النص المفهرس

صفحات 1-20

ـالمية
الاح الشؤون الثقافية
سشَزْخُ
،
٧٥٥
مُضَارِعُ السَّنَّهِ
لِلإِمَامِ الْبَغَوِيّ
تَأليف
المُحُدّثِ الفَقِيْدِ ابنِ المَلَكِ الرُّومي
مُحَدِينِ عَبْدِالَّطِيفِ بنِ عَبْدِالعَزِيزِالكَمَاِيِّالرُّومِّالحَنَفيِّ
المتوفى سَنَة ٨٥٤ هـ
رَحِمَةُ اللَّه تَعَالَى
تَحْقِيْقَ وَدِرَاسَة
مختصَّة مِنَ
بإِشِرَافٍ
المحققين
نُورُ الدُّنْظُ لِّ
المُجَلَّدُ الثَّالِثُ
طباعة وتوزيع
إدارة التَّقَّاقُ الإسْلامِيَّة
١٤٣٣هــ٢٠١٢م

4
3

سَزْخُ
مَضَارِعُ السُّنْيَةِ
لِلإمَامِ الْبَغَوِيّ
(٣)

-٩٠ -١٠
جميعُ الحُقُوقِ مَخْفُوظَة
اُلْطَّبْعَةُ الأُولَى
١٤٣٣ هـ-٢٠١٢م

كتَابُ فَصَائِ القُرآنِ
(٨)
0

(٨)
كِتَابُ مَصَائِ القُرآنِ
(كتاب فضائل القرآن)
جمع: فضيلة، وهي ما يفضَّل به الرجل على غيره، فبيَّن في هذا الباب
فضلَ القرآن على سائر الكلام، وفضلَ تعليمه وتعلُّمه على تعليم وتعلُّم غيره من
الكلام .
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٥٠٩ - روى عُثمان: أنَّ رسول الله وَّه قال: ((خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ
وعَلَّمَه».
((من الصحاح)):
((عن عثمان بن عفان أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
خيرُكم مَن تعلَّم القرآنَ وعلَّمَه))؛ يعني: إذا كان خيرُ الكلام كلامَ الله فكذلك
خيرُ الناسِ بعد النبيين مَن تعلَّم كلامَ الله وعلَّمَه.
١٥١٠ - وقال: ((أَيُّكُمْ يُحِبُّ أنْ يَغْدُوَ كُلَّ يومٍ إلى بُطْحانَ أَوْ العَقِيقِ،
فَيَأْتِيَ بناقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ فِي غَيْرِ إِثْمٍ ولا قَطْعِ رَحِمٍ؟ »، قالوا: يا رسُولَ الله!،
٧

كُلُّنَا يُحِبُّ ذلك، قال: ((فَلَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ إلى المَسْجِدِ فَيَعْلَمَ أو يَقْرَأَ آيَيْنِ مِنْ
كِتابِ الله تعالى خَيْرٌ لهُ مِنْ ناقَتَيْنٍ، وثَلاثٌ خَيْرٌ لهُ مِنْ ثَلاثٍ، وأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ
أَرْبَعِ ومِنْ أَعْدادِهِنَّ مِنَ الإِبلِ)).
((وعن عقبة بن عامر أنه قال: قال رسول الله - عليه الصلاة والسلام -:
أَيُّكم يحبُّ أن يَغْدُوَ كلَّ يوم إلى بُطْحان)) بضم الباء وسكون الطاء، وعليه
الأكثر، وقيل: بفتح الباء وكسر الطاء.
((أو العقيق)): هما واديان من أودية المدينة على ثلاثة أميال منها، وقيل:
ميلَين، وخصَّهما بالذِّكر؛ لأنهما أقربُ الأودية التي تُقام فيها أسواقُ الإبل إلى
المدينة .
((فيأتي بناقتين كَوْمَاوَين)) تثنية: كَوماء، وهي الناقة العظيمة السَّنام، وهي
مِن أَنْفَسِ المتاجر عندهم، وأصل الكوم - بالفتح -: الارتفاع والعلو، قُلبت
الهمزة في التثنية واواً.
((في غير إثم))؛ أي: في غير ما يُوجِب إثماً، كسرقةٍ أو غَصبٍ، يُسمى
مُوجِب الإثم: إثماً مجازاً.
((ولا قطع رَحِم؟)) من خصومة وغيرها.
((قالوا: يا رسولَ الله! كلُّنا نحبُّ ذلك، قال: فلأنْ يغدوَ أحدُكم إلى
المسجد، فيتعلَّم أو يقرأ)) - شك من الراوي - ((آيتين)): تنازَعَ فيه العاملان على
جهة المفعولية .
((من كتاب الله خيرٌ له)): خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هما خيرٌ له ((من
ناقتين))، قاله - عليه الصلاة والسلام - على وفق ما كان يَغتِمُه المخاطَب
ويبتغيه، وإلا فالآيةُ الواحدةُ خيرٌ من الدنيا وما فيها، أو كونها خيراً منها لا ينافي
خيريتها على ذلك؛ لأنه لم يَقصُر الخيريةَ فيها .
٨

