النص المفهرس

صفحات 61-80

((وروح منه)): سماه روحاً؛ لأن الله تعالى أحيا به الأمواتَ، فكان
کالروح، أو لأنه حدث من نفخ الروح بإرساله جبرائيل إلى أمه، فنفخ في درعها
مشقوقاً من قدامها، فوصل النفخ إليها، فحملت به مُقدَّساً عن لوث النطفة،
والتقلُّبٍ في أطوار الخلقة، وفيه أقوال كثيرة تطلب في التفاسير.
((والجنة والنار حق)): أفرد لفظ (الحق)؛ لأنه مصدر يقع على القليل
والكثير، أو لإرادة كلِّ واحدة منهما.
((أدخله الله تعالى الجنة على ما كان من العمل))؛ يعني: على أيِّ عمل
كان سيئاً أو حسناً.
٢٧ - وقال عمرو بن العاص : أَتَيْتُ النبيَّ وَِّ، فقلت له: ابْسُطْ
يمينكَ فلأَبايعْكَ، فبسطَ يمينَهُ، فقبضْتُ يدي، فقال: ((ما لَكَ يا عمرو؟))،
قلت: أردتُ أنْ أشترطَ، قال: ((تشترطُ ماذا؟))، قلت: أنْ يُغفرَ لي، قال: ((أما
علمتَ يا عمرو! أنَّ الإِسلامَ يهدِمُ ما كانَ قبلَهُ، وأنَّ الهجرةَ تهدِمُ ما كانَ قبلَها،
وأنَّ الحجّ يهدمُ ما كان قبلَهُ؟»، فبايعتُه.
((وقال عمرو بن العاص ظه: أتيت النبي (وَل﴿ فقلت: ابسط))؛ أي: امدد
((يمينك فلأبايعك)»: الفاء فيه لو جُعِلت جوابَ الأمر، واللام لام كي، وهما
للسببية، لاجتمع حرفا السببية، فيُجعَلُ أحدهما زائداً؛ لئلا يجتمع حرفان
لمعنى، وهو منصوب بإضمار (أن).
((فبسط يمينه، فقبضت يدي))؛ أي: إلى نفسي.
((فقال: مالك يا عمرو؟))؛ أي: أي شيء ظهر في خاطرك حتى امتنعت
عن المبايعة في الإسلام؟
٦١

((قلت: أردت أن أشترط)) مفعوله محذوف؛ أي: شرطاً أو شيئاً.
((قال: تشترط ماذا؟)) قوله: (ماذا) حقه أن يكون مقدَّماً على (تشترط)؛
لأنه متضمن معنى الاستفهام، وهو يقتضي الصدارة، فيُقدَّر أصل الكلام: ماذا
تشترط؟ فحذف (ماذا)، وأعيد بعد (تشترط)؛ تفسيراً للمحذوف.
((قلت: أن يغفر لي)) إن أسلمت.
((قال : أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم))؛ أي: يمحو ((ما كان
قبله)) من الكفر والمعاصي؟
قيل: سواء كان مظلمة إنسان من الدم والمال وغيرهما، أو كان شيئاً
يكون بين العبد وبين الله تعالى من الزنا وشرب الخمر، وغير ذلك من الكبائر.
ولكن فيه نظر؛ لأن الإسلام لا يهدم حقوق العباد إن كان المسلم ذمياً في
الأصل، سواء كان الحقُّ عليه مالياً أو غير ماليٍّ كالقصاص، وإذا كان حربياً
- وكان الحق مالياً بالاستقراض أو بالشراء، وكان المال غير الخمر ونحوه - فإنه
لا يسقط أيضاً بإسلامه .
((وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها)) من الصغائر قطعاً؟ لا ما تتعلق به حقوق
العباد، وما كان من الكبائر، فهي في مشيئة الله تعالى، لا يجوز القطع بأنها تُهدَم
بالهجرة قطعاً.
((وأن الحج يهدم ما كان قبله)) من الصغائر أيضاً؟ لا من حقوق العباد.
مِنَ الحِسَان:
٢٨ - عن مُعاذ﴾ قال: قلتُ: يا رسولَ الله! أخبرني بعملٍ يُدخلَني
الجنَّة، ويُساعدُني من النار، قال: ((لقد سأَلتَ عن عظيم، وإنَّه ليسيرٌ على مَنْ
يسَّره الله عليه: تعبُّدُ الله ولا تشركُ بهِ شيئاً، وتقيمُ الصَّلاةَ، وتُؤْتي الزكاةَ،
٦٢

