النص المفهرس

صفحات 301-320

يومَ النَّحْرِ عَلَى ناقَةٍ له صَهْباءَ، ليسَ ضَرْبٌ، ولا طَرْدٌ، وليسَ قِيلُ: إِلَيْكَ إِلَيْكَ.
((من الحسان)):
((عن قدامة بن عبدالله بن عمار أنه قال: رأيت النبي ولم يرمي الجمرة يوم
النحر على ناقة صهباء»؛ أي: حمراء.
((ليس ضربٌ، ولا طردٌ، وليس قيلُ: إليك إليك)) تقدَّم بيانه.
١٨٩٧ - وعن عائشة رضي الله عنها عن النبيِّ نَّهِ قال: ((إنَّما جُعِلَ رَمْيُ
الجِمارِ، والسَّعْيُ بينَ الصَّفا والمَرْوَةِ لإقامَةِ ذِكْرِ الله))، صحيح.
((وعن عائشة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: إنما جعل))؛ أي:
شُرع ((رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله)) وذلك بالتكبير
مع رمي كل جمرة، والدعوات المأثورة في السعي بين الصفا والمروة.
((صحیح)).
١٨٩٨ - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلنا: يا رسُولَ الله، أَلَا نَبَنِي
لكَ بناءً يُظِلُّكَ بِمِنَّى؟، قال: ((لا، مِنِى مُناخُ مَنْ سَبَقَ)).
((عن عائشة أنها قالت: قلنا: يا رسول الله وَ﴾ ألا نبني)): الهمزة
للاستفهام، و(لا) للنفي.
((لك بناءً): أعم من أن يكون من لبن أو قصب أو خيمة.
«یظلك))؛ أي: يوقع ظله عليك.
(بمنى))، ويقيك من حرِّ الشمس.
٣٠١

((قال ◌َ﴿: لا؛ مِنى مناخُ مَنْ سبق))؛ أي: ليس هذا موضع إناخة الإبل
لأحد؛ أي: إبراكها، وإنما هو موضع العبادة من الرمي وذبح الهدي والحلق
وغيرها من العبادات، فلو أجاز البناء، لكثرت الأبنية، ويضيق المكان .
٨ -باب
الهدي
(باب الهدي)) هو: ما يهدى إلى الحرم من بعير أو بقرة أو شاة.
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٨٩٩ - عن ابن عبّاسٍ﴾ قال: صلَّى بنا رسولُ اللهِ الظُّهْرَ بذِي
الخُلَيْفَةِ، ثُمَّ دَعا بناقَتِهِ، فَأَشْعَرَها فِي صَفْحَةِ سَنامِها الأَيْمَن، وَسَلَتَ الدَّمَ،
وقَلَّدَها نَعْلَيْنٍ، ثُمَّ ركِبَ راحِلَتَهُ، فلمَّا اسْتَوَتْ بِهِ على البَيْداءِ أَهَلَّ بالحَجِّ.
((من الصحاح)):
((عن ابن عباس أنه قال: صلَّى بنا رسول الله وَ﴾)): بعد خروجه من
المدينة للحج.
((الظهرَ بذي الحُليفةِ)): ميقات أهل المدينة .
(ثم دعا بناقته))؛ أي: دعا أن يؤتى بناقته التي أراد أن يجعلها هدياً.
((فأشعرها))؛ أي: طعنها.
((في صفحة سنامها الأيمن)) حتى يسيل منه دم؛ ليعلم أنه هدي، وصفحة
كل شيء: جانبه، ((وسلت الدم عنه))؛ أي: بسطه على سنامها ليظهر أثر الإشعار
أکثر.
٣٠٢

((وقلدها))؛ أي: علَّق في عنقها.
(فعلين)): ليشعر بأنها هدي خارجٌ عن ملك المهدي، فلا يتعرض له
السراقُ وأصحابُ الغارات، وفي هذا دلالة على أن إشعار الهدي وتقليده سنة.
(ثم ركب راحلتهُ، فلما استوت به على البيداءِ، أهلَّ بالحج))؛ أي:
أحرم به .
١٩٠٠ - عن عائشة رضي الله عنها قالت: أَهْدَى النَّبيُّ نَّهِ مَرَّةً إلى البَيْتِ
غَنَماً فَقَلَّدَها.
((عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أهدى النبي - عليه الصلاة والسلام
- مرة إلى البيت غنماً، فقلَّدها)»: يدل على جواز الهدي من الغنم.
١٩٠١ - عن جابر ﴿به قال: ذَبَحَ رسُولُ اللهِ وَّهِ عَنْ عائشةَ رضي الله عنها
بَقَرَةٌ يومَ النَّخْرِ .
((عن جابر﴾ أنه قال: ذبح رسول الله وَله عن عائشة))؛ أي: لأجلها.
(بقرة يوم النحر)): وفرَّق لحمها على الفقراء، وهذا دليل على جواز الذبح
عن الغير .
١٩٠٢ - وعنه قال: نَحَرَ النَّبِيُّ ◌َهِ عَنْ نِسائِهِ بَقَرَةً في حَجَّتِهِ.
((وعنه أنه قال: نحر رسول الله ﴿ عن نسائه))؛ أي: من أجلهن.
٣٠٣

