النص المفهرس

صفحات 381-400

(أشعثَ أغبرَ))؛ أي: حالَ كونهِ ذا وسَخٍ وغبار.
((يمدُّ يديه))؛ أي: يرفَعُهما ((إلى السماء)) سائلاً حوائجَه وقائلاً:
(يا ربِّ، يا ربِّ))، ظاناً أن هذه الحالات من إطالة السفر وإصابة الشَّعَث
وعلاء الغبرة من مَظَانٌّ إجابة الدعوات.
((ومطعمُه))؛ أي: والحالُ أن مطعمَه («حرامٌ، ومَشْرَبِهُ حرامٌ، ومَلْبَسُه
حرامٌ)) في حال کِبْره.
(ُغذِيَ بالحرام)) في حال صِغَرِهِ.
((فأنَّى يُستجابُ))، هذا استبعادٌ لاستجابة الدعاء لا بيانٌ لاستحالتها.
(ذلك؟))؛ أي: لذلك الرجلِ، واللام للتعليل؛ أي: لا يستجابُ لكون
مطعَمِه وأخواتِهِ حَرَاماً، وهذا يدلُّ على أن حِلَّ المَطْعَم وأخواتِهِ مما يتوقَّفُ عليه
إجابةُ الدعاء، ولذا قيل: إن للدعاء جَناحَين: أكلَ الحلال وصِدْقَ المقال.
٢٠١٦ - وقال: ((يَأْتِي على النَّاسِ زمانٌ لا يُبالي المَرءُ ما أَخَذَ مِنْهُ أَمِنَ
الحلالِ أَمْ مِنَ الحَرامِ» .
((وعنه أنه قال: قالَ عليه الصلاة والسلام: يأتي على الناس زمانٌ لا يبالي
المرءُ ما أُخِذَ منه))، والمراد به المال، يعني: لا يبالي بما أُخِذَ من المال، «أمِنَ
الحلال أم مِن الحرام)) (١).
(١) جاء بعده في جميع النسخ: ((قال عمر رضي الله عنه: لا يبيع في سوقنا إلا من تفقه))،
ولا يوجد عليه شرح. ولم نقف عليه في نسخ ((مصابيح السنة)) المعتمدة لدينا والله
أعلم.
٣٨١

٢٠١٧ - وقال ((الحَلَاَلُ بَيْنٌ، والحَرَامُ بَيْنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ
لا يَعْلَمُهُنَّ كثيرٌ مِنَ الناسِ، فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضهِ، ومَنْ
وَقَعَ في الشُّبُهَاتِ وقَعَ في الحَرامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ
فِيهِ، أَلاَ وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَّى، أَلَ وإِنَّ حِمَى الله مَحَارِمُهُ، أَلاَ وإنَّ في الجَسَدِ
مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ
القَلْبُ».
((وعن النعمان بن بَشِير أنه قال: قال رسول الله وَّه: الحلال بَينٌ))؛ أي:
بعضُ الأشياء واضحٌ حِلُّه.
((والحرامَ بينٌ))؛ أي: بعضُها واضحٌ حرمتُه بالدلائل الظاهرة.
((وبينهما أمورٌ مشتبهات))؛ يعني: بعض الأشياء مشتبِهةٌ لوقوعه بينَ
دليلهما .
((لا يَعْلَمُهِنَّ كثيرٌ من الناس))؛ يعني: لا يَمِيْزُ بينهما إلا العلماءُ المجتهدُون.
((فمن انَّقى الشُّبُهات))؛ أي: اجتنبَ عن الأمور المُشْبِهِة قبلَ ظهورِ حُكمْ
الشَّرْع فيها بأحدِ الأدلَّةِ التي هي: النصُّ والقياسُ والإجماعُ والاجتهاد.
((استبرأَ لدينه))؛ أي: بالغَ في براءة دينِه وصيانته من أن يَخْتِلَ بالمحارم.
((وعِرْضه)) من أن يُتَّهم بترك الوَرَع.
((ومَن وقع في الشُّبُهات))؛ أي: أتى بها وتعوَّد ذلك.
((وقعَ في الحرام))؛ أي: يوشِكُ أن يقعَ في الحرام؛ لأنه حام حَوْلَ
حريمه، وإنما قال: (وقعَ) دون (يوشك أن يقع) تحقيقاً لمداناة الوقوع، كما
يقال: (من اتبع هواه فقد هلك)، ولمَّا كانت حِمَى الملوك محسوسةً يُخْتَرِزُ عنها
كلُّ ذي بَصَرٍ، وحِمَى الله معقولة لا يدرِكُه إلا ذو البصائر ضربَ المَثَلَ
بالمحسوس بقوله:
٣٨٢

