النص المفهرس

صفحات 41-60

غيرُها؟ فقال: ((لا إلاَ أنْ تَطَوَّعَ). قال: فأدبرَ الرجلُ وهو يقولُ: والله لا أزيدُ على
هذا ولا أنقُصُ منهُ، فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((أفلَحَ الرَّجلُ إِنْ صدقَ)).
((عن طلحة بن عبيدالله أنه قال: جاء رجل)) يقال له: ضمام بن ثعلبة وافد
بني سعد .
((إلى رسول الله (89) من أهل نجد)) وهو في الأصل: ما ارتفع من الأرض،
ضد التهامة، وهي الغور، وكل ما ارتفع من تهامة الأرض إلى أرض العراق
نجد، كذا في ((الصحاح)).
(ثائر الرأس)) بالرفع: صفة (رجل)، من ثار الغبار: إذا ارتفع وانتشر؛
أي: منتشر شعر الرأس بحذف المضاف، إذ من عادة أهل البادية انتشار الشعر،
وبالنصب: حال لوصفه، وإنما لم يتقدم على ذي الحال وهو منكَّر؛ لأنه قد
تخصَّصَ بالصفة وهي: (من أهل نجد).
((نسمع دوي صوته))؛ أي: خفيف صوته؛ لأن الدوي: الصوت الذي
ليس بالعالي كصوت النحل.
((ولا نفقه))؛ أي: لا نفهم من البعد ((ما يقول)) لضعف صوته.
((حتى دنا))؛ أي: قرب من النبي ◌ّ ((فإذا هو))؛ أي: الرجل ((يسأل عن
الإسلام))؛ أي: عن فرائضه لا عن حقيقته، ولهذا لم يذكر الشهادتين فيه.
((فقال رسول الله وَله: خمس صلوات))؛ أي: هي خمس صلوات ((في
اليوم والليلة)) ولم يبين أوقاتها وكمية ركعاتها وكيفيتها واختصاص البعض بالليل
والبعض بالنهار؛ لشهرتها وعلم السائل بها .
((فقال))؛ أي: الرجل: ((هل علي غيرهن)) من الصلوات؟
((فقال: لا)) ليس عليك غيرهن ((إلا أن تطوَّع)» بحذف إحدى التائين، وهو
من الطاعات: ما يفعله الرجل عن طوعه ورغبته من غير أن يوجبه الشرع.
٤١

«قال: وصيام شهر رمضان)): عطف على (خمس).
((قال: هل علي غيره؟))؛ أي: هل علي صوم فرض سوى شهر رمضان؟
((قال: لا إلا أن تطوع)»
((قال))؛ أي: الرواي ((وذكر رسول الله في الزكاة فقال: هل عليَّ غيرها؟
فقال: لا إلا أن تطوع)) ولم يذكر الحج هنا لاحتمال أنه سقط ذكره من بعض
الرواة.
((قال))؛ أي: الراوي: ((فأدبر الرجل))؛ أي: ذهب ((وهو)) يحلف ((ويقول:
والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال رسول الله ومافى: أفلح الرجل))؛ أي:
دخل في الفلاح وهو الظفر بالمراد الصالح ((إن صدق)) إنما حكم ◌َّر بكونه من أهل
الجنة مطلقاً في رواية أبي هريرة، وهنا علق الفلاح بصدقه.
وقد روي أن الحديثين واحد؛ لأنه يحتمل أنه قال بحضور الأعرابي لئلا
يغتر فيتكل عليه، فلما ذهب قال: (من سره ... ) إلخ، ويحتمل أنه كان قبل أن
يُطلعه الله علی صدقه ثم أطلعه الله علیه.
وأيضاً لا يلزم من كون الرجل من أهل الجنة أن يكون مفلحاً؛ لأن المفلح
هو الناجي من السخط والعذاب، وكل مؤمن من أهل الجنة، وليس كل مؤمن
بمفلح.
وأيضاً إنما يَرِدُ هذا إذا كان اللام في (الرجل) للعهد، وإذا كان لتعريف
الجنس فلا .
١٥ - وعن ابن عبّاس أنَّه قال: إنَّ وفدَ عبدِ القَيْسِ لمَّا أَتَوا النبيَّ ◌َِّ قال:
(مَنِ القومُ - أو: مَنْ الوفدُ ـ؟))، قالوا: ربيعةُ، قال: ((مرحباً بالقومِ - أو: بالوفدِ -
٤٢