(بقرة في حجته)): وهذا محمول على أنه - عليه الصلاة والسلام - استأذن
لهن في ذلك، فإن تضحية الإنسان عن غيره لا تجوز إلا بإذنه.
١٩٠٣ - وقالت عائشة رضي الله عنها: فَتَلْتُ قَلَائِدَ بُدْنِ النَّبِيِّ وَ هُ بِيَدَيَّ،
ثُمَّ قَلَّدَها وأَشْعَرَها وَأَهْداها، فما حَرُمَ عليه شيءٌ كانَ أُحِلَّ له.
((وفقالت عائشة رضي الله عنها: فتلت قلائدَ بُدنِ النبي - عليه الصلاة
والسلام - بيدي)): من فتل الحبلين إذا ضمَّ بعضه إلى بعض وأبرم، والقلائد:
جمع قلادة، وهو ما يُعلَّق بالعنق، يريد بالبدن: البدن التي أهداها عليه الصلاة
والسلام، وبعثها مع أبي بكر به في العام السابق على حجته عليه الصلاة
والسلام.
(ثم قلدها))؛ أي: النبي - عليه الصلاة والسلام - تلك البدن.
((وأشعرها، وأهداها))؛ أي: بعثها إلى مكة هدية.
((فما حرم عليه شيء كان أُحِلَّ له)): إنما قالت ذلك لما بلغها من فُتيا ابن
عباس فيمن بعث هدايا إلى مكة: أنه يحرم عليه ما يحرم على المحرم حتى يبلغ
الهدي محله، ويُنحَر .
١٩٠٤ - وقالت: فَتَلْتُ قَلَائِدَها مِن عِهْنٍ كانَ عِنْدي، ثُمَّ بعثَ بها مَعَ
أبي.
((وقالت: فتلت قلائدها))؛ أي: قلائد البدن.
((من عِهْنٍ))؛ أي: من صوف مصبوغ.
٣٠٤

((كان عندي))؛ أي: في بيتي.
(ثم بعثَ بها مع أبي)).
١٩٠٥ - عن أبي هُريرةَ عَ﴾: أنَّ رَسُولَ الله ◌َّهِ رَأَى رجلاً يَسُوقُ بَدَنَةً،
فقال: ((ارْكَبْها))، فقال: إنَّها بَدَنَةَ، قال: ((ارْكَبْها))، فقال: إنّهَا بَدَنَةَ، قال:
(رْكَبْها، وَيْلَكَ))، في الثانية أو الثالثة.
((عن أبي هريرة ظه: أن رسول الله صل) رأى رجلاً يسوق بدنة فقال:
اركبها، فقال: إنها بدنة، فقال: اركبها، فقال: إنها بدنة، قال: اركبها ويلك)»:
نصب على المصدر، وهو دعاء بالسوء والهلاك، وإنما دعا وَّر عليه حيث لم
يُحِبْ إلی ما دعاه إليه.
((في الثانية أو الثالثة)): هذا يدل على أن السائق بدنة هدياً له ركوبها غير
مضرٍّ بها سواء اضطر إلى ذلك أو لا، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد رحمهم
الله .
١٩٠٦ - وسُئِلَ جابر بن عبدالله ◌ُهُ عَنْ رُكُوبِ الهَدْي؟، فقال: سَمِعْتُ
النبيَّ ◌َ﴿ يقول: ((ارْكَبْها بالمعرُوفِ إذا أُلْجِئْتَ إليها، حتَّى تَجِدَ ظَهْراً).
((وسئل جابر بن عبدالله عن ركوب الهدي؟ فقال: سمعت رسول الله وَليه
یقول: ارکبها بالمعروف»؛ أي: بوجهٍ لا يلحقه ضرر.
((إذا ألجئت إليها))؛ أي: إذا اضطررت، واحتجت إلى ركوبها.
((حتى تجد ظهراً)؛ أي: مركوباً، سمي به؛ لأنه يركب ظهرها، وهذا
٣٠٥

