النص المفهرس
صفحات 121-140
((فجاء بنو آدم على قدر الأرض))؛ أي: على لون الأرض وطبعها. (منهم الأحمر والأبيض والأسود)) بحسب لون ترابهم. ((وبين ذلك))؛ أي: بين الأحمر، والأبيض، والأسود باعتبار أجزاء أرضه. ((والسهل)) وهو اللين، ((والحزن)) وهو الغليظ، ((والخبيث)) المراد: خبث الخصال، ((والطيب))؛ أي: طيب الخصال، على طبع أرضهم، وكل ذلك بتقدير الله لوناً وطبعاً وخلقاً. ٧٩ - وعن عبدالله بن عَمْرو﴿﴾ قال: سمعتُ رسولَ اللهِوَه يقول: ((إنَّ الله تعالى خلَقَ خلقَهُ فِي ظُلْمَةٍ، فألقَى عليهِمْ مِنْ نُورِهِ، فمَنْ أصابَهُ مِنْ ذلكَ النُّورِ اهْتَدَى، ومَنْ أخطأهُ ضَلَّ، فلذلكَ أقولُ: جفَّ القلمُ على عِلمِ اله». ((وعن عبدالله بن عمرو قال: سمعت رسول الله وَ﴾ يقول: إن الله خلق خلقه)) من الجن والإنس ((في ظلمة))؛ أي: كائنين فيها، والمراد: ظلمة الطبيعة من الميل إلى الشهوات، والركون إلى المحسوسات، والغفلة عن أسرار عالم الغيب . ((فألقى عليهم من نوره)) صفة لمفعول محذوف؛ أي: ألقى عليهم شيئاً من نوره، فيكون (من) للبيان، ويجوز أن يكون للتبعيض، والمراد منه: نور الإيمان وتوفيق الطاعة وقبول الشريعة . ((فمن أصابه من ذلك النور اهتدى))؛ أي: إلى طريق الحق وخرج من ظلمة الطبيعة إلى نور الإيمان. ((ومن أخطأه))؛ أي: جاوزه ولم يصل إليه من ذلك النور. ١٢١ ((ضل))؛ أي: خرج من طريق الحق، فبقي في ظلمة الهواء الإنسانية (١) والجهل والتكبر وغير ذلك من الخصال المذمومة. ((فلذلك))؛ أي: من أجل أن الاهتداء والضلال قد جرى في الأزل. ((أقول: جف القلم على علم الله))؛ أي: على ما علمه في الأزل. ٨٠ - قال أنس : كان رسول الله وَ﴾ يُكثرُ أنْ يقول: ((يا مُقلِّبَ القُلوبِ! نَبتْ قلبي على دينِكَ))، فقلتُ: يا نبيَّ الله! آمنًّا بِكَ، وبما جئتَ بِهِ، فهلْ تخافُ علينا؟ قال: ((نعمْ، إنَّ القُلوبَ بين أَصْبُعَيْنِ مِنْ أصابعِ الله يُقَلِبُّهَا کیف یشاءُ» . ((وقال أنس ﴿ه: كان رسول الله وَط﴿ يكثر أن يقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، فقلت: يا نبي الله! آمنا بك وبما جئت به)) ليس قولك هذا لأجل نفسك؛ لأنك معصوم عن الخطأ والزلة خصوصاً عن تقلب قلبك عن الدين، وإنما المراد تعليم أمتك. ((فهل تخاف علينا)) من أن نرتد عن الدين بعد أن آمنا بك. ((قال: نعم))؛ يعني: أخاف عليكم. ((إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء)) مفعول مطلق؛ أي: يقلِّبها تقليباً يريده، أو حال من الضمير المنصوب؛ أي: يقلبها على أيٍّ صفة شاء . (١) في ((ت)): ((النفسانية)). ١٢٢ ٨١ - وقال: ((مَثَلُ القَلْبِ كِرِيْشةٍ بأرضٍ فَلَاةٍ تُقَلَّبُها الرياحُ ظَهْراً لِبَطْنٍ)»، رواه أبو موسى الأشعري ((وعن أبي موسى أنه قال: قال رسول الله خلفه: مثل القلب كريشة)) هي واحدة الريش الذي للطائر. ((بأرضٍ فلاةٍ) صفة (أرض)؛ أي: مفازة خالية من النبات والشجر. ((تقلبها))؛ أي: تلك الريشة. (الرياح ظهراً) بدلٌ من الضمير المنصوب بدلَ البعض من الكل. (بطن)) اللام هنا بمعنى إلى، يعني: تقلبها الرياح [من] ظهر إلى بطن، ومن بطن إلى ظهر كل ساعة يقلبها على صفة، فكذلك القلوب تنقلب ساعة من الخير إلى الشر، وساعة من الشر إلى الخير. ٨٢ - عن علي ﴿ه قال: قال رسول الله وَله: ((لا يُؤْمنُ عبدٌ حتَّى يُؤْمنَ بأربع: يشهدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله، وأنِّي رسولُ الله بعثَنَي بالحقِّ، ويؤمنَ بالموتِ، وبالبعْثِ بعدَ الموتِ، ويؤمنَ بالقَدَرِ)). ((وعن علي ظه أنه قال: قال رسول الله (*): لا يؤمن عبد)) نفي الأصل الإيمان . ((حتى يؤمن بأربع)) فمن لم يؤمن بواحدة منها لم يكن مؤمناً. (یشهد» بالنصب بدل من (يؤمن). ((أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله بعثني بالحق)) على كافة الجن والإنس. (ويؤمن بالموت))؛ أي: يعتقد فناء الدنيا وأهلها، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ ١٢٣ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] و﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ﴾ [القصص: ٨٨] لا كما ذهب الدهري من قدم العالم وبقائه، أو الإيمان بالموت اعتقاده أن الموت يحصل بأمر الله، لا کمن زعم أنه يحصل بفساد المزاج. ((وبالبعث))؛ أي: يعتقد أن الله يحشر الناس ((بعد الموت)): ويجمعهم في العرصات للحساب والجزاء. ((ويؤمن بالقدر))؛ أي: يعتقد أن جميع ما يجري في العالم بقضاء الله تعالی وقدره. ٨٣ - عن ابن عبَّاسِ﴾ قال: قال رسول الله وَّهِ: ((صِنْفَانٍ مِنْ أُمَّتِي ليسَ لهما في الإِسلامِ نَصيبٌ: المُرْجِئَةُ والقَدَرِيَّةُ))، غريب. ((وعن ابن عباس ظه أنه قال: قال رسول الله وَله: صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب)» والمراد: سوء حظهم لقلَّته، لا تكفيرهم، كما يقال للمتموِّل البخیل : ليس له من ماله نصيب؛ أي: نصیب کامل. ((المرجئة)) بالهمزة من الإرجاء وهو التأخير، وهم الذين يقولون: الإيمان إقرار باللسان من غير عمل، سُموا بذلك؛ لتأخيرهم العمل. وقيل: المرجئة هم الجبرية، وهذا أصح، وهم الذين يقولون: إن الأفعال والأقوال كلها بتقدير الله وليس للعباد فيها اختيار، وأنه لا تضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة . ((والقدرية)) بفتح الدال وسكونها: هم المنكرون للقدر، القائلون بأن أفعال العباد مخلوقة بقدرته ودواعيهم لا بقدرة الله وإرادته، وإنما نُسبت هذه ١٢٤ الطائفة إلى القدر؛ لأنهم يبحثون في القدر كثيراً. ((غریب)). ٨٤ - عن ابن عمر ﴾ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَّه يقول: ((يكونُ في أُمَّتِي خَسْفٌ ومَسْخٌ، وذلكَ في المكذِّبِينَ بِالقَدَرِ)». ((وعن ابن عمر أنه قال: سمعت رسول الله وَلفي يقول: يكون في أمتي خسف)) وهو أن يدخل الله أحداً في الأرض كقارون. ((ومسخ)): وهو أن يغير الله صورةَ إنسانٍ على غير صورته كما فَعَلَ بقوم من بني إسرائيل فجعلهم قردة وخنازير. ((وذلك))؛ أي: الخسف والمسخ. ((في المكذبين بالقدر)) وإنما عاقبهم الله بهما لأنهم بإضافتهم الكوائن إلى غير الله محقوا خلق الله ومسخوا صور خلقه، فجازاهم الله بمحقٍ ومسخ. وقيل: معناه: إن يكن الخسف والمسخ في أمتي كانا في المكذبين بالقدر؛ لأن هذه الأمة مأمونة منهما، وقيل: محمول على الزجر والوعيد. ٨٥ - وعنه، عن رسول الله وَ﴿ قال: ((القَدَرِيَّة مَجُوسُ هذهِ الأُمَّة، إِنْ مَرِضُوا فلا تعودُوهم، وإنْ ماتُوا فلا تشهدُوهم). ((وعنه، عن النبي - عليه الصلاة والسلام - قال: القدرية مجوس هذه الأمة)): سماهم مجوساً لأن قولهم يشبه قول المجوس، فإنهم يقولون: الخير من فعل النور، والشر من فعل الظلمة، كذلك القدرية يقولون: الخير من الله، ١٢٥ والشر من الشيطان، أو من النفس، فصار مذهبهم مضاهياً لمذهب المجوس من حیث إضافة الكوائن إلی إلهین. ((إن مرضوا فلا تعودوهم)) فإنهم ظهر بينكم وبينهم عداوة ومخالفة في الاعتقاد، فلا يجوز مقاربتهم ومجالستهم. (وإن ماتوا فلا تَشهدوهم))؛ أي: فلا تحضروا جنائزهم للصلاة، فالنهي محمول على الزجر وتقبيحِ اعتقادهم على قولِ مَن لم يَحكُم بكفرهم، وعلى الحقيقة على قول من حكم بكفرهم. ٨٦ - وعن عمر ﴿ه، عن النبيِّ وَ﴿ قال: ((لا تُجالسوا أهلَ القدَرِ، ولا تفاتحوهم)) . (وعن عمره عن النبي وَلي أنه قال: لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم))؛ أي: لا تبدؤوهم بالكلام ولا