النص المفهرس

صفحات 281-300

الصلاة والسلام)) بالرفع عطفُ بيانٍ لـ (فلانة)، أو خبر مبتدأ محذوف، قيل:
هي صفية، وقيل: حفصة رضوانًا.
((فخر ساجداً، فقيل له: تسجد في هذه الساعة؟)): بحذف الاستفهام
((فقال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا رأيتم آية))؛ أي:
علامة مخوِّفة ((فاسجدوا))؛ أي: فصلُّوا ما قدَّر الله، وقيل: أراد به السجود
فحسب .
((وأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي عليه الصلاة والسلام)) فالسجود
عند ذلك لدفع العذاب المتوقَّعِ الحصولِ بذهابهن.
قال ◌َله: ((أنا أَمَنَةٌ لأصحابي فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون،
وأصحابي أمنةٌ لأهل الأرض)) الحديث، فكأنه رأى بقاء الأمنة على الأصحاب
ببقاء الأزواج؛ لأن أهل الرجل يعدُّ من جملته لشدة الاتصال بينهما.
فصل
في سجود الشكر
(فصل فى سجود الشكر)
مِنَ الحِسَان:
١٠٥٨ - عن أبي بَكْرَةَ ﴿ه: أن النبيَّ ◌َ﴿ كَانَ إذا جاءَهُ أمرٌ يُسَرُّ به خرَّ
ساجداً شكراً للهِ. غريب.
((من الحسان)):
((عن أبي بكرة ﴿ه: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا جاءه أمر يسرُّ
به» من السرور.
٢٨١

((خر ساجداً)؛ أي: سقط للسجود ((شكراً لله)) فسجود الشكر سنَّة عند
الشافعي .
((غريب)).
١٠٥٩ - ورُوي أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ رأَى نُغاشياً، فسجدَ شكراً لله تعالى.
((وروي أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى نغاشياً)) بتشديد الياء؛ أي:
ناقص الخلق وضعيف الحركة.
(فسجد شكراً لله)) فالسنَّة لمن رأى مبتلى ببلاءٍ أن يسجد شكراً لله على أن
عافاه الله تعالى من ذلك، ولكنْ ليكتم السجود عنه لئلا يتأذى.
١٠٦٠ - عن عامر بن سَعْد، عن أبيه قال: خرجْنا معَ رسولِ الله وَّهُ مِن
مكةَ نريدُ المدينةَ، فلمَّا كنا قَرِيباً من عَزْوَزاء نزلَ، ثم رفعَ يديهِ فَدَعا الله ساعةً،
ثم خَرَّ ساجداً، فمكثَ طويلاً، ثم قامَ فرفعَ يديه ساعةً، ثم خرَّ ساجداً، ثم قام
فقال: ((إني سألتُ ربي، وشفعتُ لِمَّتِي، فأعطاني ثُلُثَ أُمَّتي، فخرَرْتُ
ساجداً لِربي شكراً، ثم رفعتُ رأسي فسألتُ ربي لِمَّتِي، فأعطاني ثلثُ أمتي
فخررتُ ساجداً لربي شكراً، ثم رفعتُ رأسِي فسألتُ ربي لأِمَّتي، فأعطاني
الثلث الآخِرَ، فخررتُ ساجداً لربي شكراً».
وروي أن النَّبِي ◌َّه رأى نُغَاشِياً، فسجد شكراً لله، والنُّغاش: القصير.
((عن عامر بن سعد، عن أبيه أنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله
تعالى عليه وسلم من مكة نريد المدينة، فلما كنا قريباً من عَزْوزَاء)) بفتح العين
٢٨٢