يدل على أن جواز ركوب الهدي إذا كان مضطراً إلى ذلك بأن لم يجدْ مركوباً
غيرها، وبه قال أبو حنيفة.
١٩٠٧ - وقال ابن عباس ﴾: بَعَثَ رسُولُ اللهِ وَهُ بِسِتَّ عَشَرَةَ بَدَنَةً مَعْ
رَجُلٍ وأمَّرَهُ فيها، فقال: يا رسُولَ الله، كيفَ أصنَعُ بما أَبْدِعَ عَلَيَّ منها؟، قال:
((انْحَرْها، ثُمَّ اصْبُغْ نَعْلَيْها في دَمِها، ثمَّ اجْعَلْها عَلَى صَفْحَتِها، ولا تَأْكُلْ منها
أنتَ ولا أحدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ)).
((وقال ابن عباس: بعث رسول الله وَل﴿مُ ستَّ عشرةَ بدنة مع رجل)): هو
ناجيةُ بن جندب الأسلمي صاحبُ بدن النبي عليه الصلاة والسلام.
((وأَقَره فيها)): بفتح الهمزة وتشديد الميم؛ أي: جعله - عليه الصلاة
والسلام - أميراً حاكماً في نحر تلك البدن بمكة، وتفريق لحمها على الفقراء من
الحرم وغيره.
((فقال: يا رسول الله! كيف أصنعُ بما أُبدِعَ عليَّ منها؟)): على بناء
المجهول؛ أي: انقطعت عن السير لكلال، وإنما لم يقل: بي؛ لأنه لم يكن
راكبها، وأراد: بما حُبِس عليَّ من الكلال.
((قال: انحرها، ثم اصبغْ نعليها)): المقلَّد بهما ((في دمها، ثم اجعلها
على صفحتها))؛ أي: اضرب نعليها على جانب اليمنى من سنامها؛ ليعلم المار
به أنه هدي، فمن كان محتاجاً یأکل منه.
(ولا تأكل منها أنت، ولا أحدٌ من أهل رفقتك)): إنما نهاهم عن أكلها؛
كيلا يتوهم أحدٌ أنهم نحروها لأنفسهم، ولم يكن قد أُبدع في الطريق.
٣٠٦

١٩٠٨ - وقال جابرٌه: نَحَرْنا مَعَ رسُولِ اللهِلَّهِ عامَ الحُدَيْبيَّةِ البَدَنَةَ
عَنْ سَبْعَةٍ، والبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ.
((وقال جابر ﴿ه: نحرنا مع رسول الله وَلقر عام الحديبية)): وهي السنة
السادسة من الهجرة التي جاء النبي عليه الصلاة والسلام من المدينة إلى مكة
للعمرة، فأحصره المشركون بالحديبية، وهو موضعٌ في أطراف الحل.
((البدنة عن سبعة))؛ أي: عن سبعة أشخاص.
((والبقرة عن سبعة)): وفي ((الصحاح)): البدنة: ناقة أو بقرة تُنحَرُ بمكة،
سمیت بذلك؛ لأنهم كانوا يُسمِّنونها .
١٩٠٩ - وعن ابن عمر ﴾: أنّه أتَى على رجُلٍ قد أناخَ بَدَنَتُهُ بَنْحَرُها،
فقال: ابْعَنْهَا قِياماً مُقَيَّدَةً، سُنَّهُ محمَّدٍ وَهِ.
((وعن ابن عمر: أنه أتى على رجل قد أناخ بدنته)): الجملة صفة (رجل).
((بنحرها)): حال من (بدنة)، والعامل (أناخ).
((فقال: ابعثها قياماً)): مصدر بمعنى اسم الفاعل، وانتصابه على الحال،
والعامل فعلٌ محذوف دلَّ عليه قرينة الحال؛ أي: انحرها قائمة.
((مقيدةً سنةً محمد بِّه)): نصباً بعامل مضمر على أنه مفعول به؛
أي: مقتفياً في نحرها سنةَ محمد عليه الصلاة والسلام، أو على الاختصاص؛
أي: الزم سنة محمد رير واحفظها، وفي بعض النسخ بالرفع؛ أي: ذلك سنة.
٣٠٧

