النص المفهرس
صفحات 341-360
(فيشرب، وأتعَزَّقُ العَرْقَ)) بفتح العين وسكون الراء؛ أي: أَفْصِلُ اللَّحم بفمي مِن العَرْق، وهو العَظْم الذي عليه اللَّحْم، من قولك: عَرَقْتُ العظمَ أَعْرُقه - بالضم - إذا أكلتَ معظم اللحم الذي عليه. ((وأنا حائض، ثم أناوله النبي - عليه الصلاة والسلام -، فيضعُ فاه على موضع فِيَّ))، وهذا يدل على جواز مؤاكلة الحائض ومجالستها، وعلى أنَّ أعضاءَه من اليد والفم وغيرهما ليست بنجسة . ٣٨١ _ وقالت: كانَ النبيُّ ◌َ ﴿ يَتَّكِئُ في حَجْري وأنا حائضٌ، ثمَّ يقرأُ القُرآنَ. «وقالت عائشة: كان النبي - عليه الصلاة والسلام - ینَّكِئُ في حَجْرِي وأنا حائض، ثم يقرأ القرآن)). ٣٨٢ - وقالت: قالَ لي النَّبِيُّ ◌ِهِ: ((ناوِلِيني الخُمْرَةَ مِنَ المسجِدِ)»، فقلت: إنِّي حائضٌ! فقال: ((إنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ في يدِكِ)). ((وقالت: قال لي النبي - عليه الصلاة والسلام -: ناوليني))؛ أي: أعطيني. ((الخُمْرَة))، وهي - بالضم - سجادةٌ صغيرة تُعمَل من سَعَف النخل، وتُرمَل بالخيوط . (من المسجد))، حالٌ من النبي ◌َِّ، فتكون الخُمْرة في الحجرة والنبي - عليه الصلاة والسلام - في المسجد. ٣٤١ وقيل: حال من الخمرة، فيكون الأمر على العكس. ((فقلت: إني حائض فقال: إن حَيضتك))، بفتح الحاء: هي الدفعة من الدم. ((ليست في يدك))؛ يعني: ليست يدك نجسةً؛ لأنها لا حيض فيها. وروي بكسر الحاء، وهي الحالة التي تلزَم الحائض، معناه: أن حالتك ومجيء حيضتِك ليست بقدرتك واختيارك. ٣٨٣ - وقالت ميمونة رضي الله عنها: كانَ النبيُّ ◌َ﴿ يُصلِّي فِي مِرْطٍ، بعضُهُ عليَّ وبعضُهُ عليهِ، وأنا حائضٌ. ((وقالت ميمونة: كان رسول الله ﴿ يصلّي في مِرْطٍ))، وهو شِبْه ملحفة كساء من صوف أو خَزِّ أو غيره، تأتزر به المرأة، وربما ألقته على رأسها ويتلفَّعُ به . (بعضُه عليَّ وبعضُه عليه))؛ يعني: بعض المِرْط ألقاه على كتفه يصلِّي، وبعضُه عليّ. ((وأنا حائض)) ملتقَّةٌ به، وهذا يدل على أن أعضاء الحائض سوى الفرج طاهرةٌ، وإلا فالصلاة في مِرْط واحد بعضُه ملقَى على النجاسة، وبعضُه متصلٌ بالمصلي غير جائز. مِنَ الحِسَان: * * ٣٨٤ - قال أبو هُريرة ﴿ه، عن النبيِ وَّه قال: ((مَنْ أَتَى حائضاً أو امرأةً ٣٤٢ في دُبُرِها، أو كاهِناً فقدْ كَفَر بما أُنزِلَ على مُحَمَّدٍ))، ضعيف. ((من الحسان)): ((قال أبو هريرة عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: مَن أتى حائضاً)؛ أي: جامعَها، يشمل المنكوحةَ والأَمَّة وغيرهما، وكذلك قوله: ((أو امرأةً في دبرها، أو كاهناً)؛ أي: أتى كاهناً، وهو الذي يُخبر عن الكوائن في المستقبل، ويدَّعي معرفة الأسرار. ((فقد كفر بما أُنزِلَ على محمد)»، ويؤوَّل الحديث بالمستَحِلِّ والمُصَدِّق؛ لأن تحليل الحرام كفرٌ، وإلا يكون فاسقاً، فمعنى الكفر حينئذٍ كفرانُ نِعمة الله، أو إطلاق اسم الكفر عليه لكونه من خصال الكفار الذين عادتهم عصيان الله تعالی. (ضعيف)). ٣٨٦ - عن معاذ بن جبل به قال: سألتُ رسولَ الله ◌َ﴿ِ عمَّا يَحِلُّ للرجلِ مِنْ امرأتِهِ وهي حائضٌ؟ قال: ((ما فَوْقَ الإِزار، والتَّعفُّفُ عن ذلكَ أفضل)) إسناده ليس بقوي . ((وعن معاذ بن جبل أنه قال: سألت رسول الله وَل﴾ عما يحِلُّ للرجل من امرأته وهي حائض، قال: ما فوق الإزار والتعفّف))؛ أي: الاحتراز ((عن ذلك))؛ أي: عما فوق الإزار. (أفضل، إسنادُه ليس بقوي))، وحكمُه أيضاً ضعيفٌ لمَا مرَّ أنه - عليه الصلاة والسلام - أمرَ عائشة بالاتزار، ويباشِرُها فوق الإزار، ولو كان التعقُّف عما فوق الإزار أفضلَ لتعفَّفَ - عليه الصلاة والسلام - عن ذلك. ٣٤٣ ٣٨٥ - عن ابن عبّاس ◌ُ﴾ قال: قال رسول الله وَّهِ: ((إذا وقَعَ الرجلُ بأَهلِهِ وهي حائضٌ فَلْيَتَصَدَّقْ بنصْفِ دِینارٍ)). ويُروى: ((إذا كانَ دَماً أحمرَ فِيْنارٌ، وإذا كانَ أصفَرَ فِنِصْفُ دينارٍ)). ((عن ابن عباس عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: إذا وقعَ الرجلُ»؛ أي: جامعَ ((بأهله وهي حائضٌ فليتصدق بنصفٍ دينار))، وإنما أمره - عليه الصلاة والسلام - بالتصدُّق بطريق الاستحباب، وعليه الاستغفار. وبه ذهب مالك، والشافعي في قوله الجديد الأصح، وأبو حنيفة، وذهب أحمد بن حنبل والقول القديم للشافعي إلى أنه بطريق وجوب الكَفَّارة المذكورة. ((ويُروى: إذا كان دماً أحمرَ فدينارٌ)، وهذا لأن أقلَّ المقادير المتعلقة بالفروج عشرة دراهم، وهو دینار. ((وإنْ أصفرَ فنصف دينار))؛ لأن الصفرة متردِّدة بين الحمرة والبياض، فبالنظر إلى الثاني لا يجب بشيء، وبالنظر إلى الأول يجب الكل فينصف. ١٤ - باب المستحاضة (باب المستحاضة) مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٨٧ - قالت عائشة رضي الله عنها: جاءتْ فاطمةُ بنتُ أبي حُبَيْشٍ رضي الله عنها إلى النبيِّ ◌َّ﴿ فقالت: يا رسولَ الله! إنِّي امرأةٌ أُسْتَحاضُ فلا أَطْهُرُ، أَفْدَعُ الصَّلاةَ؟ فقال: ((لا، إنَّما ذلك عِرْقُ وليسَ بحَيْضِ، فإذا أقبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعي الصَّلاةَ، وإذا أدبَرَتْ فاغسِلي عنكِ الدَّمَ ثمَّ صَلِّي)). ٣٤٤ ((من الصحاح)): ((قالت عائشة - رضي الله عنها -: جاءت فاطمةُ بنت أبي حُبَيْش إلى النبي - عليه الصلاة والسلام - فقالت: يا رسول الله! إني امرأة أُسْتَحاض))، بصيغة المجهول، يقال: استحيضت المرأةُ فهي مستحاضةٌ: إذا استمرّ بها الدم بعد أيامها . ((فلا أَطْهُر، أفأدع الصلاة؟))