النص المفهرس

صفحات 441-460

((حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحِجَى))؛ أي: العقل من قومه.
(((لقد أصابت فلان فاقة)): وهذا على سبيل الاستحباب والاحتياط؛ ليكون
أدلَّ على براءة السائل عن التهمة فيما يدعيه، وأدعى للناس إلى سد حاجته،
وخص بکونھم من قومه؛ لأنهم هم العالمون بحاله.
وهذا من باب التبيين والتعريف؛ إذ لا مدخلَ لعدد الثلاث من الرجال في
شيء من الشهادات، وقيل: إن الإعسار لا يثبت عند البعض إلا بثلاثة؛ لأنها
شهادة على النفي، فثلاث على خلاف ما اعتيد في الإثبات للحاجة.
((فحلت له المسألةُ حتى يصيب قواماً من عيش - أو قال: سداداً من عيش -
فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتٌ)): وهو الحرام الذي لا يحل كسبه؛ لأنه
يُسحِتُ البركة؛ أي: يذهبها.
((يأكلها صاحبها سحتاً)): بدل من الضمير في (يأكلها)، أو تمييز، وتأنيث
الضمير لمعنى الصدقة والمسألة.
قالوا: هذا بحث سؤال الزكاة، وأما سؤال صدقة التطوع؛ فمن لا يقدر
على كسب؛ لكونه زمناً، أو ذا علة أخرى، جاز له السؤال بقدر قوت يومه، ولا
يدّخر، وإن كان قادراً عليه، فتركه لاشتغال العلم، جازت له الزكاة وصدقة
التطوع، فإن تركه لاشتغال صلاة التطوع وصيامه، لا يجوز له الزكاة، وتكره له
صدقة التطوع.
فإن جلس واحد أو جماعة في بقعة واشتغلوا بالطاعة ورياضة الأنفس
وتصفية القلوب، يستحبُّ لواحد منهم أن يسأل صدقة التطوع، وكسرات الخبز
لهم، واللباس لأجلهم.
٤٤١

١٢٩٨ - وقال النبيُّ ◌َّهِ: ((مَنْ سأَلَ النَّاسَ أَموالَهم تَكَتُّراً؛ فإنَّما يَسْأَلُ
جَمْراً، فليَستَقِلَّ أو ليَسْتَكْثِرْ)).
((عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من
سأل الناس)): نصبه بنزع الخافض، أو على أنه مفعول به .
«أموالهم): بدل اشتمال منه.
((تكثُّراً): مفعول له؛ أي: ليكثر ماله، لا للاحتياج.
((فإنما يسأل جمراً)؛ أي: نار جهنم؛ يعني: ما أخذه سبب للعقاب
بالنار، إنما جعله جمراً للمبالغة، ويجوز أن يكون جمراً حقيقة يعذب به، كما
ثبت في مانعي الزكاة.
«فلیستقلَّ، أو لیستکثر)»: وهذا توبيخٌ له.
١٢٩٩ - وقال: ((ما يَزالُ الرَّجلُ يَسْأَلُ الناسَ حتى يأْتِيَ يومَ القيامةِ ليسَ
في وجْههِ مُزْعَةُ لَحْمٍ).
((عن عبدالله بن عمر 4 أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم: ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مُزْعَةٌ
لحم)) بضم الميم: القطعة اليسيرة من اللحم، وذلك إما ليكون علامة له يعرفه
الناس بتلك العلامة أنه كان يسأل الناس في الدنيا، أو إذلالاً له، كما أذل نفسه
في الدنيا، وأراق ماء وجهه بالسؤال.
١٣٠٠ - وقال: ((لا تُلْحِفوا في المَسأَلَةِ، فوالله لا يَسألُنِي أَحَدٌ منكُم
٤٤٢