((وثلاث))؛ أي: ثلاثُ آيات ((خير له من ثلاث)) من الإبل.
((وأربعٌ خير له من أربعٍ ومن أعدادهن)) جمع: عَدَد.
(من الإبل)): بدل منها أو بيان لها؛ أي: وأكثرُ من أربع خيرٌ من أعدادهن؛
فستُّ آيات خيرٌ من ستٍّ من الإبل، وَهَلُمَّ جَرّاً.
أو المعنى: أن الآيات تُفضَّل على مثل عددها من النُّوق، وعلى مثل
أعدادها من الإبل؛ لأن قراءة القرآن تنفع الرجلَ في الدنيا والآخرة؛ بأن يُحفظ
ببركته من البلايا في الدنيا ويُعطَى الجنةَ في الآخرة، وأما الإبلُ فمتعلقةٌ بتمتع
الدنيا، ﴿ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىَ﴾ .
١٥١١ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَيِ: ((أَيُحِبُ أَحَدُكُمْ إذا
رَجَعَ إلى أَهْلِهِ أنْ يَجِدَ فيهِ ثلاثَ خَلِفَاتٍ عِظَامِ سِمَانٍ؟ ))، قلنا: نَعَم، قال:
((فِثَلاثُ آيَاتٍ يَقْرَأُ بِهِنَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاتِهِ خَيْرٌ لهُ مِنْ ثَلاثِ خَلِفَاتٍ عِظامِ
سِمَانٍ».
((وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
أيحبُّ أحدُكم إذا رجعَ إلى أهله أن يجدَ فيه))؛ أي: في طريقه.
(ثلاثَ خَلِفَاتٍ)) جمع: خَلِفَة - بالفتح ثم الكسر -، وهي الحامل من
النُّوق.
(عِظَامِ سِمَانٍ؟ قلنا: نعم، قال: فثلاثُ آیاتٍ يقرأ بهن أحدُكم في صلاته
خيرٌ له من ثلاث خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ».
٩

١٥١٢ - وقال: ((المَاهِرُ بالقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، والذي يَقْرِأ
القُرْآنَ ويَتَتَعْتَعُ فيهِ وهو علیهِ شاقٌّ لهُ أجْرانِ)).
((وعن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى
عليه وسلم: الماهرُ بالقرآن))؛ أي: الحاذِقُ الكاملُ في حفظِهِ، وجازَ أن يريد به
جودةَ اللفظ وإخراجَ كلِّ حرفٍ من مَخْرَجه.
((مع السَّفَرة)) جمع: السافر، وهو الكاتب، أراد بهم: الملائكة الذين
يكتبون أعمالَ العباد ويحفظونها لأجلهم، وقيل: هم حَمَلَة اللوح المحفوظ،
كما قال الله تعالى: ﴿بِأَيْدِى سَفَرَةِ ١٥ كِرَامِ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥ -١٦].
سُمُّوا بذلك؛ لنقلِهِم الكتبَ الإلهيةَ المنزلةَ إلى الأنبياء، فكأنهم
يستنسخونها، والمعنى الجامع بينهم: كونُهم من خَزَنَةَ الوحي وأُمناء الكتاب.
قيل: معنى كونه معهم: أن يكونَ في منازلهم ورفيقاً لهم في الآخرة؛
لاتُّصافه بصفتهم من جهة أنه حاملُ الكتاب، أو من: السَّفْر، بمعنى: الإصلاح،
فالمراد: الملائكة النازلون بأمر الله بما فيه مصلحة العباد، من حفظهم عن
الآفات، ودفعهم عن المعاصي، وإلقاء الخير في قلوبهم.
((الكرام)) جمع: الکریم.
((البَرَرَة)) جمع: البارّ، بمعنى: المُحسِن.
((والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه))، يقال: تَعْتَعَ لسانَهَ: إذا توقَّف في
الكلمات وعَثَرَ؛ أي: لا يطيعه لسانُهُ في القراءة.
(وهو عليه))؛ أي: القرآنُ على ذلك القارئ ((شاقٌّ))؛ أي: شديدٌ، تصيبه
مشقة في قراءته .
((له أجران)): أجر القراءة، وأجر تحمُّل المشقة.
١٠