، بهمزة الاستفهام؛ أي: أفأتركُها. ((فقال: لا))؛ أي: لا تدَعيها. «إنما ذلك))؛ أي: الذي تشتکینه. ((عِرْقٌ)) قد انشق، وانفجرَ منه الدم، ((وليس بحيض))، فإنَّ دم الحيض دمٌ تميزه القوة المولَّدة بإذن خالقها لأجل الجنين، وتدفعُه إلى الرَّحِم في مجاريه المعتادة ويجتمع فيه، ولذا سُمي حيضاً من قولهم: استحوض الماء: إذا اجتمع، فإذا کثر وامتلأ ولم یکن فیه جنین، أو کان أكثر مما يحتمله انصبّ منه. ((فإذا أقبلتْ حِيضَتُك))، بالكسر، قيل: اسمٌ للحيض بأن كانت المرأة معتادة؛ أي: إذا كان أيام حيضتك. ((فَدَعِي الصلاة، وإذا أدبرت))؛ أي: تولت حيضتُك، وجاوزَ دمك أيامَ عادتك . ((فاغسلي عنك الدم))؛ أي: دمَ الاستحاضة، واغتسلي مرة واحدة. (ثم صلِّي))، قال الشافعي: تغسِلُ فرجَها لكل صلاة مفروضة. وعند أبي حنيفة: لوقت كل صلاة، وتشدُّه بعصابة، وتتوضأ، وتستعجل في أدائها، وهي معذورة في جريان الدم فيها. ٣٤٥ مِنَ الحِسَان: ٣٨٨ - عن عُرْوة بن الزُّبَيْرِ﴾ قال: قال النبيُّ ◌َلِ﴿ لفاطمة بنت أبي حُبَيْشٍ رضي الله عنها: ((إذا كانَ دُ الحَيْضِ فإنَّه دَمٌ أسْوَدُ يُعْرَفُ، فإذا كانَ ذلكَ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلاةِ، فإذا كانَ الآخَرُ فَتَوَضَّئي وصَلِّي، فإنَّما هو عِرْقٌ)). ((من الحسان)) : ((عن عروة بن الزُّبير أنه قال: قال رسول الله وَلِ لفاطمة بنت أبي حُبَيش: إذا كان دمُ الحَیْض»، (كان) هذه تامة. ((فإنه دمٌّ أسودُ»، وذلك باعتبار الأغلب، وإلا فقد يكون أحمر وغيره. (يُعرَف))؛ أي: يعرفه النساء، فإن المستحاضة إذا كانت ذاتَ تمييز، بأن ترى في بعض الأيام دماً أسود، وفي بعضها دماً أحمراً أو أصفر، فالدم الأسود حَيضٌ بشرط ألاَّ ينقص من يوم وليلة، ولا يزيد على خمسة عشر يوماً. ((فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة»؛ أي: اتركيها. ((وإذا كان الآخر))؛ بأن كان دماً أحمرَ أو أصفرَ فدمُ استحاضة، بشرطِ ألاَّ ينقض الدم الأحمر أو الأصفر الواقعُ بين أسودين عن خمسةَ عشر يوماً، فإذا كان كذلك ((فتوضَّئِي وصلِّي، فإنما هو عِرْقٌ)) منشقٌّ، فإذا زال شرطٌ من هذه الشروط فليست بمميزة، فإذا كانت كذلك، أو فقدت شرطَ تميزها فليس لها عادة، أو كان فنسيتها تجعل حيضها في أول كل شهر يوماً وليلة في قول، وستة أو سبعة في قول، ثم تؤمَر بالوضوء والصلاة إلى آخر الشهر. ٣٨٩ - عن أُمّ سَلَمَةَ رضي الله عنها: أنَّ امرأةٌ كانتْ تُهراقُ الدَّمَ على عهدٍ رسولِ الله ◌َّهِ، فاسْتَفْتَتْ لها أُمُّ سَلَمَةَ رضي الله عنها النبيَّ وَّهِ، فقال: ((لِتَنْظُرَ ٣٤٦ عددَ اللَّيالي والأيَّامِ التي كانتْ تَحيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أنْ يُصيبَها الذي أصابَها، فلتُتْرُكُ الصَّلاةَ قَدْرَ ذلكَ مِنَ الشَّهْرِ، فإذا خلَّفَتْ ذلكَ فَلْتَغْتَسِلْ، ثمَّ لِتَسْتَغْفِرْ بَثَوْبٍ، ثمَّ لِتُصلِّي)). (عن أم سلمة أن امرأة كانت تُهراقُ)) على بناء المجهول؛ أي: تُهرَاقُ هی. ((الدَّمَ))، بالنصب على التشبيه بالمفعول؛ أي: صيرت ذات هراقة الدَّم، أو على