(كالراعي يَرْعَى حول الحِمَى بوشِكُ أن يَرْتَعَ فيه)»، شَبَّه آخذ الشُّبُهات
بالراعي، وفيه تشبيهُ المحارم بالحِمَى، والشُّبُهات بما حولَه، ثم أكَّد التحذيرَ من
حيث المعنى بقوله:
((ألا وإن لكل ملك حمّى، ألا وإنَّ حمى الله تعالى محارمُه))، وفيه إشارةٌ
إلى أن الاحتراز عن مقارَبة محارم الله أحقُّ من مجانبة حِمَى كلِّ مَلِك؛ لأن
عقابَه أشدُّ، ولمَّا كان التورُّع بميل القَلْبِ إلى الصلاح وعدمِه بميله إلى الفجور
نبّه څ بقوله:
((ألا وإنَّ في الجسد مُضغةً إذا صلَحتْ))، بفتح اللام؛ أي: انشرحَتْ
بالهداية .
(صَلَحَ الجسدُ كلُّه))؛ أي: استُعْمِلت الجوارح في الخيرات؛ لأنها متبوعةٌ
للجسد .
((وإذا فَسَدَت))؛ أي: انشرحَتْ بالضلالة.
((فسدَ الجَسَدُ كلُّ)) باستعمال الآلة في المنكرات.
((ألا وهي القَلْبُ))، سُميت بالقلب؛ لأنها محلُّ الخواطر المختلِفَة الحاملةِ
على الانقلاب.
٢٠١٨ - وقال: ((ثَمَنُ الكلبِ خَبيثٌ، ومَهْرُ الْبَغِيِّ خَبيثٌ، وكَسْبُ
الحَجَّامِ خَبيثٌ».
((عن أبي هريرةَ ﴿ه أنه قال: قال رسول الله وَّخِ : - ثمنُ الكلب خبيثٌ»،
استدلَّ به الشافعي على أن بيع الكلب مطلقاً غیرُ جائز.
وجَوَّزه أبو حنيفة، وأجاب عن الحديث: بأن لفظ الخَبيث لا يدلُّ على
٣٨٣

الحرمة بدليل أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: ((وكسب الحَجَّام خَبِيثٌ))، مع أنه
ليس بحرام اتفاقاً، وقد ثبتَ أنه - عليه الصلاة والسلام - احتجَم وأعطى أُجْرَة
الحَجَّام.
((ومَهْر البغي))؛ أي: الزانية ((خبيثٌ)): أراد به الحرام؛ لأن ما تأخذُه عوضاً
عن الزنا المحرَّم ذريعةٌ إلى الحرام، ووسيلةُ الحرام حرام، وسمَّاه مَهْراً مجازاً؛
لأنه في مقابلة البُضْع أيضاً.
((وكَسْبُ الحَجَّامِ خَبِيثٌ))، إطلاقُ الخَبِث عليه باعتبار حصولهِ من أَدْنی
المكاسب.
٢٠١٩ - وعن أبي مَسْعُود الأَنْصَارِي ظُه: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهُ نَهَى عَنْ ثَمَنِ
الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ، وحُلْوَانِ الكَامِنِ.
((عن أبي مسعود الأنصاري أنَّ رسولَ الله وَّ﴿ نهى عن ثمن الكلب))،
وهذا محمولٌ على أنه كان في زمن النبي - عليه الصلاة والسلام - حتى أمرَ
بقتلِها، وكان الانتفاعُ بها يومئذ محرَّماً ثم رخَّصَ في الانتفاع بها.
روي: (أنه قضى في كلبٍ صيدٍ قتلَه رجلٌ بأربعين درهماً، وقضى في
کلپٍ ماشية بكبشٍ).
((ومَهْرِ البَغِيِّ، وحُلْوانِ الكاهن))؛ أي: ما يُعطَاه من الأجر والرِّشْوَة على
كهانته، والكاهِنُ هو المخبِرُ عن الكوائن المستقَبلِيَّة أو عمَّا مضى، أو عن نحسٍ
طالعٍ وسعدِه، ونحو ذلك؛ لأن فِعْلِ الكِهَانة باطلٌ، فلا يجوزُ أَخْذُ الأجرة عليه.
٣٨٤

٢٠٢٠ - وعن أبي جُحَيْفَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ، وَثَمَنِ
الكَلْبِ، وكَسْبِ الْبَغِيِّ، ولَعَنَ آكِلَ الرِّبا، ومُوكِلَه، والواشِمَةَ، والمُسْتَوْشِمَةَ،
والمُصَوِّرَ.
((وعن أبي جُحَيْقة أن النبي - عليه الصلاة والسلام - نهى عن ثَمَن الدم))؛
لأنه نَجِسٌ لا يجوز بيعُه بالإجماع .
(وثمنِ الكلب، وكَسْبِ الْبَغِيِّ، ولَعَنَ آكل الرِّبَا))، وهو أخذُ الزيادة على
ما أعطى.
((وموكِلَه))؛ أي: معطيَه، وهو المديون الذي يُعطي الزيادة، وإنما لُعِنَاً
لاشتراكهما في الفعل.
(والواشمة)): وهي المرأة التي تَشِم؛ أي: تغرِزُ بإبرة على يدها أو يد
غيرها، ثم تُحَشِّي بالكحل.
((والمستوشمة)): وهي التي تطلب أن يُجعلَ على يدها وَشْمٌ، وهذا الفعل
حرام؛ لأنه تغييرُ خلق الله تعالى؛ ولأن هذا من فِعل الفُسَّاق والجُهَّال.
((والمُصَوِّر)) الذي يصوِّر صُورَ الحيوانات دون صُوَرِ الأشجار والثمار
ونحو ذلك؛ لأن الأصنام التي عُبِدَت كانت على صور الحيوانات.
٢٠٢١ - عن جابرٍ﴾ أَنَّهُ سَمِعَ رسُولَ اللهِ وَ﴾ يقولُ عامَ الفَتْحِ وهو
بمَكَّةَ: ((إِنَّ الله ورسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ والمَيْتَةِ والخِنْزِيرِ والأصنامِ»، فقيل:
يا رَسُولَ الله!، أَرَأَنْتَ شُحُومَ المَيْنَةِ، فإنَّهُ يُطْلَى بها السُّفُنُ ويُدْهَنُ بها الجُلُودُ
ويَسْتَصْبِحُ بها النَّاسُ؟، فقال: ((لا، هو حَرامٌ))، ثُمَّ قالَ عِنْدَ ذلِكَ: ((قاتلَ الله
اليَهُودَ، إنَّ الله لمَّا حَرَّمَ شُحُومَها جَمَلوها ثُمَّ باعوها فَأَكَلُوا ثَمنَها)».
٣٨٥