وتصومُ رمضانَ، وتحجُّ البيتَ))، ثم قال: ((ألا أدلُّكَ على أبوابِ الخير؟ الصَّومُ
جُنَّة، والصَّدقةُ تطُفىءُ الخطيئةَ كما يُطفئ الماءُ النارَ، وصلاةُ الرجلِ في جوفِ
الليلِ))، ثمَّ تلا: ((﴿نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَارِعِ﴾ حتى بلغ ﴿يَعْمَلُونَ﴾))، ثم
قال: ((ألا أُخبرك برأسِ الأمرِ وعَمودِهِ وذِرْوةِ سَنامِهِ؟))، قلتُ: بلى يا رسولَ
الله! قال: ((رأسُ الأمرِ الإِسلامُ، وعَمودُهُ الصلاةُ، وذِرْوةُ سَنامِهِ الجهادُ»، ثم
قال: ((ألا أُخبركَ بمِلاكِ ذلك كلِّ؟))، قلت: بلى يا نبيَّ الله! فأخذَ بلِسانِه وقال:
(كُفَّ عليكَ هذا))، فقلتُ: يا نبيَّ الله! إنَّا لَمُؤْاخذون بما نتكلَّمُ به؟ قال:
(ثكلتْكَ أُمُّك يا مُعاذُ! وهلْ يَكُبُّ الناسَ في النارِ على وجُوهِهِمْ - أو: على
مَنَاخِرِهم - إلاَّ حصائدُ أَلْسنتهِمِ؟)).
((من الحسان)):
((عن معاذ ﴿ه: أنه قال: قلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني))
بالرفع صفة (عمل)، وبالجزم جواب الأمر؛ أي: يدخلني ذلك العمل ((الجنةَ،
ويباعدني)) - بالرفع فقط - ((من النار، قال: لقد سألت عن عظيم))؛ أي: عن
عمل عظيم من جهة معرفته؛ لأن معرفة ذلك من علم الغيب لا يعلمه إلا الله.
((وإنه))؛ أي: ذلك العظيم.
((ليسير))؛ أي: سهل.
((على من يسَّره الله))؛ أي: جعله سهلاً ((عليه)).
فيه إشارة إلى أن أفعال العباد بإرادته تعالى، وأن تيسير العبادات على
بعضٍ لطف وتعسيرها على بعض خُذلان منه تعالی.
((تعبدُ الله)): أمر بصيغة الخبر، وكذا ما بعده، أو خبر مبتدأ محذوف
بتنزيله منزلةَ المصدر بـ (أن) المقدرة؛ أي: العمل الذي يدخلك الجنة: هو أن
تعبد الله؛ أي: تطيعه في أوامره ونواهيه؛ لأن العبادة هي الطاعة .
٦٣

وقيل: أي: توحده؛ لأن التوحيد أصل العبادة، ويؤيد هذا قوله:
((ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج
البيت))، وفيه بيان الأركان الخمسة، ودلالةٌ على أن المؤدي للفرائض مقتصراً
عليها يدخل الجنة، ويباعد عن النار.
(ثم قال: ألا أدلك؟)) قيل: الهمزة للاستفهام، و(لا) للنفي.
((على أبواب الخير)): يمكن أن يقال: (بلى) كان موجوداً هنا، فنسيه
الرواة بدليل وجوده مرتين بعد السؤالين الآخرين في هذا الحديث.
((الصوم جنة)) هي بالضم: الترس والسترة؛ يعني: يقي صاحبه عن النار
في العُقبى، كما يقيه عن سَورةِ الشهوة في الدنيا.
((والصدقة تطفئ الخطيئة))؛ أي: تمحوها وتزيلها.
((كما يطفئ الماء النار))، شبه الصدقةَ؛ لكثرة نفعها، أو لكونها ماحيةً
السيئاتِ مطهرةً عن الآثام = بالماء الكثير النفع المطهر عن الأنجاس، وشبَّه
الخطيئة بالنار؛ لأنها تأكل الحسنات على قول بعض: كما تأكل النار الحطب.
((وصلاة الرجل)): خبره محذوف؛ أي: صلاة الرجل.
((في جوف الليل)» كذلك؛ يعني: تطفئ الخطيئة، وإنما خُصَّ الرجل؛
لأن السائل كان رجلاً، وإلا فالحكم يشتمل الرجل والمرأة .
والمراد بالصلاة وأخواتها: النوافل، وإلا فالفرائض قد ذُكِرت قبلُ.
وإنما جعل عليه الصلاة والسلام هذه الثلاثة من أبوابه؛ لأنه إذا اعتيد قلة
الأكل بالصوم، انقمعت الشهوات، وانقلعت مواد الذنوب من أصلها، فإذا انضم
إليه الصدقة والصلاة في جوف الليل الذي هو أبعدُ من الرياء، دخل المرءُ في
الخير من كلِّ وجه، وأحاطت به الحسنات.
٦٤

(ثم تلا))؛ أي: قرأ رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - في بيان
فضيلة المصلين ورفعة درجتهم بأن استحقوا بسبب صلاة الليل أن يمدحهم الله
في كتابه القديم: ﴿ نَتَجَافَى﴾؛ أي: تتنحى ﴿جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِع﴾؛ أي: عن
الفُرشِ والوساد؛ لترك النوم.
﴿يَدْعُونَ رَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾؛ أي: وهم داعون ربهم؛ لأجل خوفهم من
سخطه، وطمعهم في رحمته.
((حتى بلغ ﴿يَعْمَلُونَ﴾))؛ يعني: قرأ هذه الآية إلى قوله: ﴿جَزَّءُ بِمَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].
((ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر))؛ أي: أمر الدين، والمراد منه: أصل
الأمر.
((وعموده)): أراد به: ما يعتمد عليه الأمر، ويقوم به.
((وذروة سنامه؟)): (الذروة) بالكسر والضم: أعلى الشيء، (السنام)
بالفتح: ما ارتفع من ظهر الجمل وغيره .
«قلت: بلی یا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام))؛ فإنه من بين سائر
الأعمال بمنزلة الرأس من الجسد في احتياجه إليه، وعدم بقائه دونه، فكما لا أثرَ
لسائر الأعضاء بدون الرأس، كذلك لا أثرَ لسائر الأعمال بدون الإسلام؛ الذي
هو كلمة الشهادة .
((وعموده الصلاة))؛ فإنها عمود الدين من جهة أن القوة له تحصل بالصلاة؛
لأنها هي العمل الظاهر الدائم العام بين جميع المسلمين الفارق بينهم وبين
الكفار .
((وذروة سنامه الجهاد))؛ فإن الجهاد يحصل به للدين رفعة، وفيه إشارة
إلى صعوبة الجهاد وعلو أمره وتفوقه على سائر الأعمال.
٦٥

((ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟»: (ملاك) بالكسر، وقد يفتح
أيضاً: ما يقوم به إحكام الشيء وتقويته وإكماله، من (ملك) ــ كـ (ضرب) -: إذا
أحسن عجنَ الدقيق وبالغ فيه، و(ذلك): إشارة إلى ما ذُكِر من أول الحديث إلى
هنا من العبادات؛ أي: ألا أخبرك بما تُحكَم به العبادات المذكورة، ويقوى به
أمرها، ويتم به ثوابها .
((قلت: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه)) الباء زائدة؛ أي: أخذ عليه الصلاة
والسلام لسان نفسه .
((وقال: كفَّ عليك هذا)»: مفعول (كف)، إشارة إلى اللسان، والتقدير:
كف اللسان عليك؛ أي: احفظه عن أن يوقع عليك ضرراً وهلاكاً وخساراً في
الدنيا، أو في الآخرة؛ يعني: لا تتكلم بما لا يعنيك؛ فإن من كثر كلامه كثر
سقطه، ومن كثر سقطه، کثر ذنوبه، وفي كثرة الكلام مفاسد لا تحصى .
وإنما أخذ - عليه الصلاة السلام - لسانه وأشار إليه من غير اكتفاء بالقول
تنبيهاً على أن أمر اللسان صعب .
((فقلت: يا نبي الله! إنا لمؤاخذون))؛ أي: هل يؤاخذنا ربنا ((بما نتكلم به))
من الكلام؟ ((قال: ثكلتك)) - من (ثكِل) كـ (علِم) -: إذا فقدت المرأة ولدها،
ومات عنها؛ أي: فقدتك ((أمك يا معاذ))، وهذا دعاء عليه من غير أن يراد
وقوعه، بل يراد الحثُّ على التيقظ في الأمر، والتنبيه من الغفلة.
((وهل يكب الناس))؛ أي: هل يلقيهم ((في النار على وجوههم أو على
مناخرهم)»: شك من الراوي، جمع: منخر، وهو: ثقبة الأنف، والمراد هنا: الأنف؛
أي: على أنوفهم، والاستفهام للنفي، خصَّها بالكب؛ لأنه أول الأعضاء سقوطاً.
((إلا حصائد ألسنتهم)): جمع (حصيدة) بمعنى المحصود، من حصد الزرع:
إذا قطعه، وهذا مبالغة لشأن الكلام، والمراد: أن معظم أسباب الكبِّ في النار
٦٦

الكلامُ كالكفر والقذف وغيرهما، شبَّه عليه الصلاة والسلام اللسانَ وما يُقطَع به من
القول نحو المنجل وما يُقْطَع به من النبات، وهو من بلاغة النبوة.
٢٩ - وقال ◌َ: ((مَنْ أحبَّ لله، وأبغضَ لله، وأعطى لله، ومنع لله؛ فقد
استكملَ الإِيمانَ))، رواه أبو أمامة ظـ
((وقال أبو أمامة: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: من
أحب الله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله))، وإنما حذف المفاعيل من هذه
الأفعال؛ ليذهب الوهمُ كلَّ المذهب، وإنما خصَّ الأفعال الأربعة؛ لأن هذه
الخصال حظوظُ نفسانية؛ إذ قلما يُمحضها الإنسان لله تعالى، فإذا مخَّضها مع
صعوبة تمحيضها كان تمحيضُ غيرها بالطريق الأولى، فلهذا أشار إلى استكمال
الدین بتخليصها بقوله:
((فقد استكمل الإيمان))؛ يعني: من حصل فيه هذه الخصال المرضية،
وزال منه الحظوظ النفسانية، وخلَّص أفعاله لله تعالى، فقد أكمل إيمانه.
٣٠ - وقال: (أَفْضَلُ الأَعمالِ الحُبُّ في الله، والبُغضُ في الله))، رواه أبو
ذرًّ.
((وعن أبي ذر ﴿ه أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -:
أفضل الأعمال الحبُّ في الله والبغضُ في الله))؛ أي: في طريق الله، أو
يكون (في) بمعنى: اللام الجارة، والمراد من الأعمال هنا: الباطنة؛ لئلا
يعترض بقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((أفضل الأعمال طول القيام)).
٦٧