المهملة وسكون الزاي المعجمة وفتح الواو وبالمد - وقيل: بالقصر -: ثنيةٌ
الجحفة عليها طريق المدينة إلى مكة، سمي به لصلابة أرضه، مأخوذٌ من
العزاز: الأرض الصلبة .
((نزل ثم رفع يديه فدعى الله ساعة)) نزوله عليه الصلاة والسلام في هذا
الموضع للدعاء لأمته بوحي الله تعالى لا لخاصية هذه البقعة.
((ثم خَّ ساجداً فمكث طويلاً، ثم قام فرفع يديه ساعةً، ثم خرّ ساجداً
فمكث طويلاً، ثم قام فرفع يديه ساعةً، ثم خر ساجداً، قال: إني سألت ربي
وشفعت لأمتي فأعطاني ثلث أمتي، فخررت ساجداً لربي شكراً، ثم رفعت
رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني ثلث أمتي فخررت ساجداً لربي شكراً، ثم
رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني الثلث الآخر)) بكسر الخاء
((فخررت ساجداً لربي شكراً) قال الإمام مظهر الدين: ليس معناه أن
يكون جميع أمته مغفورين بحيث لا يصيبهم عذاب؛ لأن هذا نقيض الآيات
والأحاديث الواردة في تهديد الفاسقين، بل المعنى: أنه سأل أن يخص أمته من
بين الأمم بأن لا يمسخ صورهم بسبب الذنوب، وأن لا يخلدهم في النار بسبب
الكبائر، وغير ذلك من الخواص التي خصَّ الله أمته - عليه الصلاة والسلام - بها
من بين سائر الأمم.
وفيه نظر: لأن السنة كما دلت على ذلك دلت أيضاً على هذا، وكذا
الكتاب، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًاً﴾ [الزمر: ٥٣] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ
اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءٍ﴾ [النساء: ٤٨] إلى غير ذلك، والعفوُ
من الكريم ينبغي أن يكون أرجى من العذاب، والله أكرم الأكرمين، وأما دخولُ
النار فليس بحتم إلا تَحِلَّةَ القسم خلافاً للمعتزلة.
٢٨٣

٤٩-١
الاستسقاء
(باب الاستسقاءِ)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٠٦١ - عن عبدالله بن زيد قال: خرجَ رسولُ اللهِّهِ بِالناسِ إلى
المصلَّى يستسقي، فصلَّى بهم ركعتين جهرَ فيهما بالقراءةِ، واستقبلَ القِبلةَ
يدعُو، ويرفعُ يديهِ، وَحَوَّلَ رداءَهُ حينَ استقبلَ القبلة.
((من الصحاح)):
((عن عبدالله بن زيد أنه قال: خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم
بالناس إلى المصلى يستسقي، فصلى بهم ركعتين جهر فيهما بالقراءة)) فالسنَّة أن
یصلَّى للاستسقاء بالجماعة كصلاة العيد، وبه قال أبو يوسف ومحمد.
((واستقبل القبلة يدعو، ورفع يديه وحوَّل رداءه حين استقبل القبلة))
والغرض من تحويل الرداء هو التفاؤل بتحويل الحال من العسر إلى اليسر، ومن
الجدب إلى الخصب، وكيفيته إن كان مربعاً يجعل أعلاه أسفله، وإن كان مدوراً
كالجبة يجعل جانب الأيمن على الأيسر.
١٠٦٢ - وقال أنس به: كانَ النبيُّ نَّهِ لا يرفعُ يديهِ في شيء من دعائِه
إلا في الاستسقاءِ، وإنه ليرفعُ يديهِ حتى يُرَی بیاضُ إبطيْهِ .
(وقال أنس ه: كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يرفع يديه في شيء
من دعائه))؛ أي: لا يرفعهما كل الرفع حتى يجاوِزَ بهما رأسه .
٢٨٤

