النص المفهرس

صفحات 221-240

((أن يحضرون)) بحذف الياء وإبقاء الكسرة دليلاً عليها؛ أي: يحضروني
في صلاتي وقراءتي القرآن ونحو ذلك، وقيل: عند الموت.
١٧٨٧ - عن أنَسٍ ﴿ه قال: قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((مَنْ سَأَلَ الله الجنَّةَ
ثلاثَ مرَّاتٍ؛ قالتِ الجنَّةُ: اللهمَّ أَدْخِلْهُ الجنَّةَ، ومَنِ استجارَ مِنَ النارِ ثلاثَ
مرَّاتٍ؛ قالتِ النارُ: اللهمَّ أَجِرْهُ من النَّارِ)).
((وعن أنس ه أنه قال: قال رسول الله وس﴾: من سأل الله لك الجنة ثلاث
مرات قالت الجنة))؛ أي: بلسان الحال، أو محمولٌ على الحقيقة لقدرته تعالى
على إنطاق الجمادات، أو المراد أهل الجنة من الحور وغيرها.
((اللهم أدخله الجنة، ومن استجار من النار ثلاث مرات قالت النار:
اللهم أجره من النار)).
*
٩ - باب
جامع الدعاء
(باب جامع الدعاء)
إضافة الجامع إلى الدعاء إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: الدعاء
الجامع لمعانٍ كثيرة في ألفاظ يسيرة.
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٧٨٨ - عن أبي مُوسَى الأَشْعَري ◌َ﴾، عن النبيِّ وَ﴾: أنه كان يَدعُو:
((اللهمَّ اغْفِرْ لي خطيئَتِي، وجَهْلِي، وإِسْرافي في أَمْري، وما أنتَ أعلَمُ بهِ مني،
٢٢١

اللهمَّ اغْفِرْ لي جِدِّي وهَزْلِي، وعَمْدِي، وكلُّ ذلك عِندي، اللهمَّ اغفرْ لي
ما قدَّمتُ وما أَخَّرْتُ، وما أَسْرَرْتُ، وما أَعْلَنْتُ، وما أنتَ أَعلمُ بهِ مِنِّي، أنتَ
المُقدِّمُ، وأنتَ المُؤْخِّرُ، وأنتَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ)).
((من الصحاح)).
(عن أبي موسى الأشعري عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يدعو:
اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني، اللهم
اغفر لي جدي» وهو نقيض الهزل.
((وهزلي)) وهو المزاح والتكلُّم بالباطل.
((وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي))؛ يعني: أنا معترفٌ بصدور ما ذكر
من الذنوب عني، وإنما قاله النبي ◌َّر مع كونه معصوماً من المعاصي؛ تعليماً
لأمته وتواضعاً، حيث عدَّ فَوْتَ الأفضل عنه ذنباً.
((اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت
أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير)).
١٧٨٩ - وعن أبي هريرة قال قال: كانَ رسولُ اللهِوَّه يقولُ: ((اللهمَّ
أَصلِحْ لي دِيْني الذي هو عِصْمَةُ أَمْري، وأَصْلِحْ لِي دُنَْايَ التي فيها مَعَاشِي،
وأصْلِحْ لي آخرتي التي فيها مَعَادِي، واجعلْ الحَياةَ زيادةً لي في كلِّ خيرٍ،
واجعلْ الموتَ راحةً لي من كلِّ شَرِّ».
((وعن أبي هريرة ه أنه قال: كان رسول الله وَليل يقول: اللهم أصلح لي
ديني))؛ أي: احفظه عن الخطأ.
((الذي هو عصمة أمري))؛ يعني: ديني هو المعتمد عليه في شأني، ولا
٢٢٢