٣١ - وقال: ((المُسلمُ من سَلِمَ المُسلمونَ من لِسانِهِ ويَدِهِ، والمُؤمن من
أَمِنَهَ الناسُ على دِمائهم وأموالهم، والمُجاهد من جاهد نفسَه في طاعة الله،
والمُهاجر من هجر الخطايا والذنوب)، رواه فضالة بن مُبید
((وعن فَضالة بن عُبيدٍ أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه
وسلم ـ: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)): تقدم بيانه.
((والمؤمن من أمنه الناس))؛ أي: المؤمن الكامل هو الذي ظهرت أمانته
وعدالته وصدقه بحيث لا يخاف منه الناس. ((على دمائهم وأموالهم)) .
وفيه تنبيةٌ على اشتقاق هذين الاسمين من (السلم) و(الأمان)، فمن زعم
أنه متصف به ينبغي أن يطالب نفسه بما هو مشتق منه، فإن لم يُوجَد، فهو كمن
یزعم أنه کریم، ولا کرمَ له.
((والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله تعالى))؛ أي: المجاهد الكامل
ليس من قاتل الكفار فقط، بل من قاتل نفسه بالمجاهدة في طاعة الله تعالى؛ لأن
نفس الرجل أشد عداوة معه من الكفار؛ لأنها تلازمه، وتمنعه عن الخيرات
والطاعات.
وإليه أشار عليه الصلاة والسلام بقوله: ((أعدى عدوِّك نفسُك التي بين
جنبيك))، ولا شك أن القتال مع الذي يلازمه أهم منه [مع] الذي هو أبعد منه،
كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَئِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ
اُلْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]؛ عن بعض المحققين أن المراد بهم: نفوس المخاطبين؛
فإنها أقرب إليهم من كل قريب، وقد أمروا بقتال الأدنى فالأدنى.
وسمى - عليه الصلاة والسلام - المجاهدةَ مع النفس الجهاد الأكبر حين
رجوعه من غزوة تبوك بقوله : ((رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد
الأکبر».
٦٨

((والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب))؛ أي: تركها؛ لأن الحكمة في
الهجرة التمكُّن من الطاعات بلا مانع، والتبرُّئ عن صحبة الأشرار المؤثرة في
اكتساب الخطايا، فالهجرة التحرز عنها، فالمهاجر الحقيقي هو المتجانب عنها.
والفرق بين الذنب والخطيئة: أنه أعم منها؛ لأنه قد يكون عن عمد؛
بخلاف الخطيئة .
٣٢ - وعن أنس به قال: قلَّما خَطَبنا رسولُ اللهِ وَّةٍ إِلاَّ قال: ((لا إيمانَ
لمنْ لا أَمانةَ له، ولا دينَ لمنْ لا عَهْدَ لهُ».
((وعن أنس ظه أنه قال: قلما)): هو يستعمل في النفي؛ أي: ما.
((خطبنا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -)): (الخطبة): الموعظة
والتذكير.
((إلا قال: لا إيمان لمن لا أمانة له)): هذا وعيدٌ يقصد به الزجر، ونفي
الفضيلة والكمال؛ يعني: من كان في نفسه خيانة مال أحد أو نفسه أو أهله، لم
یکن إیمانہ کاملاً .
ويحتمل أن يراد به الحقيقة، فمعناه: إذا اعتاد المرء هذه الأمور لم يؤمن
عليه أن يقع في ثاني الحال في الكفر، كما قيل: من يرتعْ حول الحِمى يوشك أن
یواقعه .
(ولا دين لمن لا عهد له))؛ يعني: من جرى بينه وبين أحد عهد وميثاق،
ثم غدر ونقض العهد من غير عذر شرعي، فدينُهُ ناقص.
٦٩

٣- باب
الكبائر وعلامات النّفاق
(باب الكبائر وعلامات النفاق)
الكبائر: جمع كبيرة، وهي: السيئة العظيمة التي إثمها كبير، وعقوبة
فاعلها عظيمة بالنسبة إلى ذنب ليس بكبيرة.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٣ - قال عبدالله بن مَسْعود ﴿ه: قال رجلٌ: يا رسولَ الله! أيُّ الذنبِ
أكبرُ عند الله؟ قال: ((أنْ تدعُوَ لله ندّاً وهو خلقكَ))، قال: ثمَّ أيُّ؟ قال: ((ثم أنْ
تقتُلَ ولدكَ خشيةَ أنْ يَطعمَ معكَ))، قال: ثم أيّ؟ قال: ((ثم أنْ تُزانيَ حَلِيلَةَ
جارٍكَ))، فأنْزلَ الله تَصْدِيقَها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ
الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُنَ﴾ الآية.
((من الصحاح)):
((قال عبدالله بن مسعود ه: قال رجل: يا رسول الله! أي الذنب أكبر
عند الله؟ قال: أن تدعو)): خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو أن تدعو .
(لله نداً)؛ أي: مِثْلاً ونظيراً، وقيل: النِّدُ: المثل المزاحم الذي لا يجتمع.
((وهو خلقك)): حال من الله تعالى، أو من فاعل (أن تدعو)، وفيه إشارة
إلى ما استحق به تعالى أن تتخذه رباً؛ أي: اتخذه رباً واعبده؛ فإنه خلقك، أو
إلى ما به امتيازُهُ تعالى عن غيره في كونه إلهاً، أو إلى ضَعْفِ الند؛ أي: أن تدعو
له نداً، وقد خلقك غيره، وهو لا يقدر على خلق شيء.
((قال: ثم أيُّ)): للاستفهام، والتنوين عوضٌ عن المضاف إليه؛ أي: ثم
أي شيء من الذنوب أكبر بعد الكفر؟
٧٠