«إلا في الاستسقاء، فإنه يرفع یدیه حتى يُری بیاضُ إبطيه)).
١٠٦٣ - وعن أنس: أن النبيَّ ◌َ﴿ِ اسْتَسْقى، فأشارَ بظهرٍ كفَّيهِ إلى
السماءِ .
((وعن أنس به أنه قال: كان النبي عليه الصلاة والسلام استسقى فأشار
بظهر كفيه إلى السماء))؛ يعني: يجعل بطن كفيه إلى الأرض وظهرهما إلى
السماء، يشير بذلك إلى قلب الحال سائلاً من الله أن يجعل بطن السحاب إلى
الأرض.
وقيل: من أراد دفع بلاء من قحط ونحوه فليجعل ظهر كفيه إلى السماء،
ومن سأل نعمة من الله فليجعل بطن كفيه لى السماء.
١٠٦٤ - وقالت عائشة رضي الله عنها: إن النبيَّ ◌َ﴿ كان إذا رَأَى المطرَ
قال: ((صَيِّباً نافِعاً).
((وقالت عائشة: إنَّ رسول الله ﴿ كان إذا رأى المطر قال: صَيِّباً)) نصب
بمقدر؛ أي: اسقنا صيباً، أو على الحال؛ أي: أنزله علينا صيباً؛ أي: مطراً.
((نافعاً): لا مُغْرِقاً كطوفان نوح عليه السلام، وأصله: صَيْوِب، قلبت
الواو ياءً وأُدغمت.
١٠٦٥ - وقال أنس: أصابنا ونحنُ معَ رسولِ الله ◌ِّهِ مطرٌ، قال: فحسَرَ
رسولُ اللهِ وَ﴾ ثوبَه حتى أصابَه من المطرِ، فقلنا: يا رسولَ الله، لِمَ صنعتَ
٢٨٥

هذا؟، قال: ((لأنه حديثُ عهدٍ بربه)).
((وقال أنس: أصابنا ونحن مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مطر
فحسر رسول الله (وَ ))؛ أي: كشف عن بدنه «ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا:
يا رسول الله! لمَ صنعتَ هذا؟ قال: لأنه حديث عهد بربه))؛ أي: قريب العهد
بالفطرة لم يخالطه ما يفسده من الأيدي الخاطئة .
مِنَ الحِسَان:
١٠٦٦ - عن عبدالله بن زَيدِ﴾ قال: خرجَ رسولُ اللهِوَّه إلى المُصلَّى
فاستَسقَى، وحوَّلَ رداءَه حين استقبلَ القبلَةَ، فجعل عِطافَه الأيمنَ على عاتِقِهِ
الأيسرٍ، وجعلَ عِطافه الأيسرَ على عاتِقِهِ الأيمنِ، ثم دَعا الله.
((من الحسان)»:
((عن عبدالله بن زيد أنه قال: خرج رسول الله وَلفي إلى المصلى فاستسقى
وحوَّل رداءه حين استقبل القبلة، فجعل ◌ِطافَه))؛ أي: رداءه، سمِّي به لوقوعه
على العِطْفين؛ أي: الجانبين، والضمير فيه للرداء؛ لأنه أراد أحد شقيه، أو
للنبي عليه الصلاة والسلام؛ أي: جانب ردائه ((الأيمن على عاتقه الأيسر،
وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن ثم دعا الله)).
١٠٦٧ - وعنه أنه قال: استسقَى النبيُّ نَّهِ وعليهِ خَمِيصَةٌ له سوداءُ، فأرادَ
أن يأخذَ أسفَلَها فيجعلَهُ أعلاها، فلمَّا ثَقُلَتْ عليه قلَبَها على عاتِقَيْهِ.
((وعنه أنه قال: استسقى النبي عليه الصلاة والسلام وعليه خميصة له
سوداء)) وهي كساء مربع له عَلَمان.
٢٨٦

