النص المفهرس
صفحات 241-260
((وقال ابن عباس ﴾: وقَّت رسول الله (وَلِ﴾))؛ أي: بَيَّن حدَّ الإحرام ومواضعَه ((لأهل المدينة ذا الحليفة)) وهي على فرسخين من المدينة، وعشرٍ مراحلَ من مكة، تصغير حلفة مثل قصبة: ماءٌ من مياهٍ بني خثعم أو جشم. ((ولأهل الشام الجحفة))، وهي بين مكة والمدينة من الجانب الشامي يحاذي ذا الحليفة، على خمسين فرسخاً من مكة، سميت بها لإجحاف السيل بأهلها؛ أي: إذهابه بهم، وكان اسمها المهيعة قبلَ أنْ أَجْحَفَ السيلُ بأهلها . ((ولأهل نجد قرن المنازل)» بسكون الراء وفتحها، وقيل: تحريكها خطأ، جبل أملس مدوَّر كأنه بيضةٌ، مشرفٌ على عرفات، ويقال له: (قرن) بحذف المضاف إليه، و(قرن المنازل) أيضاً بالإضافة. ((ولأهل اليمن يلملم)): جبل من جبال تهامة على ميلين من مكة. ((فهن لهن))؛ أي: فهذه المواقيت لهذه المواقيت؛ أي: لأهلها على حذف المضاف، دل عليه قوله: ((ولمن أتى عليهن من غير أهلهن))؛ أي: هذه المواقيت لأهلهن المار بن بهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن «لمن کان یرید الحج والعمرة)) دون مَن لم يُرِدْ شيئاً منهما. ((فمن كان دونهن))؛ أي: من كان بيته أقرب إلى مكة من هذه المواقيت. «فمهلُّه))؛ أي: موضع إهلاله؛ أي: إحرامه. ((من أهله))؛ أي: من بيته، ولا يلزمه الذهاب إلى الميقات. ((وكذاك وكذاك))؛ أي: وكذلك الأَدْوَنُ فالأدون، والأَدْخَلُ فالأدخل في المواقيت. ((حتى أهل مكة يهلون منها))؛ أي: يُخْرِمون من بطن مكة، وهذا مخصوصٌ بالحج؛ لأنه عليه الصلاة والسلام أمر عائشة رضي الله عنها حين أرادت أن تعتمر بعد التحليل من الحج أن تخرج إلى الحلِّ فُتُحْرِمَ منه. ٢٤١ ١٨١٣ - وعن جابرٍ﴾، عن رسول الله وَّامٍ أنه قال: ((مُهَلُّ أَهْلِ المدينةِ مِنْ ذِيِ الخُلَيْفَةِ، والطَّريقُ الآخَرِ الجُحْفَةَ، ومُهَلُّ أهلِ العراقِ مِنْ ذاتِ عِرْقٍ، ومُهَلُّ أَهْلِ نَجْدٍ قَرْن، ومُهَلُّ أهْلِ اليَمَنِ من يَلَمْلَم)). ((وعن جابر عن رسول الله ﴾ أنه قال: مُهَلُّ أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر)) فيه حذفُ مضاف؛ أي: مُهَلُّ الطريق الآخر ((الجحفة))؛ أي: إذا جاؤوا من طريق الجحفة فهي مهلُّهم. ((ومهل أهل العراق من ذات عرق)»: وهي على مرحلتين من مكة، سميت بها لأن هناك عرقاً وهو الجبل الصغير. ((ومهل أهل نجد قرن، ومهل أهل اليمن يلملم)). ١٨١٤ - وقال أنس: اعْتَمَرَ رسولُ اللهِوَّهِ أربعَ عُمَرَ، كُلَّهُنَّ في ذي القَعْدَةِ إلَّ التي كانَتْ مع حجَّته: عُمرةً من الحُدَيْبيَّة في ذي القَعْدَة، وعُمْرةً من العامِ المُقبل في ذي القَعْدَةِ، وعمرةً مِنْ الچِعْرانَةِ حيثُ قَسمَ غَنَائِمَ حُنَيَّنٍ في ذي القَعْدَةِ وقبْلَ أنْ يحُجَّ، وعُمْرَةً مع حَجَّتِهِ». ((وقال أنس ﴿: اعتمر رسول الله (وَل﴿ أربع عمر)): جمع عمرة. ((كلهن في ذي القعدة إلا التي كانت مع حجته: عمرة من الحديبية)) بتخفيف الياء وتشديدها: أحد حدود الحرم، تسعة أميال من مكة. (في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة)) بكسر الجيم وسكون العين، ومن الرواة من يكسر العين ويشدد الراء، والأكثرون على أنه خطأ، وهي على ستة فراسخ من مكة، وقيل: على تسعة أميال منها . ((حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته)). ٢٤٢ ١٨١٥ - وقال البَراءُ بن عازِب: اَعْتَمَرَ رسولُ الله ◌َّ في ذي القَعْدَةِ قبلَ أنْ يَحُجَّ مَرَّتَيْنِ . ((وقال البراء بن عازب: اعتمر رسول الله ولي﴿ في ذي القعدة قبل أن يحج مرتین)) . مِنَ الحِسَان: ١٨١٦ - عن ابن عبّاسِ ﴾ قال: قال رسول الله وَّهِ: ((أيُّها النَّاسُ! إنَّ الله كتبَ عليكُمُ الحَجَّ»، فقامَ الأَقْرَعُ بن حابس فقال: أفي كُلِّ عامٍ يا رسولَ الله؟ قال: ((لو قلتُها لَوَجَبَتْ، ولَوْ وَجَبَتْ لمْ تَعمَلُوا بها، ولم تَسْتَطِيعُوا، الحَجُّ مَرَّةٌ، فَمَنْ زادَ فَتَطَوُّعٌ» . ((من الحسان)): ((عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله وَله: يا أيها الناس! إن الله كتب عليكم الحج: فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ قال: لو قلتُها لوجبت))؛ أي: الحجة. ((ولو وجبت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا، الحج مرة))؛ أي: وجوبُه مرةً واحدة ((فمن زاد فتطوُّعٌ)). ١٨١٧ - وعن عليٍّ ◌ُه قال: قال رسول الله ◌َّهِ: ((مَنْ مَلَكَ زَاداً وراحِلَةً تُبلَّغُهُ إلى بَيْتِ الله ولم يَحُجَّ فلا عليهِ أنْ يموتَ بَهُودِيّاً أوْ نَصْرَانِيَّاً، وذلكَ أنَّ الله تباركَ وتعالَى يقول: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾)). ٢٤٣ (وعن علي كرم الله وجهه أنه قال: قال رسول الله ﴿ مَن مَلَكَ زاداً وراحلة تُبلغه)) بضم التاء وفتح الباء، وإنما أفرد الضمير فيه والمرجوع إليه شيئان للذهاب إلى جانب المعنى، وهو الاستطاعة. ((إلى بيت الله ولم يحج، فلا عليه))؛ أي: فلا تفاؤُتَ عليه ((أن يموت يهودياً أو نصرانياً) وهذا من باب المبالغة في التهديد والوعيد تعظيماً لأمر الحج وتغليظاً على تاركيه، ويجوز أن يكون المراد به مَن لم يحج جاحداً لوجوبه، وإنما خص الطائفتين بالذكر؛ لقلة مبالاتهما بالحج من حيث إنه لم يكن مفروضاً عليهم؛ لأنه من شعار هذه الملة خاصة . ((وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾)). ١٨١٨ - وقال: ((لا صَرُورَةَ في الإِسلامِ). ((وعن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله وَله: لا صَرورة في الإسلام)) قيل: (الصَّرورة) - بالصاد المهملة المفتوحة: الذي لم يحج، وأصله من الصر: الحبس والمنع؛ أي: لا يجوز ترك الحج مع الاستطاعة. وقيل: هو التبتُّل، وهو ترك النكاح؛ أي: ليس ينبغي أن يقول: لا أتزوج؛ لأنه فعلُ الرهبان لا من أخلاق المؤمنين. ١٨١٩ - وقال: ((مَنْ أَرَادَ الحَجَّ فَلْيُعَجِّلْ)). ((وعنه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: من أراد الحج فليعجل))؛ أي: من وجب الحج عليه واستطاع فليعجل إتيانه، والأمر للاستحباب؛ لأن ٢٤٤ تأخيره جائز بعد وجوبه إلى آخر عمره. ١٨٢٠ - وقال: ((تابعُوا بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ، فإِنَّهُمَا يَنْفِيانِ الفَقْرَ والذُّنُوبَ كما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ والذَّهَبِ والفِضَّةِ، وليسَ للحَجَّةِ المبرُورَةِ ثَوَابٌ إلا الجَنَُّ). ((وعن ابن مسعود ظه أنه قال: قال رسول الله﴿ تابعوا بين الحج والعمرة))؛ يعني: إذا حججتم فاعتمروا، وإذا اعتمرتم فحجوا. ((فإنهما ينفيان))؛ أي: يزيلان ((الفقر والذنوب كما ينفي الكير)»: وهو ما يَنفخ فيه الحداد لاشتعال النار؛ لتصفية الحديد من الخبث. ((خبثَ الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثوابٌ إلا الجنة)). ١٨٢١ - وعن ابن عُمر ﴿﴾ قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ وَله فقال: يا رسول الله! ما يُوجِبُ الحَجَّ؟ قال: ((الزَّادُ والرَّاحِلَة)). ((وعن ابن عمر﴾ أنه قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله وَلهم فقال: يا رسول الله! ما يوجب الحج؟ قال: الزاد والراحلة))؛ يعني: الحج واجب على مَن وجدهما . ١٨٢٢ - وعنه قال: سألَ رَجُلٌ رسولَ الله ◌َيِ: ما الحَاجُ؟ قال: ((الشَّعِثُ التَّفِلُ))، وقال آخر: أيُّ الحَجِّ أفْضَلُ؟ قال: ((العَجُّ والَّجُّ)، فقال آخَر: ٢٤٥ ما السَّبِيلُ؟ قال: ((زادٌ وراحِلَةٌ)). ((وعنه أنه قال: سأل رجل رسول الله: ما الحاجُ؟))؛ أي: ما صفةُ الحاجٌّ الذي يحج؟ . ((فقال: الشعث))؛ أي: هو المتفرِّقُ شعرُ رأسه من عدم غسله، وقيل: المغبر الرأس. ((التَّفِل)) بفتح التاء وكسر الفاء: تارك الطّيب. ((فقال آخر: أي الحج أفضل؟))؛ أي: أيُّ أفعال الحج أفضل؟ . ((قال العَجَّ) بفتح العين وتشديد الجيم: رفع الصوت بالتلبية. ((والثَّج)) بفتح الثاء وتشديد الجيم: إراقة الدم؛ أي: دم الهدي. وقيل: دماء الأضاحي. ويحتمل أن يراد بهما الاستيعاب، فبدأ بالإحرام الذي هو الإهلال، وانتهى بالتحليل الذي هو إهراق دم الهدي؛ اقتصاراً بالمبدأ والمنتهى عن سائر الأعمال؛ أي: أفضل الحج ما استوعب جميع أعماله من الأركان والمندوبات وغيرهما. ((فقال آخر: ما السبيل؟))؛ أي: ما استطاعة السبيل المذكور في قوله تعالى: ﴿مَنِ أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ [آل عمران: ٩٧]. ((قال: الزاد والراحلة)). ١٨٢٣ - عن أبي رَزِين العُقَيْلي: أنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ وَ﴿ فقال: يا رسولَ الله!