وهذا تحريض على القراءة، وليس معناه: أن أجرَه أكثرُ من أجر الماهر،
فكيف ذلك وهو مع السَّفَرَة الكِرَام البَرَرَة؟
١٥١٣ - وقال: ((لا حَسَدَ إلاَّ في اثْنَتَيْنِ: رجُلٌ آتاهُ الله القُرْآنَ، فهو يَقُومُ
بهِ آناءِ اللَّيْلِ وآناءَ النَّهارِ، ورجُلٌ آتاهُ الله مالاً فهو يُنْفِقُ منهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وآناءَ
النَّهارِ».
((وعن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
لا حسدَ»؛ أي: لا غِبِطَة .
((إلا في اثنتين: رجل آتاه الله))؛ أي: أعطاه الله ((القرآنَ، فهو يقوم به))
والقيام به: وهو العمل به، أو تلاوته، أو كلاهما.
((آناء الليل وآناء النهار))؛ أي: ساعاتِهما.
((ورجل آتاه الله مالاً، فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار)).
١٥١٤ - وقال: ((مثَلُ المُؤْمِنِ الذي يَقْرَأُ القُرْآنَ مَثَلُ الأُتْرُجَّةِ ريحُها طَيبٌ
وطَعْمُها طَيِبٌ، ومَثَلُ المُؤْمِنِ الذي لا يَقْرَأُ القُرآنَ مَثَلُ الثَّمْرَةِ لا رِبِحَ لها
وطَعْمُها حُلْوٌ، ومَثَلُ المُنافِقِ الذي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الحَنَظَلَةِ لَيْسَ لَها ربِحٌ
وطَعْمُها مٍُّ، وَمَثَلُ المُنافِقِ الذي يَقَرْأُ القُرآنَ مَثَلُ الرَّيْحانَةَ ريحُها طَيِّبُ وطَعْمُها
مُؤَّ».
وفي روايةٍ: ((المُؤْمِنُ الذي يَقْرَأُ القُرْآنَ ويَعْمَلُ بهِ كالأُتْرُجَّة، والمُؤْمِنُ
الذي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ ويَعْمَلُ بهِ كالثَّمْرَة)».
١١