شك أنه كذلك؛ لأنه إذا فسد لم يبق لصاحبه صلاحٌ لا في الدنيا ولا في الآخرة.
((وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي))؛ أي: احفظ من الفساد ما أحتاج
إليه في الدنيا من إثبات زرعٍ، وإثمارِ شجرٍ، وإنماءِ مواشٍ، وإنباع مياهٍ، وإنزال
مطرٍ .
((وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي)» مصدر ميميٌّ من عاد: إذا رجع؛ ،
يعني: ارزقني عملاً يقرِّبني في الآخرة إليك.
((واجعل الحياة زيادة))؛ أي: سبب زيادة.
(لي في كل خير))؛ يعني: اجعل عمري مصروفاً فيما تحب، وجنِّبني عما
تكره.
((واجعل الموت راحة لي من كل شر)) بأن يكون على شهادةٍ واعتقادٍ
حسنٍ وتوبةٍ، حتى يكون موتي سببَ خلاصي عن مشقة الدنيا، وحصولٍ راحتي
في الآخرة.
١٧٩٠ - وعن عبدالله بن مَسْعُود ﴾، عن النبيِّ وَّهِ: أنه كانَ يقولُ:
((اللهمَّ إني أسألُكَ الهُدَى، والتُّقَى، والعَفَافَ، والغِنَى)).
((وعن عبدالله بن مسعود عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول:
اللهم إني أسألك الهدى»؛ أي: الرشاد.
((والتقى))؛ أي: الخوف من الله، والحذر عن مخالفته.
((والعفاف» وهو التنُّه عما لا يباح.
((والغنى))؛ أي: الاستغناء عما في أيدي الناس.
٢٢٣

١٧٩١ - وعن عليٍّ﴾ قال: قالَ لي رسولُ اللهِ وَّهِ: ((قلْ: اللهمَّ اهدِني
وسدِّدني، واذْكُرْ بالهُدَى: هدايَتَكَ الطَّريقَ، وَبَالسَّدَادِ: سَدَادَ السَّهْمِ».
((وعن علي ظه أنه قال: قال لي رسول الله والي: قل: اللهم اهدني
وسددني)) (السداد): إصابة القصد في الأمر والعدل فيه.
((واذكر بالهدى))؛ يعني: إذا سألت الهدى فأَخْطِرْ بقلبك ((هدايتك
الطريق))؛ أي: طريق الدين، وسل الاستقامة فيه كما تتحرى ذلك في سلوك
الطريق خوفاً من الضلال.
(وبالسداد))؛ أي: فأخطر بقلبك سؤال السداد في القول والفعل.
((سداد السهم))؛ أي: فكما أن السهم يقصد الهدف مستقيماً لا يعدل يميناً
ولا يساراً، فكذلك اسأل سداداً لا تعدل معه عن الحق إلى الباطل البتة.
١٧٩٢ - عن أبي مالك الأَشْجَعِيِّ، عن أبيه قال: كانَ الرجلُ إذا أسلم
عَلَّمُهُ النبيُّ لَ﴿ الصَّلاةَ، ثم أَمَرَهُ أنْ يَدْعُوَ بهؤلاءِ الكلماتِ: ((اللهمَّ اغْفِرْ لي،
وارحَمْني، واهدني، وعافِي، وارزُقْني)).
((وعن أبي مالك الأشجعي ظ عن أبيه أنه قال: كان الرجل إذا أسلم
علمه النبيُّ - عليه الصلاة والسلام - الصلاةَ، ثم أمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات:
اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني)).
١٧٩٣ - وعن أنَسٍ ﴾ قال: كانَ أكثُر دعاءِ النبيِّ وَِّ: ((اللهمَّ ﴿رَبَّنَآ
ءَائِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَّةُ وَفِ اَلْآَخِرَةِ حَسَنَّةُ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾)).
٢٢٤