((وعن جابر أنه سمع رسول الله وَل﴾ يقولُ عام الفتح وهو بمكة: إن
الله ورسولَه حَرَّمَ بيع الخَمْرِ، والميتة، والخنزير، والأصنام)): جمع صنم، وهو
ما يعبدُه الكفار من حجر وغيره، ذكره الرسولُ لأن حرمة بعض المذكورات
مستفادةٌ من سنته، أو للدلالة على أن ما حَرَّمه كان حراماً بتحريمه تعالى، إذ
لا ينطق عن الهوى، وتحريمُ بيع المذكورات يدلُّ على أنَّ مَن أراق خمرَ
النصرانيِّ، أو قتلَ خِنزيراً له لا غرامةَ عليه، وعلى تحريم بيع جِلْد الميتة قبل
الدباغ لنجاسةِ عَيْنهِ، وعلى تحريم بيع الأعيان النَّجِسة وإن انْتُفِعَ بها حالةً
الضرورة كالسرقين ونحوه، وعلى تحريم بيع ما يُنتفع به من الحيوانات قياساً
على الخنزير كالأسد والفهد والدبِّ والقرد ونحوها من حشرات الأرض، وعلى
تحريم بيع شعر الخنزير، وعلى تحريم بَيْعِ الصُّوَر المتخذَةِ من الخشب والحديد
والفضة والذهب.
((فقيل: يا رسولَ الله! أرأيتَ شحومَ الميتة))؛ أي: أخبِرْني عن شحومها.
((فإنه)): الضمير للشأن.
((يُطْلَى بها السُّفُنُ، ويُدْهَن بها الجلودُ، ويَسْتَصْبِحُ بها الناس)): هل يجوز
ذلك أم لا؟ .
((فقال: لا))؛ أي: لا يجوز ذلك.
((هو))؛ أي: ذلك الفعلُ حرامٌ.
(ثم قال عند ذلك: قاتلَ الله اليهودَ»؛ أي: أهلكَهم ولعنَهم أو عاداهم.
((إنَّ الله لمَّا حَرَّمَ شحومَها)»: الضمير يرجِعُ إلى غير المذكور، والمرادُ منه
البقرُ والغنمُ كقوله تعالى: ﴿الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيَّهِمْ شُحُومَهُمَا ﴾ [الأنعام:
١٤٦]، والمحرَّمُ عليهم هو شحْمُ الكلى والكَرِش والأمعاء دون شَخْم الظُّهُور
والإِلْية؛ لقوله تعالى: ﴿إِلََّ مَا حَمَلَتْ تُهُورُهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦].
٣٨٦

«أجْمَلُوه)»؛ أي: أذابوه ليزولَ اسمُ الشَّخْم ويصير وَدَكاً هنا.
(ثم باعوه))، الضمير فيهما ضميرُ الشحم لا الشحوم.
(فأكلُوا ثمنه))، وفيه دليلٌ على بطلان كلِّ حيلة يُتوصَّلُ بها إلى مُحَرَّم،
فإنه: لا يتغيّرُ حکمه بتغیر هيئته وتبدیل اسمه .
٢٠٢٢ - عن عمرَ ﴾: أنَّ رَسُولَ الله ◌ِ قال: ((قاتَلَ الله اليَهُودَ، حُرِّمَتْ
عَلَيْهِمُ الشُّحومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاءُوهَا)).
((وعن عمرَ أن رسولَ اللهِ وَ﴿ قال: قاتلَ الله اليهودَ، حُرِّمتْ عليهم
الشحومُ فجَمَلُوها فباعوها))، يقال: جَمَلَه يَجْمُلُه جَملاً، وأَجْملَه: إذا أذابه
واستخرجَ دُهْنَه.
٢٠٢٣ - وعن جابرٍ : أَنَّ النَّبيَّ لَهِ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ والسِّنَّوْرِ.
((عن جابرٍ أن رسولَ الله - عليه الصلاة والسلام - نهى عن ثمنِ الكَلْبِ
والسِّور)»، كرهَ بعضُهم بيعَ السُّور بظاهر الحديث، وجَوَّزَ الأكثرون بَيْعَها،
وتأوَّلوا الحديثَ على الوَحْشِيِّ منها للعَجْز عن تسليمِه، فإنه لو رُبِطَ لم ينتفِعْ به؛
لأن نفعَه صيدُ الفأرة، ولو لم يُربَطْ لربَّما ينفُر، ويضيع المالُ المصروفُ في
ثمنه .
٢٠٢٤ - عن أنسٍ ◌َُ قال: حَجَمَ أَبُو طَيْبَةَ رَسُولَ الله وَّةِ، فَأَمَرَ له بصاع
من تَمرِ، وأَمَرَ أهلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عنهُ مِنْ خَرَاجِهِ.
((عن أنس أنه قال: حَجَمَ أبو طَيْيةَ رسولَ الله وَاخ)، قيل: كان أبو طَيْبة
٣٨٧