شيئاً فتُخرِجُ له مَسأَلتُه مِنِّي شيئاً وأَنَا لهُ كَارِةٌ، فيُبارَكَ لهُ فيما أَعطيتُهُ».
((وعن معاوية أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تُلحِفوا
في المسألة)): [من] الإلحاف، وهو: الإلحاح، والمسألة مصدر بمعنى: السؤال.
((فوالله لا يسألني أحد منكم شيئاً، فتُخرِج له مسألتُهُ مني شيئاً وأنا له
کاره)): الواو فيه للحال.
((فيبارك)): بالنصب جواباً للنفي؛ أي: فلا يبارك له.
((فيما أعطيته)): على تقدير الإلحاف في المسألة.
١٣٠١ - وقال: ((لأَنْ يأخُذَ أحدُكُم حَبْلَهُ فيأْتِيَ بحِزْمَةِ حطَبٍ على ظَهْرِهِ،
فيبيعَها، فَيَكُفَّ الله بها وجْهَهُ؛ خَيْرٌ له مِنْ أَنْ يَسأَلَ الناسَ أَعطَوهُ أو مَنَعوه)).
(وعن أبي هريرة، وزُبيرٍ بن العوَّام: أنهما قالا: قال رسول الله
صلى الله تعالى عليه وسلم: لأنْ يأخذَ أحدكم حبله، فيأتي بحزمة حطب على
ظهره)): الحزمة بضم الحاء: قدر ما يُحمَلُ بين العضدين والصدر، وتستعمل
فيما يحمل على الظهر من الحطب.
((فيبيعها)): منصوب على تقدير (أن)؛ أي: فإن يبيع تلك الحزمة.
(فيكفُّ الله بها وجهه))؛ أي: يمنع بسببها إراقة ماء وجهه بالسؤال.
((خير له من أن يسأل الناس؛ أعطوه أو منعوه)).
١٣٠٢ - وقال حَكِيْمُ بن حِزَامٍ: سألتُ رسولَ الله ◌ِهِ فَأَعطاني، ثم سألتُه
فأعطاني، ثم قال لي: ((يا حَكِيْمُ!، إنَّ هذه المَال خَضرةٌ حُلْوٌ، فمن أخذَه
٤٤٣

بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ له فيه، ومَنْ أَخذَه بإشرافِ نفْسٍ لم يُبارَكْ له فيه، وكان
كالذي يأْكلُ ولا يَشْبَعُ، واليدُ العُليا خيرٌ من اليَدِ السُّفْلى))، قالَ حكيمٌ: فقلت:
يا رسولَ الله!، والذي بعثَكَ بالحقِّ لا أَرْزَأُ أَحَداً بعدَك شيئاً حتى أُفارقَ الدُّنيا».
((وقال حكيم بن حزام: سألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم
فأعطاني، ثم سألت فأعطاني، ثم قال لي: يا حكيم! إن هذا المال خَضرٌ))
بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين: وهو الطري الناعم.
((حُلو)) بضم الحاء: هو ما يميل إليه الطبع السليم.
وقيل: الخضر يكون في العين طيباً، والحلو يكون في الفم طيباً، ولا تملَّ
العينُ من النظر إلى الخضر، ولا يملُّ الفم من أكل الحلو، فكذلك النفس
حريصة بجمع المال لا تمل منه.
((فمن أخذه بسخاوة نفس))؛ أي: نفس المعطي واختياره من غير حرص
من السائل، بحيث لو لم يعطه لتركه، ولم يسأله، أو المراد: نفس السائل، بأن
يكون ذلك كنايةً عن عدم الإلحاح، أو عن إنفاق الصدقة وعدم مسكها .
(بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس))؛ أي: بطمع النفس والتطلع
إليه.
((لم يبارك له فيه، وكان))؛ أي: السائل الآخذ للصدقة في هذه الصورةِ.
((كالذي يأكل، ولا يشبع)»: وهذا مرض عظيم ومصيبة جسيمة، وقيل: تشبيه
بالبهيمة التي ترعى.
((واليد العليا)): وهي المعطية.
((خيرٌ من السفلى)): وهي الآخذ السائلة، وقيل: السفلى المانعة.
((قال حكيم: فقلت: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق، لا أرْزَأُ أحداً)؛
أي: لا أنقص مال أحد بالسؤال والأخذ منه.
٤٤٤

((بعدك))؛ أي: بعد سؤالك هذا شيئاً.
((حتى أفارق الدنيا))؛ يعني: لا أسأل أحداً بعد هذه المرة إلى أن أموت.
١٣٠٣ - وقال: ((اليدُ العُليا خيرٌ من اليدِ السُّفلى)).
١٣٠٤ - ((واليدُ العُليا هي المنفقةُ، والسُّفلى السَّائلة)).
((وعن ابن عمر # أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال وهو
على المنبر، وهو يذكر الصدقة والتعفف عن المسألة قال: اليد العليا خير من
اليد السفلى، والعليا هي المنفقة، والسفلى هي السائلة)).
١٣٠٥ - وقال أبو سعيد: إنَّ أُناساً من الأَنصارِ سأَلُوا رسولَ اللهِ وَّهِ،
فَأَعطاهُم، ثمَّ سَأَلُوه فأعطاهم، حتَّى نَفِذَ ما عندَه، فقال: ((ما يكونُ عِنْدِي مِنْ
خَيرٍ فَلَنْ أَذَّخِرَه عنكُم، ومَن يَستعِفَّ يُعِفُّه الله، ومن يَستَغْنِ يُغْنِهِ الله، ومَن
يَتَصَبَّرْ يُصبره الله، وما أُعطيَ أحدٌ عطاءً خيراً وأَوسعَ مِن الصَّبِ)).
((وقال أبو سعيد الخدري : إن أناساً من الأنصار سألوا رسول الله
صلى الله تعالى عليه وسلم، فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم حتى نفد ما عنده))؛
أي: فني.
((فقال: ما يكون عندي من خير)): (ما) خبرية؛ أي: كل شيء لي من
المال أعطیکم .
«فلن أدخره))؛ أي: لم أمنعه.
(عنكم، ومن يستعف)): وفي بعض النسخ: (ومن يستعفف)، كلاهما
٤٤٥