((وعن أنس ه أنه قال: كان أكثر دعاء النبي عليه الصلاة والسلام:
اللهم ﴿رَبَّنَآَ ءَاثِنَا﴾))؛ أي: أعطنا.
﴿فِ الدُّنْيَاحَسَنَةُ﴾ المراد بالحسنة: النعمة، وقيل: أي: حظوظاً حسنةً.
﴿وَ فِ اَلْآَخِرَةِ حَسَنَّةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]؛ أي: احفظنا منه.
مِنَ الحِسَان:
١٧٩٤ - عن ابن عبّاس ﴿﴾ قال: كانَ النبيُّ ◌َ﴿ يَدْعُو يقولُ: ((ربِّ أعِنِّي،
ولا تُعِنْ عليَّ، وأَنْصُرْنِي، ولا تَنْصُرْ عليَّ، وامكُرْ لي، ولا تَمْكُرْ عليَّ،
وأَهدِنِي، ويَسِّرْ الهُدَى لي، واَنْصُرْنِ على مَنْ بَغَى عليَّ، ربّ اجعلني لكَ
شاكراً، لك ذاكِراً، لك راهِباً، لك مِطْواعاً، لك مُخْبتَاً، إليك أوَّاهاً مُنِيباً، ربِّ
تقبّلْ توبَتي، واغسل حَوْبَتِي، وأَجِبْ دعوَتي، وثَبَتْ حُجَّتِي، وسَدِّدْ لِسَاني،
واَهدِ قَلْبِي، وَسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْري)).
((من الحسان)):
((عن ابن عباس ﴾ أنه قال: كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو يقول:
رب أعني))؛ أي: على ذكرك.
((ولا تعن علي» من يمنعني عنه.
((وانصرني))؛ أي: على أعدائي.
(ولا تنصر علي، وامكر لي، ولا تمكر علي))، (المكر): الحيلة والفكر
في دفع عدو بحيث لا يشعر به العدو؛ يعني: اللهم اهدني إلى طريق دفع أعدائي
عني، ولا تهد عدوي إلی طریق دفعه إياي عن نفسه .
((واهدني ويسر الهدى لي، وانصرني على من بغى))؛ أي: ظلم ((علي)).
٢٢٥

(رب اجعلني لك شاكراً) قدم الصلة فيه وفي أخواته على متعلقاته
للاختصاص والاهتمام.
(«لك ذاكراً، لك راهباً)؛ أي: خائفاً.
(«لك مطواعاً)؛ أي: كثير الطوع، وهو الطاعة.
(«لك مخبتاً)): من الإخبات وهو الخشوع والتواضع.
((إليك أواهاً) هو الذي يكثر من قول: آه، يقوله النادم من ذنب، والمقصر
في طاعة .
((منیباً)؛ أي: راجعاً إلى الله ملتجئاً إليه.
(ربِّ تقبل توبتي، واغسل حوبتي)) ضماً وفتحاً؛ أي: إثمي، كناية عن
إزالة الذنوب.
(وأجب دعوتي وثبت حجتي))؛ أي: قولي وإيماني في الدنيا، وعند
جواب الملكين في القبر.
(وسدد))؛ أي: صوِّب وقوِّم ((لساني)) على التكلِّم بالصواب.
ءِ
((واهد قلبي))؛ أي: إلى طاعة الله.
((واسلل))؛ أي: انزع وأخرج ((سخيمة صدري)) من السخمة السوداء؛
يعني: ما ينشأ من صدري ويسكن فيه من مساوئ الأخلاق.
٠
١٧٩٥ - عن أبي بكر ﴿ه قال: قامَ رسولُ اللهِّهِ على المِنْر، ثم بَكَى
فقال: ((سَلُوا الله العفو والعافيةَ، فإنَّ أحداً لم يُعْطَ بعدَ اليقين خيراً مِنَ
العافية)، غريب.
٢٢٦

((عن أبي بكر ﴾ أنه قال: قام رسول الله (َّر على المنبر ثم بكى)) لعلمه
بالوحي وقوعَ الأمة في الفتن، وغلبة الشهوات عليهم، والحرص على الجاه
وعلى جمع الأموال.
(((فقال: سلوا الله العفو)) وهو أن يعافيك الله من الأسقام والبلايا ومحو
الذنوب .
((والعافية)) وهي أن يعافيك من الناس ويعافيهم منك.
((فإن أحداً لم يعط بعد اليقين))؛ أي: بعد الإيمان («خيراً من العافية.
غريب)) .
١٧٩٦ - وعن أنَسٍ ﴾: أنَّ رجلاً قال: يا رسولَ الله، أيُّ الدُّعاءِ أفضلُ؟
قال: ((سَلْ ربَّكَ العافيةَ والمُعَافاةَ في الدُّنيا والآخرةِ، فإذا أُعطِيْتَ العافيةَ في
الدُّنيا والآخرةِ فقدْ أفلَحْتَ»، غريب.
((وعن أنس بن مالك ه: أن رجلاً قال: يا رسول الله! أيُّ الدعاء
أفضل؟ قال: سل ربك العافية والمعافاة في الدنيا والآخرة، فإذا أُعطيت العافية
في الدنيا والآخرة فقد أفلحت))؛ أي: خلصت من خوفك.
((غريب)).
١٧٩٨ - عن عبدالله بن يَزِيْدِ الخَطْميِّ، عن رسولِ الله وَّهِ: أنه كانَ يقولُ
في دعائه: ((اللهمَّ ارزقني حُبَّكَ، وحُبَّ مَن ينفعُني حُبَّهُ عندَكَ، اللهمَّ ما رزقتَني
ممَّا أُحِبُّ فاجْعَلْهُ قوةً لي فيما تُحِبُّ، اللهم ما زَوَيْتَ عنِّي مما أُحِبُّ فاجْعَلْهُ
فَراغاً لي فيما تُحِبُّ)».
٢٢٧