، إِنَّ أبي شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يستطِيعُ الحَجَّ والعُمْرَةَ ولا الظَّعْنَ، قال: ((حُجَّ عَنْ أَبَيكَ، واَعْتَمِرْ))، صحيح. ٢٤٦ ((وعن أبي رزين العقيلي: أنه أتى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة)»؛ أي: لا يستطيع أفعالهما . ((ولا الظعن))؛ أي: الذهابَ أو ركوب الدابة. ((قال: حج عن أبيك واعتمر. صحيح)) يدل على جواز النيابة. ١٨٢٤ - عن ابن عباس ﴾: أنَّ النَّبيَّ نَّهِ سَمِعَ رَجُلاً يقولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَة، قال: ((مَنْ شُبْرُمَة؟))، قال: أخٌ لي، أو قريبٌ لي، قال: ((أَحَجَجْتَ عَنْ نفسِكَ؟))، قال: لا، قال: ((حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عن شُبْرُمَة)). ((وعن ابن عباس ﴾: أن النبي عليه الصلاة والسلام سمع رجلاً يقول: لبيك عن شُبْرُمة)) بضم الشين وسكون الباء وضم الراء. ((قال: مَن شبرمة؟ قال: أخٌ لي - أو: قريب لي -، قال: أحججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة))، يدل على جواز النيابة أيضاً. ١٨٢٥ - عن ابن عبّاسِ ﴾: أنَّ النَّبِيَّ وَهِ وَقَّتَ لأهلِ المَشْرِقَ العَقِيقَ. ((وعن ابن عباس ظ﴾: أن النبي عليه الصلاة والسلام وقت لأهل المشرق)»؛ والمراد به: مَن منزله خارج الحرم من شرقي مكة إلى أقصى بلاد الشرق، وهم العراقيون. ((العقيق)): وهو موضع بحذاء ذات عرق، وأصله: كل مسيل شقَّه السيل ٢٤٧ فوسَّعه، من العَقِّ: وهو الشق والقطع، كأنه عليه الصلاة والسلام عيَّن لأهل المشرق ميقاتين: العقيق وذاتُ عِرْقٍ، فمَن أحرم من العقيق قبل أن يصل إلى ذات عرق فهو أفضل، ومَن جاوزه فأحرم من ذاتِ عِرْقٍ جاز ولا شيء عليه . ١٨٢٦ - وعن عائشة رضي الله عنها: أنَّ رسول الله وَ﴿ وَقَّتَ لأَهْلِ العِراقِ ذاتَ عِرْقٍ . ((وعن عائشة - رضي الله عنها -: أن رسول الله صل﴿ وقَّت لأهل العراق ذاتَ عِرْقٍ». ١٨٢٧ - عن أُمّ سلَمَةَ: أَنَّا سَمِعَتْ رسولَ اللهِلهِ يقول: ((مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أو عُمْرَةٍ مِنَ المَسْجِدِ الأَقْصَى إلى المَسجِدِ الحرامِ غُفِرَ له ما تقدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ وما تَأَخَّرَ - أو: وجَبَتْ له الجَنَّةُ .)). (وعن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: سمعت رسول الله يقول: مَن أهلَّ بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)) إنما خصَّ المسجد الأقصى لفضله، وليرغم الملة التي محُّها بیتُ المقدس. «أو: وجبت له الجنة» شك من الراوي. ٢٤٨ ٣- بل الإخرام والتلبية ے (باب الإحرام والتلبية) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٨٢٨ - قالتْ عائشةُ رضي الله عنها: كنتُ أُطَيبُ رسولَ الله ◌َ﴾ الإِحْرامِهِ قَبْل أنْ يُحْرِمَ، ولِحِلِّهِ قَبْلَ أنْ يَطُوفَ بالبَيْتِ بطيبٍ فيه مِسْكٌ، كأنِّي أَنْظُرُ إلى وَبَيْصِ الطِّيبِ فِي مَفْرِقٍ رسولِ اللهِ ﴾ وهو مُخْرِمٌ. (من الصحاح)): ((قالت عائشة رضي الله عنها: كنت أطيب رسول الله عليه الصلاة والسلام لإحرامه قبل أن يحرم)) يدل على أنه يجوز أن يطيب الرجلُ نفسَه قبل أن يُحْرِمَ، وبعدہ لا . ((ولحله)) يقال: حَلَّ المُحْرِمُ يَحِلُّ حلالاً: إذا حلَّ له ما حرم عليه من محظورات الحج، يعني: أطيبه عليه الصلاة والسلام لحله يوم العيد بعد رمي جمرة العقبة . ((قبل أن يطوف بالبيت بطيبٍ فيه مسكٌ، كأني أنظر إلى وبيص الطيب))؛ أي لَمعانه ((في مَفارق رسول الله مَّا)) بفتح الميم: جمع مفرق - بكسر الراء وفتحها - وهو وسط الرأس الذي يفرق فيه شعر الرأس جهة، وإنما ذُكر على لفظ الجمع تعميماً لسائر جوانب الرأس التي يُفرق فيها، كأنهم سمَّوا كلَّ موضع منه مفرقاً. ((وهو محرم)) وفي بعض طرق مسلم: (مفرق) على لفظ الواحد. ٢٤٩ ١٨٢٩ - وقال ابن عمر: سَمِعْتُ رسولَ الله ◌َّهِ يُهِلُّ مُلَبداً يقولُ: ((لَبَيْكَ اللهمَّ لَبَيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لكَ والمُلْكَ، لا شَرِيكَ لكَ»، لا يَزِيدُ على هؤلاءِ الكلِماتِ. ((وقال ابن عمر ﴾: سمعت رسول الله ﴿ يُهِلُّ))؛ أي: يرفع صوته بالتلبية (ملبداً)، (التلبيد): إلصاق شعور الرأس بالصمغ أو الخطمي أو غير ذلك؛ كيلا يتخلَّله