((قال: ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك))؛ فإن من عادة العرب قتلَ
أولادهم خشية الإملاق، قال الله تعالى: ﴿ وَلَا نَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٍّ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ
وَإِيَّاكُمْ ﴾ [الإسراء: ٣١] الآية .
((قال: ثم أي؟))؛ أي: أي ذنب أكبر بعد القتل؟
((قال: ثم أن تزاني حليلةَ جارك))؛ أي: امرأته؛ فإن الزنا مع امرأة جاره
الذي التجأ بأمانته وبينهما حق الجوار أفحشُ منه مع غيرها، مع ما فيه إبطال حقٌّ
الجوار والخيانة معه، فيكون أقبح، وإثمه أعظم.
((فأنزل الله تصديقها)): مفعول له لـ (أنزل)، والضمير للأحكام المذكورة؛
أي: أنزل لتصديقها .
﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اَللَّهِ إِلَهَاءَاخَرَ﴾؛ أي: لا يعبدون إلهاً غير الله.
﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ﴾: قتلها؛ يعني: نفس المسلم والذمي
والمعاهد.
﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: متعلق بالقتل المحذوف، وقيل: بـ (لا يقتلون)؛ أي:
بإحدى الخصال الثلاث، وهي: الردة، وزنا الإحصان، والقصاص.
﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]: الآية.
٣٤ - وقال رسول الله وَجٍ: ((الكبائرُ: الإِشراكُ بالله، وعقوقُ الوالدَیْنِ،
وقتْلُ النَّفْسِ، واليمينُ الغَمُوسُ))، رواه عبدالله بن عمرو
وفي رواية أنَسٍ: ((وشَهادةُ الزُّورِ) بدل: ((اليَمينُ الغَمُوسُ)).
((وعن عبدالله عمرو: أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه
وسلم -: الكبائر الإشراك بالله))؛ أراد به: الكفر، اختار لفظ الإشراك؛ لكونه
٧١

غالباً في العرب.
((وعقوق الوالدين))؛ أي: قطع صلتهما، مأخوذ من (العق)، وهو:
القطع، وقيل: عقوقُهما مخالفةُ أمرهما فيما لم يكن معصية .
((وقتل النفس))؛ أي: بغير الحق.
((واليمين الغموس)): وهو الحلف على فعل ماضٍ كاذباً، سميت غموساً؛
لأنها تغمس صاحبها في الإثم.
وليس المراد من هذا الحديث حصر الكبائر في هذه الأربعة؛ بل جاء أكثر
منها .
((وفي رواية أنس: وشهادة الزور))؛ أي: الكذب.
(بدل: اليمين الغموس))؛ أي: مكانه، ولعل مخالفة أنس لابن عمرو؛
لاختلاف المجلس، وتعدد الحدیث، أو لنسیان کلٌّ منهما.
٣٥ - وقال: ((اجتِبُوا السَّبْعَ المُوبقات: الشِّركُ بالله، والسِّحْرُ، وقَتَلُ
النَّفْسِ التي حَرَّمَ الله إلاَّ بالحقّ، وأكلُ الرِّبا، وأكلُ مالِ اليتيم، والتَّولِي يومَ
الزَّحفِ، وقذْفُ المُحصناتِ المُؤمناتِ الغافلاتِ))، رواه أبو هريرة.
((وعن أبي هريرة ﴿ أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه
وسلم -: اجتنبوا السبع الموبقات))؛ أي: احذروا عن فعل الذنوب السبع
المهلكة لمن ارتکبها .
((الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكل
الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف))؛ أي: الفرار يوم الحرب، هذا إذا
كان بإزاء كلِّ مسلم كافران، وأما إذا كان أكثر فيجوز الفرار.
٧٢

((وقذف المحصنات))؛ أي: رميهن بالزنا، جمع: محصنة، من أحصن:
إذا حفظ عن الزنا.
((المؤمنات))، احترز بها عن قذف الكافرات، فإنه ليس من الكبائر، فإن
كانت ذمية لا يجوز قذفها، ولكن يكون من الصغائر.
((الغافلات)) عن الاهتمام بالفاحشة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَزْمُونَ
اُلْمُحْصَنَتِ الْفَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ لُمِنُواْ فِ الدُّنْيَا وَاَلْآَخِرَةِ﴾ [النور: ٢٣].
٣٦ - وقال: ((لا يَزني الزَّاني حينَ يَزني وهو مُؤمنٌ، ولا يَشْرِبُ الخَمرَ
حينَ يشربُ وهو مؤمنٌ، ولا يَسرِقُ حينَ يَسرِقُ وهو مؤمنٌ، ولا ينتهبُ نُهُبةً
يَرفعُ الناسُ إليهِ فيها أبصارَهم حينَ يَنتهبُها وهو مؤمنٌ، ولا يَغُلُّ أحدُكُمْ حينَ
یَغُلُّ وهو مؤمنٌ، فإِیاکُمْ وإِیاُمْ)، رواه أبو هريرة څ﴾.
((وقال أبو هريرة ظه: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -:
لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)»: الواو للحال؛ أي: حال كونه كاملاً في
إيمانه، أو: ذو أمْنٍ من عذاب الله تعالى، أو المراد: مؤمن لله؛ أي: مطيع له،
يقال: أمِنَ له: إذا انقاد وأطاع.
وقيل: المراد به: خروجه عن الإيمان بدليل ما روى أبو هريرة عن النبي ◌َّ
أنه قال: ((إذا زنى أحدكم خرج منه الإيمان، وكان فوق رأسه كالظَّلةِ، فإذا انقطع
رجع إليه الإيمان)).
((ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو
مؤمن، ولا ينتهب)): من نهب: إذا أغار على أحدٍ وأخذَ ماله قهراً.
((نهبة)) بالفتح: مصدر، وبالضم: المال الذي انتهبه .
٧٣