((عن عبدالله بن يزيد الخطميه عن رسول الله وَّ ر أنه كان يقول في
دعائه: اللهم ارزقني حبك وحب من ينفعني حبه عندك، اللهم ما رزقتني مما
أُحبُّ فاجعله قوةً لي فيما تحب، اللهم ما زويت))؛ أي: صرفت ومنعت ((عني
مما أحب)) من المال والجاه والأولاد.
((فاجعله فراغاً لي))؛ أي: سبب فراغي ((فيما تحب)) من العبادة، وعوناً لي
بطاعتك، وذلك لأن الفراغ خلاف الشغل، فإذا زُويت عنه الدنيا ليتفرغ لمحابٌّ
ربِّه كان الفراغ عوناً له على الاشتغال بطاعة الله تعالى.
١٧٩٩ - عن ابن عُمر ﴿﴾ قال: قَلَّمَا كانَ رسولُ الله ◌َّهِ يقومُ مِنْ مَجْلِسٍ
حَتَّى يَدْعُوَ بهؤلاءِ الدَّعَوَاتِ لأصحابهِ: ((اللهمَّ اقْسِمْ لنا مِنْ خَشْيَتِكَ ما تَحُولُ
بِهِ بَيْنَنَا وبَيْنَ مَعاصِيْكَ، ومِنْ طاعَتِكَ ما تُبَلَّغُنَا بِهِ جَنَتَكَ، ومِنْ اليقينِ ما تُهَوِّنُ بِهِ
عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا، وَمَنِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَاَ وقُوَّتِنَاَ ما أَحْبَيْتَنَا، واجْعَلْهُ
الوارِثَ مِنَّا، واجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنا، وانْصُرْنَا على مَنْ عَادانَاَ، ولا تَجْعَلْ
مُصِيبَتَنَا في ديننا، ولا تَجْعَلِ الدُّنْيا أَكْبَرَ هَمِّنا، ولا مَبْلَغَ عِلْمِنا، ولا تُسَلِّط علينا
مَنْ لا يَرْحَمُنا)»، غريب.
(وعن ابن عمر أنه قال: قلَّما كان رسول الله وَل﴾ يقوم من مجلس
حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه: اللهم اقسم لنا)؛ أي: اجعل لنا قَسْماً
ونصيباً.
((من خشيتك ما تحول)) من حالَ حيلولة؛ أي: ما تمنع ((به بيننا وبين
معاصیك» حتى لا نجترئ على معصيتك.
((ومن طاعتك ما تبلغنا))؛ أي: تُوْصِلُنا ((به جنتك، ومن اليقين ما تهوِّن
به))؛ أي: تسهّل بذلك اليقين ((علينا مصيبات الدنيا))؛ أي: ما يصيبنا من الغم
٢٢٨