التمييز، وإن كان معرفة بزيادة اللام، ويجوز الرفع على تقدير تهراق دماؤُها؛ أي: ينصَبُّ، واللام بدل من الإضافة، يعني: صارت مستحاضة. ((على عهد رسول الله (﴿)، وكانت معتادة. ((فاستفتَتْ لها))؛ أي: سألت لهذه المرأة. (أُ سَلَمة النبيَّ - عليه الصلاة والسلام - فقال: لتنظُرْ عددَ الليالي والأيام التي كانت تحيضُهنَّ))، مِن باب إجراء المفعول فيه مُجرى المفعول به؛ أي: تحیضُ فیھنَّ. ((من الشهر قبلَ أن يُصيبَها الذي أصابها))؛ أي: قبل إصابة الاستحاضة. ((فلتترُك الصلاة قدرَ ذلك))؛ أي: قَدْرَ عادة حَيْضها ((من الشهر، فإذا خَلَّفَتْ ذلك))؛ أي: جاوزت ذلك القَدْر ودخلت في أيام الاستحاضة «فلتغتسِل، ثم لتَسْتَغْفِر)»؛ أي: لتشُدَّ فَرْجَها ((بثوبٍ))، وكيفيتُه: أن تشدَّ المرأة ثوباً بين رِجْلَيها بحيث يكون دُبُرها وفرجُها مشدوداً مِن خلف، ويكون أحد طرفي ذلك الثوب مشدوداً من خلف دبرها إلى وسَطِها، والطرف الآخر من قُبُّلها إلى وسطها منه مشدوداً أيضاً. ٣٤٧ (ثم لتصلِّ))، وفيه دليل: أن المستحاضة يجب عليها أن تَسْتَثْفِرَ، وأن تعالجَ نفسها بما يسدُّ المَسْلَك. * ٣٩٠ - ويُروى عن عَديٍّ بن ثابتٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النبيِّ وَّر أنه قال في المُستَحاضة: ((تَدَعُ الصَّلاةَ أَيَّامَ أَقرائها التي كانتْ تَحيضُ فيها، ثمَّ تغتسِلُ وتتوضَّأُ عندَ كُلِّ صلاةٍ، وتصومُ وتُصلِّي)). («ويُرْوَى عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده ﴿ه، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال في المستحاضة: تدع الصلاة))؛ أي: تتركُها. (أيامَ أَقْرائِها))، جمع قُرْء، وهو مشترك بين الخَيْضِ والطُّهْر، والمراد به هنا الحيض بقرينة وصفِها بقوله: ((التي كانت تَحيض فيها، ثم تغتسلُ وتتوضَّأ عند كل صلاة، وتصوم وتصلي». ٣٩١ - وقالت حَمْنَةَ بنت جَحْش: كُنْتُ أُستَحاضُ حَيْضةً كثيرةً شديدةً، فجئتُ إلى النبيِّ وَّهِ أَسْتَفْتيه، فقال: ((إنِّي أنْعَتُ لكِ الكُرْسُفَ، فإنَّه يُذْهِبُ الدَّمَ)، فقلتُ: هو أكثرُ مِنْ ذلكَ، قال: (تَلَجَّمي))، قلتُ: هو أكثرُ من ذلك، إنما أُنُجُّ نَجّاً، قال: ((إنَّما هيَ رَكْضَةٌ مِنْ رَكَضاتِ الشَّيطانِ، فَتَحَيَّي سِتةَ أَيَّامٍ أو سَبْعَةَ أَيَّامٍ في عِلْمِ الله، ثمَّ اغْتَسِلي، فَصَلِّي أَرْبَعاً وعشرينَ ليلةً وأيَّامَها، أو ثلاثاً وعشرينَ ليلةً وأَيَّامَها، وصُومي، وكذلك افعَلي في كُلِّ شَهْرٍ كما تحيضُ النساءُ وكما يَطْهُرْنَ، ميقاتَ حَيْضِهِنَّ وطُهْرِ هِنَّ». ٣٤٨ وفي روايةٍ: ((وإنْ قَوِيتٍ على أنْ تُؤْخِّري الظُّهْرَ وتُعَجِّلي العَصْرَ فَتَغْتَسِلينَ وتجمعينَ بينَ الصَّلاتينِ، وتُؤْخِّرِينَ المغْرِبَ وتُعجِّلينَ العِشاءَ، ثم تَغْتَسِلينَ وتجمعينَ بينَ الصَّلاتينِ فافعلي، وصُومي إنْ قَدَرْتٍ على ذلك))، قال رسولُ اللهِ﴾: ((وهذا أَعجَبُ الأَمرَيْنِ إليَّ)). (وقالت حَمْنَةً بنت جَحْش: كنت أُسْتحاضُ حيضةً كثيرةً شديدةً))؛ يعني: يجري دمي أشدَّ جرياً من دم الحيض، والكثرةُ من حيث الوقتُ والدم. ((فجئت إلى النبي - عليه الصلاة والسلام - أستفتيه))؛ أي: أسأله عن حکمها . ((فقال: إني أَنْعَتُ))؛ أي: أصِفُ ((لك الكُرْسُفَ))، وهو القطن، لتعالجَ به مقطر الدم. ((فإنه يُذْهِبُ الدم))؛ يعني: استعمليه لعلَّ دمك ينقطع، إنما أمرَها - عليه الصلاة والسلام - باستعمال الكُرْسُف؛ لأنه ظنَّ أن دمها ليس بشديد الجريان. ((فقلت: هو أكثرُ من ذلك))؛ أي: من أن ينقطعَ بالكُرْسُف. ((قال: تَلَجَّمِي))؛ أي: شُدِّي خِرقةً على هيئة اللِّجام كالاستثفار. (فقلت: هو أكثرُ من ذلك، إنما أَنُجُّ ثَجّأ))؛ أي: أصبُّ الدمَ صباً. ((قال: إنما هي)؛ أي: هذه الحالة، أو هذه العِلَّة ((رَكْضَةٌ))؛ أي: مرة من الرَّكْض، وهو ضربُ الأرض بالرجل حال العدو. ((من ركضات الشيطان))؛ يعني: هذه الحالة مما وجدَ الشيطان إليك سبيلَه، ومراده بأن يحيرَك في أمر دينك من الصلاة والصوم وغير ذلك، ويأمرك بتر کھما . وإنما أضاف إلى الشيطان؛ لأنه قد وجدَ بذلك طريقاً إلى التَّلْبيس عليها ٣٤٩ في أمر دينها وقتَ طُهْرها وصلاتها وصومها حتى أنساها ذلك، فصار كأنها رکضةٌ نالتها من ركضاته . (فَتَحيَّضي))؛ أي: اقعدي أيام حَيْضَتك عن الصلاة فيها، واجعلي نفسك حائضاً. (ستةَ أيام أو سبعةً أيام))، قيل: شكٌّ من الراوي، وقيل: للتخيير، وقيل: على معنى اعتبار حالها بحال مَن هي مثلُها ومثل سِنِّها من نساء أهل بيتها، فإنْ كانت عادةُ مثلِها ستاً فسِتّاً، وإن كانت سبعاً فسبعاً. وقيل: كانت معتادةً نسيت أن عادتها ستاً كانت أو سبعاً، فأمرها - عليه الصلاة والسلام - أن تتحرى وتجتهد وتبني على ما تيقّنت من أحد العددین بدلیل قوله: ((في علم الله))؛ أي: فيما علم الله تعالى من أمرك. ((ثم اغتسلي فصلِّي أربعاً وعشرين ليلةً وأيامها)) إن كانت مدة الحيض ستةً. ((أو ثلاثاً وعشرين ليلة وأيامها)) إن كانت سبعة. ((وصومي، وكذلك افعلي في كل شهر كما تحيضُ النساء وكما يطْهُرْن))؛ يعني: اجعلي حيضتَك بقدر ما يكون عادة النساء من ست أو سبع، وكذلك طهرك بقدر ما يكون عادة النساء من ثلاث وعشرين، أو أربع وعشرين. ((ميقات حيضهن وطهرهن))، نصب على الظرف، يعني: إن كان وقتُ حيضهن في أول الشهر فليكنْ حيضكِ في أول الشهر، وإن كان في وسطه أو آخره فلیکن حیضك في ذلك الوقت. ١ ((وفي رواية: وإن قدرتِ على أن تؤخِّري الظهر وتُعجِّي العصرَ فتغتسلين وتجمعین بین الصلاتين)) بغسل واحد. ٣٥٠ ((فافعلي، وصُومي إن قدرتِ على ذلك))، رَخَّصَ - عليه الصلاة والسلام - لها في الجمع بين الصلاتين، لمَّا رأى أن الأمر قد طال بها، وقد جَهَدَها الاغتسالُ لكل صلاة