بمعنى؛ أي: يطلب العفة، وهي الكف عن الحرام.
(يعفه الله))؛ أي: يعطيه العفة؛ يعني: من قنع بأدنى قوت وترك السؤال،
يُسهِّل عليه القناعة .
((ومن يستغن))؛ أي: يظهر من نفسه الغناء، ويترك السؤال.
«يغنه الله))؛ أي: يجعله غنياً.
((ومن يتصبر))؛ أي: أمر نفسه بالصبر، وكلَّفها عليه.
(صبره الله))؛ أي: يسهِّل الصبر عليه.
((وما أعطي أحد عطاءً خيراً وأوسعَ عليه من الصبر)»؛ لأن نفعه عام
موجود في كل ما يشقُّ على النفس من الفقر والطاعات وغيرهما.
١٣٠٦ - قال عُمر بن الخَطَّابِ ه: كانَ النبيُّ ◌َهِ يُعطيني العَطَاءَ،
فَأَقولُ: أَعطِهِ أفقرَ إليه منِّي، فقال: ((خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ، وتَصدَّقْ به، فما جاءَكَ مِنْ
هذا المَالِ وأنتَ غَيرُ مُشْرِفٍ ولا سائِلٍ فَخُذْهُ، وما لا فلا تُتُبِعْه نفْسَكَ)).
((وقال عمر بن الخطاب: كان النبي - عليه الصلاة والسلام - يعطيني
العطاء فأقول: أعطه أفقرَ))؛ أي: أحوج ((مني إليه، فقال: خذه فتموَّله))؛ أي:
أدخله في مالك.
((وتصدق به، فما جاءك من هذا المال)): إشارة إلى جنس المال، أو إلى
الذي أعطاه آل﴾ .
((أنت غيرُ مُشرِف))؛ أي: غير طامعٍ، ولا ناظرٍ إليه.
((ولا سائلٍ، فخذه))؛ أي: فاقبله، وتصدق به إن لم تكن محتاجاً.
((وما لا))؛ أي: وما لا يأتيك بلا سؤال.
٤٤٦

((فلا تتبعْهُ نفسَك))؛ أي: فلا تجعل نفسك تابعة له، ولا توصل المشقة
إليها في طلبه .
مِنَ الحِسَان:
١٣٠٧ - قال رسول الله وَاجٍ: ((المَسائلُ كُدُوحٌ يَكْدَحُ بها الرجلُ وجهَهُ،
إلا أنْ يَسأَلَ ذا سُلْطانٍ، أو في أمرٍ لا يَجِدُ منه بُدَّاً).
((من الحسان)):
((عن سمرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: المسائلُ)):
جمع مسألة بمعنى: السؤال.
(كَدوحٌ)): بفتح الكاف بناء مبالغة من (الكدح)، وهو: الجرح.
وقيل: الكدح: كل أثر من خدش، أو عض، والجمع كُدوح بضم
الكاف .
«یكدح بها الرجل وجهه)) يعني : يريق بالمسألة ماء وجهه، فكأنه جرحه.
((إلا أن يسأل ذا سلطان))؛ أي: ذا حكم وملك بيده بيت المال، فيعطيه
منه إن كان مستحقاً.
((أو في أمر لا يجد منه بداً): كالمذكورين في حديث قبيصةً.
١٣٠٨ - وقال: ((مَن سألَ الناسَ ولهُ ما يُغنيهِ جاءَ يومَ القيامةِ ومَسْأَلتُه في
وجْهِهِ خُمُوشٌ، أو خُدُوشٌ، أو كُدُوحٌ))، قيل: يا رسولَ الله!، وما يُغْنِيهِ؟،
قالَ: ((خَمْسونَ دِرْهماً، أو قِيْمتُها مِنَ الذَّهَبِ».
٤٤٧