١٩١٠ - وقال عليّ ◌ُ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِوَّهِ أَنْ أَقُومَ على بُدْنِهِ، وأنْ
أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِها وجُلُودِها وأَجِلَّتِها، وأنْ لا أُعْطِىَ الجَزَّارَ مِنها، قال: ((نَحْنُ
نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنا».
((وقال عليه: أمرني رسول الله وَيقول أن أقوم على بُدنه)): بضم الباء؛
أي: على نحر هديه عليه الصلاة والسلام.
((وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجلَّتها)): جمع جلال، وهو جمع الجل
للفرس.
((وأن لا أعطي الجَزَّار منها)) بفتح الجيم والزاي المشددة: هو الذي يذبح
الجمل .
((قال: نحن نعطيه من عندنا)).
١٩١١ - وقال جابرٌ﴾: كُنَّا لا نأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنا فَوْقَ ثَلاثٍ،
فَرَخَّصَ لنا رسُول اللهِوَِّ قال: ((كُلُوا وَتَزَوَّدُوا))، فَأَكَلْنَا وَتَزَوَّدْنا.
((وقال جابر: كنا لا نأكل من لحوم بُدْننا فوق ثلاث)): نهانا - عليه الصلاة
والسلام - عن ذلك.
((فرخص لنا رسول الله ◌َله فقال: كلوا وتزودوا، فأكلنا وتزودنا»: فيه
دليل على أنه يجوز للمهدي أن يأكل من هدي التطوع متى شاء، وأما الواجب
بالشرع من الهدي كدم التمتع والقران، والواجب بإفساد الحج وفواته وجزاء
الصيد، فلا يأكل المهدي منه، بل عليه التصدق عند بعضهم، وبه قال الشافعي.
٣٠٨

مِنَ الحِسَان:
١٩١٢ - عن ابن عباس ﴾: أنَّ رسُولَ الله ◌ِوَّهِ أَهْدَى عامَ الحُدَيْبيَّةِ في
هدايا رسُولِ اللهِ وَ﴿ِ جَمِلاً كانَ لأبي جَهْلٍ، في رَأْسِهِ بُرَةٌ مِنْ فِضَّةٍ يَغيظُ بِذلِكَ
المُشْرِكينَ.
ويروى: بُرَّةٌ مِنْ ذَهَبٍ.
((من الحسان)):
((عن ابن عباس: أن رسول الله وَّ﴿ أهدى))؛ أي: أرسل إلى مكة.
((عام الحديبية في هدايا رسول الله (وَل)): من باب إقامة الظاهر مقام
المضمر؛ أي: في هداياه.
((جملاً)) : نصب بـ (أهدى).
((كان لأبي جهل)): أخذه النبيُّ - عليه الصلاة والسلام - في غزوة بدر
غنيمةً.
(في أنفه بُرَة)): بضم الباء وتخفيف الراء؛ أي: حلقة ((من فضة، يغيظ
بذلك المشركين))؛ أي: يوصل الغيظ والأذى إلى قلوب المشركين في نحره -
عليه الصلاة والسلام - ذلك الجمل، ليعلموا أن ما هو أعزُّ لديهم من المال، فهو
حقير عند المؤمنين .
(ويروى: بُرةً من ذهب)).
١٩١٣ - عن جابر﴿ أنّ النبيَّ نَ ◌ّهِ قال: ((البَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، والجَزُورُ عنْ
سَبْعَةٍ)).
٣٠٩

(وعن جابر ﴿ه: أن النبي - عليه الصلاة والسلام - قال: البدنة عن
سبعة، والجزور)): وهي من الإبل: ما يُذبَح للحم، يقع على الذكر والأنثى.
(عن سبعة)).
١٩١٤ - وعن ابن عباس قال: كُنَّا مع النبيِّ وَ﴿ِ فِي سَفَرٍ فَضَرَ الأَضْحَى،
فاشْتَرَكْنَا فِي البَقَرَةِ سَبْعَةً، وفي الجَزُورِ عَشَرةً)، غريب.
((وعن ابن عباس ﴾ أنه قال: كنا مع النبي - عليه الصلاة والسلام - في
السفر، فحضر الأضحى»؛ أي : يوم العيد.
((فاشتركنا في البقرة سبعةً))؛ أي: حال كوننا سبعة أنفس.
((وفي الجزورِ عشرةً)، ((غريب)).
١٩١٥ - عن ناجِيّة الخُزَاعِيِّ أنَ قال: قُلتُ: يا رسول الله! كيفَ أصْنَعُ
بما عَطِبَ مِنَ الْبُدْنِ؟، قال: ((انْحَرْها، ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَها في دَمِها، ثُمَّ خَلِّ بَيْنَ
النَّاسِ وبينها فَيَأْكُلُونها» .
((عن ناجية الخزاعي أنه قال: قلت: يا رسول الله! كيف أصنع بما
عطب))؛ أي: وقف وعجز عن السير.
((من البدن؟ قال: انحرها، ثم اغمسْ نعلها في دمها، ثم خلِّ بين الناس
وبينها)): التعريف فيه للعهد، والمراد بهم: الذين يتبعون القافلة ويلتمسون
الساقطة، أو جماعة غيرهم من قافلة أخرى، ((فيأكلونها)).
٣١٠