عبداً لبني بَيَاضَةَ، وقد وضعُوا عليه خَرَاجاً بأن قالوا له: أعطِنا كلَّ شهرٍ كذا،
والباقي مِن كَسْبكَ لك.
(( فأمرَ له))؛ أي: الرسولُ لأبي طَيْبَة.
((بصاعٍ من تمر، وأمرَ أهلَه)): يعني به: ساداته.
((أن يخفِّفوا عنه من خَرَاجه))؛ أي: يُنْقِصُوا من ذلك الخراج شيئاً.
مِنَ الحِسَانِ:
٢٠٢٥ - عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبيُّ وَّهِ: ((إنَّ أَطْيَبَ
ما أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وإِنَّ أَوْلاَدُكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ)).
وفي رواية: ((إِنَّ أَطْيَبَ ما أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبهِ، وإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبهِ)).
((من الحسان)):
((عن عائشةَ أنها قالت: قال النبيُّ - عليه الصلاة والسلام -: إن أَطْيَبَ))،
أفعل التفضيل مِن الطَّيب وهو الحلال؛ أي: أحل.
(ما أكلْتُم مِن كَسْبِكم))؛ (يعني أحسن الحلالات ما تكسبون بأيديكم.
((وإن أولادكم مِن كَسْبِكم))؛ لأنهم حَصَلُوا بواسطة تزوُّجِكم وسَعْيكم،
فيجوزُ لكم أن تأكلُوا إذا كنتم محتاجين مِن كَسْبِ أولادِكم، وإلا فلا، إلا أن
تَطیبَ أنفسُهم به .
(وفي رواية)) هاهنا: ((إن أطيَب ما أَكَلَ الرجلُ من كَسْبهِ، وإِنَّ ولدَه مِن
کَسْبه».
٣٨٨

٢٠٢٦ - وعن عبدِ الله بن مسعودٍ ﴾، عن رسول الله وَ﴾ أنّه قال:
((لا يَكْسِبُ عَبْدٌ مالاً حَرَاماً، فَيَتَصَدَّقَ مِنْهُ فِيُقْبَلَ مِنْهُ ولا يُنْفِقُ مِنْهُ فَيُبَارَكَ له
فيهِ، ولا يَثْرُكُهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ إلاَّ كانَ زادَهُ إلى النَّارِ، إنَّ الله لا يَمْحُو
السَّيْئَ بالسَّيئِ، ولكن يَمْحُو السَّيئَ بِالحَسَنِ، إِنَّ الخَبيثَ لا يمحوُ
الخَبیثَ».
((عن عبدالله بن مسعودٍ، عن رسول الله وَلِ أنه قال: لا يَكْسِبُ عبدٌ مالاً
حراماً فيتصدقُ)) - بالرفع - ((منه فيقبَلُ منه، ولا يُنْفِقُ منه، فيبارَكُ له)» بالرفع
أيضاً، له.
((فيه ولا يَتْرُكُه خلفَ ظهرِه إلا كان)) ذلك الترك أو متروكه ((زادَه)) بالزاي
المعجمة؛ أي: زوَّادته منتهية ((إلى النار))، وفي بعض النسخ: بالراء المهملة،
من الردِّ: المنعُ؛ أي: مانعة عن غير النار ويضطرُّه ويُلْجِتُه إلى النار.
((إن الله لا يمحو السيئَ بالسيئ))؛ يعني: التصدُّقُ بالمال الحرام سيئة؛
أي: خَصْلَةٌ سيئة، فلا يمحو الله أعمالَ السيئات بهذه السيئة.
((ولكن يمحو السيئءَ بالحَسَن، إنَّ الخبيثَ لا يمحو الخبيثَ)).
٢٠٢٧ - وقال: ((لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ لحمٌ نَبَّتَ مِنَ السُّحْتِ، وكُلُّ لَحْمٍ نَبَّتَ
مِنَ السُّحْتِ كانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ» .
((وعن جابر أنه قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: لا يدخلُ الجنةَ لحمٌّ نبتَ
من السُّحْت)) حتى يُحرَقَ بالنار، ويَطْهُرَ بها من الحرام.
((وكلُّ لحم نبتَ من السُّحْتِ كانت النار أولى به))، لتطهِّرَه عن ذلك
بإحراقها إياه، هذا على ظاهر الاستحقاق، أما إذا تاب الله عليه أو غفرَ له من غير
٣٨٩

توبة، وأَرْضَى خَصْمَه أو نالته شفاعةُ شفيع فهو خارجٌ عن هذا الوعيد، فالحديثُ
للزَّجْر والتَّهْدید.
٢٠٢٨ - عن الحسن بن عليٍّ ﴾ أنَّه قال: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِوَاهـ
يقولُ: ((دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلى مالا يَرِيبُكَ، فإنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وإنَّ الكَذِبَ رِيبَةٌ)).
((عن الحسن بن عليٍّ ﴾ أنه قال: حفظتُ من رسول الله وَ﴿ يقولُ: دعْ
ما يَرِيبُك إلى ما لا يَرِيبُّك))؛ أي: اترك ما اعترضَ لك فيه الشِّ، واذهب إلى ما
لا شكَّ فيه، يعني: خذْ ما أيقنتَه حَسَناً وحلالاً، واتركْ ما شكَكْتَ في كونه
حسناً.
(فإن الصِّدْقَ طمأنينةٌ))؛ أي: مما يَطْمَئِنُّ له القَلْبُ ويسكن إليه.
(وإن الكَذِبَ ريبةٌ))؛ أي: مما يَقْلَقَ له ويضطرب منه، يعني: إذا وجدتَ
نَفْسَك ترتابُ في شيءٍ فاترُكْه، فإن نَفْسَ المؤمن تطمئنٌّ للصدق وترتاب
للكذب، فارتيابُكَ فيه أَمَارةُ بطلانه، وطُمَأْنِينتُك فيه علامةٌ حَقِّيته.
٢٠٢٩ - عن وَابصَةَ بن مَعبدٍ ﴾: أَنَّ رسول اللهِوَِّ قال: ((يَا وَابِصَةُ!
جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ البرِّ والإِثْمِ)؟، قلتُ: نَعَمْ، قال: فَجَمَعَ أَصابعَهُ فَضَرَبَ بها
صَدْرَهُ وقال: ((اِسْتَفْتِ نَفْسَكَ واَسْتَفتِ قَلْبَكَ، ثلاثاً، البرُّ ما اَطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ
نفسُك واَطْمَأَنَّ إِلَيْهِ قلبُك، والإِثْمُ ما حاكَ فِي النَّفْسِ وتَرَدَّدَ في الصَّدْرِ وإِنْ أَفْتَاكَ
النَّاسُ)).
((عن وابصة بن معبَدٍ أنه ﴿ قال: يا وابصةُ جئتَ تسأل عن البِرِّ)،
٣٩٠

