النص المفهرس
صفحات 361-380
صغيراً؛ إذ الحزورة: التلُّ الصغير.
((فقال: والله إنك لخيرُ أرض الله، وأحبُّ أرض الله إلى الله، ولولا أني
أُخرِجت منك ما خرجْتُ)).
*
١٥ - باب
حرَم المدينة على ساكنها الصلاةُ والسلام
(باب حرم المدينة حرسها الله تعالى)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٩٩٠ - عن عليه قال: قال النبيّ ◌َّهِ: ((المَدِينَةُ حَرامٌ ما بَيْنَ عَيْرٍ إلى
ثَوْرٍ، فَمَنْ أَحْدَثَ فيها حَدَثاً أو آوَى مُحْدِثاً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والمَلاَئِكَةِ والنَّاسِ
أَجْمَعِينَ، لا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ ولا عَدْلٌ، ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ واحِدَةٌ، يَسْعَى بها
أَدْناهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِماً فعلَيْهِ لعْنَةُ اللهِ والمَلاَئِكَةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يُقْبَلَ
مِنْهُ صَرْفٌ ولا عَدْلٌ، ومَنْ والَى قَوْماً بغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله والمَلاَئِكَةِ
والنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ ولا عَدْلٌ)).
وفي روايةٍ: ((وَمَنْ أَدَّعَى إلى غَيْرَ أبيهِ، أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيِهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله
والمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ ولا عَدْلٌ)).
((من الصحاح)):
((عن عليه أنه قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: المدينة
حرامٌ ما بين عَيْرٍ)) بفتح العين المهملة وسكون الياء: جبل بالمدينة.
(إلى ثَوْرٍ)): وهو جبل بقرب مكة، وفيه الغار الذي توارى فيه النبيُّ - عليه
٣٦١
الصلاة والسلام - من الكفّار مع أبي بكر ظه حين هاجر؛ يعني: حرمت
ما بينهما، وهذا التحريم يوجب الإثم لمن قتل صيداً أو قطع شجراً، ولكن
لا جزاءَ عليه عند مالك، والشافعي في قوله (الجديد).
وفي القديم: تُسلَبُ ثياب القاتل أو القاطع، ثم السَّلَبُ لمن سلبه، وقيل:
لبيت المال، وقيل: يفرق على مساكين المدينة.
وعند أبي حنيفة: لا يحرم حرم [المدينة، بل هو كسائر الأراضي.
((فمن أحدث فيها حدثاً))؛ أي: أبدع في المدينة أمراً غير معروف في
السُّنة.
((أو آوى محدثاً): بكسر الدال؛ أي: نصر فيها مبتدعاً، وروي بفتح
الدال؛ أي: أمراً مبتدعاً، فمعنى إيوائه: الرضاء به، وفيه تنبيه على أن ترويج
البدعة والرضاء بها کإبداعها .
((فعليه لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين))؛ يعني: يكون مطروداً عند الله
عن إعطاء مرتبة الفائزين بلا عذاب، وعند الملائكة والناس عن دعائهم له،
وهذه الجملة يحتمل أن تكون إخباراً، أو دعاءً عليه.
((لا يقبل منه صرف))؛ أي: توبة أو نافلة، والمراد: نفي كمال القبول.
((لا عدل))؛ أي: فريضة أو فدية، يريد بالفداء: جزاء الصيد والشجر إن
جنى في الحرم، ويكون محمولاً على التغليظ.
((ذمة المسلمين واحدة)): وهي العهد والأمان، يعني: أمان واحد منهم
لبعض أهل الحرب كأمان كلهم.
(یسعی بها))؛ أي: يتولاها.
((أدناهم))؛ أي: أقلهم منزلة، وهو العبد، وليس لغيره نقضه، سواء كان
مأذوناً في الجهاد أو لا، وبه قال الشافعي ومالك، وعندنا لا يجوز أمانه إذا لم
٣٦٢
یکن مأذوناً فیه.
((فمن أخفر مسلماً))؛ أي: نقض عهده وأمانه.
((فعليه لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين))؛ لأن إيطالَ أمان المسلم
إيطالُ حكم الله ورسوله، فإذاً يوجب اللعنة.
((لا يقبل منه صرف ولا عدل، ومن والى قوماً): أراد به: ولاء الموالاة.
((بغير إذن مواليه))؛ يعني: من عقد الموالاة وعقل عنه الأعلى، ليس
للأسفل أن ينتقل عنه إلى غيره إلا بإذنه؛ لما فيه من تضييع حقه.
«فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل)):
وقيل: المراد ولاء العتاقة، كقول العتيق لغير معتقه: أنت مولاي، ولك ولائي،
لكن على هذا لا يبقى لقوله: (بغير إذن مواليه) فائدة؛ لأن ولاء العتاقة لا ينتقل
بإذن مولاه، إلا إن يُحمَل هذا القيدُ على الغالب؛ لأن المعتق لا يأذن له في ذلك
عادة .
((وفي رواية: ومن ادعى))؛ أي: انتسب ((إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه،
فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبَل منه صرف ولا عدل))؛ لأن في
ذلك قطع الرحم، وهتك الحق، وإبطال حق مواليه.
١٩٩١ - عن سَعْدٍ قال: قال رسول الله وَ﴾: ((إنِّي أَحَرِّمُ ما بَيْنَ لابَتَيٍ
المَدِينَةِ أنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا، أو يُقْتَلُ صَيْدُها))، وقال: ((لا يَدَعُها أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْها
إِلَّ أَبْدَلَ الله فيها مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، ولا يَثْبُتُ أَحَدٌ على لأُوَائِها وَجَهْدِهَا إلَّ كُنْتُ
لهُ شفيعاً أو شهيداً يومَ القِيامَةِ».
((عن سعد ه أنه قال: قال رسول الله وَل *: إني أحرم ما بين لابتي
٣٦٣
المدينة)): تثنية لابة، وهي الأرض ذات الحجارة السود.
((أن يقطع)): بدل اشتمال من مفعول (أحرم).
((عِضَاهُها)): جمع عضة بفتح العين وكسرها: كل شجر له شوك.
((أو يُقتَل صيدُها))، وإنما نهى عن ذلك؛ لئلا يتوحش فيها، وليبقى
شجرها، فيأنس بذلك من هاجر إليها، فيستظل بظلالها، وكان يرى سعد وزيد
ابن ثابت الجزاء في ذلك.
((وقال: لا يدعها))؛ أي: لا يترك المدينة.
(«أحدٌ رغبةً عنها))؛ أي: إعراضاً عنها، نصب على التمييز، أو على أنه
مفعول له.
((إلا أبدل الله فيها مَنْ هو خيرٌ منه)): قيل: هذا كان في حياته ◌َّ، وقيل:
عام، وفيه بيان فضل المدينة وفضل ساكنيها .
((ولا يثبت أحد على لأوائِهَا))؛ أي: شدتها من جهة ضيق المعيشة فيها.
((وجَهْدِها)): بفتح الجيم؛ أي: مشقتها من جهة وَخَامةِ هوائها.
((إلا كنتُ له شفيعاً يوم القيامة أو شهيداً): قيل: (أو) للشك، والأظهر
أنها للتقسيم، ومعناه: كنت شهيداً للمطيعين منهم وشفيعاً للعاصين، أو شهيداً
لمن مات بها في زماني شفيعاً لمن مات بعدي.
١٩٩٢ - وعن أبي هُريرة ◌ُه: أنَّ النبيَّ لَّم قال: ((لا يَصْبرُ على الأُوَاءِ
المَدِينَةِ وشِدَّتِهَا أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي إلَّ كُنْتُ لَهُ شَفِيعاً يومَ القِيامَة)).
٣٦٤
((عن أبي هريرة: أن رسول الله بَّه قال: لا يصبرُ على الأُوَاءِ المدينة
وشدتها أحدٌ من أمَّتي إلا كنت له شفيعاً يوم القيامة)).
١٩٩٣ - عن أبي هريرة ﴾ قال: كانَ النَّاسُ إِذا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرَةِ جَاؤُوا بهِ
إلى النَّبِّ ◌َِّ فإذا أَخَذَهُ قال: ((اللهمَّ بارِكْ لنا في ثَمَرِنَا، وبارِكْ لنا في مَدِينَيِّنَا،
وبارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، وبارِكْ لَنَا في مُدِّنا، اللهمَّ إنَّ إبراهيمَ صلوات الله عليه
عَبْدُكَ وخَلِيلُكَ ونَبِيُّكَ، وإنِّي عَبْدُكَ ونَبِيُّكَ، وإنَّ دَعَاكَ لِمَّةَ، وإنِّي أَدْعُوكَ
للمَدِينَةِ بِمِثْلِ ما دعاكَ لِمَكَّةَ، ومِثْلِهِ مَعَهُ)، قال: ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدِ لهُ،
فَيُعْطِيهِ ذلكَ الثَّمَرَ.