١٩١٦ - عن عبدالله بن قُرْطٍ عن النبيِّ وَّه قال: ((إِنَّ أَفْضَلَ الأيّامِ عِنْدَ الله
يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ القَرِّ».
وقال: أُتِيَ رسُولُ الله ◌َّهِ بِبَدَنَاتٍ خَمْسٍ أو سِتِّ، فَطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إليه
بِأَيْتِهِنَّ يَبْدَأُ، فلمَّا وَجَبَتْ جُنُوبُها، قال: فَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ خَفِيَّةٍ لَمْ أَفْهَمْها، فسألتُ
الذي يَليهِ فقال: قال: ((مَنْ شاءَ فَلْيَقْتَطِعْ» .
((عن عبدالله بن قُرطٍ ﴿ه، عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: إن
أفضل الأيام)»؛ أي: من أفضلها .
«عند الله يوم النحر))؛ أي : يوم عيد الأضحى.
(ثم يوم القُرِّ»: وهو اليوم الذي بعده، سمي به؛ لأنهم يقرون؛ أي:
يسكنون فيه بمنى ويقيمون، أو لحصول القرار لهم في ذلك اليوم من تعبٍ أفعال
الحج.
((وأتي رسول الله وَّه ببدنات خمس أو ست، فطفقْنَ يزدلفْنَ إليه))؛ أي:
یقربن منه .
((بأيتهن يبدأ)): الجار والمجرور يتعلق بـ (يبدأ)؛ أي: تسعى كل واحدة
من تلك البدن إلى النبي عليه الصلاة والسلام؛ لينحرها - عليه الصلاة والسلام -
أولاً .
((فلما وجبت جنوبها))؛ أي: سقطت على الأرض، مجازٌ عن موتها
وزهوق روحها، وفيه إشارة إلى استحباب نحرها قائمة؛ فإن السقوطَ إنما يتصوَّر
بعد القيام.
((قال))؛ أي: الراوي.
((فتكلم))؛ أي: النبي - عليه الصلاة والسلام - حين نحر الإبل.
((بكلمة خفية لم أفهمها»؛ لبعد مكاني عن مكانه واله .
٣١١

((فسألت الذي يليه)»: سير تلك الكلمة.
((فقال)) ذلك الرجل: ((قال)): وَل حين نحرها: ((من شاء فليقطعْ))؛ أي:
فليأخذ منها قطعة، كأنه يشير إلى قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَائِعَ
وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]، قيل: فيه دليل على جواز هبة المشاع.
٩ - باب
الحلق
(باب الحلق)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٩١٧ - عن ابن عمر ﴿﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ حَلَقَ رَأْسَهُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ
وأُناسٌ مِنْ أصْحابهِ، وقَصَّرَ بعضُهُمْ.
((من الصحاح)):
((عن ابن عمر ﴾: أن رسول الله وَ * حلق رأسه في حجة الوداع، وأناسٌ
من أصحابه، وقصَّر بعضهم)): هذا يدل على جواز الحلق والتقصير، وهو أخذ
أطراف الشعر.
١٩١٨ - وقال ابن عبّاسِ عْ﴾: قال لي مُعاوية: إنِّي قَصَّرْتُ مِنْ رَأْسِ
النبيِ ◌َ﴾ عِنْدَ المَرْوَةِ بِمِشْقَصٍ.
((وقال ابن عباس: قال لي معاوية)) ابن أبي سفيان: ((إني قصَّرت من رأس
النبي عليه الصلاة والسلام))؛ أي: من شعر رأسه.
٣١٢

((عند المروة بمِشْقَص)) بكسر الميم ثم السكون ثم الفتح: ما طال وعرض
من النصال، وهذا لا يعارض رواية الحلق؛ لأن التقصير كان في عمرة الجعرانة
التي اعتمرها - عليه الصلاة والسلام - عام فتح مكة، وإنما قيَّده بالمروة؛ لأنه
محل تحلل العمرة، والحلق كان في العاشرة في حجة الوداع، ولذا قيده بها ابن
عمر.
١٩١٩ - عن ابن عمر: أنَّ رسول الله وَّهِ قال: ((اللهمَّ ارْحَمْ المُحَلِّقينَ»،
قالوا: والمُقَصِّرِينَ يا رسولَ الله؟، قال: ((اللهمَّ ارْحَمْ المُحَلَّقِينَ))، قالوا:
والمُقَصِّرين يا رَسُولَ الله؟، قالَ ((وَالمُقَصِّرِينَ)).
((عن ابن عمر : أن رسول الله وَلفي قال في حجة الوداع: اللهم ارحم
المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: اللهم ارحم المحلقين،
قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: والمقصرين)).
١٩٢٠ - ويُروى: أنّ النَّبِيَّ ◌َّهِ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ دَعا للمُحَلِّقِينَ ثلاثاً،
وللمُقَصِّرِينَ مَرَّةً.
((ويروى: أن النبي - عليه الصلاة والسلام - في حجة الوداع دعا
للمحلقين ثلاثاً، وللمقصرين مرة)»: وإنما خصَّ المحلقين بمزيد الدعاء،
وقدَّمهم على المقصرين؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - كان قد ساق هديه، ومن
كان معه هديٌ لا يحلق حتى ينحر، فلما أمرُ مَنْ لا هديَ معه، وهم أكثرهم
بالحلق والحل، وجدوا في أنفسهم شيئاً؛ لأنهم أرادوا أن يفعلوا كفعله حتى
يكملوا الحج، وكان التقصير في نفوسهم أخفّ من الحلق، مال أكثرهم إليه،
٣١٣