غيرَ خَزايا ولا نَدَامَى))، قالوا: يا رسولَ الله! إنّ لا نستطيعُ أنْ نأتيكَ إلاَّ في
الشهر الحرام، وبيننا وبينكَ هذا الحيُّ من كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرنا بأمرٍ فَصْلٍ نُخبرُ بهِ
مَنْ وراءنا، وندخُلُ بهِ الجنَّةَ، وسأَلُوهُ عنِ الأشربةِ، فأمرهُم بأربعٍ، ونهاهُم عن
أربع: أمرهُمْ بالإِيمانِ بِالله وحدَه، فقال: ((أتدرونَ ما الإِيمانُ بِالله وحده؟))،
قالوا: الله ورسولهُ أعلمُ، قال: ((شهادةُ أنْ لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً رسولُ الله،
وإقامُ الصَّلاةِ، وإيتاءُ الزكاةِ، وصِيامُ رمَضانَ، وأنْ تُعطُوا من المَغْنَمِ الخُمُس))،
ونهاهُمْ عن أربع: عنِ الحَيْتُمِ، والدُّبَاءِ، والنَّقيرِ، والمُزفَّت، وقال: ((احفظوهنَّ،
وأخبروا بهنَّ مَنْ وَراءكم)) .
((عن ابن عباس ﴿ه أنه قال: إن وفد)): جمع وافد، من وَفَدَ فلان على
الأمير: إذا ورد إليه رسولاً .
((عبد القيس)): اسم قبيلة معروفة، وهم يتفرقون قبائل كثيرة، إحدى
قبائلهم ربيعة؛ يعني: الجماعة الذين أرسلهم قومهم إلى النبي ◌َّ ليتعلموا
الدین .
(لما أتوا النبي ◌َّ)) وأُخبر ◌َّ بقدومهم.
((قال: من القوم؟ أو: من الوفد؟»: شك من الراوي.
((قالوا)؛ أي: الوفد: ((ربيعة))؛ أي: نحن ربيعة، أو وفد ربيعة.
((قال: مرحباً)): هو مفعول به لمقدَّرٍ، والباء في: ((بالقوم أو بالوفد))
زائدة؛ أي: أتى القوم موضعاً رحباً؛ أي: واسعاً لا ضيقاً، أو مفعول مطلق
فالباء للتعدية؛ أي: أتى الله بالقوم مرحباً.
((غير)): منصوب على الحال من (القوم)، ((خزايا)): جمع خزيان، من
الخزي وهو الذل والإهانة .
(ولا ندما)): جمع ندمان، من الندامة، وإنما قال لهم ذلك لأنهم دخلوا
٤٣

في الإسلام طوعاً لم يصبهم مكروه من حرب أو سبي يخزيهم، أو لأن الوفد قد
يلحقه نقيصةٌ من قِبَل مَن وفد عليه، أو ندامة أو خيبة من سفره حيث لم يجد
قضاء حاجته .
والمعنى: ما كنتم بالإتيان إلينا خاسرين خائبين كبعض الأمراء إذا أتاهم
وفد فلا يعطونهم حقهم ولا يقضون حاجتهم.
(قالوا: يا رسول الله! إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام)) قالوا
ذلك اعتذاراً إليه * عن عدم الإتيان في غير هذا الوقت؛ لأن أهل الجاهلية كانوا
يحاربون بعضهم بعضاً ويكفُّون عن ذلك في الأشهر الحرم: ذي القعدة وذي
الحجة والمحرم ورجب تعظيماً لها، وكان هذا في أول الإسلام، فنسخ بقوله
تعالى: ﴿وَأَقْتُلُوُهُمْ حَيْثُ نَفِّفْئُمُوهُمْ﴾ .
(وبيننا وبينك هذا الحي)) يريد به بطناً من بطون مضر، فتكون (من) في:
((من كفار مضر)) تبعيضية، أو يريد به نفس مضر فتكون (من) للتبيين؛ أي: هذا
الحي الذي هو مضر، وهو اسم قبيلة، وكان بينهم وبين قبيلة الوفد عداوة.
((فمرنا بأمر فصل)) صفة لـ (أمر)، مصدر بمعنى فاصل؛ أي: فاصل بين
الحق والباطل، أو المعنى: ذي فصل؛ أي: بين واضح ينفصل بها المراد
ولا یشکل.
(نخبر)): بالرفع صفة ثانية لـ (أمر) أو استئناف، وبالجزم جواب الأمر.
«به))؛ أي: بسببه.
((من ورائنا))؛ أي: خلفنا؛ يعني: من تركناهم في أوطاننا من قبائلنا
وعشائرنا .
((وندخل به)) عطف على (نخبر)؛ أي: ندخل بسبب قبول أمرك والعمل به
((الجنة))، فإن دخول الجنة إنما هو بفضل الله، والعملُ الصالح سببه، كما أن
٤٤