((فأراد أن يأخذ أسفلها فيجعله أعلاها فلما ثقلت))؛ أي: عسر ((عليه))
جَعْلُ أسفلها أعلاها ((قلبها على عاتقيه))؛ أي: جعل ما على عاتقه الأيمن على
عاتقه الأيسر.
١٠٦٨ - عن عُمَير مولى آبي اللحم: أنه رأَى النبيَّ ◌َّ يستسقي عندَ
أحجارِ الزَّيتِ، قائماً يدعُو رافعاً يديهِ قِبَلَ وجهِهِ لا يجاوزُ بهما رأسَه.
((وعن عمير مولى آبي اللحم)) بمد الهمزة: اسم رجل من قدماء الصحابة
وكبارهم، اسمه عبدالله بن عبد الملك، استشهد يوم حنين، وكان لا يأكل اللحم
فلقِّب به لذلك.
((أنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام يستسقي عند أحجار الزيت)): موضع
بالمدينة من الحرة، سمي بها لسواد أحجارها كأنها طليت بالزيت.
(قائماً يدعو رافعاً يديه قِبَلَ وجهه لا يجاوز بهما رأسه)»؛ أي: يرفع يديه
بمحاذاة وجهه ورأسِه لا أكثر من هذا، وهذا خلاف حديث أنس، ولعل هذا كان
في مرة أخرى.
١٠٦٩ - وقال ابن عباس : خرجَ النبيُّ ◌َ﴿ - يعني في الاستسقاءِ -
مُبتذلاً مُتَواضعاً مُتخشِّعاً مُتضرّعاً.
((وقال ابن عباس: خرج النبي عليه الصلاة والسلام))؛ يعني: في
الاستسقاء .
(متبذلاً))؛ أي: لابساً ثياب البذلة، وهي ما يُلبس كلَّ الأيام غيرَ لباس
الزينة .
٢٨٧

((متواضعاً متخشِّعاً متضرعاً)).
١٠٧٠ - عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسولَ اللهِ وَّهُ كانَ
يقولُ إذا استسقى: ((اللهم اسْقِ عبادَكَ وبَهِيمَتَكَ، وانشُرْ رحمَتَكَ، وأَحْي بلدَكَ
الميِّتَ)).
((وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله صلى الله
تعالى عليه وسلم كان يقول إذا استسقى: اللهم اسق عبادك وبهيمتك وانشر))؛
أي: ابسط ((رحمتك وأحيي بلدك الميت))؛ أي: بإنزال المطر حتى تصير
الأرض اليابسةُ رطبةً خضراء بالنبات والماء.
١٠٧١ - وعن جابر بن عبدالله قال: رأيتُ رسولَ اللهِ نَّهُ يُواكِئ يرفع
يديه فقال: ((اللهم اسِقِنا غَيْئاً مُغيثاً مَرِيئاً مَرِيعاً نافعاً غيرَ ضارِّ عاجلاً غيرَ آجلٍ))،
فأطبقَتْ عليهم السماءُ.
((وعن جابر بن عبدالله أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم يواكئ))؛ أي: يتحامل على يديه إذا رفعهما في الدعاء كأنه متكئ عليهما
حتى يجد ثقلاً بيديه(١) كالمتكئ على عصاً.
((فقال: اللهم اسقنا غيثاً)؛ أي: مطراً.
(مُغيثاً)؛ أي: مُعيناً.
((مَریئاً)؛ أي: هنيئاً صالحاً لا ضرر فيه.
(١) في ((ت)) و(م)): ((ببدنه)).
٢٨٨

((مَرِيعاً)؛ أي: ذا مَراعةٍ وخصبٍ، يقال: أَمْرعتِ الأرضُ أي: أخصبت.
ويروى: (مُزْبعاً) بضم الميم والباء الموحدة من الإرباع؛ أي: مُنبتاً
للربيع، وهو النبات الذي ترعاه الشاة في الربيع.
(نافعاً غير ضارٍ)) بالإغراق والإهدام.
((عاجلاً غير آجل، فأطبقت عليهم السماء))؛ أي: جُعلت عليهم طَبَقاً،
و(السماء): السحاب، يقال: أطبق: إذا جَعَل طبقاً على رأس شيء وغطاه به؛
يعني: ظهر السحاب في ذلك الوقت وغطاهم بحيث صار كطبق فوقهم، حتى
لم يروا السماء من تراكمه وعمومه الجوانب.
وقيل: أطبقت بالمطر الدائم، يقال: أطبق عليه الحمى: إذا دامت.
فصل
في صفة المَطَر والرِّيح
(فصل)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٠٧٢ - قال رسول الله وَله: ((نُصِرتُ بالصَّبا، وأُهلِكَتْ عادٌ بالدَّبُورِ)).
((من الصحاح)):
((عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
نصرت بالصَّباء؛ أي: بالريح التي تهبُّ من مطلع الشمس في حرب الأحزاب،
وذلك أن قريشاً وغطفان وبني قريظة وبني النضير لما حاصروا المدينة يوم
الخندق ونزلوا قريباً من المدينة، وكانوا اثني عشر ألفاً سوى مَن انضم إليهم من
٢٨٩