((يرفع الناس)): صفة (نهبة).
((إليه فيها))؛ أي: إلى الناهب في تلك النهبة.
((أبصارهم)): مفعول (يرفع).
(حين ينتهبها وهو مؤمن، ولا يغل أحدكم)): من غل غلولاً: إذا سرق من
الغنيمة، أو خان في أمانته.
((حين يغل وهو مؤمن)): وقيل: المراد به: الزجر والوعيد والإنذار
لمرتكب هذه الكبائر بسوء العاقبة؛ إذ لا يؤمن عليه أن يقع في الكفر.
((فإياكم)): نصب على التحذير؛ أي: أحذركم من فعل هذه الأشياء
المذكورة.
((وإياكم)): كرره للتأكيد والمبالغة فيه.
٣٧ - وفي رواية ابن عبَّاس ◌ِ﴾: «ولا يقتُلُ حينَ يقتُلُ وهو مؤمنٌ)).
((وفي رواية ابن عباس ﴿ه: ولا يقتل حين يقتل وهو مؤمن))؛ يعني:
رواية ابن عباس كرواية أبي هريرة، إلا أنه يزيد: ولا يقتل ... إلى آخره.
٣٨ - وقال: ((آيةُ المُنافق ثلاثٌ وإنْ صامَ وصلَّى وزعمَ أنَّهُ مسلمٌ: إذا
حدَّثَ كذبَ، وإذا وعد أخلفَ، وإذا انْتُمِنَ خانَ)، رواه أبو هريرة فـ
((وعن أبي هريرة أنه قال - صلى الله تعالى عليه وسلم -: آية المنافق))؛
أي: علامته.
((ثلاث))؛ أى: ثلاث خصال.
٧٤

((وإن صام وصلى وزعم))؛ أي: اذَّعى.
((أنه مسلم))؛ يعني: لا ينفعه صومه وصلاته يوم القيامة.
((إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف))؛ أي: لم يُوفِ بوعده، والاسم منه :
الخُلف بالضم.
(وإذا ائْتُمِن))؛ أي: إذا جُعِل أميناً، ووضع عنده أمانة .
((خان)): قيل: هذا على سبيل إنذار المسلم وتحذيره أن يعتادَ هذه
الخصال، فتفضي به إلى النفاق، ولذا قيَّدها بـ (إذا) المقتضية للتكرار.
٣٩ - وقال: ((أربعٌ مَنْ كُنَّ فيهِ كان مُنافِقاً خالصاً، ومَنْ كانتْ فيهِ خَصْلةٌ
مِنهنَّ كانتْ فيهِ خَصلةٌ مِنَ النفاقِ حتى بدَعَها: إذا ائْتُمِنَ خانَ، وإذا حدَّثَ
كذبَ، وإذا عاهدَ غدرَ، وإذا خاصَم فجَرَ))، رواه عبدالله بن عمرو ﴾﴾.
((وعن عبدالله بن عمرو أنه قال: قال رسول الله وَّهى: أربع من كنَّ
فيه))؛ أي: اجتمعت هذه الخصالُ فيه بتأويل اعتقاد استحلالها .
((كان منافقاً خالصاً)؛ لأنه يظهر الإسلام، ويخفي الكفر، أما من كُنَّ فيه
هذه الخصال لا عن اعتقاد استحلالها، فلا يكون منافقاً شرعياً، بل يكون عُرفياً،
وهو الذي يراعي أمور الدين علناً، ويترك محافظتها سراً، ويدل عليه قوله:
((ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلةٌ من النفاق حتى بدعها))؛ أي:
یتر کھا .
((إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر))؛ أي: ترك الوفاء
بذلك العهد .
((وإذا خاصم فجر))؛ أي: مالَ عن الحق، والمراد به هنا: الشتم والرمي
٧٥