الأكل سبب الشبع والمُشبع هو الله.
((وسألوه)؛ أي: الوفدُ النبيَّ وَّ ((عن الأشربة)): جمع الشراب، وهو اسمُ
لكل ما يشرب، وإنما سألوه عنها تورعاً منهم عن الشبهة، فإن العرب معتادة
شرب الأنقعة والأنبذة، ويرونه نافعاً عن مضارِّ المياه والأهوية الردية في
الأراضي الوخمة.
((فأمرهم بأربع)) خصال «ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان بالله وحده)
نصب على الحال؛ أي: واحداً لا شريك له.
((قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم)) تأدباً بين
یدیه، وطلباً لسماع الكلمتين منه عليه السلام.
((قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله)) والمراد بالإيمان هنا
الإسلام والتصديق بهاتين الشهادتين، فيتحقق الإيمان بهما.
((وإقام الصلاة)) خبر مبتدأ محذوف.
وفي الكلام تقديم وتأخير، تقديره: أمرهم بالإيمان بالله وحده قال:
أتدرون ما الإيمان ... إلى آخر الشهادتين، وأمرهم عقيب ذلك بأربع وهي:
إقام الصلاة .
(وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم)) الحاصل من
المحاربة مع الكفار ((الخمس)) وفيه إشعار بأن الخمس واجب على المخاطَبين
وغيرهم من الغانمين وإن لم يكن الإمام حاضراً.
وإنما لم يذكر الحج لاحتمال أنه لم يكن واجباً بعدُ أو لنسيان الراوي، أو
ذكر إعطاء الخمس موضع الحج لمَّا رأى أن القوم إلى هذا الحكم أحوج، وذِكْرُ
الأهم أولی من غيره.
((ونهاهم عن أربع: عن الحَنتم)) وهو - بفتح الحاء المهملة -: جرة خضراء
ینبذ فيها .
٤٥

(والدُّبَّاء)) بضم الدال وتشديد الباء بالمد والقصر: القَرْع.
((والنقير)) أصله: نخلة أو خشبة ينقر فيتخذ منه أوعية ينبذ فيها .
(والمزفت)): الوعاء المطلي بالزفت، يعني: نهاهم عن أشربة الأواني
الأربع؛ لأن في هذه الأربعة يصير الماء مسكراً عن قريب؛ لأنها غليظة لا منفذ
للريح فيها، ولا يترشح منها الماء، فيتغير عن زمان قريب.
((وقال: احفظوهن))؛ أي: هذه الكلمات المذكورة من الأوامر والنواهي
واعملوا بهن ((وأخبروا بهن من ورائكم)) قيل: فيه دلالة على أن إبلاغ الخبر
وتعليم العلم الشرعي واجب إذ الأمر للوجوب.
١٦ - وعن عُبادة بن الصَّامِت ◌َ﴾ قال: قال رسول الله لَّهِ وحوله عِصابةٌ
من أصحابهِ: ((بايعوني على أنْ لا تُشْرِكوا بالله شيئاً، ولا تَسْرِقوا، ولا تَزْنُوا،
ولا تَقْتُلُوا أَولادكم، ولا تأتوا بُهتانٍ تفترونَهُ بينَ أيديكمْ وأرجُلِكُمْ، ولا تَعْصُوا
في مَعْروفٍ، فمنْ وَفَى منكم فَأَجْرُهُ على الله، ومَنْ أصابَ مِنْ ذلك شيئاً
فعُوقِبَ في الدُّنيا فهوَ كفَّارةٌ له، ومَنْ أصابَ مِنْ ذلك شيئاً ثمَّ سَتَرَهُ الله عليه فهُوَ
إلى الله، إنْ شاءَ عَفا عنهُ، وإنْ شاءَ عاقَبَهُ، فبايعْناهُ على ذلك)).
(وعن عبادة بن صامت أنه قال: قال رسول الله وَله: وحوله)) الواو
للحال، نُصب على الظرف خبر المبتدأ الذي هو: ((عصابة)) وهي بالكسر:
الجماعة يشد بعضهم بعضاً، مأخوذ من العصب: الشد، كأنهم يشد بعضهم
بعضاً شدَّ الإعصاب.
وقيل: هي اسم جماعة من الرجال ما بين العشرة إلى أربعين.
((من أصحابه: بايعوني))؛ أي: اضمنوا وأقبلوا إلي وتعاهدوا على هذه
الأشياء.
٤٦