((وعن أبي موسى الأشعري أنه قال: قال رسول اللهِ وَيٍ: مَثَلُ المؤمن
الذي يقرأ القرآنَ مَثَلُ الأُتْرُجَّة)) بضم الهمزة، ثم السكون وتشديد الجيم؛ أي:
أحسنُ الثمار الشجرية وأَنْفَسُها عند العرب لحسن منظرها.
((ريحها طيب وطعمها طيب)): ﴿صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُزُ النَّظِرِينَ ﴾،
تفيد: طِيب النكهة، ودباغ المَعِدَة، وقوة الهضم، منافعها كثيرة مذكورة في كتب
الطب، فكذلك المؤمن القارئ طيب الطعم؛ لثبوت الإيمان في قلبه، وطيب
الريح؛ لأن الناسَ يستريحون بقراءته ويجدون الثوابَ بالاستماع إليه، ويتعلّمون
القرآنَ منه .
((ومَثَلُ المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مَثَلُ التمرة؛ لا ريحَ لها، وطعمُها
حلو)): فهو كذلك؛ طيّبَ باطنَه وذاتَه بالإيمان، لكن لا يستريح الناسُ بقراءته
القرآنَ.
(ومَثَلُ المنافق الذي لا يقرأ القرآنَ كمَثَلِ الحَنظلة؛ ليس لها ريحٌ،
وطعمُها مُرٍّ»: فهو كذلك؛ باطنُهُ خبيثٌ بكتمانه الكفرَ، ولا يحصل من ظاهره
خيرٌ لأحدٍ.
((ومَثَلُ المنافق الذي يقرأ القرآنَ مَثَلُ الريحانة؛ ريحُها طيب، وطعمُها
مُؤَّ»؛ فإنه يحصل منه راحةٌ إلى الناس باستماعهم القرآن منه، ولكن باطنَه خبيثٌ
كطعم الريحانة.
((وفي رواية: المؤمن الذي يقرأ القرآنَ ويعمل به كالأُتْرُجَّة، والمؤمن
الذي لا يقرأ القرآن ويعمل به كالتمرة)).
١٥١٥ - وقال: ((إنَّ الله تعالى يَرْفَعُ بهذا الكتابِ أَقْواماً ويَضَعُ بهِ
آخَرِین)) .
١٢

((وعن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن
الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً)؛ أي: بالقرآن درجةَ أقوام، وهم مَن آمَنَ به وعملَ
بمقتضاه .
((ويضع به آخرين)؛ أي: يحطّ بالقرآن أقواماً آخرين، وهم مَن أَعرضَ عنه
ولم يحفظْ وصاياه.
١٥١٦ - وعن أبي سَعيد الخُدْري ◌َه: أنَّ أُسَيد بن حُضَيرٍ بَيْنَما هُوَ يَفْرَأُ
مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ البَقَرَةِ وَفَرَسُهُ مربوطٌ عِنْدَهُ إِذْ جَالَتْ الفَرَسُ، فسكَتَ فسَكَنَتْ،
فقَرَأَ فجَالَتْ، فسَكَتَ فسَكَنَتْ، ثُمَّ قَرَأَ فجالَتْ، فلمَّا أصْبَحَ حَدَّثَ بِهِ النَّبِيَّ ◌َو
قال: فَرَفَعْتُ رَأْسي إلى السَّماءِ، فإذا مِثْلُ الظُّلّةِ فيها أَمْثالُ المَصَابيحِ عَرَجَتْ
في الجَوِّ حتَّى لا أَراها، قال: ((تلكَ المَلائِكَةُ دَنَتْ لِصَوتِكَ، ولَوْ قَرَأْتَ
لأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْها لا تَتَوَارَى مِنْهُمْ)).
((وعن أبي سعيد الخُدري: أن أُسيد بن حُضير)): بضم الحاء المهملة على
صيغة تصغير .
((بينما هو يقرأ من الليل سورةَ البقرة، وفَرَسُه مربوطةٌ عنده))، قيل:
التأنيث في (مربوطة) على تأويل الدابة، وصوابه: أن الفَرَسَ يقع على الذكر
والأنثى، كذا قاله الجوهري.
(إذ جالَتِ الفَرَسُ))؛ أي: دارَ دورةً لوجدانها ذوقاً وراحةً من سماع
القرآن.
(فسكتَ عن القراءة، فسَكَنَتْ))؛ لذهاب ذلك الذوق منها، ويحتمل أن
يكون تحرُّكها عند القراءة لدنوِّ الملائكة وخوفِها منهم، وسكونُها عند سكوت
١٣