((عن أبي هريرة ه أنه قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمرة جاءوا به إلى
النبي عليه الصلاة والسلام))؛ لأنهم يختارون[ه] بذلك على أنفسهم؛ حباً
له وَل﴾، وطلباً للبركة فيما جدَّد الله عليهم من نعمة.
«فإذا أخذه قال: اللهم بارك لنا في ثمارنا، وباركْ لنا في مدينتنا»: أراد
بالدعاء لأهلها؛ لأنهم المقتاتون للثمار.
((وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا)): أراد به الدعاء بالبركة على
الأقوات، وإنما خص الصاع والمد؛ لأن أكثر أقواتهم التمر، وهو مكيل.
((اللهم إن إبراهيمَ عبدُك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك)): ولم يذكر
الخلة لنفسه مع أنه أيضاً خليله تعالى؛ لقوله {يَتليفون: ((واتخذ الله صاحبكم خلیلاً))؛
رعايةً للأدب في ترك المساواة بين نفسه وبين آبائه وأجداده الكرام، صلوات الله
علیه وعليهم أجمعين .
((وإنه دعاك لمكة)): كما قال الله تعالى حكايةً عن إبراهيم: ﴿فَأَجْعَلْ
٣٦٥
أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ ﴾ [إبراهيم: ٣٧] الآية .
((وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه))؛ أي: أدعوك
للمدينة ضعف ما دعاك إبراهيم عليه السلام.
((قال))؛ أي: الراوي: ((ثم يدعو))؛ أي: بعد فراغه من الدعاء يدعو ول
((أصغرَ ولیدٍ له))؛ أي: صبي من أهل بيته.
((فيعطيه ذلك الثمر))؛ ليفرح به، فإن فرحه بالثمر الجديد أشدُّ من فرح
الكبار.
١٩٩٤ - وعن أبي سَعيدٍ ◌َُه، عن النبيِّي ◌َّامِ قال: ((إنَّ إبراهيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ،
فَجَعَلَهَا حَراماً، وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ حَراماً ما بَيْنَ مَأْزِمَيْهَا أنْ لا يُهَرَاقَ فيها دَمٌّ،
ولا يُحْمَلَ فِيها سِلاحٌ لِقِتالٍ، ولا تُخْبَطَ فيها شَجَرَةٌ إلاَّ لِعَلْفٍ)).
((وعن أبي سعيد، عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: إن إبراهيم
حرم مكة، فجعلها حراماً، وإني حرَّمت المدينة حراماً): نصب على المصدر.
((ما بين مَأْزِميها)) بدل اشتمال من المدينة، تثنية (مَأْزِم) بفتح الميم
وسكون الهمزة وكسر الزاي: كل طريق ضيق بين جبلين، وأراد به: جانبي
المدينة .
((أن لا يهراق فيها دم)): تفسير للمحرم، والمراد: النهي عن القتال فيها.
((ولا يحمل فيها سلاحٌ)) لقتال.
((ولا تخبط))؛ أي: لا يضرب.
((فيها شجرة)» : لتساقط الأوراق.
٣٦٦
(إلا لعَلْفٍ)): بسكون اللام مصدر: علف علفاً، وبالفتح: اسم للحشيش
والتبن والشعير ونحوها، وفي جواز خبطها للعلف دليلٌ على أنه ليس حرمتها
کحرمة مکة؛ إذ لا يجوز خبطها بحال.
١٩٩٥ - ورُوي أنَّ سعداً وَجَدَ عَبْداً يَقْطَعُ شَجَراً أو يَخْبطُهُ، فَسَلَبَهُ،
فَجَاءَهُ أَهْلُ العَبْدِ، فَكَلَّمُوهُ أنْ يَرُدَّ ما أَخَذَ مِنْ غُلامِهِمْ، فقال: مَعَاذَ الله أنْ أَرُدَّ
شَيْئاً نَقَّلَنِيهِ رسُولُ الله ◌َاهِ.
((ورُويَ: أن سعداً وجد عبداً يقطع شجراً، أو يخبطه، فسلبه))؛ أي: نزع
ثيابه .
((فجاءه أهل العبد، فكلموه أن يردّه؛ أي: في أن يرد، أو بأن يرد ((ما أخذ
من غلامهم، فقال: معاذ الله أن أرد شيئاً نقَّلنيه رسولُ الله))؛ أي: أعطانيه نَفَلاً
بفتح الفاء؛ أي: غنيمة؛ لأمره - عليه الصلاة والسلام - بسلب ثياب من قطع
شجراً أو قتل صيداً في حرم المدينة، وقد نُسِخَ هذا.