بالأشياء القبيحة .
وقيل: هذا مخصوص بزمانه عليه الصلاة والسلام؛ لاطلاعه بنور الوحي
[على] بواطن المتصفين بهذه الخصال، فأَعلمَ أصحابه نفاقهم؛ ليحترزوا عنهم،
وإنما لم يعينهم حذراً عن الفتنة بأن يلحقوا بالمحاربين.
٤٠ - وقال: ((مَثَلُ المنافِقِ كمثَلِ الشَّاةِ العائرةِ بينَ الغَنميْنِ، تَعِيرُ إلى هذه
مرَّةً، وإلی هذه مرَّةً)، رواه ابن عمر ھا.
((وعن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صله: مثل المنافق كمثل الشاة
العائِرَة)): من (عار يعير): إذا تفرَّد وشرد.
(بين الغنمين؛ تعير إلى هذا مرة، وإلى هذه مرة)»: شبّه - عليه الصلاة
والسلام - تردّدَ المنافقين بين الطائفتين من المؤمنين والمشركين تبعاً لهواه
وقصداً لغرضه الفاسد بالشاة المترددة بين طائفتين من الغنم؛ طلباً للفحل، فلا
يستقرُّ على حالة، ولا يثبت مع إحدى الطائفتين، وقد وصفهم الله تعالى بذلك
فقال: ﴿مُذَبَذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَآ إِلَى هَؤُلَاءٍ وَلَآ إِلَ هَؤُلَاءٍ﴾ [النساء: ١٤٣]، وفي تشبيهه
بالشاة من أعلى ذكره بالشناعة وأوفره، وهو من باب تشبيه المحسوس
بالمحسوس بمعنى عقلي، وهو تشبيهٌ مرگَّب.
من الحسان :
٤١ - عن صفوان بن عسَّالٍ ﴿ه قال: قال يهوديّ لصاحبهِ: اذْهَبْ بنا إلى
هذا النبيِّ، فقال له صاحبهُ: لا تقُل: نبيٌّ، إنَّه لو سمعكَ لكان له أربعة أعيُنٍ، فَأَيَا
رسولَ الله ◌َ﴿، فسألاه عن تِسْعِ آيَاتٍ بيناتٍ، فقال لهما رسولُ الله ◌َلات :
٧٦

((لا تُشْرِكُوا بالله شيئاً، ولا تَسْرِقُوا، ولا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ التي حرَّمَ الله إلاَّ
بالحقِّ، ولا تمشُوا ببريءٍ إلى ذِي سُلطانٍ ليقتُلَهُ، ولا تَسْحَرُوا، ولا تَأْكُلُوا الرِّبَا،
ولا تَقْذِفُوا مُحصَنَةً، ولا تَوَلَّوْا للغِرار يومَ الزَّحْفِ، وعليكُمْ خاصَّةً اليهود أنْ:
﴿لَا تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ﴾))، قال: فقبَّلاَ يديْهِ ورِجْلَيْهِ، وقالا: نشهدُ أنَّكَ نَبِيٌّ، قال: ((فما
يمنعُكُمْ أنْ تَّبِعوني؟))، قالا: إنَّ داودَ دعا ربَّهُ أنْ لا يزالَ من ذُرََّتِهِ نَبَيٌّ، وإِنَّا نخافُ
إِنِ تَبَعْنَاكَ أنْ تَقْتُلَنَا اليهودُ.
((من الحسان)):
((عن صفوان بن عسال أنه قال: قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا»: الباء
للتعدية، أو بمعنى: مع؛ أي: كن صاحبي ورفيقي لنأتي ((إلى هذا النبي ◌َّ)،
ونسأل عنه مسائل، ((فقال له صاحبه: لا تقل له: نبي؛ إنه لو سمعك))؛ يعني:
لو سمع محمد أنك تقول له: نبي.
((كان له أربع أعين)): هذا كناية عن شدة الفرح والسرور التام، فإن مَنْ
فرحَ يزداد به نوراً إلى نور عينه، فيصير كأنه يبصر بأربع أعين.
((فأتيا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فسألاه عن تسع آيات)):
جمع آية، وهي: العلامة الواضحة.
(بينات)): جمع بينة، وهي: الظاهرة، والمراد بها الأحكام المفصَّلة
المبينة في التوراة التي أخبر الله تعالى عنها في كتابه في (سورة بني إسرائيل):
وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى نِسْعَ ◌َايَتٍ بَيِنَتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١]، لا التسع التي هي
المعجزات.
((فقال لهما رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: لا تشركوا بالله
شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق،
ولا تمشوا بيرئ)): الباء للتعدية، و(البريء): عن الإثم.
٧٧

((إلى ذي سلطان)): هو بمعنى: السلطنة هنا، وهي: القدرة؛ يعني:
لا تقولوا السوء [في] من ليس له ذنب عند السلطان، ولا تنسبوه إلى ذنبٍ إذا لم
یکن له ذنبٌ .
((ليقتله، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تولوا)):
أصله بتائين حُذِفت إحداهما؛ لأنه من (التولي)، وهو: الإعراض، وقيل: بضم
التاء، من ولَّى تولية: إذا أدبر للفرار.
(يوم الزحف))؛ أي: الحرب.
((وعليكم)): كلمة الإغراء، أي: الزموا واحفظوا هذا الحكم.
((خاصة)): نصب على أنه حال عامله ما في (عليكم) من معنى الفعل، أو
تمييز، والخاصة: ضد العامة .
((اليهودَ)): نصب على التفسير؛ أي: أعني: اليهود، والمراد به: اليهوديون،
كما يقال: زنجي وزنج، وعُرِّف على هذا التأويل، وإلا لم يجز دخول لام التعريف
فيه؛ لأنه معرفة يجري مجرى القبيلة.
وفي بعض الروايات: (يهود) - بالرفع بدون التعريف - منادی حُذِف
حرف ندائه، وإنما حُذِف هنا مع أنه اسم جنس، لأنه لشدة اختصاصه بهذه الأمة
الخبيثة جرى مجرى العلم؛ يعني: ما مضى من الأحكام مشترك فيها جميع
الناس، وأما هذا الأخير؛ فخطابها لليهود خاصةً، وهو :
((أن لا تعدوا في السبت))؛ أي: لا تجاوزوا أمرَ الله فيه بأن لا تصيدوا
السمك يوم السبت، وهذا حكاية ما كان ثابتاً في شريعتهم.
(قال))؛ أي: الراوي.
((فقبلا یدیه))؛ أي: اليهوديان يدي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
((ورجليه)): لما أجابهما عمَّا سألاه.
٧٨