((عن عبدالله بن مسعود أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم: من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة في وجهه خُموش)): جمع
خمش، ((أو خُدوش)): جمع خدش، ((أو كُدوح)): جمع كلح؛ بمعنى واحد،
وهو علامة مثل الجراحة.
قيل: الخمش جراحة في اللحم، والخدش في الجلد، والكدح فوق
الجلد .
قيل: (أو) هذه للشك من الراوي، ويجوز أن يكون الكل من النبي - عليه
الصلاة والسلام - على سبيل الترتيب بين منازلَ السائلين في الذل والهوان لمَّا
كانوا متفاوتين في السؤال على ثلاثة مراتب؛ مستقل، ومتوسط، ومستكثر.
((قيل: يا رسول الله! وما يغنيه؟ قال: خمسون درهماً، أو قيمتها من
الذهب)): وهذا يدل على أن مَنْ ملك خمسين درهماً، أو مثلها من جنس آخر،
فهو غنيٌّ لا تحل له المسألة.
١٣٠٩ - وقال: ((مَنْ سأَلَ وعنده ما يُغنيهِ فإنما يستكثر من النارِ))، قالوا:
يا رسول الله، وما يُغنيهِ؟، قال: «قدرُ ما يُغديِّه، أو يُعشِّیه)).
وفي روايةٍ: ((شِبَعُ ليلةٍ ويومٍ).
وقال: ((مَنْ سأَلَ منكم وله أُوقَّةٌ أو عِدْلُها؛ فقد سأَلَ إِلْحافاً).
((وعن سهل بن الحنظلية أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم: من سأل الناس وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار))؛ يعني: من جمع
أموال الناس بالسؤال من غير ضرورة، فكأنه يجمع لنفسه نار جهنم.
٤٤٨

((قالوا: يا رسول الله! وما يُغنيه؟ قال: قدر ما يُغدِّيه))؛ أي: يطعمه طعام
غدائه .
((ويُعشِّيه))؛ أي: يطعمه طعام عشائه؛ يعني: من كان له قوت هذين
الوقتين لا يجوز له أن يسأل في ذلك اليوم صدقة التطوع.
((وفي رواية: شبْع يوم وليلة)): بسكون الباء: ما يشبع، وبفتحها
المصدر.
((عن عطاء، عن رجل من بني أسد أنه قال: قال رسول الله عليه الصلاة
والسلام: من سأل منكم وله أوقية))؛ أي: أربعون درهماً ((من الفضة، أو
عدلها))؛ أي: مثلها من ذهب، أو مال آخر.
((فقد سأل إلحافاً)؛ أي: إلحاحاً من غير اضطرار، وهذا في حقِّ من
یکفیه أربعون درهماً.
١٣١٠ - وقال: ((إنَّ المَسأَلَةَ لا تَحِلُّ لغنيٌّ، ولا لذي مِرَّةٍ سَوِيٍّ إلا لذي
فَقْرٍ مُذْقِعٍ، أو لذي غُرْمٍ مُفْظِعٍ، ومَنْ سأَلَ الناسَ ليُثريّ بهِ مالَه كانَ خُموشاً في
وجهِهِ يومِ القيامةِ، ورَضْفاً يأكلُه مِن جهنمَ، فمن شاءَ فليُقِلَّ، ومن شاءَ
فليُكثر)).
((عن حُبْشِي بن جنادة به أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم: إن المسألة لا تحل لغنيٍّ، ولا لذي مرة سويٍّ»: مرَّ معناهما.
((إلا لذي فقر مُدقِع)): وهو الفقر الشديد المفضي بصاحبه إلى الدقعاء،
وهي التراب؛ أي: الالتصاق به لشدته؛ يعني: لا يكون عنده ما يُستَرُ به.
(أو لذي غرم مفظع)): وهو الدين الشديد الشنيع المثقل.
هذا لفظ الحديث، لكن الحكم جواز السؤال لأداء الدَّين، وإن كان
٤٤٩

قليلاً، فتحل له الصدقة، فيعطى من سهم الغارمين.
((ومن سأل الناس ليثريّ به))؛ أي: بالسؤال.
((ماله)): يقال: أثرى الرجل: إذا كثر ماله.
((كان خُموشاً في وجهه يوم القيامة، ورَضْفاً): وهو الحجر المحمي.
((يأكله من جهنم)): والمراد به التحريق.
«فمن شاء فليُقلَّ، ومن شاء فليُکثر)).
*
١٣١٢ - ويُروى: ((إنَّ المسألةَ لا تَصلُحُ إلا لثَلاثةٍ: لذي فَقْرٍ مُدْقِع، أو
لِذِيْ غُزْمِ مُفْظِعٍ، أو لذي دَمٍ مُوجِعٍ).
((وعن أنس به أنه قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام إن المسألة
لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مُدقع، أو لذي غرم مُفظِعٍ، أو لذي دم مُوجِعٍ)):
وهو المتحمل دية عمن ليس له ولا لأوليائه مالٌ، ولم تؤدّ أيضاً من بيت المال،
فيجوز لشخص السعي فيها والسؤال لها؛ ليؤديها إلى أولياء المقتول لتنقطع
الخصومة، وإلا قتل المتحمل عنه، وهو أخوه، أو حميمه، فيوجعه قتله.
١٣١٣ - وقال: ((مَن أصابَتَهُ فاقةٌ فَأَنزلَها بالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فاقتُه، ومن أنزلَها
بالله أَوْشَكَ الله له بالغِنى، إمَّا بموتٍ عاجِلٍ، أو غِنَى عاجِلٍ)).
((وعن عبدالله بن مسعود أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم: من أصابته فاقة فأنزلها بالناس))؛ أي: عرضها لهم، وطلب منهم إزالة
فقره .
٤٥٠