القارئ لصعودِهم وبُعدِهم عنها.
((فقرأ، فجالَتْ، فسكتَ، فسَكَنتْ، ثم قرأ، فجالت، فلما أصبح حدَّث
النبيَّ - عليه الصلاة والسلام - قال))؛ أي: أُسيد بن حُضير: ((فرفعتُ رأسي إلى
السماء فإذا مثلُ الظَّلَّة)»: وهي ما يقي الرجلَ من الشمس، كسحابٍ أو بيتٍ أو
غيرها، يريد: مثلُ سحابةٍ .
((فيها أمثال المصابيح عَرَجَتْ في الجَو))؛ أي: صعدتْ فيما بين السماء
والأرض.
((حتى لا أراها، قال))؛ أي: النبي ◌ّيقول:
((تلك الملائكةُ دَنَتْ لصوتك))، يظهر نورُهم للقارئ كالمصابيح.
((ولو قرأتَ))؛ أي: لو لم تسكتْ عن القراءة ((لأصبحت)) تلك الملائكةُ
(ينظر الناسُ إليها))؛ أي: إلى الظُّلَّة.
((لا تَتَوارَى منهم))؛ أي: لا تحتجب ولا تستر عن أبصار الناس.
١٥١٧ - عن البَرَاء ◌َ ﴾ قال: كانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الكَهْفِ وإلى جانِهِ
حِصانٌ مَرْبُوطُ بِشَطَنَيَّنِ، فَتَغَشَّتْهِ سَحابةٌ، فجَعَلَتْ تَدْنُو وتَذْنُو، وجَعَلَ فَرَسُهُ
تَنْفِر، فلمَّا أَصْبَحَ أتَى النَّبِيَّ نَّهِ، فَذَكَرَ ذلك لهُ فقال: ((تِلكَ السَّكِينَةُ تَتَزَّلَتْ
بالقُرْآنِ».
(وعن البراء أنه قال: كان رجلٌ يقرأ سورةَ الكهف، وإلى جانبه حِصانٌ»
بالكسر: الفَرَس الفحل.
((مربوطٌ بشَطَنَين)): الشَّطَن - بفتحتين: الحبل الطويل الشديد الفتل،
وفيه: إشعار بأن الحِصانَ كان جَمُوحاً مستصعباً .
١٤

((فتغشَّتْه))؛ أي: سَتَرَتْه.
((سحابة))؛ أي: وقفتْ فوقَ رأسه كقطعة سحاب.
((فجعلتْ))؛ أي: فطفقتْ تلك السحابةُ ((تدنو وتدنو))؛ أي: تَقَرُّب من
العلو إلى السفل لسماع قراءة القرآن.
((وجعل فَرَسُه))؛ أي: أراد ((يَنْفِر)) - بكسر الفاء - من: النفور؛ وهو أشبه،
وفي ((البخاري)): (ينقز) بالقاف والزاي المعجمة؛ أي: يثب.
(«فلما أصبحَ أتى النبيَّ عليه الصلاة والسلام، فذكر ذلك له، فقال: تلك
السَّكينة)): وهي السكون والطمأنينة، و(تلك): إشارة إلى السحابة؛ أي: تلك
الحالة التي يطمئنُ ويَسكُن بها القلبُ عن الرعب والميل إلى الشهوات.
وقيل: هي الرحمة، وقيل: مَلَك الرحمة، وقيل: الوقار.
(تنزّلت بالقرآن))؛ أي: بسببه ولأجله.
١٥١٨ - عن أبي سَعيد بن المُعَلَّى ﴾ قال: كُنْتُ أُصَلِّي، فدَعاني
النَّبِيُّ وَهُ، فَلَمْ أُجِبْهِ حَتَى صَلَّيْتُ، ثمّ أَتَيْتُ، فقال: ((ما مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَتِي؟))،
فقلتُ: كُنْتُ أُصَلِّي، فقال: ((أَلَمْ يَقُلِ الله: ﴿أَسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا
دَعَاكُمْ﴾))، ثُمَّ قال: ((أَلَا أُعَلِّمُكَ أعْظَمَ سُورَةٍ فِي القُرْآنِ قَبْلَ أنْ أَخْرُجَ مِنَ
المسْجِدِ؟))، فأخَذَ بِيَدي، فلمَّا أَرَدْنا أنْ نَخْرُجَ قُلْتُ: يا رَسُولَ الله!، إنَّكَ قُلتَ:
(ألا أُعَلِّمُكَ أعْظَمَ سُوَرَةٍ في القُرْآنِ))، قال: ((﴿اَلْعَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْمَلَّمِينَ﴾ هيَ
السَّبْعُ المَثاني، والقُرْآنُ العَظِيمُ الذي أُوتِيتُهُ».
(عن أبي سعيد بن المعلَّى، وهو أنصاري، قال: كنت أصلِّي))، وقصته
أنه قال: مررتُ ذاتَ يوم على المسجد، ورسولُ الله صلی الله تعالى عليه وسلم
على المنبر، فقلت: لقد حَدَثَ أمر، فجلست، فقرأ رسول الله وَّ: ﴿قَدْ نَرَى
١٥

تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ ﴾ الآية، فقلت لصاحبي: تعالَ حتى نركع ركعتين قبل أن
ينزلَ رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فنكونَ أولَ مَن صلَّى، فكنت
أصلِّي، ((فدعاني النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فلم أُجِبْه حتى صلَّيتُ، ثم
أتيت، فقال: ما منعَك أن تأتيَني؟ فقلت: كنت أصلِّي، فقال: ألم يقل الله:
﴿أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾))، فيه: دليل على أن إجابةَ الرسولِ إذا دعا
أحداً في الصلاة لا تُبطل صلاتَه.
((ثم قال: ألا أُعلِّمك أعظمَ سورةٍ في القرآن قبلَ أن أخرجَ من المسجد؟
فأخذ بيدي، فلما أرادنا أن نخرجَ قلت: يا رسولَ الله! إنك قلت: ألا أعلِّمك
أعظمَ سورة في القرآن؟ قال: ﴿الْعَمْدُ لِلّهِ﴾))؛ أي: هي ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبٍ
الْعَلَمِينَ﴾ سَمَّى الفاتحةَ (أعظم سورة)؛ لاشتمالها على المعاني التي في
القرآن: من الثناء على الله بما هو أهله، والتعبُّد بالأمر والنهي، ومن الوعد
والوعيد؛ لأن فيه ذِكرَ رحمة الله على الوجه الأبلغ الأشمل، وذِكرَ تفرُّده بالملك
وعبادة عباده إياه، واستعانتهم إياه، وسؤلهم منه؛ ولا سورةَ بهذه المَثَابة.
((هي السَّبع المَثَاني))، سُميت (السَّبع)؛ لأنها سبعُ آيات، و(مثاني)؛ لأنها
تُثَنَّى في الصلاة؛ أي: تُكرَّر فيها في كل ركعة مرَة، وقيل: لأنها استثنتْ لهذه
الأمة؛ أي: استخرجت [ما] لم ينزل على مَن قبلها مِن الثناء، أو لِمَا فيها من
الثناء، (مَفَاعِل) منه.
((والقرآن العظيم الذي أُوتيتُه))، قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءَانِيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ اُلْمَثَانِىِ
وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، وهي هنا: الفاتحة أيضاً.
وفيه: دليل على جواز إطلاق القرآن على بعضه.
١٥١٩ - وقال: ((لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابرَ، إنَّ الشَّيْطانَ يَنْفِرُ مِنَ البَيْتِ
١٦