فقدَّمهم، وأخَّر المقصرين، ولبيان ما بين النسكين من الفضل.
١٩٢١ - وعن أنس : أنَّ النبيَّ وَ﴿ أَتَى مِنِّى، فأتَى الجَمْرَةَ فَرمَى بها،
ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنِّى، ونَحَرَ نُسُكَهُ، ثُمَّ دَعا بالحَلَّقِ، وناوَلَ الحالِقَ شِقَّهُ الأَيْمَنَ
فَحَلَقَهُ، ثُمَّ دَعا أبا طَلْحَةَ الأَنْصارِيَّ فَأَعْطاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ ناوَلَهُ الشِّقَّ الأَيْسَرَ، فقال:
(حِلِقْ)) فَحَلَقَهُ، فأعْطَاهُ أبا طَلْحَةَ الأَنْصَارِيَّ فقال: ((اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ)).
((وعن أنس أن النبي - عليه الصلاة والسلام - أتى منى، فأتى الجمرة))؛
يعني : جمرة العقبة .
((فرماها)): في يوم النحر.
«ثم أتی منزله بمنی، ونحر نسكه))؛ أي: ذبح.
((ثم دعا بالحلاق)): وهو معمر بن عبدالله بن نافع بن فضلة القرشي
العدوي .
((وناول الحالق))؛ أي: أعطاه.
((شقة الأيمن))؛ أي: الجانب الأيمن من شعر رأسه.
((فحلقه)): يدل على أن البداية في الحلق باليمين مسنون، واستدل
الشافعي بهذا أن الحلق في الحج عبادة، وركن من أركانه، وعندنا ليس بركن،
ولکنه یجب الدم بتر که.
((ثم دعا)»؛ أي: النبي عليه الصلاة والسلام.
((أبا طلحة الأنصاري)): وهو حافر قبر النبي ◌َّر.
((فأعطاه إياه)»؛ أي: أعطاه ما حلق من الشعر.
٣١٤

(ثم ناوله))؛ أي: النبي ◌َّ الحلاقَ («الشقَّ الأيسر، فقال: احلق، فحلقه،
فأعطاه أبا طلحة، فقال عليه الصلاة والسلام: اقسمه بين الناس))؛ أي: الشعر
المحلوق بين الأصحاب، فقصد أن يكون تذكرة وبركة باقية بين أظهرهم؛ لعلمه
باقتراب أجله.
١٩٢٢ - عن عائشة رضي الله عنها قالت: كُنْتُ أُطَيِبُ رَسُولَ اللهِ قَبْلَ
أَنْ يُحْرِمَ، ويَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بالبَيْتِ بطِيبٍ فيه مِسْكٌ.
((عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كنت أطيب رسول الله صل* قبل أن
يحرم ويوم النحر))؛ يعني: كنتُ أطيبه يوم النحر بعد رمي الجمرة العقبة.
((قبل أن يطوف بالبيت))؛ أي: طواف الزيارة.
((بطيب فيه مسك)).
١٩٢٣ - وعن ابن عمر رضي عنهما: أنَّ رسُولَ اللهِ وَّهِ أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ،
ثُمَّ رَجَعَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنَّى.
(وعن ابن عمر : أن رسول الله ﴿ ﴿ أفاض))؛ أي: انصرف.
(يوم النحر)): من منى إلى مكة، فطاف طواف الفرض، ((ثم رجع في
ذلك اليوم، فصلى الظهر بمنى)).
مِنَ الحِسَان:
١٩٢٤ - عن عائشةَ رضي الله عنها أنَّ النَّبيَّ نَّهِ نَهَى أنْ تَحْلِقَ المَرْأَةُ رَأْسَها.
٣١٥