بالكسر: الإحسانُ، وهو في حق الوالدين والأقْرَبين ضدُّ العقوق، وهو الإساءة
إليهم وتضييعُ حقوقهم، وقيل : البِرُّ اسم جامعٌ للخير كلِّه.
((والإثم)): وهو الذنب.
((قلت: نعم))، وقولُهُ وَليهِ لواصبةَ وقد أَضْمَرَ في نفسِه أن يسألَ النبيَّ وَلـ
عن ذلك من أعلام النبوة.
((قال))؛ أي: الراوي.
((فجمعَ أصابِعَه فضربَ بها صَدْرَه))، الضمير للنبي - عليه الصلاة والسلام -
يعني: أشارَ إلی صَدْرِه.
((وقال)): يا وابصةُ.
((استفتِ نفسَك))؛ أي: اطلب الفَتْوى من نفسك.
((استفتِ قلبَك ثلاثاً)، فما سكنَ قلبُك على أنه حَقٌّ فخُذْه، وإلا فلا.
أراد أن يسألَه عما أَشْكَلَ عليه منهما، فأمره ◌َّ بالأخذ بما هو بمَعْزِلٍ عن
الاشتباه .
(البِرُّ ما اطمأنَّتْ إليه النَّفْسُ))؛ أي: في كونه حَسَناً مرضياً.
((واطمأنَّ إليه القَلْبُ)): عطفٌ على اطمئنان النفس، للتقرير والتأكيد.
ذهبَ الأكثرون إلى أن الأَمَارة التي أشارَ إليها النبي - عليه الصلاة والسلام
- للتمييز بين الأمرين إنما هو في عموم المؤمنين، وليست مختصَّةً ببعضهم دونَ
البعض، ومنهم مَنْ ذهب إلى أنها تختصُّ بأهل النظر وأصحاب الفِرَاسات من
ذوي القلوب السليمة والنفوسِ المرتاضة، فإن قلوبَهم تصْبُو بالطبع إلى الخير
وتنبو عن الشر، وتُلْهَم الصواب غالباً.
((والإثمُ ما حاك))؛ أي: تَردَّد وأثرَ ((في النفس))؛ أي: القلبُ بالتَّخَالج.
٣٩١

((وتردّدَ في الصدر)»، من حاك يَحيك: إذا تردّد في القلب، ولم يستقرَّ
القلبُ علیه.
((وإن أفتاك الناسُ))؛ أي: وإن جعلُوا لك فيه رُخْصةً، مثلاً: رجلٌ له مالٌ
حلالٌ وحرامٌ إِنْ أتاك بشيءٍ من مالِه، والمفتي يقول لك: كُلُّ ما لم تتيقَّن كونه
حراماً جازَ لك أَكْلُه، فلا ينبغي لك أن تأكلَه خوفاً أن تأكلَ الحرام، فإن الفَتْوى
غيرُ التَّقْوى.
٢٠٣٠ - عن عَطِيَّة السَّعْدِيِّ ﴿له أنه قال، قال النبيُّ نَّهِ: ((لا يَبْلُغُ العَبْدُ أَنْ
يَكُونَ مِنَ المُتَّقِينَ حتَّى يَدَعَ ما لا بَأْسَ بِهِ حَذَراً لِمَا بِهِ بَأْسٌ)) .
((عن عطيةَ السَّعْدِيِّ ◌َ﴿ أنه قال: عليه الصلاة والسلام: لا يبلُغُ العبدُ أن
يكونَ مِن المتقين حتى يَدعَ»؛ أي: يترُكَ ((ما لا بأس به حَذَراً لما به بأسٌ))؛
أي: خوفاً من أن يقعَ فیما به بأسٌ.
٢٠٣١ - عن أنسٍ ﴿ه قال: لَعَنَ رَسُولُ اللهِوَهُ فِي الخَمْرِ عَشْرَةً:
عَاصِرَهَا، ومُعْتَصِرَهَا، وشَارِبَها، وحَامِلَهَا، والمَحْمُولَة إِلَيْهِ، وسَاقِيَهَا،
وبَائِعَهَا، وآكِلَ ثَمَنِهَا، والمُشْتَرِيَ لها، والمُشْتَرَاةَ لَهُ.
((عن أنسٍ ﴾ أنه قال: لعنَ النبيُّ نَّه في الخَمْرِ))؛ أي: في شأنها.
((عشرةً: عاصرَها)): وهو الذي يعصِرُ لغيره.
((ومُعْتَصِرَها)): وهو من يعصِرُ لنفسه أو: من يطلُبُ عَصْرَها.
((وشاربَها، أو حامِلَها، والمحمولةَ إليه))؛ أي: الذي يطلُبُ أن يَحْمِلَها
أحدٌ لأجله.
٣٩٢