الذي يُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ البَقَرَةِ».
((وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
لا تجعلوا بيوتكم مقابِرًا؛ أي: كالمقابر في خلوِّها عن الذِّكر والطاعة، بل
اجعلوا لها من القرآن نصيباً، أو معناه: لا تَدفنوا موتاكم فيها.
((إن الشيطانَ يَتفرُ من البيت الذي يُقرأ فيه سورةُ البقرة))، خصَّ هذه
السورةَ بفرار الشيطان؛ لطولها، وكثرةِ الأحكام الدينية، وكثرة الأسماء العِظَام
التي لله فيها.
وفي الحديث: دلالة على عدم كراهة أن يقال: سورة البقرة، وحجة على
مَن كرهه وقال: ينبغي أن يقال السورة التي فيها البقرة.
١٥٢٠ - وقال: ((اقْرَأُوا القُرْآنَ، فإنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ شَفِيعاً لِصْحابهِ،
اقْرِأُوا الزَّهْرَاوَيْن: البَقَرَةَ وسُورَةَ آلٍ عِمْرَانَ، فإنَّهُما تَأْتِيَانِ يَوْمَ القِيامَةِ كأنَّهُما
غَمَامَتانِ أو غَيَايَتانِ أو فِرْقَانِ مِنْ طَيْرِ صَوافَّ تُحاجَّانِ عَنْ أصْحابِهِما، اقْرِأُوا
سُورَةَ البَقَرَةِ، فإنَّ أخْذَهَا بَرَكَةٌ، وتَرْكَها حَسْرَةٌ، ولا يَسْتَطِيعُها البَطَلَةُ)).
((وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اقرؤوا
القرآنَ؛ فإنه يأتي يومَ القيامة شفيعاً لأصحابه)): يجوز أن تكون الشفاعةُ
للملائكة الذين شهدوا تلاوته، أُسندت إلى القرآن مجازاً؛ لكونه سبباً لها، وأن
تكونَ للقرآن بأن يجعلَه الله في صورة وأَنطقَه .
(اقرؤوا الزَّهراوين))؛ أي: المُنيرين، تثنية: الزهراء، تأنيث الأزهر، وهو
الأبيض المُستنير .
((البقرة وسورة آل عمران))، سُميتا بهما؛ لأنهما أكثرُ نوراً لكثرة الأحكام
١٧

الشرعية، وكثرة أسماء الله العِظَام فيهما، فكأنهما بالنسبة إلى ما عداهما عند الله
مكانُ القَمَرَين من سائر الكواكب.
((فإنهما يأتيان يومَ القيامة))، إتيانهما: كناية عن إتيان ثواب قراءتهما، بأن
يُصوِّرَ الله تعالی صورتین مناسبتين لثوابهما، فيجيئان.
((كأنهما غَمَامتانٍ)): وهي ما يغمُّ الضوءَ ويمحوه لشدة كثافته.
((أو غَيَايتان)): وهي ما يكون أدون منها فيحصل عنده الضوء والظُّل
جميعاً.
((أو فِرْقان)) - بالكسر ثم السكون - تثنية: فِرْق، بمعنى: الطائفة.
((من طیر)) جمع: طائر.
((صَوَافَّ) جمع: صافَّة؛ أي: باسطاتٍ أجنحتَها.
((تُحاجَّان عن أصحابهما))؛ أي: تدفعانِ الجحيمَ والزبانيةَ والأعداءَ عن
الذين قرؤوهما في الدنيا، ويتشفَّعانِ لهم عند الله.
قيل: (أو) هنا للتقسيمٍ تقسيمِ الظُّلَل على قَدْر الثواب؛ إن كان في الدرجة
العليا بأن يكون قارئهما عالماً معناهما ومعلِّماً مَن يطلبهما من المستفيدين كانت
كغمامة .
وفي الدرجة الوسطى بألا يكون معلِّماً كانت كغَيَاية .
وفي الدرجة الأدنى بألا يكون عالِماً ولا متعلِّماً ولا معلِّماً كانت كفِرقتَين
من الطير صافَتَين.
((اقرؤوا سورةَ البقرة؛ فإن أخذَها بركةٌ وتركها حسرةٌ))؛ أي: ندامةٌ.
((ولا يستطيعها البَطَلَةُ)): وهي السَّحَرة، جمع: باطل، ضد الحق؛ أي:
أن أهلَ الباطل والسِّحر لا يجدون التوفيقَ لتعلُّمهما ودراية معانيهما.
١٨