((من الحسان)):
((عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي - عليه الصلاة والسلام - نهى أن
تحلِقَ المرأةُ رأسها)»: إنما نهاهن عن الحلق؛ لأن شعورهن زينة لهن، فتركها
ربما يبغضهنَّ إلى أزواجهن.
١٩٢٥ - وعن ابن عبّاس ﴾ قال، قال رسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَيْسَ عَلَى النِّساءِ
الحَلْقُ، إنَّما عَلَى النِّساءِ التَّقْصِيرُ)).
((وعن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله وَله: ليس على النساء الحلقُ،
إنما على النساء التقصيرٌ))؛ فالسنة للمرأة أن تقصَّ من شعرها.
فصل
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٩٢٦ - عن عبدالله بن عَمْرو بن العاصِ ﴾: أنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ وَقَفَ في
حَجَّةِ الوَداعِ بِمِنَّى للنَّاسِ يسأَلُونَهُ، فجاءَ رجُلٌ فقال: لم أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ
أَذْبَحَ، فقال: ((اذْبَحْ ولا حَرَجَ))، فجاءَهُ آخَرُ وقال: لم أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أنْ
أَرْمِيَ، فقال: (ارْمٍ ولا حَرَجَ)، فَما سُئِلَ النَّبِيُّ لَهُ عَنْ شَيءٍ قُدِّمَ أو أُخِّرَ إلَّ
قال: ((افْعَلْ ولا حَرَج)).
وفي روايةٍ: ((أتاهُ رَجُلٌ فقال: حَلَقْتُ قَبْلَ أنْ أَرْميَ، قال: ((ارْمِ
ولا حَرَجَ)، وأتاهُ آخَرُ فقال: أفَضْتُ إلى البَيْتِ قَبْلَ أنْ أرْميٍ، فقال: ((ارْمِ
ولا حَرَجَ)).
٣١٦

(فصل)
((من الصحاح)):
((عن عبدالله بن عمرو بن العاص: أن رسولَ الله وقف في حجة الوداع
بمنى للناس يسألونه)): حال من فاعل (وقف)؛ أي: وقف - عليه الصلاة
والسلام - مسؤولاً، أو من الناس؛ أي: وقف لهم سائلين عنه، ويجوز أن يكون
استئنافاً بياناً لعلة الوقوف.
((فجاء رجل فقال: لم أشعر))؛ أي: لم أعلم ترتيب أفعال الحج، وهو
الرمي والذبح والحلق والطواف.
((فحلقت قبل أن أذبح، فقال: اذبحْ ولا حرج))؛ أي: لا إثم.
((فجاءه آخر، فقال: لم أشعر))؛ أي: الترتيب المذكور.
((فنحرت قبل أن أرمي، فقال: ارمٍ ولا حرج، فما سُئِل النبي ◌َّقُ عن
شيء قُدِّم ولا أُخِّر إلا قال: افعل ولا حرج)): يدل على أن الترتيب مندوب لا
شيء في تركه، وعليه أكثر علماء الصحابة والتابعين، وبه قال الشافعي وأحمد
وإسحاق رحمهم الله.
وقال أبو حنيفة ومالك رحمهم الله: واجب حتى يتعلق الدم بتركه، وإليه
مال ابن جبير، وأوَّلوا قوله: ((ولا حرج)) على دفع الإثم بجهله دون الفدية.
((وفي رواية: أتاه رجل فقال: حلقت قبل أن أرمي، قال: ارم ولا حرج،
وأتاه آخر فقال: أفضت إلى البيت))؛ يعني: طفت طواف الإفاضة، وهو طواف
الزيارة .
((قبل أن أرمي قال: ارم ولا حرج)).
*
*
٣١٧

١٩٢٧ - عن ابن عباس أنّه قال: كانَ النَّبيُّ ◌ِ﴿ يُسْأَلُ يومَ النَّحْرِ بِمِنِّى،
فيقول: ((لا حَرَجَ»، فسَأَلَهُ رجُلٌ فقال: رَمَيْتُ بعدَما أَمْسَيْتُ، فقال:
((لا حَرَج)).
((وعن ابن عباس أنه قال: كان النبي - عليه الصلاة والسلام - يسأل يوم
النحر بمنى فيقول: لا حرج، فسأله رجل فقال: رميت بعد ما أمسيت)): أراد
به : بعد العصر.
((فقال: لا حرج)): اعلم أن آخر وقت الرمي يوم النحر غروب الشمس
من يومه، وأوله بعد طلوع الفجر عندنا، وبعد انتصاف ليلة النحر عند
الشافعي .
من الحِسان:
١٩٢٨ - عن علي ﴿ه قال: أتاهُ رجُلٌ فقال: يا رسُولَ الله! إنِّي أَفَضْتُ
قَبْلَ أنْ أحْلِقَ، قال: ((احْلِقْ - أو: قَصِّر - ولا حَرَجَ)، وجاءَهُ آخَرُ فقال: ذَبَحْتُ
قَبْلَ أَنْ أَرْميَ، فقال: ((ارْمٍ ولا حَرَجَ).
((من الحسان)):
((عن علي به أنه قال: أتاه رجل فقال: يا رسول الله! إني أفضت قبل أن
أحلق، قال: احلق - أو: قصِّر - ولا حرج، وجاء آخر فقال: ذبحت قبل أن
أرمي، قال: ارم ولا حرج)).
٣١٨