اليهود، فأرسل الله عليهم ريح الصبا، فهبت هبوباً شديداً، فخرقت خيامهم
وأراقت أوانيهم وقدورهم، ولم يمكنهم القرار، وألقَى في قلوبهم الرعب
فانهزموا، وكان ذلك معجزة للنبي عليه الصلاة والسلام وفضلاً من الله تعالى
على المسلمين، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ
جَآءَتَكُمْ جُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَحُنُودًا لَّمْ تَرَوَّهَا﴾ [الأحزاب: ٩].
((وأُهلكت عاد بالدبور))؛ أي: بالريح التي تهبُّ من مغرب الشمس،
وكانت قامة كل واحد منهم اثني عشر ذراعاً في قول، فهبت عليهم الدَّبُور
وألقتهم على الأرض بحيث اندقت رؤوسهم وانشقت بطونهم وخرجت منها
أحشاؤهم، فالريح مأمورةٌ تجيء تارة لنصرة قوم وتارة لإهلاك قوم.
١٠٧٣ - وقالت عائشة رضي الله عنها: ما رأيتُ رسولَ الله وَل﴿ أضحى
ضاحِكاً حتى أَرَى منه لَهَواتِهِ، إنما كانَ يَتَبَسَّمُ، وكانَ إذا رأى غيماً أو ريحاً
عُرِفَ في وجهِهِ.
((وقالت عائشة - رضي الله عنها -: ما رأيت رسول الله ﴿﴿ ضاحكاً حتى
أرى منه لَهَواتِه)»: جمع لهاة، وهي قعر الفم قريبٌ من أصل اللسان.
((إنما كان يتبسم، وكان إذا رأى غيماً))؛ أي: سحاباً ((أو ريحاً عرف في
وجهه))؛ أي: الكراهية وأثر الخوف من حصول ضرر أو عذاب في ذلك
السحاب أو الريح.
١٠٧٤ - وقالت: كانَ النبيُّ ◌ِ ﴿ إِذا عصَفَتِ الريحُ قال: ((اللهم إني
أسألُكَ خيرَها وخيرَ ما فيها وخيرَ ما أُرسِلَتْ به، وأعوذُ بكَ من شرِّها وشرِّ ما
٢٩٠

فيها وشرّ ما أُرسِلت به))، وإذا تخيَّلت السماءُ تغيّر لونُهُ، وخرجَ ودخلَ وأقبلَ
وأدبرَ، فإذا مَطَرَت سُرِّيَ عنه، فعَرَفتْ ذلكَ عائشةُ رضي الله عنها فسأَلَنَّه؟،
فقال: ((لعلَّه يا عائشةُ كما قالَ قومُ عادٍ: ﴿قَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ قَالُواْ
هَذَا عَرِضْ تُمْطِرُنَا﴾)).
وفي روايةٍ: ويقولُ إذا رأَى المطرَ: ((رحمةً)). أي: اجعلْها رحمةً.
((وقالت: كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا عصفت الريح))؛ أي: اشتد
هبوبها .
((قال: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ
بك من شرها وشرٍّ ما فيها وشرٍّ ما أرسلت به، وإذا تخيلت السماء))؛ أي:
تغيَّمت وتُخيّل منها المطر.
«تغير لونه وخرج)) من البيت تارة ((ودخل))؛ أخرى.
((وأقبل)) تارة ((وأدبر)): أخرى، فلا يستقر من الخوف.
((فإذا مطرت السماء))؛ أي: السحاب ((سرِّي عنه))؛ أي: كشف عنه
الخوف.
((فعرفت ذلك عائشة - رضي الله عنها - فسألته فقال عليه الصلاة
والسلام: لعله))؛ أي: لعل هذا المطر ((يا عائشة كما قال))؛ أي: مثل المطر
الذي قال ((في)) حقه ((قوم عاد: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا﴾))؛ أي: سحاباً ﴿مُسْتَقْبِلَ
أَوْدِيَنِهِمْ﴾؛ أي: صحاريهم ﴿قَالُواْ هَذَا عَارِضْ مُخْطِرُنَا﴾ ظناً أنه سحاب ينزل منه
المطر ﴿بَلَ هُوَ مَا أَسْتَعْجَلْتُم ◌ِّ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤]: فظهرت منه ريح
فأهلكتهم، فلا يجوز لأحد أن يأمن من عذاب الله تعالى.
((وفي رواية: يقول إذا رأى المطر [هذا] رحمةٌ)): بالرفع؛ أي: هذه
٢٩١