((على أن لا تشركوا بالله شيئاً) مفعول به أو مفعول مطلق، نحو:
ما ضربت زيداً شيئاً؛ أي: لا تتخذوا إلهاً غيره.
((ولا تسرقوا))؛ أي: لا تأخذوا مال أحد خفية من حرزٍ .
((ولا تزنوا)) الزنا مداً وقصراً: إيلاج فرج في فرج بلا علاقةِ نكاحٍ وملكِ
يمين وشبهة .
((ولا تقتلوا أولادكم)) وإنما خص الأولاد لأن عادة العرب كانوا يقتلون
أولادهم خشية الفقر، وربما يقتل الرجل البنت من خوف لحوق العار به بظهور
الزنا علیها، فنهاهم عنه.
((ولا تأتوا ببهتان)) الباء للتعدية؛ أي: بما يبهت المكذوب عليه؛ أي:
يدهشه ويجعله متحيراً لفظاعته فيبقى مبهوتاً، والمراد: قذف أهل الإحصان.
«تفترونه)» صفة بهتان؛ أي: تختلقونه.
(بين أيديكم وأرجلكم))؛ أي: من عند أنفسكم، فاليد والرجل كنايتان
عن الذات والنفس إطلاقاً للبعض على الكل؛ لأن معظم أفعال الإنسان بهما.
وقيل: معناه: لا تبهتوا الناس بالعيوب كفاحاً يشاهد بعضهم بعضاً، كما
يقال: فعلت هذا بين يديك؛ أي: بحضرتك، وهذا النوع أشد البهت.
وقيل: معناه: لا تُلحقوا بالرجال الأولاد من غير أصلابهم، فإن إحداهن
في الجاهلية كانت تلتقط المولود وتقول لزوجها: هو ولدي منك، فعبر بالبهتان
المفترى بين يديها ورجليها عن الولد الذي تُلحقه بزوجها كذباً؛ لأن بطنها الذي
يحمله بین یدیها، وفرجها الذي تلده منه بین رجليها .
((ولا تعصوا في معروف))؛ أي: لا تخالفوا أمرَ مَن يأمركم بالمعروف،
وهو ما عرف أنه من أوامر الشرع وما فيه خير وثواب، وإنما قيّد النهي عن
العصيان بكونه في معروف؛ لأن عصيان مَن يدعو إلى المعصية لازم.
٤٧