(وقالا: نشهد أنك نبي، قال وَسير: فما يمنعكم أن تتبعوني)): وإنما قال
بصيغة الجمع والمخاطب اثنان؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - أرادهما وغيرهما
من اليهود؛ لاعتراف اليهود كلهم بنبوته، ولكن إلى العرب خاصة، فغلَّب من
حضر على غيره؛ أي: أي شيء يمنعكم عن الإسلام؟ فإنكم مأمورون في
التوراة بمتابعتي وبالإيمان بي إذا بُعثت.
((قالا: إن داود - عليه السلام - دعا ربه أن لا يزال))؛ أي: لا ينقطع ((من
ذريته نبي)) إلى يوم القيامة، ويكون دعائه مستجاباً البتة، فسيكون نبيٌّ من ذريته،
ويتبعه اليهود، وربما يكون لهم الغلبة والشوكة.
((وإنا نخاف إن اتبعناك أن يقتلنا اليهود)»: وهذا عذرٌ منهم في عدم
متابعتهم إياه، وقولهم: (إن داود عليه السلام دعا ربه) كذبٌ منهم وافتراء عليه؛
لأن داود - عليه السلام - قرأ في التوراة والزبور نعتَ محمد - عليه الصلاة
والسلام - أنه خاتم النبيين، وتنسخ به جميعُ الأديان والكتب، فكيف يدعو على
خلاف ما أخبره الله تعالى من شأن محمد عليه الصلاة والسلام؟ ولئن سُلِّم،
فعيسى - عليه السلام - من ذريته، وهو نبي باقٍ إلى يوم القيامة.
٤٢ - عن أنس به قال: قال رسول الله وَّهُ: ((ثلاثٌ من أصلِ الإِيمانِ:
الكفُّ عمَّنْ قال: لا إله إلاَّ الله، لا تُكفِّرْهُ بذنبٍ، ولا تُخرجْه من الإِسلامِ
بعمَلٍ، والجهادُ ماضٍ مُذْ بعثَي الله إلى أن يُقاتِلَ آخرُ أُمتي الدجَّالَ، لا يُبطلهُ
جوْرُ جائرٍ، ولا عَدلُ عادلٍ، والإِيمانُ بالأَقْدَارِ)).
((وعن أنس به أنه قال: قال رسول الله بصير: ثلاث))؛ أي: ثلاث خصال
((من أصل الإيمان: الكف عمن قال: لا إله إلا الله، لا تكفر بذنب)): بيان
للكفِّ، ولذا قطعه عنه، والتكفير: نسبة أحدٍ إلى الكفر، والخطابُ فيه مع
٧٩

الراوي؛ يعني: لا يصير كافراً بعد الإقرارِ بكلمتي الشهادة بسبب ذنب اجترحَهُ،
ما لم يدخل الكفرَ .
((ولا تخرجه من الإسلام بعمل)) سوى الكفر، وفيه دلالةٌ على أن أصحاب
الكبائر لا يخرجون بالفسق عن الإيمان.
((والجهاد ماض))؛ أي: نافذ.
((منذ بعثني الله))؛ أي: من ابتداء زمان بعثتي.
(إلى أن يقاتل آخرُ أمتي الدجّال)): وهذا لأن بعده يكون خروج يأجوج
ومأجوج، ولا طاقة لأحد بمقاتلهم، وبعد إهلاك الله إياهم لا يبقى على وجه
الأرض كافرٌ ما دام عيسى حياً في الأرض، أما ما بعده؛ فسيجيء إن شاء الله
تعالى في ذكر الدجّال.
((لا يبطله))؛ أي: الجهاد.
((جورُ جائر)»؛ يعني: لا يجوز تركه بأن يكون الإمام ظالماً، بل يجب على
الناس طاعته في الجهاد، قال عليه الصلاة والسلام: ((الجهادُ واجبٌ عليكم مع
كل أمير؛ براً كان أو فاجراً، وإن عمل الكبائر)).
((ولا عدل عادل))؛ أي: لا يبطله عدل الإمام العادل بحيث يحصل مع
عدله سكونُ المسلمين وتقويتهم وغناؤهم بحيث لا يحتاجون إلى الغنيمة.
(والإيمان بالأقدار)»: جمع: القدر، تقدم بيانه.
٤٣ - عن أبي هريرة ﴿ه قال: قال رسول الله ◌َّهِ: ((إذا زنى العبدُ خرجَ منه
الإِيمانُ، فكان فوقَ رأسِهِ كالظَّلَّةِ، فإذا خرج منْ ذلكَ العمَلِ رجعَ إليهَ الإِيمانُ».
((وعن أبي هريرة ظه أنه: قال: قال رسول الله بَّه: إذا زنى العبد))؛ أي:
٨٠