١٩٩٦ - وقالت عائشة رضي الله عنها: لَمَّا قَدِمَ رسُولُ اللهِلَّهُ المَدِينَةَ
وُعِكَ أبو بَكْرٍ وبلالٌ، فجِئْتُ رَسُولَ اللهِوَ﴾ فَأَخْبَرْتُهُ، فقال: ((اللهمَّ حَببْ إِلَيْنَا
المَدينَةَ كَحُبنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، وَصَحِّحْها لَنَا، وبارِْ لنا في صاعِها ومُدِّها، وأَنْقُلْ
حُمَّاهَا، فَاجْعَلْها بالجُحْفَةِ».
(وقالت عائشة: لما قدم رسول اللهَ﴿ُ المدينةَ وُعِكَ أبو بكر
وبلال))؛ أي: أخذتهما الحمى.
٣٦٧
((فجئت رسول الله وَّه، فأخبرته، فقال: اللهم حبِّبْ إلينا المدينة کحبنا
مكة، أو أشد، وصحّحها))؛ أي: صحح هواء المدينة ((لنا))، واجعل نزولنا فيها
سبباً للصحة والعافية .
((وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقلْ حماها فاجعلها بالجحفة))، وإنما
دعا بنقلها إلى الجحفة؛ لأنها كانت دار اليهود في ذلك الوقت.
١٩٩٧ - وعن عبدالله بن عُمر ﴾ في رُؤْيا النبيِّ وَّهِ فِي المَدِينَةِ: ((رَأَيْتُ
امْرَأَةَ سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ خَرَجَتْ مِنَ المَدِينَةِ حَتَّى نَزَلَتْ مَهْيَعَةً، فَتَأَوَّلْتُها أَنَّ وباءَ
المَدِينَةِ تُقِلَ إلى مَهْيَعَةَ، وهي الجُحْفَة)).
((وعن عبدالله بن عمر في رُؤيا النبي عليه الصلاة والسلام))؛ أي: في
حدیث رؤياه.
(في المدينة))؛ أي: في شأنها حكايةً عن رسول الله وَل ◌ِّ قال:
((رأيت امرأةً سوداءَ ثائرةَ الرأس))؛ أي: منتشرة شعر الرأس.
((خرجت من المدينة حتى نزلت مَهْيَعَةً)): يقال: أرض مهيعة؛ أي:
مبسوطة .
((فتأوَّلتها)): التأول والتأويل: أن يفسر الشيء بما يؤول إليه.
((أن وباء المدينة)): بالمد والقصر؛ أي: طاعونها .
((يُقِل إلى مهيعة، وهي الجحفة)): وكانت الجحفة بعد رؤيا[٥] هذه أكثر
أرض الله وباء.
٣٦٨
١٩٩٨ - وقال رسول الله وَج: ((يُفْتَحُ اليَمَنُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُشُونَ،
فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أطاعَهُمْ، والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لو كانُوا يَعْلَمُونَ، ويُفْتَحُ
الشَّامُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُشُونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ
لو كانُوا يَعْلَمُونَ، ويُفْتَحُ العِراقُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبْشُونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ
أطاعَهُمْ، والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لو كَانُوا يَعْلَمُونَ).
((عن سفيان بن أبي زُهير أنه قال: قال رسول الله وَّهِ: يُفتَحُ اليمن))؛ أي:
بلادها .
(«فيأتي قوم))؛ أي: من المدينة إليها.
«یُسُّون))؛ أي: يسوقون إبلهم.
((فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم))؛ يعني: يرتحلون من المدينة مسرعين
إلى الأمصار المفتوحة؛ لما رأوا في هذه البلاد من الإرفاق، وما يدرُّ عليهم من
الأرزاق.
((والمدينة))؛ أي: والحال أن المدينة ((خيرٌ لهم)): من البلاد التي ينتقلون
إليها؛ لأنها حرم الرسول وَي# ومحل الوحي، ومنزل البركات.
(لو كانوا يعلمون)): ما في الإقامة في المدينة من الفوائد الدينية، جوابه
محذوف، وهو: لما ارتحلوا منها.
((ويفتح الشام، فيأتي قوم ييسون، فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم،
والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، (ويفتح العراق): أراد به الكوفة إلى أول
أرض خراسان.
((فيأتي قوم يبسون، فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم
لو كانوا يعلمون)»: وفيه بيان فضل المدينة والصبر على شدتها .