((فمن وفى منكم)) بذلك؛ أي: بالانتهاء عن المنهيَّات المذكورة.
«فأجره))؛ أي: ثوابه ((على الله، ومن أصاب))؛ أي: فعل ((من ذلك))؛ أي:
من المنكرات، حال من ((شيئاً).
«فعوقب» به ((في الدنيا))؛ أي: أقيم عليه حد ذلك الفعل.
((فهو))؛ أي: عقابه في الدنيا بإقامة الحد عليه ((كفارة له))؛ أي يكفِّر إثمه(١)
ذلك، ولم يعاقب في الآخرة، وهذا خاصٌّ بغير الشرك، فإن المشرك لا يكفر
عنه إثم شر كه بقتله بالشرك في الدنيا.
وفي الحديث إرشاد إلى أن الأجر إنما يُنال بالوفاء بالجميع، وأن العقاب
ينال بترك أيِّ واحد كان من الجميع .
((ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله))؛ أي: ذلك الشيء المصاب.
((عليه)) ولم يهتك ستره بين الناس في الدنيا، ولم يُقَمْ عليه حد ذلك
الفعل.
((فهو))؛ أي: المستور عليه مفوَّض أمره ((إلى الله)) يوم القيامة ((إن شاء
عفى عنه))؛ أي: ترك عقوبته عن الذنب ((وإن شاء عاقبه)) بقَدْرِ ذنبه.
«فبايعناه على ذلك))
وفي هذا دلالة صريحة على أنه لا يجب عليه تعالى عقاب عاصٍ، فهو
دليل على المعتزلة؛ فإنهم يوجبون العقاب على الكبائر قبل التوبة، وإنما قدم
العفو على العقاب لقوله تعالى: ((سبقت رحمتي عذابي)).
(١) في ((غ)): ((إثم)).
٤٨

١٧ - وعن أبي سعيد الخُدريِّ ﴿ه أنه قال: خرجَ رسولُ اللهِص ◌ِر في
أَضْحَى - أو: فِطْرٍ - إلى المُصلَّى، فمرّ على النِّساءِ فقال: ((يا معشرَ النِّساءِ!
تصدَّقْنَ، فإني أُريِتُكنَّ أكثرَ أهلِ النّارِ))، فقُلْنَ: وبمَ يا رسولَ الله؟ قال: ((تُكثِرْنَ
اللَّعْنَ، وتكفُرْنَ العَشيرَ، ما رأيتُ مِنْ ناقِصاتٍ عقلٍ ودِينٍ أَذْهبَ لِلُبِّ الرجلِ
الحازِمِ مِنْ إحداكنَّ»، قُلن: وما نُقُصانُ ديننا وعَقْلنَا يا رسولَ الله؟ قال: ((أليسَ
شهادةُ المرأةِ مثلَ نصْفِ شهادةِ الرجل؟))، قُلن: بلى، قال: ((فذلك من نُقُصان
عَقْلِها))، قال: ((أليسَ إذا حاضَتْ لم تُصَلِّ، ولم تَصُمْ؟))، قُلن: بلى، قال:
«فذلك من نقصانِ دینِها».
((وعن أبي سعيد الخدري أنه قال: خرج رسول الله - صلى الله تعالى عليه
وسلم - في أَضحّى)) بفتح الهمزة والتنوين، واحده أضحاة لغة في أُضحية؛ أي:
في عيد أضحية.
((أو فطر)): شك من الراوي.
((إلى المصلى)) وهو الموضع الذي يصلى فيه.
«فمر على النساء)) يتعدى (مر) بـ(على) كما بالباء.
((فقال: يا معشر النساء))؛ أي: يا جماعة النساء.
(تصدقن))؛ أي أعطين الصدقة.
((فإني أريتكن)): مجهول من أرى إذا أعلم، وله ثلاثة مفاعيل: أحدها
التاء القائم مقام الفاعل، والثاني (كن)، والثالث: ((أكثر أهل النار))؛ يعني:
أعلمت بأنكن أكثر دخولاً في النار من الرجال.
((فقلن: وبم)) أصله: (بما) حذفت ألف (ما) الاستفهامية بدخول حرف
الجر، عطف على مقدر؛ أي: كيف يكون ذلك وبأي شيء أكثرنا في النار؟
(يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن)): أصل اللعنة: الإبعاد والطرد من
٤٩