رحمة، - وبالنصب -؛ أي: اجعله رحمةً.
١٠٧٥ - وقال رسول الله وَلجه: ((مفاتيحُ الغيبِ خمسٌ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ.
عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ الآية)).
((قال ابن عمر: قال: رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مفاتيح
الغيب)) أراد به خزائنه تعالى، وقيل: المفتاح في الأصل: كل ما يُتوسَّل به إلى
استخراج المُغْلَفات التي يَتعذّر الوصول إليها إلا به.
((خمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ, عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُغَرِّكُ الْغَيْثَ﴾ الآية [لقمان: ٣٤]).
١٠٧٦ - وقال ◌َ: ((ليست السَّنَةُ بأنْ لا تُمْطَرُوا، ولكنَّ السَّنَةَ أنْ تُمْطَرُوا
وتُمْطَروا ولا تُنبتُ الأرضُ شيئاً).
((وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
ليست السنة))؛ أي: القحط الشديد ((بأن لا تمطروا))؛ أي لا ينزل عليكم المطر.
((ولكن السنة أن تمطروا وتمطروا)): والتكرير للتأكيد.
((ولا تنبت الأرض شيئاً) وذلك لأن اليأس بعد توقُّع الرجاء وظهور أسبابه
أفظع مما كان حاصلاً من أول الأمر.
مِنَ الحِسَان:
١٠٧٧ - عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسولَ اللهِوَّهِ يقولُ: ((الريحُ
من رَوْحِ الله تأتي بالرحمةِ وبالعذابِ، فلا تَسُبُّوها، وسَلُوا الله من خيرِها،
٢٩٢

وُوذُوا بهِ مِن شرِّها)).
((من الحسان)) :
((عن أبي هريرة أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم
يقول: الربح من روح الله»؛ أي: من رحمته.
((تأتي بالرحمة وبالعذاب)): قيل: الرياح ثمان، أربع للرحمة: الناشرات
والذاريات والمرسلات والمبشِّرات، وأربع للعذاب: العاصف والقاصف وهما
في البحر، والصَّرْصَر والعقيم وهما في البر، وإتيان الريح بالعذاب رحمةٌ
للمؤمنين من حيث إنهم خلصوا من أيدي الكفار الهالكين بالريح.
«فلا تسبوها» : بلحوق ضرر منها.
((واسألوا الله من خيرها، وعوذوا به من شرها)).
١٠٧٨ - وعن ابن عباس : أن رجلاً لعنَ الريحَ عندَ النبيِّي ◌َّه فقال:
(لا تَلَعِنُوا الريحَ، فإنها مأمورةٌ، وإنه مَن لعنَ شيئاً ليسَ له بأَهلِ رجعَتِ اللعنةُ
علیه»، غريب.
((وعن ابن عباس ﴾: أن رجلاً لعن الريح عند النبي عليه الصلاة
والسلام فقال: لا تلعنوا الربح فإنها مأمورة، وإنه))؛ أي: الشأن ((مَن لعن شيئاً
ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه))؛ أي: على اللاعن.
((غریب)).
١٠٧٩ - وعن أُبيِّ بن كَعْبٍ قال: قال رسولُ اللهِوَّهِ: ((لا تَسبُّوا الرِّيحَ،
٢٩٣