١٠ - بل
الخُطْبة يومَ النَّحر
ورَمْي أَيَّامِ التّشريق والتَّوديع
(باب خطبة يوم النحر ورمي أيام التشريق والتوديع)
سميت هذه الأيام أيام التشريق؛ لأنهم كانوا يُشرِّقون؛ أي: يُقدِّدون فيها
لحوم الأضاحي.
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٩٢٩ - عن أبي بَكْرة ﴾ه عنه قال: خَطَبنا رسُولُ اللهِ وَهِ يَوْمَ النَّحْرِ،
قال: ((إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السَّماواتِ والأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا
عَشَرَ شَهْراً، مِنْها أرْبَعَةٌ حُرٌُ، ثَلاثَةٌ مُتَوالِياتٌ: ذُو القَعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ،
ورَجَبُ مُضَرَ الذي بَيْنَ جُمَادَى وشَعْبانَ»، ثُمَّ قال: ((أيُّ شَهْرِ هذا؟ فقُلْنا: الله
ورسُولُهُ أَعْلَمُ، قال: ((أَلَيْسَ ذا الحِجَّةِ؟)) قلنا: بَلَى، قال: ((فَأَيُّ بَلَدٍ هذا؟»،
قُلْنا: الله ورسُولُهُ أعلم، قال: ((أَلَيْسَ البَلْدَةَ؟)) قُلْنا: بَلَى، قال: ((فَأَيُّ يَوْمِ هذا؟
))، قُلْنا: الله ورسُولُهُ أعلم، قال: ((أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟))، قُلْنا: بَلَى، قال: ((فإنَّ
دِمَاءَكُمْ وَأَمْوالَكُمْ وأعْراضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ
هذا، في شَهْرِكُمْ هذا، وسَتَلْقَوْنَ رَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمالِكُمْ، أَلَا فلا تَرْجِعُوا
بَعْدِي ضُلاَلاً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟ قالوا: نَعَمْ، قال:
((اللهمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغائِبَ، فَرُتَ مُبَلَّغِ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ)).
((من الصحاح)):
((عن أبي بكرة ظ﴾ أنه قال: خطبنا النبي عليه الصلاة والسلام))؛ أي:
وعظنا .
٣١٩

((يوم النحر قال: إن الزمان)): أراد به السنة.
((قد استدار كهيئته)): صفة مصدر محذوف؛ أي: استدار استدارة مثل
حالته .
((يوم خلق الله السماوات والأرض)): أراد به: دوره بالشهور الهلالية التي
يدور عليها حساب السنة العربية، وبطلان ما أبدعه الجاهلية من النسيء المذكور
في القرآن: ﴿إِنَّمَا النَِّىِّءُ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]، وهو تأخيرهم تحريم
رجب إلى شعبان، والمحرم إلى صفر، وذلك لأنهم كانوا أصحاب حروب
وغارات، فإذا جاء الشهر الحرام وهم يحاربون، شقَّ عليهم ترك المحاربة،
فيحلونه ويحرمون مكانه شهراً آخر، حتى رفضوا تخصيص الأشهر الحرام،
وربَّما زادوا عدد الشهور، فجعلوه ثلاثة عشر أو أربعة عشر؛ ليتسع بهم الوقت،
وكانوا إذا أخَّروا ذا الحجة إلى المحرم أو صفر أو غيرهما، أخَّروا الحج أيضاً
إليه، حتى بلغ دور تأخير ذي الحجة على حسابهم إلى ذي الحجة، ووافق ذلك
السنة التي حجَّ فيها الرسول - عليه الصلاة والسلام - حجة الوداع، فأعلمهم أن
أشهر النسيء قد تناسخت باستدارة الزمان، وعاد الأمر إلى ما وضع الله عليه
حساب الأشهر يوم خلق السموات والأرض.
((السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم؛ ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو
الحجة والمحرم، ورجب مضر)»: عطف على قوله: ثلاث، وإنما أضافه وَلـ
إلى مضر، وهو القبيلة؛ لشدة محافظتهم على تحريمه .
(الذي بين جمادى وشعبان))، وإنما وصف رجب بقوله: (الذي)
للتأكيد، أو لبيان أن رجب الحرام هو الذي بينهما، لا ما كانوا يسمونه رجب
على حساب النسيء.
((ثم قال: أي شهر هذا؟)): سألهم ليذكرهم حرمة الشهور ويقررها في
نفوسهم؛ ليبني عليه ما أراد تقريره.
٣٢٠