الخير، ويستعمل في الشتم والكلام القبيح لأحد، يعني: عادتكن كثرة الشتم
وإيذاء الناس باللسان.
((وتكفرن العشير)) اسم من المعاشرة، والمراد هنا الزوج؛ لأنه يعاشرها
وتعاشره، من العشرة بمعنى الصحبة، وكفرانُها جحود نعمته، يعني: تنكرن حق
أزواجکن ولا تؤدین حق إنعامهم علیکن، ومَن لم یشکر الناس لم یشکر الله،
ومَن لم يشكر الله يستحق العذاب.
((ما رأيت)) مفعوله الأول محذوف؛ أي: ما أبصرت أحداً ((من ناقصات
عقل)) صفة لمفعوله المحذوف ((ودين أذهب)) صفة أخرى له، ويجوز أن يكون
(رأيت) بمعنى علمت و(من) زائدة لتأكيد النفي داخلة على المفعول الأول،
ومفعوله الثاني (أذهب) أفعل التفضيل من الإذهاب لمكان اللام في: ((للب
الرجل)) فمعناه: أكثر إذهاباً للُّب، وهو العقل، وهذا جائز على رأي سيبويه كـ
(هو أعطاهم للدراهم).
((الحازم)) صفة (الرجل)؛ أي: الضابط لأمره، المحترز الآخذ بالثقة فيه،
وذكرُه مع ذكر اللب مشعرٌ بأن فتنتهن عظيمة تذهب بعقول الألباب الحازمين،
فما ظنك بغیرهم؟!
((من إحداكن)) وإنما لم يقل: منكن؛ لأن الواحدة إذا كانت على هذه
الصفة الذميمة فكونهن عليها أولى من غير عكس.
((قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة
مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان عقلها)) اعلم أن
العقل في الشرع عبارة عن معنّى في الشخص يعقله؛ أي: يمنعه عن الهلاك
والخسران في الآخرة بعاقل، فمَن كان ذا تجربة في أمور ولم ينته عما هو سبب
هلاكه وخسرانه في الآخرة فليس بعاقل، فالمراد بالعقل هنا العقل الديني.
٥٠

((قال أليس)) اسمها ضمير الشأن وخبرها: ((إذا حاضت)) وإنما لم يقل: إن
حاضت؛ لأن المرأة قلما تخلو عن الحيض، ((لم تصل ولم تصم، قلن: بلى،
قال: فذلك))؛ أي: كونها غير مصلية ولا صائمة ((من نقصان دينها)) والدين
عبارة عن جميع الخصال الحميدة، وفيه دلالة على أن النقص عن الطاعات نقص
من الدین.
١٨ - وقال رسول الله وَّهِ: ((قال الله تعالى: كذَّبني ابن آدمَ، ولم يكنْ له
ذلك، وشَتمني، ولمْ يكنْ له ذلك، فأمَّا تكذيبُهُ إِيَّايَ فقوله: لن يُعيدَني كما
بدأَني، وليسَ أولُ الخلق بأهونَ عليَّ من إعادتهِ، وأما شَتْمُهُ إِياميَ فقوله: اتَّخِذَ الله
ولداً، وأنا الأَحدُ الصَّمدُ، لم ألِدْ ولم أُولَد، ولم يَكُنْ لِي كُفُواً أحدٌ».
وفي رواية: ((فسُبحاني أن أنَّخذَ صاحبةً أو ولداً)، رواه ابن عباس
((وقال أبو هريرة: قال رسول الله وَّه: قال الله تعالى: كذبني ابن آدم))؛
أي: نسبني إلى الكذب، وهو اختراع الكلام على خلاف الواقع.
((ولم يكن له ذلك)) التكذيب؛ لأن الله تعالى أنعم أنواع الإنعام والفضل
على العباد، فتكذيبهم ربَّهم يكون على غاية القبح.
((وشتمني)) (الشتم): وصف الغير بما فيه نقصٌ وإزراء(١).
((ولم يكن له ذلك)) الشتم.
((فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني)) (الإعادة): هي الإيجاد بعد العدم
المسبوق بالوجود؛ يعني: لن يحييني بعد موتي.
(١) في ((ت)): ((وازدراء)).
٥١