فإذا رأَيتُم ما تكرهونَ فقولوا: اللهم إنا نسألُكَ من خيرِ هذهِ الريحِ وخير ما فيها
وخيرِ ما أُمِرَتْ به، ونعوذُ بكَ من شرِّ هذه الريحِ وشرِّ ما فيها وشرِّ ما أُمِرَت
به».
((وعن أبي بن كعب أنه قال: قال رسول الله وَله: لا تسبوا الريح، فإذا
رأيتم ما تكرهون))؛ يعني: تأذَّيتم بشدة هبوبها.
((فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخيرٍ ما فيها وخيرٍ ما أُمرت
به، ونعوذ بك من شر هذه الربح وشر ما فيها وشرّ ما أُمرت به)».
١٠٨٠ - وعن ابن عباس ﴾﴾ قال: ما هَبَّت ريحٌ قطَّ إلا جَثَا النبيُّ وَلِّ على
ركبتَيهِ وقال: «اللهم اجعَلْها رحمةً ولا تجعَلها عذاباً، اللهم اجعلها رياحاً ولا
تجعلها ريحاً»
قال ابن عباس ﴾: في كتابِ الله لك: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾،
و﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَهِمُ الْرِيحَ الْعَقِيمَ﴾، وقال: ﴿ وَأَرْسَلْنَا الْرِّيَحَ لَوَقِّحَ﴾، ﴿أَنْ يُرْسِلَ
اُلْرَِّحَ مُبَشْرَةٍ﴾ .
((وعن ابن عباس أنه قال: ما هبت ربح قط إلا جثا النبي عليه الصلاة
والسلام))؛ أي: جلس ((على ركبتيه)): تواضعاً لله تعالى، وخوفاً من عذابه.
(قال: اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذاباً، اللهم اجعلها رياحاً ولا
تجعلها ريحاً): كلُّ ما كان بلفظ الجمع فهو رحمة، وما كان بلفظ المفرد فهو
عذاب.
قيل: العرب تقول: لا تُلْقَحُ السحاب إلا من رياح، فالمعنى: اجعلها
لقاحاً للسحاب ولا تجعلها عذاباً.
٢٩٤

((وقال ابن عباس: في كتاب اللّه ◌َكَّ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [فصلت:
١٦]»؛ أي: شدید البرد.
((و﴿أَرْسَلْنَا عَلَتِهِمُ الْرِيحَ اَلْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]»: وهو ما ليس فيه خير .
((وقال: ﴿وَأَرْسَلْنَا الْرِّيَحَ لَوَقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢])): جمع لاقحة، وهي
بمعنى مُلقحة؛ أي: تلقح الأشجار؛ أي: تجعلها حاملاً بالثمار.
﴿وَمِنْ ءَئِهِ: أَنْ يُرْسِلَ الْرِّيَاحَ مُبَشِّرَتٍ﴾ [الروم: ٤٦] أورد المؤلف تفسير ابن
عباس؛ لأجل قوله ◌َّيقول: (رياحاً) و(ريحاً).
وفيه نظر بقوله تعالى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم بِيجِ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢] وبقوله عليه
الصلاة والسلام: ((الريح من روح الله)) ونحو ذلك.
ويمكن أن يقال: إن الجمع لم يأت إلا في الرحمة، والمفرد أتى فيها وفي
العذاب.
١٠٨١ - عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: كان النبيُّ وَّهِ: إذا أَبصرْنا
شيئاً من السماءِ - تعني السحابَ - تركَ عملَهُ، واستقبَلَهُ وقال: ((اللهم إني أعوذُ
بكَ من شرِّ ما فيهِ))، فإن كَشَفَهُ الله حَمِدَ الله، وإن مطرَتْ قال: ((اللهم سُقْياً
نافعاً).
((عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: كان النبي - عليه الصلاة
والسلام - إذا أبصرْنا شيئاً من السماء، تعني السحاب)) سمي به؛ لأنه ينشأ في
الهواء؛ أي: یظهر.
((ترك عمله واستقبله، ثم قال: اللهم إني أعوذ بك من شر ما فيه، فإن
كشفه الله))؛ أي: أذهب ذلك السحاب ولم يمطر.
٢٩٥