تناظروهم في الاعتقادات؛ لكونهم ضالين مضلِّين. وقيل: معناه: لا تحاكموهم؛ أي: لا ترفعوا الخصومة إلى حاكمهم، قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]؛ أي: احكم به، فعلم من هذه الآية مجيء الفتح بمعنى الحكم. وقيل: لا تبدؤوهم بالسلام. ٨٧ - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلحه: ((ستةٌ لعنتُهُمْ، لعنَهُمُ الله، وكلُّ نبيِّ مُجابٍ: الزائدُ في كتابِ الله، والمكذِّبُ بقدَرِ الله، والمُتسلِّطُ بالجَبَروتِ ليُعزَّ مَنْ أَذَلَّ الله ويُذِلَّ مَنْ أَعَزَّ الله، والمستحِلُّ لحُرَمٍ الله، والمستحِلُّ منْ عِترتي ما حرَّمَ الله، والتاركُ لسُنَّتي)). ١٢٦ ((وعن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: ستة))؛ أي: ستة أشخاص. ((لعنتهم))؛ أي: دعوت عليهم باللعن، وهو الطرد والإبعاد من الخير. ((ولعنهم الله)) بالواو العاطفة، ويروى بدونها إخباراً؛ أي: إذا لعنتهم فقد لعنهم الله، أو إنشاء دعاء عليهم باللعن من الله تعالى. ((وكل نبي)) مبتدأ خبره: ((يجاب)) بصيغة المضارع المجهول؛ أي: تجاب دعوته، ويروى بالميم؛ أي: مجاب الدعوة، والأولى أن تُجعل الجملة حالاً؛ أي: والحال أن من شأن کل نبي إجابة دعائه. ((الزائد في كتاب الله تعالى))؛ أي: في نظم القرآن، أو في حُكمه بأن يُدخل فيه ما ليس منه، وكذلك في التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب. ((والمكذب بقدر الله والمتسلط))؛ أي: المستولي والغالب ((بالجبروت)) مبالغة من الجبر، وهو القهر بالتكبر والعظمة. ((ليعز من أذل الله تعالى))؛ أي: لإعزاز من أذل الله كالكفار. ((ويذل من أعز الله))؛ أي: ولإذلال من أعزه الله كالمسلمين. ((والمستحل لحرم الله))؛ يعني: من يفعل في حرم مكة ما لا يجوز فعله من الاصطياد وقطع الشجر ودخولها بغير الإحرام معتقداً حلَّها. ((والمستحل من عترتي)) العترة: القرابة، وعترته عليه الصلاة والسلام: أهل بيته الذين حرِّمت عليهم الزكاة، وهم أولاده - عليه الصلاة والسلام - وعليّ وأولاده من فاطمة، يعني: من يفعل بهم ((ما حرم الله)) من إيذائهم وترك تعظیمهم معتقداً تحليله. ويحتمل أن يراد به: مَن يستحل من عترته - عليه الصلاة والسلام - شيئاً ١٢٧ من المحرمات، فـ (من) بيانية. وخص مستحل الحُرَم والعترة بالذكر، وإن كان كلُّ مستحلٌّ لمحرم ملعوناً؛ لأن حرمتهما آكد وأشد؛ لاختصاص الأول بالله، والثاني برسوله الآن. ((والتارك لسنتي))؛ أي: المعرض عنها بالكلية، أو عن بعضها استخفافاً. ٨٨ - عن مَطَرَ بن عُكامِس ◌َه قال: قال رسول الله وَّه: ((إذا قضَى الله لِعِبْدٍ أنْ يموتَ بأرضٍ جعَلَ لَهُ إليها حاجةً)). ((وعن مطر بن عكامس أنه قال: قال رسول الله وَّر: إذا قضى الله))؛ أي: إذا أراد ((لعبد أن يموت بأرض)) وكان هو في غير تلك الأرض ((جعل الله))؛ أي: أظهر له ((إليها حاجة)) من تجارة أو زيارة أو غير ذلك؛ ليأتي بها فيموت فيها. ٨٩ - عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله! ذَرَارِيُّ المؤمنين؟ قال: ((مِنْ آبائهم))، فقلتُ: يا رسول الله! بلا عملٍ؟ قال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين))، فقلتُ: فذراري المشركين؟ قال: ((مِنْ آبائهم))، قلتُ: بلا عمَلٍ؟ قال: ((الله أَعلَمُ بما كانوا عامِلين)). ((وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قلت: يا رسول الله! ذراري المؤمنين))؛ أي: ما حكم أطفالهم. ((قال: من آبائهم»؛ أي: يُعلم حكمهم من حكم آبائهم، أو هم معدودون من جملة آبائهم، يعني: إن كان آباؤهم من أهل الجنة فهم كذلك. وقيل: معناه: أتباع لآبائهم، فإن الشرع يَحكم بإسلامه لإسلام أحد ١٢٨ الأبوين، فیصلَّى عليه بموته ويجري التوارث. ((فقلت: يا رسول الله! بلا عمل؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين، قلت: فذراري المشرکین»؛ أي: فما حكمهم. ((قال من آبائهم))؛ أي: يعلم من حكم آبائهم. ((قلت: بلا عمل؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين)) أو معناه: أتباع لآبائهم، فلا يصلَّى عليهم ولا يثبت الإرث بينهم وبين المسلمين كآبائهم. ٩٠ - عن ابن مَسْعودٍ ﴿، عن النبيِّ وَ﴿ قال: ((الوائدةُ والمَوؤدةُ في النَّارِ)). ((وعن ابن مسعود عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: الوائدة))؛ أي: التي تدفن بنتها في القبر وهي حية فراراً من الفقر أو العار. ((والموؤدة))؛ أي: المدفونة حية. (في النار)) روي: أن ابني مليكة أتيا رسول الله وَ ل﴿ وقالا: إن أُمَّنا وأدت بنتاً لها، فقال - عليه الصلاة والسلام - هذا الحديث. أما الوائدة فلأنها كانت كافرة، وأما الموؤدة فلأنها ولد الكافر، فيحتمل أنها كانت بالغة، ويحتمل أن تكون غير بالغة ولكن علم ◌َليله بالمعجزة كونها من أهل النار، فلا يتعين القطع بهذا الحديث على تعذيب أطفال المشركين؛ لأنه ورد في قضية خاصة فلا يجوز حمله على العموم مع الاحتمال. وقيل: المراد بالوائدة: القابلة، وبالموؤدة لها وهي أم الطفل، وكان من عادة نساء العرب إذا أخذ إحداهن الطلقُ حفرت لها حفرة عميقة فجلست عليها، والقابلة وراءها تترقب الولد، فإن أتت بابن أمسكته، وإن أتت بنتٌ ألقتها في ١٢٩ تلك الحفرة وأهالت عليها التراب. ٠٠ ٤- باب إِثْبات عَذَابِ القَبْر (باب إثبات عذاب القبر) مِنَ الصِّحَاحِ: ٩١ - عن البَرَاء بن عازِب ﴿، عن رسول الله صل﴿ قال: ((المُسلم إذا سُئِلَ في القَبْرِ، يشهدُ أنْ لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً رسولُ الله، فذلكَ قوله: يُتَبِّثُ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ . وفي روايةٍ عن النَّبيِّ وَِّ قال: «﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ : نزلَتْ في عذابِ القَبْرِ، إذا قيلَ له: مَنْ رَبُّكَ؟ وما دينُكَ؟ ومن نبيُّكَ؟؛ فيقول: ربيَ الله، وديني الإسلامُ، ونبيي محمدٌ قَ﴾). ((من الصحاح)): ((عن البراء بن عازب عن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - أنه قال: المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فذلك قوله))؛ أي: مصداق هذا الحكم قوله تعالى: ﴿ يُثَبِّتُ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] وهو كلمة الشهادة. ﴿فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾: بأن لا يزُلُّوا عنه إذا فُتنوا (١). ﴿َوَفِ اَلْآَخِرَةِ﴾ [الأعراف: ١٥٦]؛ يعني: في القبر عند سؤال منكر ونكير. (١) في ((م)): ((افتتنوا)). ١٣٠ ((وفي رواية عن النبي ◌َّه قال: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ نزلت))؛ أي: هذه الآية ((في عذاب القبر إذا قيل له))؛ أي: للميت بعدما وضع في القبر: ((من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟)) فإن كان مسلماً أزال الله الخوف، وثبّت لسانه في جواب الملكين(١) . ((فيقول: ربي الله، ونبيي محمد، وديني الإسلام)) وأما الكافر فيغلب عليه الخوف ولا يقدر على جوابهما، فيكون معذباً فيه. ٩٢ - وعن أنسٍ ﴾ أنَّ النبيَّ لَ﴿ه قال: ((إنَّ العبْدَ إذا وُضعَ في قَبْرِه، وتولَّى عنه أصحابُهُ، وإِنَّه ليسمَعُ قَرْعَ نِعالِهِم = أتاهُ مَلَكانٍ، فيُقعدانه، فيقولانٍ: ما كنتَ تقولُ في هذا الرجلِ؟ - لمحمدٍ -، فأمَّا المؤمنُ فيقولُ: أشهدُ أنَّه عَبدُ الله ورسولهُ، فيقال له: انظُرْ إلى مَفْعِدِكَ مِنَ النَّارِ، قد أبدلَكَ الله بهِ مَقْعداً من الجنَّةِ، فيراهُمَا جميعاً، وأمَّا المُنافِقُ والكافِرُ فيُقالُ له: ما كنتَ تقولُ في هذا الرجلِ؟ فيقول: لا أَدري، كنتُ أقولُ ما يقولُ الناسُ، فيُقالُ له: لا دَرَيتَ ولا تَلَيْتَ، ويُضربُ بمِطْرقةٍ من حديدٍ ضربةً، فيصيحُ صَيْحةً يسمعُها مَنْ يليهِ غيرَ الثقلَيْنِ)). ((وعن أنس ظه أن النبي - عليه الصلاة والسلام - قال: إن العبد إذا وضع في قبره وتولى))؛ أي: أدبر وأعرض ((عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم))؛ أي: صوت دقها، فيه دلالة على حياة الميت في القبر؛ لأن الإحساس بدون الحياة ممتنعٌ عادة، واختلفوا في ذلك؛ قال بعضهم: يكون بإعادة الروح، وتوقّف أبو حنيفة في ذلك. (١) في ((م)): ((في جوابهما)). ١٣١ (أتاه ملكان)) قبل أن يمضي زمان طويل. ((فيقعدانه)) وقد جاء في بعض الروايات: (فيجلسانه) وهو أولى؛ لأن القعود في مقابلة القيام، والجلوس في مقابلة الاضطجاع، يؤيده ما روي: أن نضر بن شميل مثلَ بين يدي المأمون، فقال له: اجلس، فقال: يا أمير المؤمنين! لست بمضطجع فأَجلِسَ، قال: كيف أقول؟ قال: قل: اقعُد. ويحتمل أن يراد بالإقعاد: الإيقاظ والتنبيه لما يسألان عنه بإعادة الروح. ((فيقولان ما))؛ أي: أيَّ شيء ((كنت تقول في هذا الرجل)) الذي بعث إليكم بالنبوة: هل كنت اعتقدت وأقررت بأنه نبي أم لا؟ . ((لمحمد)) عطف بيان لـ (الرجل)، أو بدل منه من لفظ المصنف أو الراوي . ((فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبدالله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار)) لو لم تكن مؤمناً ولم تُجب الملكين. ((قد أبدلك الله به))؛ أي: بمقعدك هذه ((مقعداً من الجنة)) بإيمانك وإجابة الملکین. ((فيراهما جميعاً) ليزداد فرحه ويعرف نعمة الله عليه بتخليصه من النار، وإعطائه من الجنة . ((وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري))؛ أي: لا أعلم على الحقيقة أنه نبي أم لا . ((كنت أقول))؛ أي: في الدنيا ((ما يقول الناس))؛ أي: المؤمنون، قيل: هذا قول المنافق، وأما الكافر فلا يقول في القبر شيئاً، ويحتمل أن يقول الكافر أيضاً دفعاً لعذاب القبر عن نفسه . (فيقال له: لا دريت))؛ أي: لا علمت ما هو الحق والصواب. ١٣٢ ((ولا تليت)) من تلا يتلو: إذا قرأ؛ أي: ولا قرأت في الكتاب دعاء عليه أو إخبار. قيل: رواية: ((ولا تليت)) غلط، والصواب: ((ولا أتليت)) من أتلاه: إذا اتبعه، فالمعنى: ما علمت بنفسك بالنظر والاستدلال حقِّية نبوته، ولا اتَّبعت العلماء بالتقليد فيكون إخباراً. ((ويضرب بمطرقة)): وهي آلة الضرب. ((من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح))؛ أي: يرفع صوته بالبكاء من تلك الضربة . ((صيحة يسمعها))؛ أي: تلك الصيحة. (من يليه))؛ أي: يقربُه من الحيوانات. ((غير الثقلين)) نصب على الاستثناء؛ أي: غير الإنس والجن، فإنهم لا يسمعون صوته؛ لأنهم مكلفون بالإيمان بالغيب، والغيب ما لم يروه من أحوال القبر والقيامة، إذ الإيمان بالمشاهدة والمرئيٍّ ضروريٍّ ليس موجباً للثواب. ٩٣ - عن عبدالله بن عمر﴾: أنَّ رسول الله وَ﴿ه قال: ((إنَّ أحدكم إذا ماتَ عُرِضَ عليهِ مَقْعِدُهُ بالغَداةِ والعَشيِّ، إنْ كان مِنْ أهلِ الجَنَّةِ فمنْ أهلِ الجنَّةِ، وإنْ كان مِنْ أهلِ النَّارِ فمنْ أهلْ النارِ، فيُقالُ: هذا مَفْعِدُكَ حتى يبعثَكَ الله يومَ القيامةِ)). ((وعن عبدالله بن عمر أن رسول الله ( * قال: إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان))؛ أي: الميت ((من أهل الجنة فمن أهل الجنة))؛ أي: فالمعروض عليه من مقاعد أهل الجنة؛ ليزداد شكراً وفرحاً بطيب ١٣٣ المعروض ونزاهته. ((وإن كان من أهل النار فمن أهل النار))؛ أي: فالمعروض عليه من مقاعد أهل النار