((لم تسد فاقته))؛ أي: لم يزيلوا فقره، بل ليعرضِ العبد حالَهُ على الله
تعالى، ويسأل منه قضاء حاجته.
((ومن أنزلها بالله))؛ أي: عرضها له.
((أوشك الله))؛ أي: عجّل له.
( بالغَنَاء)»: بفتح الغين والمد؛ أي: بالكفاية.
(إما بموت عاجل، أو غنى عاجل)): بأن يعطيه مالاً يغنيه.
٦ - بل
الإنفاق وكراهية الإمساك
(باب الإنفاق وكراهة الإمساك)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٣١٤ - قال رسول الله وَيءٍ: «لو كان لي مثلُ أُحُدٍ ذَهَباً لَيَسُرُّني أنْ لا يمُوَّ
عليَّ ثلاثُ ليالٍ وعندي منه شيءٌ، إلا شيءٌ أَرْصُدُه لِدَيْنٍ)).
((من الصحاح)):
((عن أبي هريرة وأبي ذر ﴾ قالا: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم: لو كان لي مثل أحد ذهباً، لسرَّني أن لا يمرَّ علي ثلاث ليال وعندي منه
شيء)»: الواو فيه للحال، يعني: لسرني عدم مرور ثلاث ليال، والحال أن تكون
فيها شيء من الذهب عندي، وفي الحقيقة النفي راجع إلى الحال.
((إلا شيء أُرصده)): بضم الهمزة؛ أي: أحفظه وأعده.
٤٥١

(لدين))؛ أي: لأداء دين كان علي؛ لأنَّ أداءَ الدين مقدَّمٌ على الصدقة.
١٣١٥ - وقال: ((ما مِن يوم يُصبحُ العِبَادُ فيه إلا مَلَكانِ ينِزِلانِ فيقول
أحدُهما: اللهمَّ أَعْطِ مُنفِقاً خلَفاً، ويقولُ الآخرُ: اللهمَّ أَعْطِ مُمْسِكاً تلَفاً).
((وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما» لمن أنفق ماله في
الخيرات، ولم يمسكه: ((اللهم أعط منفقاً خَلَفاً»؛ أي: عوضاً صالحاً.
(ويقول الآخر)) لمن لم ينفق فيها: ((اللهم أعط ممسكاً تلفاً).
١٣١٦ - وقال ◌َ﴾ الأسماء: ((أَنْفِقِيْ، ولا تُحصِي، فيُحصِيَ الله عليكِ،
ولا تُوعِيْ فِيُوعِيَ الله عليكِ، ارْضَخِي ما استطعتٍ)).
((وعنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لأسماء)) بنت
أبي بكر ﴾: ((أنفقي، ولا تُحصي))؛ أي: ولا تبقي شيئاً للادخار، فإن من أبقى
شيئاً يحصيه .
وقيل: معناه: لا تعدي ما أنفقته، فتستكثريه، فيكون ذلك سبباً لانقطاع
إنفاقك .
((فيحصيَ الله عليك)): بالنصب جواباً للنفي؛ أي: فيقلل رزقك بقطع
البركة عنه، أو يحاسبك عليه في الآخرة.
((ولا توعي))؛ أي: لا تحفظي فضلَ مالك في الوعاء؛ أي: الظرف.
٤٥٢