«حمد الله)) علی ذهابه.
((وإن مطرتْ قال: اللهم سَقْياً))؛ أي: اسقنا سَقْياً ((نافعاً).
١٠٨٢ - عن ابن عمر له: أن رسولَ الله وَّرِ كانَ إذا سمعَ صوتَ الرعدِ
والصَّواعِقِ قال: ((اللهم لا تَقْتُلْنا بِغَضَبكَ، ولا تُهلِكنا بعذابكَ، وعافِنا قبلَ
ذلكَ)) .
((وعن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان إذا
سمع صوت الرعد)) بإضافة العامِّ إلى الخاص للبيان، فالرعد هو الصوت الذي
يُسمع من السحاب.
((والصواعق)): جمع صاعقة، وهي نار تسقط من السماء في رعد شديد،
فعلى هذا لا يصح عطفها على ما قبلها، وإن أريد بها صيحة العذاب صح عطفها
على (صوت الرعد)، وكذا إن أريد بها الصوت الهائل.
((قال: اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك)).
((غريب)).
٢٩٦

كتاب الجنائز
(٥)
٢٩٧

(٥)
كتاب الحَّانِ
(كتاب الجنائز)
١- بل
عِيَادة المَريض وثَواب المَرَض
(باب عيادة المريض وثواب المرض)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٠٨٣ - قال رسول الله وَاجٍ: ((أَطْعِموا الجائع، وعُودُوا المَريض، وفُكُّوا
العاني)).
((من الصحاح)):
((عن أبي موسى أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
أطعموا الجائع وعودوا المريض)) أمر من العيادة، ((وفكوا العاني))؛ أي: خلِّصوا
الأسير من يد العدو، وهذه الأوامر للوجوب إذا امتثل بها بعضٌ سقط عن
الباقين.
١٠٨٤ - وقال: ((حقُّ المُسلم على المُسلم خمسٌ: ردُّ السلام، وعيادةُ
٢٩٩

المَريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدَّعوة، وتشميت العاطِس)).
((عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: حق
المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز،
وإجابة الدعوة)) إذا لم يكن فيها معصية ((وتشميت العاطس)) وهو أن يقول لمن
عطس: يرحمك الله، بعد قوله: الحمد لله.
١٠٨٥ - وقال: ((حقُّ المُسلم على المُسلم سِتُّ: إذا لقيته فسلِّم عليه،
وإذا دعاك فأَجبْه، وإذا استنصحك فانصَح له، وإذا عَطَسَ فحمِد الله فشمِّته،
وإذا مَرِضَ فَعُدْهُ، وإذا مات فاتَّبعْه)).
((وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيتَه فسلّمْ عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا
استنصحك))؛ أي: طلب منك النصيحة ((فانصح له، وإذا عطس فحَمِدَ الله
فشمِّته، وإذا مرض فعُدْه، وإذا مات فاتَّبعه)».
١٠٨٦ - وقال البَراء بن عازِب: أَمَرَنا النبي ◌ِ ◌ّ بسبعٍ، ونَهانا عن سبعِ،
أَمَرَنا بعِيادةِ المريض، واتباعِ الجنائزِ، وتشميت العاطِسِ، وردِّ السلام، وإجابةٍ
الداعي، وإبرار المُقْسِم، ونصر المظلوم، ونهانا عن خاتَم الذهب، وعن
الحرير، والإِسْتَبْرَق، والدِّيياج، والمِيْثَرة الحمراء، والقَسِّيِّ، وآنيةِ الفضة.
وفي روايةٍ: وعن الشرب في الفضة، فإنه مَنْ شَرِب فيها في الدُّنيا، لم
يشرب فيها في الآخرة.
٣٠٠