والمرض والجراحة، وتلف المال والأولاد.
((ومتعنا))؛ أي: اجعلنا منتفعين ((بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا))؛
أي: مدةَ حياتنا، التمتيع بالسمع والبصر: إبقاؤهما صحيحين إلى الموت.
وقيل: أراد بالسمع وَعْيَ ما يسمع والعملَ به، وبالبصر الاعتبارَ بما يرى،
وهكذا فى سائر القوى.
((واجعله))؛ أي: ذلك التمتيع ((الوارث منا)) أراد به هنا السمع والبصر،
وبالميت فتور الأيدي والأرجل وسائر القوى؛ يعني: أبق علينا قوة أسماعنا
وأبصارنا بعد ضعف أعضائنا الأخرى إلى وقت الموت، حتى لا نحرم من سماع
كلامك والمواعظ، ولا من إبصار ما لنا فيه خير واعتبار، وهذان العضوان أنفع
الأعضاء الظاهرة.
((واجعل ثأرنا))؛ أي: حقدنا وعداوتنا.
((على من ظلمنا)) من المسلمين حتى نستوفي حقوقنا منه، لا على مَن
لا حقَّ لنا عنده، حتى لا نؤذي أحداً بالباطل .
((وانصرنا على من عادانا)) حتى ندرك منه بنصرك العزيز، أو معناه:
لا تجعلنا ممن يتعدى في طلب ثأره فنأخذ به غير الجاني، كما كان كذلك يفعل
في الجاهلية .
(ولا تجعل مصيبتنا في ديننا)) باعتقاد سوءٍ وأكلِ حرامٍ، ونقصٍ في
العبادة .
((ولا تجعل الدنيا أكبر همنا))؛ يعني: لا تجعل أكبر قصدنا وحزننا لأجل
الدنيا، بل اجعله مصروفاً في عمل الآخرة.
((ولا مبلغ علمنا))، (المبلغ): الغاية التي يبلغها القاصد فيقف عندها؛
أي: لا تجعلها غاية علمنا بحيث لا نعلم ولا نتفكر إلا في أحوال الدنيا، بل
٢٢٩

اجعلنا متفكِّرين في أحوال الآخرة، ومُعْرِضين عن الدنيا راغبين في الآخرة.
((ولا تسلط علينا من لا يرحمنا))؛ أي: لا تجعل الكفار علينا غالبين،
ولا تجعل الظالمين حاكمين علينا، فإن الظالم لا يرحم الرعية .
((غریب)).
١٨٠٠ - عن أبي هُريرةَ قال: كانَ رسولُ اللهِّهِ يقول: ((اللهمَّ انْفَعْنِي بما
عَلَّمْتَنِي، وعَلِّمْني ما يَنْفَعُني، وزِدْنِي عِلْماً، الحَمْدُ للهِ على كُلِّ حَالٍ، وأَعُوذُ
بالله مِنْ حَالِ أهْلِ النَّارِ»، غريب.
((عن أبي هريرة له أنه قال: كان رسول الله والله يقول: اللهم انفعني بما
علمتني وعلمني ما ينفعني، وزدني علماً، الحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله
من حال أهل النار))؛ أي: من شدة النار وغلبتها .
(غریب)) .
١٧٩٧ - عن عمر بن الخطاب ﴿ أنَّه قال: كانَ النَّبِيُّونَ﴿ إذا أُنْزِلَ عَلَيْهِ
الوَحْيُ سُمِعَ عِنْدَ وَجْهِهِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، فَأَنْزَلَ الله يوماً، فَمَكَثْنَا سَاعةً،
فَسُرِّيَ عَنْهُ، فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وقالَ: ((اللهمَّ زِدْناً ولا تَنْقُصْنا، وأُكْرِمْنا
ولا تُهِنَّا، وأعْطِنَا ولا تَحْرِمْنا، وآثِرْنَاً ولا تُؤْثِرْ عَلَيْنَاَ، وأَرَضنَا وَارْضَ عَنَّ)»، ثُمَّ
قال: (أُنْزِلَ عَلَيَّ عَشْرُ آيَاتٍ، مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ»، ثُمَّ قرأَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ
اَلْمُؤْمِنُونَ ﴾ حَتَى خَتَمَ عَشَرَ آیاتٍ .
((وعن عمر بن الخطاب به أنه قال: كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا
٢٣٠