((وساقِيَها، وبائعها، وآكلَ ثمنها، والمشتريَ لها))؛ أي: الذي اشتراها.
((والمشترى له))؛ أي: الذي تُشْتَرى له بالوكالة.
٢٠٣٢ - عن ابن عمرَ ﴾ قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: (لَعَنَ الله الخَمْرَ،
وشَارِبَهَا، وسَاقِيَهَا، وبَائِعَهَا، ومُبْتَاعَهَا، وعَاصِرَهَا، ومُعْتَصِرَها، وحَامِلَهَا،
والمَحْمُولَة إِلَيْهِ».
((وعن ابن عمر ﴾ أنه قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: لعنَ الله الخمرَ،
وشاربَها، وساقيها، وبائعَها، ومبتاعَها))؛ أي: مشتريها.
((وعاصرَها، ومعتصرَها، وحاملَها، والمحمولَةَ إليه)).
٢٠٣٣ - وعن مُحَيصَةَ ﴿ه: أنَّه اِسْتَأْذَنَ رسُولَ الله ◌َّهِ فِي إِجَارَةِ الحَجَّامِ
فَنَهَاهُ، فَلَمْ يَزَلْ يَسْتَأْذِنُهُ حَتَّى قال: ((اِعْلِفْهُ ناضحَكَ وَأَطْعِمْهُ رَقِيقَكَ)).
(عن مُحَيصَةَ: أنه استأذنَ رسولَ الله وَهُ فِي إِجَارَةِ الحَجَّام))؛ أي: في
أُجْرَته، والإِجَارَةُ: اسمٌ للأُجْرة.
((فنهاه - عليه الصلاة والسلام -)» عن أَكْلِها.
((فلم يزلْ يستأذِنُهُ حتى قال: اعلِفْه ناضحَك))؛ أي: اصرفْ ما تكتسب
بالحِجَامة في عَلَفِ ناضحِك، وهو البعيرُ الذي يُسْتَقَى به الماء.
((وأطعِمْه رَقِيقَك))، والأكثَرُون على أنه نهيُ تنزيهِ عن الكَسْب الدَّنيء.
*
٢٠٣٤ - وعن أبي هريرةَ ◌َُ قال: نَهَى رسولُ اللهِ وَّهِ عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ،
وكَسْبِ الزَّمَّارَةِ.
٣٩٣

((عن أبي هريرةَ: نهى رسولُ الله ◌ِ وَهُ عن ثمنِ الكَلْبِ وكَسْبِ الزَّمَّارة»،
بفتح الزاي المعجمة وتشديد الميم، قيل: هي الزانية، وقيل: المغنِّية، من زَمَر:
إذا غَنَّى، ويقال للقَصَبة التي تزمر بها: زَمَّارَة.
وذهب بعضٌ إلى تقديم الراء على الزاي، وهي التي تومِىُ بعينها وشَفَتِها؛
أي: يفعل الزواني.
٢٠٣٥ - وعن أبي أمامة ﴾ه قال: قال رسولُ اللهِ وَلِ: ((لا تَبِيعُوا القَيْنَاتِ
ولا تَشْتَرُوهُنَّ ولا تُعَلِّمُوهُنَّ، وَثَمَنُهُنَّ حرامٌ، وفي مِثلِ هذا أُنْزِلَتْ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ
مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ اَلْحَدِيثِ﴾»، (ضعيف).
((وعن أبي أمامةَ أنه قال: قال رسول الله وَله: لا تَبِيعوا القَيْنَات)»: جمع
قَيْنَة، وهي الأَّمَة غَنَّتْ أو لا، لكن المراد هنا المغنِية.
((ولا تشتروهنَّ»، النهيُ مقصورٌ على البيع والشراء لأجل التَّغَنِّي.
((لا تعلِّموهنَّ)؛ أي: الغِناءَ.
((وثمنُهنَّ حرامٌ))، وهذا دليلٌ على فساد بيعِها، والجمهورُ صحَّحُوا بيعَها
لمَا في هذا الحديث مِن الطَّعْن في رواته، وبتقدير صِحَّتِه أُوِّل بأن هنا مضافاً
محذوفاً؛ أي: أخذُ ثمنِهِنَّ حرامٌ كأخذِ ثمن العِنَبِ ممن يَتَّخِذُه خمراً؛ لا أنَّ البيعَ
غیرُ صحیح.
((وفي مثل هذا نزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾))؛ أي:
يشترِي الغِناءَ والأصواتَ المحرَّمةَ التي تُلْهِي عن ذِكْر الله .
((غریب)).
٣٩٤

قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَنْ أَكْلِ الهِرِّ وَثَمَنِهِ،
٢٠٣٦ - عن جابرٍ
غريب .
، أنه قال: نهى رسولُ اللهِ وَ﴿ عن أكلِ الهِرِّ وثمنِه،
(وعن جابرٍ
ضعيف)).
٣- بل
المُساهلةِ في المُعاملةِ
(باب المساهلة في المعاملة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٠٣٧ - قال رسولُ الله ◌َلِ: ((رَحِمَ الله رَجُلاً سَمْحاً إذا باعَ، وإذا
اشْتَرَى، وإذا أَقْتَضَى)).
((من الصحاح)):
(عن جابرٍ ﴾ أنه قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: رَحِمَ الله رَجَلاً سَمْحاً)، -
بفتح السين؛ أي: سَهْلَ البيع والشِّرَاء.
((إذا باعَ، وإذا اشترى، وإذا اقتضى))؛ أي: إذا طلبَ ديناً له على غريمٍ
يطلبُ بالرِّفْق لا بالعُنْف.
٢٠٣٨ - وقال: ((إنَّ رَجُلاً كانَ فيمَنْ قبلَكُمْ أتاهُ المَلَكُ لِيَقْبضَ رُوحَهُ،
فِقِيلَ لَهُ: هَلْ عَمِلْتَ مِنْ خَيْرِ؟، قال: ما أعلَم شيئاً، قيلَ لهُ: انْظُرْ، قال:
ما أَعْلَمُ شَيْئاً غَيرَ أَنّي كُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ فِي الدُّنْيًا وَأُجازِبِهِم، فَأُنْظِرُ المُوسِرَ
٣٩٥