ويحتمل أن يكون من: الباطل، بمعنى: الكَسلان؛ أي: لا يَقدِر أن يتعلَّمها
لطولها .
١٥٢١ - وقال: ((يُؤْنى بالقُرْآنِ يومَ القِيامَةِ وَأَهْلِهِ الذينَ كانُوا يَعْمَلُونَ بهِ
تَقْدُمُهم سُورَةُ البَقَرَةِ وآلُ عِمْرانَ، كأنَّهما غَمامَتانِ أو ظُلَّتَانِ سَوْداوانٍ بَيْنَهُما
شَرْقٌ، أو كأَنَّهُما فِرْقَانِ مِنْ طَيْرِ صَوافَّ تُحاجَّانِ عَنْ صاحِبِهِما)).
((وعن نوَّاس بن سمعان أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم: يُؤتَى بالقرآن يومَ القيامة وأهلِه الذين كانوا يعملون به تَقْدُمُه)): يُفهم منه
أن مجردَ التلاوة لا يجعل الشخصَ من أهل القرآن ما لم يعمل به، الضمير راجع
إلى (القرآن).
((سورةُ البقرة وآل عمران، كأنهما غَمَامتانِ أو ظُلَّتَانٍ)) بضم الظاء:
ما يُظلِّك، وقيل: هي أولُ سحابة تُظُّك.
((سوداوان))، وصفهما بالسواد لكثافتهما وارتكام البعض منهما على
البعض، وذلك أبلغ في المقصود من الظلال، قيل: إنما جُعلتا كالظُّلتين لتكونا
أخوفَ، وأشدَّ تعظيماً في قلوب خُصَمائهما؛ لأن الخوفَ في الظُّلة أكثر.
(بينهما شَرْق)) بسكون الراء: الضوء والانفراج؛ أي: بينهما فاصلة من
الضوء، قيل: يحتمل أن تكون هذه الفاصلة لتمييز إحدى السورتين عن
الأخرى، كما فُصل بين السورتين في المصحف بالتسمية.
((أو كأنهما فِرْقانِ من طيرٍ صوافَّ تُحاجًّان عن صاحباهما)).
١٥٢٢ - وعن أَبِيِّ بن كَعْبِ ه قال: قال رسولُ الله ◌َله: ((يا أَبا
١٩

المُنْذِرِ!، أَتَدْرِي أُّ آيَةٍ مِنْ كِتابِ الله مَعَكَ أعْظَمُ؟))، قُلتُ: الله ورسُولُه أعلَمُ،
قال: ((يا أَبَا المُنْذِرِ! أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ الله مَعَكَ أَعْظَمُ؟))، قُلتُ: ﴿اَللَّهُ
لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾، قال: فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي وقال: ((لِيَهْنِكَ
العِلْمُ يا أَبَا المُنْذِرِ))، ثم قال: ((والذي نفس محمد بيده، إنَّ لهذِهِ الآيةِ لِساناً
وشَفَتَيْنِ تُقَدِّسُ المَلِكَ عِنْدَ ساقِ العَرْشِ)).
((وعن أبي بن كعب أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
يا أبا المنذر!»: كنية أبي بن كعب.
((أتدري أيُّ آية من كتاب الله تعالى معك أعظمُ؟ قلت: الله ورسوله
أعلم)): كان أبي يَعلَم ذلك، ولكن لم يُجبْه تعظيماً له، ورعايةً للأدب بين يديه
- عليه الصلاة والسلام -.
((قال: يا أبا المنذر! أتدري أيُّ آية من كتاب الله معك أعظمُ؟ قلت:
﴿اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ))): وإنما أجابه حين كرَّر ◌َّ السؤال؛ لعلمِه
أنه وَ * يريد امتحانَه ودرايته بما سأله أولاً، وإنما كانت (آية الكرسي) أعظمَ؛ لأن
ما اشتملت عليه من صفات الله وغيرها لا توجد مجموعةً في آيةٍ سوى هذه
الآية.
((قال: فضرب في صدري)): وهذا تلطّفُ منه وَّهِ؛ ليتمكَّن العلمُ في
صدره .
((فقال: لِيَهْنَكَ العلمُ))؛ أي: لِيَكنِ العلمُ هنيئاً لك ((يا أبا المنذر)): هذا
دعاء له بتیسیر العلم له ورسوخه فيه.
١٥٢٣ - عن أبي هُريرة ◌َبُ أنّه قال: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللهِوَ﴿َ بِحِفْظِ زكاةِ
رمَضانَ، فَأَتَاني آتٍ، فجَعَلَ يَحْثُو مَنَ الطَّعام، فأخَذْتُهُ فقلتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إلى
٢٠