٣٦٩
١٩٩٩ - وقال رَّ﴾: ((أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرَى، يَقُولُونَ: يَثْرِبَ، وهيَ
المَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيد)).
((وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله وَل﴾: أُمرت بقريةٍ))؛ أي: بنزول
قریة والسكنی بها .
(تأكلُ القُرَى))؛ أي: يغلب أهلها - وهم الأنصار - بالمحاربة والإسلام
على غيرها من القرى؛ أي: على جميع البلاد، ويظهرهم الله عليها بالفتح، فإن
الغالب المستولي على الشيء كالمفني له إفناءَ الآكل له، أو يأكلون غنائمها،
جعل ذلك أكلاً للقُرَى على سبيل التمثيل.
(يقولون: يثرب)): هو اسم أرض المدينة، وإنما فسَّر بقوله: ((وهي
المدينة)): وإنما قال ذلك تنبيهاً على أن الاسم القديم متروكٌ أو قاله على وجه
التفخيم والتعظيم.
((تنفي الناس)): بالفاء من (النفي) الإبعاد على الرواية المشهورة؛ أي:
تخرج شرار الناس عنها وتطردهم، وهم الذين لا يليقون بها، فتنفيهم بالحمى
والجوع، ((كما ينفي الكير خبث الحديد».
٢٠٠٠ - وقال: ((إنَّ الله تَعَالَى سَمَّى المَدِينَةَ طَابَةً)).
((عن جابر بن سمرة أنه قال: قال رسول الله وَّه: إن الله سمَّى المدينةَ
طابةَ))؛ لطيبها بحضور النبي - عليه الصلاة والسلام - وأصحابه والتابعين
وتطهيرهم إياها عن خبث الكفار، وتطهيرها من الطاعون، والدجّال، وغير ذلك
من الفتن .
٣٧٠
٢٠٠١ - وقال: ((إنَّمَا المَدِينَةُ كالكِبرِ تَنْفِي خَبَثَها، وتَنْصَعُ طَيِبُهَا)) .
((وقال: إنما المدينةُ كالكير تنفي خبئها، وتنصعُ)): بالنون والصاد
المشددة والعين المهملة أشهر رواية؛ أي: تخلص المدينة.
((طيبها)): بتشديد الياء؛ أي: صلحاءها من الذنوب والأخلاق المذمومة؛
يعني: صلحاؤها يكونون على غاية من الصَّلاح.
٢٠٠٢ - وقال: ((لا تقومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِى المَدِينَةُ شِرَارَها كما يَنْفِى
الكِيرُ خَبَثَ الحَدِیدِ».
(وعن أبي هريرة ظ أنه قال: قال رسول الله وَلخير: لا تقوم الساعةُ حتى
تنفي المدينة شِرارها، كما ينفي الكيرُ خبثَ الحديد))؛ يعني: يأتي زمان قبل
القيامة يكون أهل المدينة كلهم مسلمون صلحاء، وقد وقع هذا في زمن
عمر ، فإنه أخرج منها أهل الكتاب، وأظهر فيها العدل والاحتساب.
وقال ﴿: ((على أنْقَابِ المَدِينَةِ مَلاَئِكَةٌ، لا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ،
ولا الدَّجَّالُ».
((وعنه قال: قال رسول الله بَله: على أنقاب المدينة)): جمع نَقْب بسكون
القاف، وهو: الطريق بين الجبلين.
((ملائكةٌ لا يدخلها الطاعون)»؛ يعني: لا يكون فيها الطاعون مثل الذي في
غيرها، وما هذا إلا ببركة دعاء النبي عليه الصلاة والسلام.
((ولا الدجّال)).
٣٧١
٢٠٠٤ - وقال: ((ليسَ مِنْ بَلَدٍ إلاّ سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ، إلاَّ مَكَّةَ والمَدِينَةَ،
لَيْسَ نَقْبٌ مِنْ أَنْقَابها إلاَّ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ صافِينَ يَحْرُسُونَهَا، فَيَنْزِلُ السَّبْخَةَ،
فَتَرْجُفُ المَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلاَثَ رَجَفَاتٍ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ كُلُّ كافِرٍ ومُنافِقٍ)) .
((عن أنس به أنه قال: قال رسول الله وَ *: ليس من بلد إلا سيطؤُهُ
الدجّال»؛ أي: سيدخله.
((إلا مكة والمدينة، ليس نقب من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين)): حال
من (الملائكة).
((يحرسونها))؛ أي: يحفظون المدينة.