وأتجاوَزُ عن المُعْسِرٍ، فأدخَلَهُ الله الجنَّة.
وفي روايةٍ: ((قالَ الله: أنا أحَقُّ بِذا مِنْكَ، تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي)) .
((عن أبي مسعودٍ الأنصاري قال: قال رسول الله وَ له: إنَّ رجلاً كان فيمن
قبلَكم أتاه الملَك ليقبِضَ رُوحَه، فقيل له: هل عملتَ مِن خيرٍ؟ قال: ما أعلَمُ
شيئاً)، قيل: هذا السؤالُ منه كان في القبر.
«قيل له: انظُر))؛ أي: تفَكَّرْ.
((قال: ما أعلَمُ شيئاً غيرَ أني كنتُ أبايعُ الناسَ في الدنيا وأجازِبهم))؛
أي: أُحْسِنُ إلیھم.
((فَأُنْظِرُ الموسِرَ))؛ أي: أُمْهِلُ الغنيَّ.
((وأتجاوزُ عن المُعْسِر))؛ أي: أَعْفُو عن الفقير وأُبْرِئُ ذِمَّتَه عن دَيني.
((فأدخلَه الله الجَنَّة».
((وفي رواية: قال الله تعالى: أنا أحقُّ بذا))؛ أي: أنا أَوْلَى بهذا الكَرَم
والتَّجَاوُز ((منك، تجاوَزُوا عن عبدي)).
٢٠٣٩ - وقال رسولُ الله ◌َّهِ ((إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الحَلِفِ فِي الْبَيْعِ؛ فإنَّهُ يُنَفَّقُ
ويَمْحَقُ».
((وعن أبي قتادة أنه قال: قال رسولُ الله وَّي: إياكم وكثرةَ الحلف»؛ أي:
احذَرُوا من كثرةِ الحَلِفِ ((في البيع، فإنه يُنَفَّقُ))؛ أي: يُروِّجُ المتاعَ، ويُكْثِرُ
الرَّغبات فيه .
((ويُمْحِق))؛ أي: يُفْنِي البركةَ من ثمنه.
٣٩٦

٢٠٤٠ - وفي روايةٍ: ((الحَلفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ ومَمْحَقَةٌ لِلبَرَكَةِ)».
«وفي رواية» أبي هريرة ټ﴾ :
((الحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَة)) : - بفتح الميم -؛ أي: مَظِنَّةٌ وسببٌ لنَفَاقِها
وموضعٌ له.
(مَمْحَقَةٌ للبَرَكة))؛ أي: مَظِنَّةٌ لَمَحْقِ البَرَكة وذهابِها وموضع له.
٢٠٤١ - وعن أبي ذرُّه عن النبيّ ◌َ﴿ أنّه قال: ((ثلاثةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ الله
يومَ القِيامَةِ ولا يَنْظُرُ إليْهِمْ ولا يُزَكِّيهِمْ ولهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ)). قالَ أبو ذَرٍّ: خابُوا
وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ الله؟، قال: ((المُسْبلُ إزارَهُ، والمنَّانُ، والمُنَفِّقُ
سِلْعَتَهُ بالحَلفِ الكاذبِ».
((عن أبي ذَرٍّ، عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ثلاثةٌ
لا یکلِّمُهم ال»؛ أي : بكلام الرضاء.
(يومَ القيامة))؛ أي: لا يُسْمِعُهم ما يَسُرُّهم مِن الكلام.
((ولا ينظرُ إليهم))؛ أي: بنظر الرَّحْمة.
((ولا يزكِّيهم))؛ أي: لا يُطَهِّرهم من الذنوب.
((ولهم عذابٌ أليمٌ، قال أبو ذر: خابُوا وخَسِرُوا، مَن هم يا رسول الله؟
قال: المُسبِل))، بضم الميم؛ أي: الذي يُرْخِي ((إزارَه)) ويُرْسلُه إلى الأرض؛
أي: يطوِّلُهُ ويَمْشِي تكبِّراً واختيالاً .
((والمَنَّان)): إما مِن المِنَّة؛ أي: الذي يُعطِي الناسَ شيئاً ويمنُّ عليهم
لاعتبارِ صَنيعه، مثل قوله: أعطيتُ فلاناً كذا ليُظْهِرَ سخاءَ نَفْسِه، وإما مِن المَنِّ:
النقص مِن الحقِّ والخيانة.
٣٩٧