(فيوعي الله عليك))؛ أي: فيمنع الله عليك نعمته وفضله، ويسدُّ عليك
باب المزید .
((ارضخي ما استطعت))؛ أي: أعطي شيئاً وإن كان يسيراً، وإنما أمرها - عليه
الصلاة والسلام - بالرضخ لما عرف من حالها أنها لا تقدر أن تتصرف في مال
زوجها بغير إذنه إلا في شيء يسير الذي جرت العادة بالتسامح من قبل الزوج
كالكِسْرة والتمرة، والطعام الذي يفضل في البيت ولا يصلح للادخار؛ لتسارع
الفساد.
١٣١٧ - وقال: ((قال الله تعالى: يا ابن آدمَ، أَنْفِقْ أُنفِقْ عليك».
((وعنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال الله تعالى:
أنفق يا ابن آدم أُنفِقْ عليك))؛ أي: أعطي الناس ما رزقتك حتى أرزقك.
١٣١٨ - وقال: ((يا ابن آدمَ، إنك أنْ تَبْذُلَ الفَضْلَ خيرٌ لك، وأَنْ تُمسِكَهُ
شَرّلك، ولا تُلامُ على كَفَافٍ، وابدأ بمَنْ تَعُولُ)).
((وعن أبي أمامة به أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
يا ابن آدم! إنك أنْ تبذلَ الفضل»: (أن) مصدرية مبتدأة خبره ((خير لك)»؛ أي:
بذلك الفضل خير لك.
((وأن تمسكه))؛ أي: ذلك الفضل ((شرٌّ لك، ولا تلام على كفاف))؛ أي:
لا لوم عليك على إمساك كفاف، وهو ما كف من الرزق عن مسألة الخلق، تكف
به وجهك عن الناس، وإن حفظت أكثر من ذلك، ولم تتصدق بما فضل عنه،
فأنت بخيل، والبخلُ مذموم.
٤٥٣

((وابدأ بمن تعول))؛ أي: ابدأ في الإنفاق والإعطاء بمن تمون، وتلزمك
نفقته من عيالك، فإن فضل شيء فأعطِ الأجانب.
١٣١٩ - وقال: ((مثَلُ البَخيلِ والمُتصَدِّقِ: كمثَلِ رجلَينِ عليهما جُنَّتَانِ
من حديدٍ، قد اضْطُرَّت أَيديهِما إلى تُدِيِّهِمَا وتَرَاقِيْهما، فجَعَلَ المتصدِّقُ كلَّما
تَصَدَّقَ بصدقةٍ انبسطَتْ عنه، وجَعَلَ البخيلُ كلَّما همَّ بصدقةٍ قَلَصَتْ وأخذتْ
كُّ حلْقةٍ بمَكانِها)).
((عن أبي هريرة ه أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جُنَّتان))؛ أي: وقايتان من السلاح
ساتران.
((من حديد)): والمراد هنا: الدرع، كأنه أريد بهما صفتا البخل والتشدد،
اللتان جُبلَ عليهما الإنسان.
«قد اضْطُرّت))؛ أي: ضمت وشدت وعصرت.
((أيديهما إلى تُديهما)) بضم الثاء: جمع ثُدي، وهو جنبي الصدر.
((وتَراقيهما)) بفتح التاء: جمع ترقوة، وهو أسفل الكتف، وفوق الصدر.
((فجعل))؛ بمعنى: طفق؛ أي: شرع، وأراد المتصدق ((كلَّما تصدق
بصدقة))، وانشرح صدره بخير صدر عنه، ((انبسطت عنه))؛ أي: توسعت
الجنتان عن المتصدق.
((وجعل البخيل كلما همَّ بصدقة))؛ أي: قصد إليها.
((قلصت))؛ أي: انضمت الحلق بعضها ببعض واشتدت.
((وأخذت كل حلقة بمكانها)»: تلخيص المعنى: أن السخي إذا قصد
٤٥٤

الصدقة سهل عليه، والبخيل عكسه.
١٣٢٠ - وقال: «اتقوا الظُّلمَ، فإن الظُّلمَ ظُلُماتٌ يومَ القيامةِ، واتقوا
الشُّحَّ، فإن الشُّحَّ أَهْلَكَ من كان قبلكم، فحملَهم على أَن يسِفِكُوا دماءهم،
واستَحَلُّوا محارِمَهم)) .
((وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: اتقوا الظلمَ؛ فإن الظلمَ ظلماتٌ يوم
القيامة)): والمراد بالظلمات هنا: الشدائد، كما في قوله تعالى: ﴿قُلّ مَنْ يُنَجِّيَكُم
مِّنِ ظُلُتِ الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣]؛ أي: شدائدهما.
((واتقوا الشح)): قيل: الشح: بخل رجل من مال غيره، والبخل: هو
المنع من مال نفسه، وقيل: البخل يكون في المال، والشح عام يكون في المال
وفي غيره.
«فإن الشخَّ أهلك من كان قبلكم»: هلاکھم کونهم معذبين به، وهو
يحتمل أن يكون في الدنيا، وأن يكون في الآخرة.
(حملهم على أن يسفكوا دمائهم)): إنما كان الشح سبباً لذلك؛ لأن في
بذل الأموال ومواساة الإخوان التحابَّ والتواصلَ، وفي الإمساك والشح التهاجر
والتقاطع، وذلك يؤدي إلى التحاجز والتغادر من سفك الدماء واستباحة
المحارم.
١٣٢١ - وقال: ((تصدَّقوا، فإنه يأتي عليكم زمانٌ يَمْشي الرجلُ بِصدقتِهِ،
فلا يجدُ من يقبلُها، يقولُ الرجلُ: لو جئْتَ بها بالأَمسِ لَقَبْتُها، فأما اليومَ فلا
حاجةً لي بها)).
٤٥٥