أنزل عليه الوحي سُمع)) - بصيغة المجهول ــ ((عند وجهه))؛ أي: من جانب
و جهه و جهته .
((دوي))؛ أي: صوتٌ خفيٌّ لا يُفهم منه شيء.
((كدوي النحل)) وذلك الصوت كان صوتَ جبرائيل، كان الوحي يؤثِّر
فيهم ویکشف لهم انكشافاً غير تام، وصاروا کمن سمع دويّ صوت لا يُفهم.
«فأنزل الله إلیه یوماً فمكثنا ساعة فسڑِّي عنه))؛ أي: كُشف عنه وزال ما
اعتراه من برحاء الوحي؛ أي: من شدة الوحي.
((فاستقبل القبلة ورفع يديه وقال: اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا
ولا تُهنَّ)»؛ أي: لا تُذِلَّنا.
((وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا))؛ أي: اخترنا بعنايتك وإكرامك.
((ولا تؤثر))؛ أي: لا تختر ((علينا)) غيرنا بغضبك وسخطك.
((وأرضنا)) بما قضيت علينا، بإعطاء الصبر والاحتمال.
((وارض عنا)) بما نقيم من الطاعة اليسيرة التي في جهدنا.
((ثم قال: أنزل علي عشر آيات من أقامهن))؛ أي: عمل بهن ((دخل
الجنة، ثم قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [المؤمنون: ١] حتى ختم عشر آيات)).
٢٣١

كتاب الجخ
(١٠)
٢٣٣

(١٠)
كتاب الحج
(كتاب الحج)
هو لغة: القصد، وشرعاً: قصد الكعبة بأفعالٍ مخصوصة، في زمان
مخصوص، وأماكن مخصوصة؛ للتقُّب إلى الله تعالى.
١- باب
المَناسِك
(باب المناسك)
هي جمع منسك، بفتح السين وكسرها: مصدر ميمي أو مكاني، من
نسك ينسك: إذا تعبَّد، ثم سُميت أفعالُ الحج كلُّها مناسك.
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٨٠١ - عن أبي هُريرةَ ﴿ه قال: قال رسول الله وَّهِ: ((أيُّها النَّاسُ: قَدْ
فَرَضَ الله عليكُمْ الحجَّ فَحُجُّوا))، فقالَ رَجلٌ: أَكُلَّ عامٍ يا رسولَ الله؟ فسكَتَ
حتَّى قالَها ثلاثاً، فقال: ((لو قلتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، ولَمَا اسْتَطَعْتُمْ)).
(من الصحاح)):
((عن أبي هريرة له أنه قال: قال رسول الله وَله: أيها الناس! قد فرض
الله عليكم الحج فحجوا)» دليل آخر بعد الكتاب والإجماع على وجوبه .
٢٣٥

((فقال رجل)) هو أقرع بن حابس: ((أُكلَّ عام)) نصب بمقدَّر؛ أي: أتأمرنا
أن نحجَّ كلَّ عام ((يا رسول الله؟)) قيل: إنما صدر هذا السؤال منه؛ لأن الحج في
تعارفهم: القصد بعد القصد، فكانت الصيغة مُوهمً للتكرار.
((فسكت حتى قالها))؛ أي: الأقرعُ الكلمةَ التي تكلَّمها ((ثلاثاً) إنما
سكت * زجراً له عن السؤال الذي كان السكوت عنه أولى، ثم لمَّا رأى عليه
الصلاة والسلام السائل لا ينزجر ولا يَقْنَعُ إلا بالجواب الصريح صرَّح به.
((فقال: لو قلت: نعم، لوجبت))؛ أي: فريضةُ الحج المدلولُ عليها
بقوله: فرض أو حجة في كل عام.
((ولما استطعتم)).
٠٠٠
١٨٠٢ - عن أبي هريرة ه قال: سُئِلَ رسولُ الله ◌َِّ: أَيُّ العَمَلِ أفضلُ؟
قال: ((إيمانٌ بالله ورسولِهِ)، قيلَ: ثُمَّ ماذا؟ قال: ((الجِهادُ في سَبيلِ الله))، قيلَ
ثُمَّ ماذا؟ قال: ((حَجٌّ مَبْرُورٌ» .
((وعن أبي هريرة أنه قال: سئل رسول الله وَّه: أيُّ العمل أفضل؟ قال:
إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟
قال: حج مبرور))، وهو الذي لا يخالطه شيء من المآثم، وقيل: هو المقبول
المقابَل بالبرِّ وهو الثواب.
١٨٠٣ - وقال: ((مَنْ حَجَّ لله فَلَمْ يَرْفُثْ ولم يَفْسُقَ رَجَعَ كَيَوْمٍ وَلَدْتْهُ أُمُّهُ».
((وعنه أنه قال: قال رسول الله وَلاير: من حج الله فلم يرفث))؛ أي: لم
يفحش من القول، ولم يتكلّم كلامَ الجماع عند النساء.
((ولم يفسق))؛ أي: لم يخرج عن حد الاستقامة.
٢٣٦