((والمنفِقُ سِلْعَتَه))؛ أي: الذي يروِّجُ مَتَاعَه.
((بالحَلِف الكاذب)»، مثل أن يقول للمشتري: اشتريتُ هذا بمئة دينارٍ،
والله ليظُنُّ المشتري أنَّ ذلك المتاعَ يساوي مئة دينار أو أكثر، فيرغب في شرائه.
مِنَ الحِسَان:
٢٠٤٢ - عن أبي سعيدٍ ﴿ه قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((التَّاجِرُ الصَّدُوقُ
الأمِينُ معَ النَّبيينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَدَاءِ»، غريب.
((من الحسان)):
((عن أبي سعيدٍ ظُ أنه قال: قالَ رسولُ اللهِلَّهِ: التاجرُ الصَّدُوق الأمينُ
مع النبيين والصِّدِّيقين والشهداءِ))، ((غريب)).
*
٢٠٤٣ - عن قيسٍ بن أبي غَرَزةَ ﴿ه قال: مَرَّ بنا رسولُ الله ◌َّه فقال:
(يَا مَعْشَرَ الثُّجَّارِ! إِنَّ البَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ والحَلِفُ فشُوبِوهُ بِالصَّدَقَةِ)).
((عن قيسٍ بن أبي غَرَزَة أنه قال: مزَّ بنا النبيُّ - عليه الصلاة والسلام -
فقال: يا معشرَ التجار! إنَّ البيعَ يحضرُه اللَّغْوُ والحَلِفُ))؛ يعني: البائع قد تكلّم
بکذب، وقد یحلِفُ علی ذلك.
((فشُوبُوه))؛ أي: اخلِطُوا ذلك اللغو والحلِفَ ((بالصدقة))، فإنها تطفئ
غضبَ الربِّ، وإن الحسنات يُذهِبن السيئات.
٣٩٨

٢٠٤٤ - عن عُبَيْد بن رِفاعَةَ، عن أبيه ، عن النبيِّ وَّه قال: ((التُّجَّارُ
يُحْشَرُونَ يومَ القِيامَةِ فُجَّاراً إلا مَنِ اتَّقَى وَبَرَّ وصَدَقَ)).
((عن عُبَيد بن رِفاعة، عن أبيه، عن النبي ◌َّ أنه قال: التجار يُحشَرُون
يومَ القيامة فُجَّاراً)، من الفجور: الميلُ عن القصد، والكاذب فاجرٌ لميله،
سمَّاهم فجاراً؛ لتدليسهم في المعاملات، وتلبيسهم فيها بالكذب.
((إلا مَن اتقى))؛ أي: اجتنبَ المحارمَ أو الكذب.
(وَبَرَ): في يمينه، ((وصدق)) في قوله، أراد بالبر الإحسانَ.
٣- باب
الخِيَارِ
(باب الخيار)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٠٤٥ - عن ابن عمر ﴾ قال: قال رسول الله رَ﴾: ((المُتْبَايعَانِ كُلُّ
وَاحِدٍ مِنْهُما بالخِيَارِ على صاحِبِهِ ما لمْ يتفرَّقَا إلَّ بَيْعَ الخِيارِ)).
وفي روايةٍ: ((إذا تَبَايَعَ المُتْبَايعَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بالخِيارِ مِنْ بَيْعِهِ ما لم
يتفَرَّقَا، أوْ يَكُونُ بَيْعُهُما عن خِيار، فإذا كَانَ بيعُهُما عن خِيارٍ فقدْ وَجَبَ)).
وفي روايةٍ: ((البَيعانِ بالخِيارِ ما لمْ يتفَرَّقا أو يَخْتَارَا)).
((من الصحاح)):
((عن ابن عمر أنه قال: ﴿: المتبايعان)): أراد بهما البائع والمشتري.
((كلُّ واحد منهما بالخِيَار على صاحبه ما لم يتفرَّقا)، ذهب الشافعي بهذا
٣٩٩

على ثبوت خيار المجلس للمتبايعَيْنِ من فَسْخِ البيع وإِمضائه وحملِ التفرُّق على
التفرق بالأبدان.
(إلا بيعَ الخِيَار))؛ أي: إلا المتبايعَين بيعَ الخِيَار، أو إلا إذا تبايعا بيعَ
الخِيَار بأن يقول أحدُهما لصاحبه: اختَرْ، فيقول: اخترتُ، فيكون هذا إلزاماً
للبيع منهما، وإن كان المجلس قائماً ويسقط خيارهما، وأئمتنا ألزَمُوا البيعَ بنفس
التواجر، وحملُوا الخِيَار على خِيَار القَبول، والتفرّق على التفرُّق بالأقوال يدلُّ
عليه ما روي عنه وَّر: (المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا عن بيعهما).
قيل: الاستثناء في قوله: إلا بيعَ الخِيَار يرجعُ إلى مفهوم مدَّةِ الخِيَارِ،
تقديرُه: كلٌّ منها بالخِيَار ما لم يتفرَّقا، فإن تفرَّقَا لزمَ البيعُ إلا أن يتبايعا بشرط
خِيَارِ ثلاثة أيام فما دونها، فيبقى خيار الشرط بعد التفرُّق.
(وفي رواية)) ابن عمر.
(إذا تبايع المتبايعان فكلُّ واحدٍ منهما بالخِيَار من بيعه ما لم يتفرَّقًا، أو
يكون بيعُهما عن خِيَار، فإذا كان بيعُهما عن خِيَار فقد وجب))؛ أي: ثبتَ الخِيَار
لمن شرطَ له.
((وفي رواية: الَبيعان)): بكسر الياء وتشديدها؛ أي: البائع والمشتري.
((بالخِيَار ما لم يتفرَّقا أو يختارا)) لزومَ البيع وإسقاطَ خِيَارِهما، يعني: لهما
الخيارُ ما لم يتفرَّقا من المجلس وما لم يُسْقِطا خِيَارَهما.
٢٠٤٦ - وعن حكيم بن حزام قال: قال رسول الله وَّجُ: ((البَيعانِ بالخِيارِ
ما لمْ يتفََّقا، فإنْ صَدَقَا وبيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وإنْ كَنَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ
بَرَكَةُ بَيْعِهِما» .
٤٠٠