الغبار، ولا يصيبه شيء من الهوام، ويقيها من حر الشمس، وهذا جائز عند الشافعي، وعندنا لزمه دم إن لبَّد بما ليس فيه طيب؛ لأنه كتغطية الرأس، و دمان إن کان فيه طيب . (يقول: لبيك)) معناه: أَلْبَيْتُ يا رب بخدمتك إلباباً بعد إلبابٍ، من ألبَّ بالمكان: إذا أقام؛ أي: أقمت على طاعتك قياماً بعد قيام. ((اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد)) بكسر الهمزة بجَعْله كلاماً مستأنفاً، وبفتحها بتعليق (الحمد) بالتلبية، تقديره: لبيك بأنَّ الحمد. ((والنعمة لك والملك)) بالنصب عطف على الحمد. ((لا شريك لك، لا يزيد على هؤلاء الكلمات)». ١٨٣٠ - وعن ابن عمر ﴾: أنَّ رسولَ الله ﴿ كانَ إذا أَدَخَلَ رِجْلَهُ في الغَرْزِ واَسْتَوَتْ به ناقتُهُ قائمةً أهلَّ منْ عِنْدِ مَسْجِدٍ ذِي الحُلَيْفَةِ. ((وعن ابن عمر : أن النبي ◌َ﴿ كان إذا أدخل رجله في الغرز))؛ أي: الركاب ((واستوت به ناقته قائمةً))؛ أي: رفعته مستوياً على ظهرها، فالباء للتعدية، وقيل: (به) حال، وكذا (قائمة). ((أهلَ))؛ أي: رفع صوته بالتلبية ونوى الإحرام ((من عند مسجد ذي ٢٥٠ الحلیفة» یرید بدأ بإهلالٍ منه . ٠٠٠ ١٨٣١ - وقال أبو سَعيد ظُه: خَرَجْنَا مع رسولِ اللهِوَّهُ نَصْرُعُ بِالحَجِّ صُراخاً. ((وقال أبو سعيد ﴿ه: خرجنا مع رسول الله ﴿ نصرخ بالحج صراخاً))؛ أي: نرفع أصواتنا بالتلبية. ١٨٣٢ - وقال أنَسٌ﴿ه: كنتُ رَدِيفَ أبي طَلْحَةَ﴿ه، وإنَّهُمْ لَيَصْرُخُونَ بِهِما جميعاً: الحَجِّ وَالعُمْرَةِ. ((وقال أنس ﴿ه: كنت رديف أبي طلحة))؛ أي: ركبت خلفه. ((وإنهم))؛ أي: الصحابة ظه ((ليصرخون بهما جميعاً: الحج والعمرة)) بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هما، والنصبٍ بتقدير: أعني، والجرِّ على أنه بدلٌ من الضمير في (بهما)، وهذا يدل على أن القِران أفضل، وبه قلنا. ١٨٣٣ - وقالت عائشةُ رضي الله عنها: خَرَجْنَا مَعَ رسولِ اللهِ وَّهِ عامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، ومِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وعُمْرَةٍ، ومِنَّا مَنْ أَهَلَّ بالحجِّ، وأَهَلَّ رسولُ اللهِ﴿ بالحجِّ، فأمَّا مَنْ أَهَلَّ بالعُمْرَةِ فَحَلَّ، وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بالحجِّ أو جَمَعَ الحَجَّ والعُمْرَةَ فَلَمْ يَحِلُّوا حتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ . ((وقالت عائشة رضي الله عنها: خرجنا مع رسول الله وَّ ر عام حجة ٢٥١ الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحجة وعمرة، ومنا من أهل بالحج)»: يدل على جواز الإفراد والتمتُّع والقِران. ((وأهل رسول الله بالحج)) يدل على أن الإفراد بالحج أفضل، وبه قال الشافعي ومالك. ((فأما من أهل بعمرة))؛ يعني: أهلَّ بها قبل الحج. ((فحل))؛ أي: خرج من العمرة بعد أن طاف وسعى وحلق، فحلَّ له جميع المحظورات في الإحرام، ثم إذا كان يوم عرفة أحرم بالحج. ((وأما من أهل بالحج أو جمع الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر)) ففي يوم النحر برميهم جمرة العقبة والحلقِ يحلُّ لهم كلُّ المحظورات إلا مباشرة النساء، فيحِلُّ لهم ذلك بطواف الركن. ١٨٣٤ - وقال ابن عُمر ﴾: تَمَثَّعَ رسولُ الله ◌َّهِ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، بدأَ فَأَهَلَّ بالعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بالحَجِّ. ((وقال ابن عمر: تمتع رسول الله (صل﴿ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج)) حال من (العمرة)؛ أي: استمتع بها منضمَّةً إلى الحج. (بدأ فأهل بالعمرة)) من الميقات فأتى بأفعالها. ((ثم أهل بالحج)) من مكة. فإن قيل: روي أنه عليه الصلاة والسلام أفرد الحج، وروي أنه تمَّعَ، وروي أنه قَرَنَ. قلنا في التوفيق: إنه عليه الصلاة والسلام أحرم بعمرة في بدء أمره فمضى فيها متمتِّعاً، ثم أحرم بحجة قبل طوافه وأفردها بالإحرام فصار بها قارناً، كذا ٢٥٢ روي عن الطحاوي . مِنَ الحِسَان: ١٨٣٥ - عن زيد بن ثابت ه: أنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ◌َّهِ تَجَرَّدَ لإحرامِهِ واغْتَسَل. ((من الحسان)): ((عن زيد بن ثابت ه: أنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام تجَّرد)»؛ أي: عن ثيابه المَخيطة، ولبس إزاراً ورداءً. ((لإحرامه واغتسل)) يدل على أن الغُسل للإحرام سنَّة. ١٨٣٦ - وعن ابن عمر ﴾: أنَّ النَّبِيَّ وَهِ لَبَّدَ رَأْسَهُ بالغِسْلِ. ((وعن ابن عمر ﴾: أن النبي عليه الصلاة والسلام لبَّد رأسه بالغِسل)): بكسر الغين المعجمة وهو ما يُغسل به الرأس من الخطمي وغيره. ١٨٣٧ - عن خَلاَّد بن السَّائبِ، عن أبيه قال: قال رسول الله وَي: ((أَتاني جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أن آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بالإحرام والتَّلْبِيّةِ». ((عن خلاد بن السائب عن أبيه قال: قال رسول الله وَله: أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإحرام والتلبية» هذا سهو من النساخين، ولفظ الحديث في ((معالم السنن)): (بالإهلال، أو قال: بالتلبية) شك من الراوي . ٢٥٣ ١٨٣٨ - عن سَهْل بن سَعْدٍ قال: قال رسول الله وَّهِ: ((ما مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبي إلاَّ لَّى ما عَنْ يَمِينِهِ وشِمالِهِ مِنْ حَجَرٍ أو شَجَرٍ أو مَدَرٍ حتَّى تَنْقَطِعَ الأَرْضُ مِنْ هاهُنا وهاهُنا). ((عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله وَليٍ: ما من مسلم يلبِّي إلا لبَّى مَن عن يمينه وشماله مِن حجرٍ أو شجرٍ أو مدرٍ)) ویروی: (ما عن يمينه) فلا إشكال، ورواية (مَن) تكون على الذهاب بها من حيز الجمادات إلى جملة ذوي العقول؛ ليكون أدلَّ على المعنى المراد؛ أي: يوافق في التلبية كلَّ رطبٍ ويابس على وجه الأرض. ((حتى تنقطع الأرض من هاهنا)) إشارة إلى حيث تنتهي الأرض شرقاً وغرباً. ١٨٣٩ - وعن ابن عُمر ﴿﴾ قال: كانَ رسولُ اللهِ وَهِ يَرْكَعُ بِذِي الخُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ إِذا أَسْتَوَتْ بِهِ النَّاقَةُ قائِمَةً عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الخُلَيْفَةِ أَهَلَّ بِهِؤُلاءِ الكَلِمَاتِ، يَعْنِي: التَّبِيَةَ. ((وعن ابن عمر ﴾ أنه قال: كان رسول الله يلي: يركع بذي الحليفة»؛ أي: صلَّى فيها ((ركعتين، ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهلَّ بهؤلاء الكلمات؛ يعني التلبية)). ١٨٤٠ - عن عُمارة بن خُزَيْمَة بن ثابتٍ، عن أبيه، عن النبيَّ ◌َّهِ: أنَّهُ كانَ إذا فرَغَ من تَلْبيتةِ سَألَ اللهِ رِضْوانَةٌ والجَنَّةَ، وأَسْتَعْفَاهُ برحمتِهِ مِنَ النَّارِ. ((عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن أبيه، عن النبي عليه الصلاة والسلام: أنه كان إذا فرغ من التلبية سأل الله رضوانه والجنة، واستعفاه))؛ أي: ٢٥٤ طلب العفو والإجارة ((برحمته من النار)) وروي: (واستعاذه). ٣ - قِصَّةُ حجة الوداع (قصة حجة الوداع) بفتح الواو. مِنَ الصِّحَاحِ: ١٨٤١ - قال جابر بن عبد الله ﴿ه: إنَّ رسولَ اللهِوَ﴿ مَكَثَ بالمدينةِ تِسْعَ سِنين لم يَحُجَّ، ثُمَّ أَذِّنَ في النَّاسِ بالحَجِّ في العَاشِرَةِ، فَقَدِمَ المدينةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، فَخَرْجَنَا مَعَهُ حَتَّى إذا أَتَيْنَا ذَا الخُلَيْفَةِ وَلَدَتْ أسماءُ بنتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بن أبي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إلى رَسُولِ اللهِلَّهَ: كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قال: ((أَغْتَسِلِي، وَاَسْتَغْفِرِي، بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي)»، فَصَلَّى - يعني رسُولَ اللهِ﴾ِ - رَكْعَتَيْنِ في المسجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ القَصْوَاءَ حتَّى إذا أَسْتَوَتْ بِهِ ناقَتُهُ على البَيْدَاءِ، أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: ((لَبَّيْكَ اللهمَّ لَيْكَ، لا شَرِيكَ لكَ، إنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لكَ والمُلْكَ، لا شَرِيكَ لكَ))، وقال جابر: لَسْنَا نَنْوِي إلاَّ الحَجَّ، لَسْنا نَعْرِفُ العُمْرَةَ، حتَّى إذا أَيْنَاَ البَيْتَ مَعَهُ أَسْتَلَمَ الرُّكْنَ وطَافَ سَبْعاً: رَمَلَ ثلاثاً، ومشى أرْبَعاً، ثُمَّ تَقَدَّمَ إلى مَقَامِ إبراهيمَ فَقَرَأَ: ﴿وَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِعَ مُصَلٌّ﴾، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَعَلَ المَقَامَ بينَهُ وبَيْنَ البَيْتِ. ويُروى: أنَّه قَرَأَ في الرَّكْعَتَيْنِ: ﴿قُلْ يَأَيُّهَاَ اَلْكَفِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدٌ﴾. ثُمَّ رَجَعَ إلى الزُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الباب إلى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَّأَ: ((﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآَيْرِ اللهِ﴾، أَبْدَأُ بما بَدَأَ الله به))، فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَّقِيَ عَلَيْهِ حتَّى رَأَى البَيْتَ، فأَسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَوَخَّدَ الله وكَبَّرَهُ، وقال: ((لا إله إلَّ الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، ولَهُ الحَمْدُ، وهُوَ عَلَى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، لا إله إلاَّ الله وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ»، ثُمَّ دَعَا ٢٥٥ بينَ ذلك، قالَ مِثْلَ هذا ثلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ فمشَى إلى المَرْوَةِ، ففعل على المروة كما فعل على الصفا حتَّى انْصَبَّتْ قدماهُ في بَطْنِ الوادي سَعَى، حتَّى إذا أَصْعَدتْ قدمَاهُ مَشَى، حتّى أَتَى المَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى المَرْوَةِ والنَّاسُ تَحتَهُ فقال: (لَوْ أَنِّي أَسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمري ما اَسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الهَدْيَ، وجَعَلْتُها عُمْرَةً، فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ ليَسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً»، فقامَ سُراقَةُ بن جُعْثُمٍ فقال: يا رسولَ الله!، أَلِعَامِنا هذا أمْ لِلأَبَدِ؟ فَشَبَّكَ رسولُ اللهِ وَّهِ أَصابعَهُ وقال: (دَخَلَتِ العُمْرَةُ في الحَجِّ)، مَرَّتَيْنِ، ((لا بلْ لِأَبَدِ الأَبَدِ))، وقَدِمَ عَلِيٍّ مِنَ اليَمَنِ بِيُدْنِ النَّبِيِّ وَهِ، فقال: ((ماذا قُلْتَ حينَ فَرَضْتَ الحَجّ؟))، قالَ: قُلْتُ: اللهمّ إنِّي أُهِلُّ بما أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ وَّهِ، قال: ((فإنَّ مَعِيَ الهَدْيَ))، قال: ((فَأَهْدِ، وامكُثْ حراماً، فلا تَحِلُّ)، قال: فكانَ جماعَةُ الهَدْيِ الذي قَدِمَ بِهِ عَلَيٍّ مِنَ اليَمَنِ والذي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ نَّهِ مِائَةً، قال: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا، إلاَّ النَّبيَّ ﴿ ومَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌّ، فلمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إلى مِنَّى، فَأَهَلُّوا بالحَجِّ، ورَكِبَ النَّبِيُّ، فَصَلَّى بها الظُّهْرَ والعَصْرَ والمَغْرِبَ والعِشَاءَ والفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قليلاً حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وأَمَرَ بِقُبَةٍ مِنْ شَعَرٍ فَضُرِبَتْ لَهُ بنمِرَةَ، فَسَارَ، فَنَزَلَ بها، حتَّى إذا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالقَصْوَاءِ فَرْحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الوادي، فخَطَبَ النَّاسَ، وقال: ((إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُم هذا، فِي شَهْرِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هذا، أَلاَ كُلُّ شَيءٍ مِنْ أَمْرِ الجاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، ودِمَاءُ الجاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وإنَّ أَوَّلَ دَم أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ أَبَن رَبِيعَةَ ابن الحارِث - كانَ مُسْتَرْضعاً في بني سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ - ورِبَا الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعةٌ، وأَوَلُ رباً أَضَعُ مِنْ رِبَانا رِبَا عَبَّاسِ بن عَبْدِ المُطَّلِبِ، فإنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَتَّقُوا الله في النِّسَاءِ، فإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ الله، واَسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ الله، ولَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لاَ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَداً تَكْرَهُونَهُ، فإنْ فَعَلْنَ ذلكَ فاَضْرِبُوهُنَّ ضَرْباً غيرَ مُّبَرِّحٍ، ولَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ، وقَدْ ٢٥٦ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِن اَعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابَ اللهِ، وأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ ))، قالوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ ونَصَحْتَ، فقال بإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُها إلى السَّماءِ، ويَنْكُتُهَا إلى النَّاسِ: ((اللهمَّ أَشْهَدْ، اللهمَّ أَشْهَدْ، اللهمَّ أَشْهَدْ)) ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَذَّنَ بِلالٌ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أقامَ فَصَلَّى العَصْرَ، ولَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شيئاً، ثُمَّ رَكِبَ حتَّى أَتَى المَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ ناقَتِهِ القَصْوَاءِ إلى الصَّخَرَاتِ، وجَعَلَ حَبْلَ المُشاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وأَسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ واقفاً حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ، ودَفَعَ حَتَّى أَتَى المُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بها المَغْرِبَ والعِشاءَ بأَذَانٍ واحِدٍ وإقامَتَيْنٍ، ولم يُسَبِحْ بَيْنَهُمَا شَيْئاً، ثُمَّ اضْطَجَعَ حتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَصَلَّى الفَجْرَ حينَ تَبِّيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وإِقامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ القَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى المَشْعَرَ الحَرامَ، فَأَسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَحَمِدَ الله وكَبَّرَهُ وهَلَّلَهُ وَوَخَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ واقِفاً حَتَّى أَسْفَرَ جِدَّاً، فَدَفَع قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وأَرْدَفَ الفَضْلَ بن عَبَّاسِ ﴾ حتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قليلاً، ثُمَّ سَلَكَ الطَّريقَ الوُسْطَى التي تَخْرُجُ على الجَمْرَةِ الكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الجَمْرَةَ التي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فرماهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِرُ مَعَ كُلِّ حصَاةٍ منها مِثْلَ حَصَى الخَذْفِ، فَرَمَى مِنْ بَطْنِ الوادِيِ، ثُمَّ اَنْصَرَفَ إلى المَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثلاثاً وسِتِّينَ إِيلاً بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيَّ فَتَحَر ما غَبَرَ، وأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ، فَأَكَلا مِنْ لَحْمِهَا، وشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا، ثُمَّ رَّكِبَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ، فَأَفَاضَ إلى البَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ، فَأَتَى بني عَبْدِ المُطَّلِبِ يَسْقُونَ على زَمْزَمَ، فقالَ: (انْزَعوا بني عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَلَوْلاَ أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ على سِقَابَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ»، فَنَاوَلُوهُ دَلْواً، فَشَرِبَ منهُ. ((من الصحاح)): ((قال جابر بن عبدالله ﴾: إن رسول الله ﴾ مكث بالمدينة تسع سنين لم ٢٥٧ يحج، ثم أذَّن في الناس بالحج))؛ أي: نادى بينهم بأني أريد الحج ((في العاشرة))؛ أي: في السنة العاشرة من الهجرة. ((فقدم المدينة بشر كثير، فخرجنا معه، حتى إذا أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس)) زوجة أبي بكر ظه ((محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ◌َلافر: كيف أصنع؟ قال: اغتسلي واستثفري بثوب))، وقد مر بيان الاستثمار في (باب الاستحاضة). ((وأحرمي، فصلَّى - يعني: رسول الله وَلي ركعتين في المسجد، ثم ركب القصواء»: اسم ناقته ◌َّ، وكل ما قُطع أذنه فهو جَدْعٌ، فإذا بلغ القطعُ الربعَ فهو قَصْو، فإن جاوزه فهو عَضْبٌ، فإن استؤصلت فهو صَلْم. ((حتى إذا استوت به ناقته على البيداء)) وهي المفازة التي لا شيء بها، وهو هنا اسم موضع مخصوص بين مكة والمدينة . ((أهلَّ بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج))؛ أي: لسنا ننوي شيئاً من النيات إلا نية الحج. ((ولسنا نعرف العمرة))؛ أي: ما قصدناها ولا ذكرناها في الحج، وكان أهلُ الجاهلية يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، وإنما كانوا يعتمرون بها بعد مضيها . ((حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن))؛ أي: الحجر الأسود إما بالقُبلة أو بالید . ((فطاف سبعاً: رمل ثلاثاً)؛ أي: أسرع في المشي في ثلاث مرات من الطواف. ((ومشى)) على الهيئة والسكون ((أربعاً)؛ أي: في الأربعة الباقية. ٢٥٨ ((ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقراً: ﴿وَأَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّ﴾، فصلَّى ركعتين، جعل المقام بينه وبين البيت، ويروى أنه قرأ في الركعتين: ﴿قُلْ يَأَيُّهَاً الْكَفِرُونَ ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدُّ﴾، ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب))؛ أي: باب الصفا. (إلى الصفا، فلما دنا))؛ أي: قَرُب ((من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَاَلْمَرْوَةَ مِن شَعَآَيْرِ اللّهِ﴾)): جمع شَعيرة، وهي العلامة التي جعلت للطاعات المأمورة في الحج كالوقوف والرمي والطواف والسعي. ((أبدأ بما بدأ الله به))؛ يعني: أبدأ بالصفا؛ لأنه تعالى بدأ بذكره في الآية. ((فبدأ بالصفا فرَقِيَ))؛ أي: صعد ((عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد الله تعالى))؛ أي: قال: لا إله إلا الله. ((وكبره وقال: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده)؛ أي: وفى بما وعد محمداً من الفتح. ((ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك)) إشارة إلى قوله: (لا إله إلا الله ... )، أو بما شاء. ((قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل فمشى إلى المروة حتى انصبَّتْ»؛ أي: بلغت ((قدماه)) على وجه السرعة إلى أرض منخفض. ((في بطن الوادي، سعى)) سعياً شديداً. ((حتى إذا صعدت))؛ أي: ارتفعت ((قدماه)) من الوادي. «مشی) على السكون. ((حتى أتى المروة ففعل)) على المروة ((كما فعل على الصفا))؛ يعني: رقي على المروة وقرأ من الذكر والدعاء كماه في الصفا. ٢٥٩ ((حتى إذا كان آخر طوافه))؛ أي: آخر سعيه، يعني: آخر السعي السبعة . ((على المروة نادى وهو على المروة والناس تحته فقال: لو أني استقبلت))؛ يعني: لو علمت في الاستقبال ((من أمري ما استدبرت))؛ أي: ما علمت في دبرٍ منه، يعني: لو عنَّ لي هذا الرأي الذي رأيته الآن عند خروجي من المدينة ((لم أسُق الهديَ)) حتى لا يلزمني إتمام الحج، والصبر على الإحرام إلى الذبح، فإنَّ بسوقه لا يحلّ حتی ینحر يوم النحر، ولو لم یکن معه هدي لا يلزم هذا، ويجوز له فسخ الحج بعمرة، أراد بهذا القول تطييبَ قلوب أصحابه؛ لأنه كان يشقُّ عليهم أن يحلُّوا وهو مُحِرِمٌ. ((وجعلتها))؛ أي: الحجة أو النسيكة. ((عمرة)؛ أي: جعلت إحرامي بالحج مصروفاً إلى العمرة كما أمرتكم به موافقةً لكم. ((فمن كان)) الفاء فيه جواب شرط محذوف، يعني: إذا تقرَّر ما ذكرتُ فمَن كان ((ليس معه هدي فليَحْلِلْ))؛ أي: فليخرج من إحرامه بعد فراغه من أفعال العمرة . ((وليجعلها))؛ أي: الحجة. ((عمرة)) وقد أبيح له ما حرم عليه بسبب الإحرام حتى يستأنف الإحرام للحج. ((فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله! ألعامنا هذا»؛ يعني: الإتيان بالعمرة في أشهر الحج مختصٌّ بهذه السنة ((أم للأبد؟ فشبَّك رسول الله وَ ه أصابعه وقال: دخلتِ العمرةُ في الحج، مرتين))؛ أي: قالها مرتين. ((لا، بل لأبد أبدٍ))؛ يعني: ليس هذا مختصاً بهذه السنة، بل يجوز في جميع السنة . ٢٦٠