(رجع كيوم ولدته أمه))، (يوم) مبني على الفتح مضافٌ إلى الجملة التي
بعده .
قيل: (رجع) هنا بمعنى صار وخبره (كيوم)، ويجوز أن يكون على معناه
الموضوع له، فيكون (كيوم) حالاً؛ أي: رجع إلى وطنه مشابهاً يومه بيوم ولادته
في خلوِّه من الذنوب، لكن على هذا يخرج المكي عما ذكر في الحديث،
ويجوز أن يكون بمعنى: فرغ عن أفعال الحج، وإنما لم يذكر الجدال في
الحديث اعتماداً على الآية.
*
١٨٠٤ - وقال: ((العُمْرَةُ إلى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُما، والحَجُّ المَبْرُورُ
لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلاَّ الجَنَّةَ».
((وعنه أنه قال: قال رسول الله له: العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما))؛
أي: من الصغائر.
((والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)).
*
١٨٠٥ - وقال: ((إنَّ عُمْرَةً في رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً)).
((وعن ابن عباس ﴾ أنه قال: قال رسول الله وَله: إن عمرة في رمضان
تعدل))؛ أي: تقابل وتماثل في الثواب.
((حجة))؛ أي: في غيره، يدل على أن فضل الثواب بفضيلة الوقت.
﴿﴾: إِنَّ النَّبِيَّ ﴿ لَقِيَ رَكْباً بِالرَّوْحَاءِ، فَرَفَعَتْ
١٨٠٦ - وقال ابن عبّاسٍ
٢٣٧

إليه امرأةٌ صَبيَّاً، فقالَتْ: أَلِهَذا حَجٌّ؟ قال: ((نعم، ولكِ أَجْرٌ)).
((وقال ابن عباس له: إن النبي عليه الصلاة والسلام لقي ركباً) جمع
راكب، كصحب وصاحب، وهم العشرة فما فوقها من أصحاب الإبل في السفر.
(بالرَّوحاء)) بفتح الراء والمد: اسم موضع على نحوٍ من أربعين ميلاً من
المدينة، وقيل: ستة وثلاثین میلاً.
((فرفعت إليه امرأة صبياً))؛ أي: أخرجته من الهودج رافعة له على يديها.
(فقالت: ألهذا حج؟))؛ أي: أينفع الحج لهذا؟
«قال: نعم)؛ لأن له حج النفل.
((ولك أجر))؛ لأنك سببه.
٠٠٠
١٨٠٧ - عن ابن عبّاس ﴾: أنَّ امْرَأَةً مِنْ خَفْعَمَ قالَتْ: يا رسولَ الله! إن
فَريضةَ الله على عبادِهِ في الحَجِّ أَدْرَكَتْ أبي شَيْخاً كبيراً لا يَثْبُتُ على الرَّاحِلَةِ،
أَفَأَحُجُّ عنه؟ قال: ((نعم))، وذلكَ فِي حَجَّةِ الوداع.
((وعن ابن عباس: أن امرأة من خَتعم)) بفتح الخاء: اسم قبيلة.
((قالت: يا رسول الله! إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت))؛ أي:
فريضة الله .
((أبي) مفعول (أدركت).
((شيخاً)) منصوب على أنه حال من (أبي)؛ أي: حالَ كونه شيخاً ((كبيراً
لا يثبت على الراحلة))؛ أي: لا يقدر على ركوب الدابة لضعفه.
((أفأحج عنه؟ قال: نعم، وذلك))؛ أي: المذكور جرى ((في حجة الوداع))
٢٣٨