((فينزل السَّبِخة)) بكسر الباء: اسم موضع قريب من المدينة.
((فترجف المدينة))؛ أي: تزلزل وتضطرب أرضها.
((بأهلها»: الباء للتعدية.
((ثلاث رجفات، فيخرج إليه))؛ أي: إلى الدجّال.
((كل كافر ومنافق))؛ أي: من قلبه شرك ونفاق، فيلحقه.
٢٠٠٥ - وقال: ((لا يَكِيدُ أهْلَ المَدِينَةِ أَحَدٌ إلَّ انْمَاعَ كَما يَنْمَاعُ المِلْحُ في
المَاءِ».
((عن أبي هريرة ظه أنه قال: قال رسول الله وَّ: لا يكيدُ أهلَ المدينة))؛
أي لا يمكر بهم، ولا يقصد[هم] بالأذى.
((أحد إلا انماعَ))؛ أي: ذابَ ((كما ينماعُ))؛ أي: يذوبُ «المِلْح في الماء)»،
شبّه أهلَ المدينة مع وفور علمِهم وصفاء قريحتهم [بالماء]، وشبه مَن يريد
٣٧٢
الکید بهم بالملح.
*
٢٠٠٦ - وعن أنسٍ ﴿ُهِ: أنَّ الَنبيَّ وَ كَانَ إذا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَنَظَرَ إلى
جُدُرَاتِ المَدِينَةِ أَوْضَعَ راحِلَتَهُ، وإنْ كانَ علی داَةٍ حَرَّكَها، مِنْ حُبها.
((وعن أنسٍ ه: أن النبيَّ - عليه الصلاة والسلام - كان إذا قَدِمَ من سفرٍ
فنظر إلى جدران المدینة»؛ جمع جُدُر بضم الجيم والدال، وهو جمع جدار.
(وضع راحلَته))؛ أي: أَسْرَعَها.
((وإنْ كان على دابة حَرَّكَها))؛ ليكون وصولُه إليها قريباً.
((مِن حُبِّها))؛ أي: مِن حُبِّ المدينة.
٢٠٠٧ - وقال أنس ﴿ه: إنَّ النَّبيَّ ◌َهِ طَلَعَ لَهُ أُحُدٌ، فقال: ((هذا جَبَلٌ
يُحِبِنا وَنُحِبُّهُ!، اللهمَّ إِنَّ إبراهيمَ عليهِ السَّلامَ حرَّمَ مَكَّةَ، وإنِّي حَرِّمْتُ المَدِينَةَ ما
بَيْنَ لاَبَتَيْهَا» .
((وقال أنس: إنَّ النبي - عليه الصلاة والسلام - طَلَع))؛ أي: ظهرَ له.
((أُحُدٌ))؛ يعني: قَدِمَ من سفر فرأى أُحُداً.
((فقال: هذا جبلٌ يُحبنا ونُحِبُّه))، محمولٌ على المجاز؛ أي: إنه جبلٌ
يحبنا أهلُه ونحبُّهم وهم الأنصار، أو على الحقيقة، ولا يُنكَر وصفُ الجمادات
بحبِّ الأنبياء والأولياءِ كما حَّت الأسطوانة على مفارقتِه - عليه الصلاة والسلام -
حتى سمع القومُ حنينَها إلى أنْ سَكَّنَها - عليه الصلاة والسلام -، وأخبرَ - عليه
الصلاة والسلام - أنه سلَّم عليه حجرٌ قبلَ الوَحْي.
٣٧٣
(اللهم إنَّ إبراهيم - عليه السلام - حَرَّمَ مَكَّة وإني حرَّمْتُ ما بينَ لابَتَيْها)).
٠٠٠
٢٠٠٨ - ويُروى أنَّه قال: ((أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبنا، ونُحِبُّهِ)).
((ويروَى أنه قال: أُحُدٌ جبلٌ يحبنا ونُحِبُّه)).
مِنَ الحِسَان :
٢٠٠٩ - رُوي: أنَّ سعدَ بن أبي وَقَّاصٍ أَخَذَ رَجُلاً يَصِيدُ فِي حَرَمِ
المَدِينَةِ، فَسَلَبَهُ ثِيَابَهُ، فَجَاءَ مَواليهِ، فَكَلَّمُوهُ فيهِ، فقال: إنَّ رسُولَ اللهِ وَّهُ حَرَّمَ
هذا الحَرَمَ، وقال: ((مَنْ أَخَذَ أَحَداً يَصِيدُ فِيهِ فَلْيَسْلُبُهُ))، فلا أَرُدُ عَلَيْكُمْ طُعْمَةً
أَطْعَمَنيها رسولُ اللهِّهِ، ولكِنْ إِنْ شِئْتُمْ دَفَعْتُ إِلَيْكُمْ ثَمَنَهُ»
ويُروى: ((مَنْ تَطَعَ مِنْهُ شَيْئاً فَلِمَنْ أَخَذَهُ سَلَبَهُ».
((من الحسان)):
((رُويَ: أنَّ سعدَ بن أبي وقَّاصٍ أخذَ رجلاً يصيدُ في حَرَمِ المدينة، فسلَبه
ثيابه)»، بدل اشتمال عن الضمير المنصوب في (فسلبه).
((فجاءَه موالِيه فكلَّمُوه فيه)»؛ أي: في رَدِّ ثيابِه، أو في ذلك السَّلَب.
((فقال: إنَّ رسول الله وَّهِ حرَّمَ هذا الحَرَم وقال: منَ أخذ أَحداً يَصيدُ فيه
فلْيَسْلُبِهِ، فلا أردُّ عليكم طُعمةً)) : - بالضم -؛ أي: رِزْقاً.
((أَطْعَمَنِيها رسولُ الله ◌َِّ، ولكن إن شئتم دفعتُ إليكم ثَمنَه))، قيل: دَفْعُ
الثمنِ إلیھم تبُّعٌ منه عليهم.
((ويروى: مَن قطعَ منها))؛ أي: من المدينة .
((شيئاً فِلِمَنْ أَخذَه سَلَبُّه))؛ أي: السَّلَب لمن أخذَ مِن الذي قطعَ شيئاً.
٣٧٤
٢٠١٠ - وروى الزُّبَير، عن رسول الله ◌َّهِ: أنَّ صَيْدَ وَجٍّ وعِضاهَهُ حِرْمٌ
مُحَرَّمٌ لِلَّه.
ووجّ ذكروا أنَّها من ناحية الطَّائف.
((وروى الزبيرُ عنه - عليه الصلاة والسلام -: إنَّ صَيْدَ وَجٌ)): وهو اسم
بلد.
((وعِضَاهَه)»:، مرَّ معناه.
((حِرْمٌ))؛ بمعنى: حرامٌ، كحِلٌّ وحَلاَل.
((محرَّمٌ): ذُكِرَ على وجه التأكيد لقوله: حِرْم.
(له)): متعلُّق بالتحريم؛ أي: حَرَّمَ ذلك الله على سبيل الحُرْمة، والتعظيمُ
له ليصير حِمَّى للمسلمين؛ أي: مراعيَ لأفراسِ الغزاة لا يرعاها غيرُهم يحتمل
أن يكون ذلك التحريم في وقت معلوم، وفي مُدَّة محصورة، ثم نُسِخَ فعاد الأمر
إلى الإباحة کسائر البلاد.
((ووجٌّ ذكرُوا أنها من ناحية الطائف))، والتأنيثُ في أنها بحسب البقعة،
والتذكير بحسب البلد.
٢٠١١ - وعن ابن عُمر﴾ قال: قال رسول الله تَّهِ: ((مَنِ اسْتَطَاعَ أنْ
يَمُوتَ بالمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِها، فإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا))، صح.
((وعن ابن عمرَ أنه قال: قال رسولُ الله وَلّهِ: من استطاعَ أن يموتَ
بالمدينة))؛ أي: أن يقيم بالمدينة حتى إذا جاءه الموت أدركَه بها .
(«فليمُتْ بها))؛ أي: فليُقِمْ بها حتى يموتَ.
((فإني أشفَعُ لمن يموتُ بها»، عبَّرَ عن الإقامة بما يَؤُولُ إليه.
٣٧٥
((صحیح)).
*
٢٠١٢ - عن أبي هريرة ظه قال: قال رسول الله وَله: ((آخِرُ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى
الإسْلاَمِ خَراباً المَدِينَةُ))، غريب.
((عن أبي هريرةَ أنه قال: قال رسول الله وَّه: آخرُ قرية من قرى الإسلام
خراباً المدينة)»، هذا يدلُّ على شَرَفِ المدينة وفَضْلِها.
((غريب)).
٢٠١٣ - وعن جَرِيْر بن عبدالله ◌ُه، عن النبيِّ وَِّ قال: ((إِنَّ الله تعالَى
أَوْحَى إليَّ: أَّ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ نَزَلْتَ فَهِيَ دَارُ هِجْرَتِكَ: المَدِينَة، أو البَحْرَيْن، أو
قِنَّسْرِین)).