كالمسافر، رُخِّص له في الجمع بين الصلاتين لما يلحقه من مشقة السفر. ((قال رسول الله صل جر: وهذا))؛ أي: أمر الاستحاضة. ((أعجَبُ الأمرين إلي))، وهما السفر والاستحاضة. ٣٥١ (٤) كتاب الصلاة سنســ ٣٥٣ (٤) كتاب الصلاة (كتاب الصلاة) اشتقاقها من الصِّلى وهو دخول النار، والخشبة إذا تعوَّجت عُرضت على النار فتقوَّم، وفي العبد اعوجاج لوجود نفسه الأمّارة بالسوء، والمصلِّي يصيبه من وهج السطوة الإلهية والعظمة الربانية ما يزول به اعوجاجُه، فهو كالمصطلِي بالنار، ومن اصطلى بنار الصلاة وزال بها اعوجاجه لا يُعرض على النار ثانية إلا تَحِلَّةَ القسم. مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٩٢ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وٍَّ: ((الصَّلواتُ الخَمْسُ، والجُمعةُ إلى الجُمعةِ، ورمضانُ إلى رمضانَ، مُكَفِّراتٌ لمَا بينهُنَّ إذا اجْتَنَبَ الكبائر)). ((من الصحاح)): ((عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله وَ﴾: الصلواتُ الخمس، والجمعةُ إلى الجمعة، ورمضانُ إلى رمضان مكفِّرات لما بينهن))، روي: بالإضافة وغيرها؛ أي: الصلوات الخمس مكفِّرةٌ في حق مَن يحافظ عليها، وفي حق الجمعة، والجمعة في حق مَن لم يحافظ عليها، ورمضان في حق من لم ٣٥٥ يحافظ عليهما؛ لئلا يردّ أن الخمس إذا كفرت فماذا يكفر الجمعة، أو رمضان بالنسبة إليهما، أو معناه: أن المجموع مكفِّرات لذنوبه الصغائر. ((إذا اجتنبت الكبائر))، على صيغة الماضي المجهول، يعني: إذا اجتنب المصلي والصائم عن الكبائر حتى لو أتاها لا يغفر شيءٌ مما بينهن. قال الله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ مَا نُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، وإنما قال: (إذا) دون (إن)؛ لأن الغالب من المسلم الاجتناب عن الكبائر. ٣٩٣ - وقال: «أَرأيتُمْ لو أنَّ نهراً ببابِ أحدِكُمْ يَغتسِلُ فيهِ كُلَّ يومٍ خَمْساً، هل يَبقى مِنْ دَرَنِه شيءٌ؟))، قالوا: لا، قال: ((فذلكَ مَثَلُ الصَّلواتِ الخَمْسِ یمحُو الله بهِنَّ الخطايا)، رواه أبو هريرة «څ. ((وعنه عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: أَرَأَيْتُم))؛ أي: أخبروني . (لو أنَّ نهراً بباب أحدكم يغتسلُ فيه كل يوم خمساً هل يبقى من درنه))؛ أي: وسخه، (من) فیه زائدة. ((شيء؟ قالوا: لا))؛ أي: لا يبقى شيء. ((قال: فذلك))؛ أي: النهر المذكور. ((مَثَلُ الصلواتِ الخمس يمحو الله بهن الخطايا))؛ جمع خطيئة وهي الذنب؛ أي: يزيل ويغفر ببركة صلوات الخمس الذنوبَ الصغائر. ٣٥٦ ٣٩٤ - عن ابن مَسْعود ه: أنَّ رَجُلاً أَصابَ مِنْ امرأةٍ قُبْلةً، فأتى النَّبِيَّ ◌َم فأخبَرَهُ، فأنزلَ الله تعالى: ﴿ وَأَقِمِ الضَلَوَةَ طَرَفَ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ آَلَيْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، فقالَ الرَّجُلُ: يا رسولَ الله! ألي هذا خاصةً؟ قال: («لجميع أُمَّتي کُلِّهم». وفي روايةٍ: (لَمِنْ عملَ بها مِنْ أُمَّتِي)) . ((وعن ابن مسعود: أن رجلاً أصاب من امرأة)»، حال من قوله: (قُبْلَة))، قيل: ذلك الرجل أبو اليَسَر كعب بن عمرو(١) الأنصاري، صحابي مشهور كان يبيع التمر، فأتته امرأة فأعجبته، فقال لها: إن في البيت أجودَ من هذا التمر، فذهب بها إلى بيته فضمَّها إلى نفسه وقبَّلَها، فقالت: اتقِ الله، فندم. ((فأتى النبيَّ - عليه الصلاة والسلام - فأخبره))، فقال النبي - عليه الصلاة والسلام -: أنتظر أمر ربي، فصلى العصر معه. ((فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَي التَّهَارِ﴾))، قال مقاتل: صلاة الفجر والظهر طرف، وصلاة العصر والمغرب طرف، وقيل أحد طرفيه صلاة الصبح والطرف الآخر صلاة الظهر والعصر؛ لأن ما بعد الزوال من العشي. ﴿وَزُلَفَّا مِّنَ الَّيْلِّ﴾، جمع زُلْفة، وهي قطعة من الليل، والمراد صلاة العشاء، يعني: مَن صلى هذه الصلوات الخمس يُغفَر صغائر ذنوبه. ((﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، فقال الرجل: يا رسول الله! ألي هذا؟))؛ أي: هذه الآية مختصة بي أم لجميع المسلمين؟ . ((قال: لجميع أمتي كلِّهم)). (١) في ((م) و(غ)): ((أبو اليَسَر عمرو بن غَزِية)). ٣٥٧ ((وفي رواية: لمن عمل بها من أمتي)). ٣٩٥ - عن أنس ﴿ه قال: جاء رجلٌ إلى النبيِ وَّه فقال: يا رسولَ الله! إِنِّي أَصَبْتُ حدّاً فأقِمْهُ عليَّ، ولم يسألهُ عنه، وحضَرَتِ الصَّلاةُ، فصلَّى مَعَ رسول الله ﴿، فلمَّا قضى النَّبِيُّ وَّهِ الصَّلاةَ قامَ الرجُلُ، فقال: يا رسولَ الله! إِنِّي أصَبْتُ حدَّاً فأقِمْ فيَّ كتابَ الله، قال: ((أليسَ قَدْ صلَّيْتَ معنا؟))، قال: نعم، قال: ((فإنَّ الله قَدْ غَفَرَ لكَ ذنبَكَ أو حدَّكَ». ((عن أنس أنه قال : -: جاء رجل فقال: يا رسول الله! إني أصبتُ حَداً). من باب إطلاق اسم المسبب على السبب؛ أي: فعلت شيئاً يوجِب الحَدَّ . ((فأقمه عليَّ))، قال أنس: ((ولم يسأله))؛ أي: النبي - عليه الصلاة والسلام - ذلك الرجل ((عنه))؛ أي: ذلك الذنب، قيل: لأنه - عليه الصلاة والسلام - عرف ذنبه، وغفرانه بطريق الوحي. ((وحضرت الصلاة، فصلى مع رسول الله وَ لخير، فلما قضى النبي - عليه الصلاة والسلام - الصلاةَ قام الرجلُ فقال: يا رسول الله! إني أصبتُ حَدّاً، فأقمْ فيَّ كتاب الله))؛ أي: أقم عليَّ الحدَّ الذي ثبتَ بكتاب الله تعالى. ((قال: أليس قد صليتَ معنا؟ قال: نعم، قال: فإن الله تعالى قد غفر لك ذنبك أو حَدَّك)»، شكٌّ من الراوي، فيه دليل على أن الصغائر تُكفّر بالحسنات، وكذا ما خَفِيَ من الكبائر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. وقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((أتبع الحسنةَ السيئةَ تَمْحُها))، وخطيئة ٣٥٨ هذا الرجل في حكم المخفيِّ؛ لأنه ما بينها، أو يكون غفران الكبائر منه بأداء الصلاة حكماً مختصاً به. ٣٩٦ _ وقال عبدالله بن مَسْعود ﴾: سألتُ رسولَ اللهِ وَ اهُ: أَيُّ الأعمالِ أحَبُّ إلى الله؟ قال: ((الصَّلاةُ لوقتِها)»، قلتُ: ثمَّ أيُّ؟ قال: ((برُّ الوالِدَيْنِ))، قلتُ: ثمَّ أَيُّ؟ قال: ((الجهادُ في سبيلِ الله))، قال: حدَّثَنِي بهنَّ، ولو استَزَدْتُهُ لزادَتي. ((وقال عبدالله بن مسعود: سألت النبي - عليه الصلاة والسلام - أي الأعمال أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة لوقتها))؛ أي: أداؤها في أول وقتها. ((قلت: ثم أي؟))؛ أي: أيها أحبُّ؟ ((قال: بِرُّ الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهادُ في سبيل الله (88))، وفي حديث أبي ذَر حين سأل: أي العمل خير؟ قال: ((إيمانٌ بالله، وجهادٌ في سبيل الله)). وقيل في حديث عائشة: ((أحسنُ الأعمال الحجُّ)، وغير ذلك من الأحاديث الواردة في أفضل الأعمال. فالتوفيق بين هذه الأحاديث: أنه - عليه الصلاة والسلام - أجاب في كلِّ منها بما كان موافقاً لغرض السائل، أو ترغيباً له فيما هو بصدده، أو إرشاداً له إلى ما هو الأصلح. ((قال)): ابن مسعود، ((حدَّثَنَي))؛ أي: النبي وََّ، ((بهنَّ)؛ أي: بالمذكورات من الأفضل فالأفضل. ((ولو استزدتُه))؛ أي: لو سألتُه أكثرَ من هذه ((لزادني)) في الجواب. ٣٥٩ ٣٩٧ - وقال: ((بينَ العبدِ وبينَ الكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاة))، رواه جابر. ((وعن جابر أنه قال: قال رسول الله وَّه: بينَ العبدِ وبين الكُفْرِ تَرْكُ الصلاةِ))، متعلق (بين) محذوف، تقديرُه: تركُها وصلةٌ بينه وبين الكفر؛ أي: يوصله إليه؛ لأن إقامتها هي الخصلة الفارقةُ بين الفئتين، فالتهاون بحفظها يكاد يُفضي بصاحبه إلى حد الكفر . ومن العلماء من كفَّر تاركها، ومنهم مَن لم يكفِّر، وحملوا الحديث على تركها جحوداً، أو على الزَّجْر والوعيد. مِنَ الحِسَان: ٣٩٨ _ عن عُبادة بن الصامته قال: قال رسول اللهصل﴾: ((خَمْسُ صَلواتٍ افترضَهُنَّ الله تعالى، مَنْ أحسَنَ وُضُوءَهُنَّ، وصَلَّهُنَّ لوقتِهِنَّ، وأتمّ رُكُوعَهُنَّ وخُشُوعَهُنَّ؛ كانَ لهُ على الله تعالى عهدٌ أنْ يغفرَ له، ومَنْ لمْ يفعلْ فليسَ له على الله عهدٌ، إنْ شاءَ غفرَ له، وإنْ شاءَ عذَّبَه)). ((من الحسان)): ((عن عبادة بن الصامت أنه قال: قال رسول الله وٌَّ: خمس صلواتٍ افترضهنَّ الله تعالى، مَنْ أحسنَ وُضوءَهنَّ»، إحسانه إكمالُه بمراعاة فرائضه وسننه وآدابه . (وصلاًهنَّ لوقتهن، وأتمّ ركوعهنَّ وخشوعهنَّ))، وهو حضور القلب وطمأنينةُ الأعضاء، والتواضع. ((كان له على الله عهدٌ))؛ وهو حفظ الشيء ومراعاتُه حالاً فحالاً. ((أن يغفرَ له))، خبر مبتدأ محذوف، والجملة صفة (عهد) أو بدل منه، أو ٣٦٠