وفيه دليل على وجوب الحج على الزَّمِن والشيخ العاجز عن الحج بنفسه، وهو
قول الشافعي، وعلى جواز الاستنابة في الحج، وعلى جواز حج المرأة عن
الرجل خلافاً للبعض.
١٨٠٨ - قال: وقال رجلٌ: إنَّ أُختي نَذَرَتْ أنْ تَحُجَّ وإنَّها ماتَتْ، فقال
النبيُّ نَلِ: ((لَوْ كَانَ عليها دَيِّنٌ، أَكُنْتَ قاضيَهُ؟)) قال: نعم، قال: ((فَقْضٍ دَيَّنَ
الله، فهو أَحَقُّ بالقَضاءِ».
((قال))؛ أي: ابن عباس: ((قال رجل: إن أختي نذرت أن تحج، وإنها
ماتت، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟،
قال: نعم، قال: فاقض دين الله فهو أحق بالقضاء)) وفيه دليل على جواز حج
الرجل عن المرأة، وعلى أنَّ مَن مات وفي ذمته حق الله من حجٌّ، أو كفارةٍ، أو
نذرٍ صدقة، أو زكاة، يجب قضاؤها مقدَّماً على الوصايا والميراث، أوصى به أو
لا، کقضاء دیون العباد عنه.
١٨٠٩ - وقال: ((لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بامرَةٍ، ولا تُسَافِرَنَّ امرأةٌ إلاَّ ومعها
مَحْرَمٌ))، فقالَ رجلٌ: يا رسولَ الله! أَكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةٍ كَذَا وكذا، وخَرَجَتْ
أَمْرَأَتَي حاجَّةً، قال: ((اذهَبْ فاَحْجُجْ مع امرأَتِكَ».
((وعنه أنه قال: قال رسول الله وَله: لا يخلونَّ رجل بامرأة، ولا تسافرنَّ
امرأة إلا ومعها محرم، فقال رجل: يا رسول الله! اكتتبت في غزوة كذا وكذا))؛
أي: كُتب اسمي في جملة الغزاة.
((وخرجت امرأتي حاجَّةً)) وليس معها أحد من المحارم.
٢٣٩

((قال: اذهب فاحجج مع امرأتك))، ولا تخرج للغزو.
٠
١٨١٠ - وقالت عائشةُ رضي الله عنها: اسْتَأْذَنْتُ النَّبيَّ ◌َِّ فِي الچِهَادِ،
فقال: ((جِهادُكُنَّ الحَجُّ».
(وقالت عائشة رضي الله عنها: استأذنت النبي عليه الصلاة والسلام في
الجهاد، فقال: جهادكن الحج))؛ يعني: لا جهاد عليكن، وعليكنَّ الحج إذا
وجدتَّن الاستطاعة.
١٨١١ - وعن أبي هُريرةَ ◌َُه قال: قال رسول الله فضله: ((لا تُسافرُ امرأةٌ
مَسِيْرةَ يومٍ وليلةٍ إلَّ ومعها ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ».
((وعن أبي هريرة ه أنه قال: قال رسول الله وَله: لا تسافر امرأة مسيرة
يوم وليلة إلا ومعها ذو رَحِمٍ مَحْرَمٍ» وهو كلُّ مَن يَحْرُمُ نكاحُها على التأبيد، فيه
دليل على عدم لزوم الحج عليها إذا لم يكن معها ذو رحم محرم، وبهذا قال أبو
حنيفة وأحمد رحمهما الله.
وقال مالك رحمه الله: يلزمها إذا كان معها جماعة من النساء.
وقال الشافعي: يلزمها إذا كانت معها امرأة ثقة.
*
١٨١٢ - وقال ابن عبّاس ﴾: وَقَّتَ رسولُ اللهِوَّهُ الأهلِ المدينةِ ذا
الحُلَيْفَةِ، ولأهلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ، ولِهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنازِلِ، ولِأَهْلِ اليَمَنِ
بَلَمْلَمَ، فَهُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غِيرٍ أَهْلِهِنَّ لمَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ والعُمْرَةَ،
فَمَنْ كانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلُّهُ مِنْ أهْلِهِ، وكذاكَ حتَّى أهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْها.
٢٤٠