((عن جرير بن عبدالله عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: إن الله
أوحى إليَّ: أيَّ هؤلاءِ الثلاثةِ نزلْتَ)): (أيَّ) ظرف لـ (نزلت)، قُدِّم للاستفهام.
((فهي دارُ هِجْرَتك)»؛ يعني: أنه تعالى خيَّرَه بين هذه المواضع الثلاثة.
((المدينة أو البحرين))، بلد باليمن، وقيل: موضع بين البصرة وعمان،
كذا في ((الُمُغرِب)».
((أو قِنَّسْرين))، بكسر القاف وفتح النون المشددة وسكون السين المهملة:
بلد بالشام.
٣٧٦
الوان
كِتَابُ النُّورع
(١١)
٣٧٧
(١١)
٥٠
(كتاب البيوع)
١- باب
الكَسْب وطَلَب الحَلال
(باب الكسب وطلب الحلال)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٠١٤ - قال رسولُ اللهِوَله: ((ما أَكلَ أحدٌ طَعاماً قطُّ خَيْراً مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ
عَمَلٍ يَدِيْهِ، وإِنَّ نَبِيَّ الله داودَ ﴿ كَانَ يَأْكلُ مِنْ عَمَلِ يَدِيْهِ)) .
((من الصحاح)):
((عن المِقْدام بن معدي كرب ﴾ه أنه قال: قالَ رسول الله وَاجِ: ما أكلَ
أحدٌ طعاماً قطُّ خيراً من أن يأكلَ مِن عمل يديه)): فيه تحريضٌ على طلب كَسْبٍ
الحلال.
((وإن نبيَّ الله داودَ - عليه السلام - كان يأكلُ مِن عملٍ يديه))، روي: أن
داود - عليه السلام - في خلافته كان يتحسس الناسَ في أمره، وسأل مَن
لا يعرف: كيف سِيرةُ داود - عليه السلام - فيكم؟ فبعثَ الله مَلَكاً في صورة آدمَ
فتقدَّم إليه داود - عليه السلام - فسأله فقال: نِعْمَ الرجلُ داودُ - عليه السلام -، إلا
٣٧٩
أنه يأكلُ من بيت المال، فسأل داود رَّبه أن يُغْنِيَه من بيت المال، فعلَّمه الله تعالى
صَنعةَ الدُّرُوعِ، وكان يعملُ الدروع ويبيعُها، كلُّ دِرْع بأربعة آلاف.
وقيل: كان يعملُ كلَّ يوم دِرعاً يبيعه بستة آلاف درهم، فينفق ألفين على
نفسه وعياله، ويتصَّدق بأربعة آلاف على فقراءِ بني إسرائيل.
٢٠١٥ - وقال: ((إنَّ الله طَيبٌ لا يقبلُ إلا طَيباً، وإنَّ الله أَمَرَ المُؤمنينَ
بما أَمَرَ بِه المُرْسَلِينَ، فقال: ﴿ يَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيْبَتِ﴾، وقال: ﴿ يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِبَتِ مَا رَزَقْتَكُمْ﴾))، ثُمَّ ذَكَرَ «الرَّجُل يُطيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ
أَغْبَرَ، يَمُذُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ: يا رَبِّ، يا ربِّ، ومَطْعَمُهُ حَرَامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ،
ومَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وغُذِيَ بالحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لذلِكَ؟)).
((عن أبي هريرةَ رَبُ أنه قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: إنَّ الله طَيبٌ))؛ أي:
طاهرٌ منزَّةٌ عن النقائص والعيوب.
((لا يقبَلُ إلا طيباً))؛ أي: لا يقبَلُ من الصدقات إلا ما يكون حلالاً.
((وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمرَ به المرسَلِين))، وهو طلبُ الحلال واجتنابُ
الحرام.
((فقال: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَِحَاً﴾، وقال: ﴿ يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُوا مِن طَيِبَتِ مَا رَزَقْتَكُمْ﴾، ثم ذكرَ))؛ أي: النبيُّ - عليه الصلاة
والسلام -.
((الرجُل)) : - بالرفع - مبتدأ مذكور على وجْهِ الحكاية مِن لفظِ رسول الله وَّه،
قيل: المراد بـ (الرجل) الحاجُ.
((يطيلُ السفرَ))؛ أي: يأتي من مكانٍ بعيدٍ لزيارة بيت الله.
٣٨٠