتح الشين المعجمة المشددة:
هي المصبوغة بالمشق - بالكسر ثم السكون - وهو المغرة وهو طين أحمر،
((ولا الحلي، ولا تختضب، ولا تكتحل)).
*
١٥ - باب
الاستبراء
(باب الاستبراء)): وهو طلب براءة الرحم من النطفة.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٤٩٣ - عن أبي الدرداءِ ﴿ أنَّه قال: مرَّ النبيُّ ◌َهِ بامرأةٍ مُجِحٍّ فسألَ
عنها؟ فقالوا: أَمَّةٌ لفلانٍ، قال: ((أَيْلِمُّ بها؟)) قالوا: نعم، قال: ((لقد همَمْتُ أنْ
أَلَعنَّهُ لعناً يدخلُ معَهُ في قبرِهِ، كيفَ يستخدِمُه وهوَ لا يحِلُّ لهُ؟ أَمْ كيفَ يوَرُِّه
وهو لا یحِلُّ له».
((من الصحاح)) :
((عن أبي الدرداء قال: مر النبي عليه الصلاة والسلام بامرأة مجح)): بضم
الميم وكسر الجيم وتشديد الحاء: هي الحامل التي قربت ولادتها، ((فسأل
عنها))؛ أي: عن كيفيتها، ((فقالوا: إنها أمة لفلان، فقال: أيلم بها)) الإلمام
٦٠