((عن حارثة بن وهب أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
تصدقوا فإنه يأتي عليكم زمان)): وهو زمان المهدي ونزول عيسى عليه السلام.
((يمشي الرجل بصدقته، فلا يجد من يقبلها، يقول الرجل: لو جئتَ بها
بالأمس لقبلتها، فأما اليوم؛ فلا حاجةَ لي بها))؛ يعني: يصير الناس كلهم في
ذلك الزمان راغبين في الآخرة تاركين الدنيا يقنعون بقوت يوم، ولا يدخرون
المال.
١٣٢٢ - عن أبي هريرة ﴿ه قال: قال رجلٌ: يا رسولَ الله!، أَيُّ الصدقةِ
أَعظمُ أجراً؟، قال: ((أنْ تَصَدَّق وأنتَ صحيحٌ شَحيحٌ تخشَى الفقرَ وتَأْمُلُ
الغنى، ولا تُمْهِلْ حتى إذا بلغتْ الحلقومَ قلتَ: لفُلانٍ كذا، ولفُلانٍ كذا، وقد
كانَ لِفُلانٍ».
((عن أبي هريرة أنه قال: قال رجل: يا رسول الله! أيُّ الصدقة أعظم
أجراً؟ قال: أن تصدَّقَ)): بحذف إحدى التاءين.
(وأنت صحيح شحيح)): تأكيد للصحيح، والواو للحال؛ أي: في
صحتك؛ لأن الرجل في حال الصحة يكون شحيحاً.
((تخشى الفقر))؛ أي: تقول في نفسك: لا تتلف مالك؛ لئلا تصير فقيراً،
فتحتاج إلى الناس .
(وتأمُّل الغني)) بضم الميم؛ بمعنى: تطمع؛ أي: تقول: اترك مالك في
بيتك؛ لتكون غنياً، وتكون لك عزةً عند الناس بسبب غناك، فإن الصدقة في
هذه الحال أفضل مراغمةٌ للنفس .
((ولا تُمِهِلَ)): بالنصب عطفاً على (أن تصدق)، وبالجزم على النهي؛
٤٥٦

أي: ولا تؤخر الصدقة.
((حتى إذا بلغت الحلقوم)): والمراد به أن تقرب الروح بلوغ الحلقوم.
(قلت)» لورثتك:
((لفلان كذا، ولفلان كذا)): كناية عن الموصى له.
((وقد كان لفلان)): كناية عن الوارث؛ أي: والحال أن المال في تلك
الحالة يكون متعلقاً لورثتك، لا يجوز تصرفك فيما زاد على ثلث مالك.
١٣٢٣ - وعن أبي ذرٍّ قال: انتهيتُ إلى النبيَّ وَ﴿ُ وهو جالسٌ في ظِلِّ
الكعبةِ، فلمَّا رآني قال: ((ُهُمُّ الأَخسرونَ وربّ الكَعْبةِ))، فقلتُ: فِداكَ أَبِي
وأُمي، مَن هم؟، قال: ((هم الأكثرونَ أموالاً إلا مَنْ قال هكذا وهكذا وهكذا
من بين يديهِ، ومِن خلفِهِ، وعن يمينه، وعن شِمالِهِ، وقليلٌ ما هم)).
((وعن أبي ذر أنه قال: انتهيت إلى النبي - عليه الصلاة والسلام - وهو
جالس في ظل الكعبة، فلما رآني قال: هم الأخسرون ورب الكعبة)): (هم)
ضمير عن غير مذكور، لكن يأتي تفسيره، وهو قوله: هم الأكثرون.
((فقلت: فداك أبي وأمي! من هم؟ قال: هم الأكثرون أموالاً)؛ يعني:
من کان ماله أكثر، یکون إثمه وخسرانه أکثر.
((إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا؛ من بين يديه، ومن خلفه، وعن
يمينه، وعن شماله))؛ يعني: تصدق به في جوانبه الأربع من المحتاجين،
والقول قد يُستعمَل في الفعل، فمن كان بهذه الصفة فليس من الخاسرين، بل هو
من الفائزين .
((وقليل ماهم)): (ما) زائدة، و(هم) مبتدأ خبره (قليل)؛ أي: من
٤٥٧