ليزداد حسرة وندامة. ((فيقال: هذا)؛ أي: المقعد المعروض عليك ((مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة)) أو المعنى: القبر مقعدك حتى يبعثك الله منه إلى مقعدك الآخر المعروض عليك(١). ٩٤ - وعن عائشة رضي الله عنها: أنَّ يهوديةً دخلتْ عليها، فقالت: أعاذكِ الله مِنْ عذاب القبرِ، فسأَلتْ عائشةُ رسولَ اللهِوَّهِ عِنْ عذابِ القَبْرِ، فقال: ((نعَمْ، عذابُ القبْرِ حقٌّ))، قالت عائشةُ: فما رأَيتُ رسولَ اللهِوَّهِ بعدُ صلَّى صلاةً إلاَّ تعوَّذَ مِنْ عذابِ القبرِ . ((وعن عائشة رضي الله عنها: أن يهودية دخلت عليها فقالت: أعاذك الله))؛ أي: حفظك ((من عذاب القبر)) جاز علم اليهودية بعذاب القبر بقراءتها في التوراة، أو سماعها ممن قرأ التوراة، وكانت عائشة لم تعلم ولم تسمع ذلك. ((فسألت عائشة رضي الله عنها رسول الله وَلفي عن عذاب القبر فقال: نعم عذاب القبر حق، قالت عائشة رضي الله عنها: فما رأيت رسول الله (پڼ بعد»؛ أي: بعد ذلك ((صلى صلاة إلا تعوذ بالله من عذاب القبر)). قيل: يحتمل أنه - عليه الصلاة والسلام - كان قبل هذا يتعوذ منه سراً، فلما رأى تعجبها منه أعلن به خلف كل صلاة ليثبت في قلبها ولتقتدي به أمتُه، و جاز أنه - عليه الصلاة والسلام - كان متوقّفاً في شأن أمته فیه قبل أن یوحی إلیه، (١) في ((م) زيادة: ((بالغداة والعشي)). ١٣٤ فلما أوحي إليه تعوذ منه، أعاذنا الله تعالى بلطفه منه. ٩٥ - عن زيد بن ثابت ﴿: أنَّ رسول الله وَّه قال: ((لولا أنْ لا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ الله أنْ يُسمِعَكُمْ مِنْ عذابِ القَبْرِ»، ثم قال: ((تَعَوَّذوا بالله مِنْ عذابٍ النّار))، فقالوا: نعوذُ بالله مِنْ عذابِ النَّار، ثم قال: ((تَعوَّذُوا بالله مِنْ عذابٍ القبرِ»، قالوا: نعوذُ بالله مِنْ عذابِ القَبْرِ، قال: ((تعوَّذُوا بالله مِنْ الفِتَنِ ما ظهرَ منها وما بطَنَ)، قالوا: نعوذُ بالله مِنَ الفِتَنِ ما ظهرَ منها وما بطنَ، قال: ((تعوَّذُوا بالله مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ))، قالوا: نعوذُ بالله مِنْ فتنَةِ الدَّجَّالِ. ((وعن زيد بن ثابت ه: أن رسول الله ( لي قال: لولا أن لا تدافنوا)) بحذف إحدى التاءين؛ أي: لولا مخافة أن لا تدافنوا «لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر))؛ أي: يوصل إلى آذانكم أصوات المعذبين في القبر، فإنكم لو سمعتم ذلك لتركتم التدافن من خوف قلع صياح الموتى أفئدتكم، أو خوف الفضيحة بعذاب أقاربكم(١) لئلا يطلع على حالهم. ((ثم قال: تعوذوا بالله))؛ أي: اطلبوا منه أن يدفع عنكم. ((من عذاب النار)) وهذا يدل على أنه لا يجوز لأحد أن يأمن من عذاب الله، بل ينبغي أن يكون خائفاً منه باكياً على ذنوبه سائلاً من الله العفو والعافية. ((فقالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، ثم قال: تعوذوا بالله من عذاب القبر، فقالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، ثم قال: تعوذوا بالله من الفتن)) جمع فتنة وهي الامتحان، ويستعمل في البلاء والمكر(٢). (١) في ((ت)) و(غ)): ((في القرائب)) بدل ((بعذاب أقاربكم)). (٢) في ((م)): ((والمكروه)). ١٣٥ ((ما ظهر منها)): بدل من (الفتن)، يعني: الجهر. ((وما بطن))؛ يعني: السر. وقيل: (ما ظهر) ما يجري على ظاهر الإنسان، و(ما بطن) ما يكون في القلب من الشر(١) والرياء والحسد وغير ذلك من مذمومات الخواطر. («قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ثم قال: تعوذوا بالله من فتنة الدجال)) وإنما خصص التعوذ من فتنته؛ لكونها فتنةً عظيمةَ الشأن. ((قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال)). مِنَ الحِسَان: ٩٦ - عن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إذا قُبرَ الميتُ أتاهُ ملَكَانِ أسودان أزرقان، يُقالُ لأحدهِما: المُنْكَرُ، وللآخرُ: النَّكيرُ، فيقولانِ: ما كُنْتَ تقولُ في هذا الرَّجُلِ؟ فيقولُ: هوَ عبدُالله ورسولُهُ، أشهدُ أنْ لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمداً رسول الله، فيقولان: قَدْ كنَّا نعلمُ أنَّكَ تقولُ هذا، ثمَّ يُفْسَحُ لهُ في قبْرِهِ سبعونَ ذِراعاً في سَبعين ذِراعاً، ثمّ يُنَوَّرُ لهُ فيهِ، ثمَّ يقال له: نَمْ، فيقول: أَرجِعُ إلى أهلي فَأُخْبرُهُمْ؟ فيقولان: تَمْ كنومة العَرُوسِ الذي لا يُوقِظُهُ إلاَّ أحبُّ أهلِهِ إليه، حتى يبعثَهُ الله مِنْ مَضْجَعِهِ ذلك، وإنْ كانَ مُنافِقاً قال: سمعتُ الناسَ يقولونَ فقلتُ مِثْلَهُ، لا أَدري، فيقولان: قَدْ كُنَّا نعلمُ أنَّك تقولُ ذلك، فيقولان للأرض: التئِمي عليه، فتلتئمُ عليه، فتختَلِفُ أَضلاعُهُ، فلا يَزالُ فيها مُعذَّباً حتى يبعَثَهُ الله مِنْ مَضْجَعِهِ ذلك». (١) في ((م)): ((الشرك)). ١٣٦ ((من الحسان)»: ((عن أبي هريرة ظه أنه قال: قال رسول الله وَله: إذا قبر الميت))؛ أي: دُفن. ((أتاه ملكان أسودان))؛ أي: منظراهما. ((أزرقان))؛ أي: عيناهما، وإنما يبعثهما الله تعالى على هذه الصفة لما في السواد وزرقة العين من الهول والوحشة، فيكون خوفهما على الكفار أشد ليتحيروا في الجواب. (يقال لأحدهما: المنكر)) مفعول من أَنْكَرَ بمعنى: نكر: إذا لم يعرف أحداً. ((وللآخر: النكير)) فعيل بمعنى مفعول من نكِرَ كعلم: إذا لم يعرفه أحد، سمِّيا بهما لأن الميت لم يعرفهما ولم ير صورة مثل صورتهما . ((فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟)) فإن كان مؤمناً ((فيقول: هو عبدالله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا))؛ أي: الإقرار بالوحدانية ورسالة محمد عليه الصلاة والسلام، وعلمُهما بذلك إما بإخبار الله تعالى إياهما بذلك، أو بمشاهدتهما في جبينه أثر السعادة وشعاع نور الإيمان. (ثم يفسح))؛ أي: يوسع له ((في قبره سبعون ذراعاً في سبعين))؛ أي: طوله وعرضه كذلك؛ لأنه غالب أعمار أمته عليه الصلاة والسلام، فيفسح له في مقابلة كل سنة عبدالله تعالى فيها ذراعاً، أو المراد به الكثرة. ((ثم ينوّر له فيه))؛ أي: يجعل له في قبره الضياء والنور، فيه دلالة على أن التنوير بعد الفسح بمهلة، وأن الفسح بعد الجواب بمهلة . ١٣٧ (ثم يقال له: نم)) أمر من نام ينام. ((فيقول))؛ أي: الميت: (أرجع))؛ أي: أريد الرجوع ((إلى أهلي فأخبرهم)) بأن حالي طيب ولا حزن لي ليفرحوا بذلك. ((فيقولان: نم كنومة العروس)) وهو يطلق على الذكر والأنثى. ((الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه)) والجملة (١) صفة للعروس، وإنما شبه نومه بنومة العروس؛ لأنه يكون في طِيْبٍ العيش ونيل(٢) المراد فينام طيب العیش. ((حتى يبعثه الله من مَضجعه ذلك)) بفتح الميم والجيم: موضع الضجع، وهو النوم. ((وإن كان منافقاً قال: سمعت الناس يقولون: إنه رسول الله، فقلت مثله))؛ أي: مثل قولهم ((لا أدري)) أنه نبي في الحقيقة أم لا، ومحله نصب على الحال، أو على أنه صفة لـ (مثله). ((فيقولان: قد كنا نعلم)) برؤيتنا في وجهك أثر الشقاوة وظلمة الكفر. ((أنك تقول ذلك))؛ أي: ذلك القول. ((فيقال للأرض: التنمي))؛ أي: انضمِّي واجتمعي عليه ضاغطةً له، يعني: ضيقي عليه، وهو على حقيقة الخطاب لا أنه تخييل لتعذيبه وعصره. ((فتلتئم عليه الأرض فتختلف أضلاعه)): جمع ضلع وهو عظم الجنب؛ أي: تزول عن الهيئة المستوية التي كانت عليها من شدة التئامها عليه، وشدة الضغطة وانعصار جنبيه، ويتجاوز جنبيه من كل جنب إلى جنبه الآخر. (١) كذا في جميع النسخ، والصواب: ((والموصول)). (٢) في ((م): ((وقيل)). ١٣٨ ((فلا يزال فيها))؛ أي: في الأرض ((معذباً حتى يبعثه الله تعالى من مضجعه ذلك». ٩٧ - ورواه البَراء بن عازِب ﴿ه، عن رسول الله وَلَ﴿ه قال: ((يأْتِيه مَلَكَانٍ فَيُجْلِسانِهِ فيقولان له: مَنْ رَبُّكَ؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دِينُكَ؟ فيقول: دِيني الإِسلام، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بُعثَ فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان: وما يُدريك؟ فيقول: قرأْتُ كتابَ الله، فآمنتُ بهِ وصدَّقْتُ، فذلك قوله: ﴿ يُثَبِّتُ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَوِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾، قال: فينادي مُنادٍ من السماءِ: أنْ صَدَقَ عبدي، فأفْرِ شوهُ مِنَ الجنَّةِ، وأَلبسوهُ مِنَ الجنَّةِ، وافتحُوا له باباً إلى الجنَّة، قال: فيأتيه من رَوْحِها وطِيْبها، ويفتح لها فيها مَدَّ بصَرِهِ، وأمَّا الكافرُ))، فذكر موتَه، قال: ((ويُعادُ رُوحه في جسَده، ويأتيه مَلَكَانٍ، فيُجلِسانِهِ، فيقولان: من ربُّكَ؟ فيقول: هَاه هَاه، لا أدري، فيقولان له: ما دينُك؟ فيقول: هَاه هَاه، لا أَدري، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول: هَاه هَاه، لا أدري، فينادي مُنادٍ من السماء: أنْ كَذَب، فأَفرِشُوه من النَّار، وأَلبسُوه من النَّار، وافتحوا له باباً إلى النَّار))، قال: ((فيأتيه من حَرِّها وَسَمُومِها»، قال: ((ويُضَيَّقُ عليهِ قِبْرُهُ حتَّى تختلفَ فيهِ أضلاعُه، ثُمَّ يُقَتَّضُ لهُ أَعمى أصمُّ، معه مِرْزَّةٌ من حديدٍ لو ضُرِبَ بها جبلٌ لصار تُراباً، فيضربه بها ضَربةً يسمعها ما بين المشرق والمَغرب إلا الثَّقلَیْنِ، فیصیر تُراباً، ثم يُعادُ فيه الرُّوح)). ((ورواه))؛ أي: هذا الحديث ((براء بن عازب عن رسول الله وَ لي) كما رواه أبو هريرة، إلا أن ألفاظهما مختلفة . ١٣٩ قال في رواية البراء: ((يأتيه))؛ أي: المؤمن «ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟)): استخباراً عن صفته. (فيقول: هو رسول الله وَّر، فيقولان: وما يدريك)): استفهام؛ أي: أيُّ شيء أعلمك وأخبرك بما تقول. ((فيقول: قرأت كتاب الله))؛ أي: القرآن ((فآمنت به)) أنه حق. ((وصدقت)) بما فيه، فوجدت فيه: ﴿فَأَعْلَمْ أَنَّهُ، لَآ إِلَهَ إِلَّا اللّهُ﴾ [ محمد: ١٩] و﴿ذلكم الله ربكم خالق كل شيء﴾[الأنعام: ١٠٢] وغير ذلك من الآيات الدالة على أن ربي وربَّ المخلوقات هو الله تعالى. وفيه أيضاً: ﴿ إِنَّ الّذِينَ عِندَ اللَّهِ اَلْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩] ﴿وَمَن يَبْتَعْ غَيَّرَ اُلْإِسْلَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾[آل عمران: ٨٥]، فعلمت أن لا دين مرضياً عنده غير الإسلام. وفيه أيضاً: ﴿تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ﴾ [الفتح: ٢٩] و: ﴿قُلْ يَتَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِِّ رَسُولُ اَللَّهِ إِلَيْكُمْ جَميعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وغير ذلك. ((فذلك))؛ أي: مصداق هذا «قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ الآية [إبراهيم: ٢٧]. ((قال: فينادي منادٍ من السماء: أن صدق)) (أن) مفسِّرة للنداء لأنه في معنى القول، يعني: صدق ((عبدي)) بما يقول فإنه كان في الدنيا على هذا الاعتقاد فهو مستحق للإكرام. (فأفرشوه)) بألف القطع؛ أي: اجعلوا له فراشاً ((من الجنة)؛ أي: من فُرشها، وأصله: أفرشوا له، فحذف اللام الجارة، ووصل الضمير بالفعل اتساعاً، والفاء فيه جواب شرط مقدر. ١٤٠