يفعل كذلك قليل.
*
من الحسان :
١٣٢٤ - قال رسول الله وَله: ((السَّخيُّ قريبٌ من الله قَرِيبٌ مِن الجنةِ
قريبٌ من الناسِ بعيدٌ من النارِ، والبخيلُ بعيدٌ من الله بعيدٌ من الجنةِ بعيدٌ من
الناسِ قريبٌ من النارِ، ولَجَاهِلٌ سَخِيٌّ أحبُّ إلى الله من عابدٍ بخيلٍ)).
((من الحسان)):
((عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
السخيُّ قریبٌ من الله)»؛ أي: من رحمته تعالى.
((قريبٌ من الجنة، قريبٌ من الناس، بعيدٌ من النار))؛ يعني: السخاوة
خصلة محمودة عند الله، وعند الناس فلا شك هو مستحق الرحمة والحب من
الله ومن الناس.
((والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من النار،
ولجاهل سخي)): يريد بالجاهل هنا: ضد العابد؛ يعني: أن الرجل الذي يؤدي
الفرائضَ دون النوافل، وهو سخي ((أحبُّ إلى الله من عابد بخيل))؛ أي: من
رجل يكثر النوافل وهو بخيل؛ لأن حبَّ الدنيا - أي: المال - رأس كل خطيئة.
١٣٢٥ - وقال: ((لأَنْ يَتَصدَّقَ المرءُ في حياتِهِ بِدِرْهم؛ خيرٌ له مِن أنْ
بتصدَّقَ بمائةٍ عندَ موتِه)).
((وعن أبي سعيد أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لأنْ
٤٥٨

يتصدَّقَ المرء في حياته بدرهم خيرٌ له من أن يتصدق بمئة عند موته))؛ لأن
الصدقة في الصحة أشد على النفس من حال المرض، فلا جرمَ ثوابه أكثر.
١٣٢٦ - وقال: ((مثَلُ الذي يتصدَّقُ عندَ موتِه أو يُعتِقُ كالذي يُهدي إذا
شبعَ))، صحيح.
((وعن أبي الدرداء أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
مثل الذي يتصدق عند موته أو يعتق، كالذي يهدي إذا شَبع))؛ أي: ليس له
مزيدُ فضيلة؛ لأن الهدية حينئذ لا تكون شديدة على النفس، وإنما الفضيلة لمن
يؤثر المحتاج على نفسه مع احتياجه، وقد أثنى الله تعالى على هؤلاء بقوله:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ [الحشر: ٩].
((صحیح)).
١٣٢٧ - وقال: ((خَصْلَتانِ لا تَجتمعانِ في مُؤمنٍ: البُخلُ، وسُوءُ
الخُلُقِ)).
(عن أبي سعيد أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
خصلتان لا تجتمعان في مؤمن))؛ أي: في مؤمن كامل، خبر موصوف،
والمبتدأ ((البخل، وسوء الخلق))؛ أي: لا ينبغي أن يجتمعا فيه، أو المراد بلوغ
النهاية فيهما بحيث لا ينفك عنهما، ولا ينفكان عنه.
١٣٢٨ - وقال: ((لا يَجتمعُ الشُُّ والإيمانُ في قلْبٍ عبدٍ أبداً».
٤٥٩

((وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
لا يجتمع الشُّ والإيمانُ في قلب عبد أبداً»: هذا تهديد وزجر عن البخل،
لا أنه ليس بمؤمن، أو المراد الإيمان الكامل.
١٣٢٩ - وقال: ((لا يدخلُ الجنَّةَ خِبٌّ، ولا بَخيلٌ، ولا مَنَّان)).
((وعن أبي بكر الصديق أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم: لا يدخل الجنة خِبٌّ)): بالفتح، وقد يكسر؛ أي: رجل خدَّاع مكَّار
مفسد بين الناس .
((ولا بخيل، ولا منان)): من المنة؛ لأنها تهدم الخير؛ أي: لا يدخل
الجنة مع هذه الخصلة مع السابقين حتى يطهر منها؛ إما بالتوبة في الدنيا، أو بأن
يعفو الله عنه، أو يمحص عنه آثار تلك الخصلة المذمومة بالعذاب.
١٣٣٠ - وقال: ((شرُّ ما في الرجلِ شُخُّ هالِعٌ، وجبن خالعٌ)).
((وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: شرٌّ
ما في الرجل شخّ هالعٌ)): الهلع: أشد الجزع والضجر، وهو ضد الصبر؛ أي:
بخل يجزع صاحبه عند إخراج الحق من ماله، وقيل: الهلع أشد الحرص.
((أو جبن خالع))؛ أي: خوف شديد، كأنه يخلع قلبه من شدة خوفه من
المحاربة مع الكفار، ويمنعه من الدخول في الخيرات، وإنما قال في الرجل؛
لأن الشخَّ والجبن في المرأة ليس بمذموم.
٤٦٠