((كما بدأني))؛ أي: أوجدني عن عدم.
((وليس أول الخلق)) يجوز أن يكون من قبيل إضافة الصفة إلى
الموصوف؛ أي: ليس الخلق الأول للمخلوقات، أو من قبيل حذف المضاف
وإقامة المضاف إليه مقامه؛ أي: ليس أول خلق الخلق.
(بأهون)) الباء زائدة للتأكيد، من هان يهون: إذا سهُل الأمر؛ أي: ليس
أسهل ((علي من إعادته)) بل الإعادة أسهل لوجود أصل البنية وأثرِها، فإنكارهم
الإعادةَ بعد أن أقروا بالبداية تكذيب منهم إلى الله.
((وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولداً) كما قالت اليهود: عزير ابن الله،
وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وكما قال الكفار: الملائكة بنات الله.
((وأنا الأحد)) جملة حالية؛ أي: المنفرد بصفات الكمال من القدم والبقاء
والتنزُّه عن المكان وغيره.
((الصمد)) هو السيد الذي ليس فوقه أحد بحيث يصمده كلُّ أحد؛ أي:
يقصده بقضاء الحوائج(١).
((الذي لم ألد))؛ أي: ولداً قط؛ لأني(٢) منزَّهُ مقدَّسٌ عن الاحتياج بالزوج
والولد.
(ولم أولد))؛ يعني: ليس لي أب ولا أم.
((ولم يكن لي كفواً أحد)»؛ أي: ليس أحد يماثلني ويشابهني في صفات
الألوهية، فتوصيفهم ربّهم بما لا يليق به شتم له، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
((وفي رواية ابن عباس ﴿)) في هذا الحديث بعد قوله: (اتخذ الله ولداً):
(١) في ((غ)): ((كل حوائجه)).
(٢) في (غ)): ((لأنه)).
٥٢

((فسبحاني)؛ أي: أنزِّ ذاتي تنزيهاً عن ((أن أتخذ صاحبة))؛ أي: زوجة ((أو ولداً)
شك من الراوي(١).
١٩ - وقال: ((قال الله تعالى: يُؤْذيني ابن آدمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ، وأنا الدَّهرُ،
أُقَلِّبُ اللَّيلَ والنّهار))، رواه أبو هريرة.
((وقال أبو هريرة ظه: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: قال
الله تعالى: يؤذيني ابن آدم))؛ أي: يقول في حقي ما أكرهه وأبغضه.
(يسب الدهر))؛ أي: يشتمه، وهو اسم لزمان مبدأ إيجاد العالم إلى
انصرامه، وقد يعبّر به عن المدة الطويلة.
((وأنا الدهر)) بالرفع، قيل: هو الصواب؛ أي: خالق الدهر ومقلِّبُه،
بحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، فما يصيبه من حوادث الدهر هو
مني؛ لأن الدهر لا يقدر على إيصال نفع وضر، أو مصدر بمعنى الفاعل؛ أي:
أنا الداهر المتصرف المدبر لما يحدث، ويروى بالنصب على الظرفية مقدَّماً على
فعله وهو: ((أقلب))؛ أي: أقلب ((الليل والنهار)) في الدهر، وإنما عقّب قوله:
(أنا الدهر)، بقوله: (أقلب الليل والنهار)، لرفع وَهم أن الدهر حقيقة به (٢)
تعالی؛ خلافاً لمن زعم ذلك إذ مقلب الشيء ومصرِّفه یستحیل أن یکون نفسه.
(١) كذا قال، والظاهر أن (أو) للنوع، يدل عليه ما في ((جامع الحميدي)): (ولا ولداً).
انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ١٧٠).
(٢) في ((ت)): ((حقيقته)) مکان «حقیقة به))
٥٣

٢٠ - وقال: ((قال الله تعالى: أَنَا أغنَى الشُّركاءِ عنِ الشِّرْكِ، مَنْ عِمِلَ
عَملاً أشركَ فيه معِيٍ غَيْرِي؛ تركتُهُ وشِرْكَهُ)، رواه أبو هريرة ﴾.
((وقال أبو هريرة ه: قال رسول الله - عليه الصلاة والسلام -: قال الله
تعالى: أنا أغنى الشركاء)» أفعل التفضيل من غَني به عنه غنية؛ أي: استغنى به
عنه، وإضافته إما للزيادة المطلقة من غير أن يكون في المضاف إليهم شيء مما
يكون في المضاف؛ أي: أنا أغنى من بين الشركاء ((عن الشرك)) وهو اسم
المصدر الذي هو الشركة، وإما للزيادة على من أضيف إليه؛ أي: أنا أكثر
الشركاء استغناءً عن الشرك، فإن بعض الناس قد يكون غنياً عن الشريك، ولكن
لم يكن استغناؤه عنه في جميع الأوقات.
((من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري))؛ أي: لم يُخْلص العمل لي، بل
کان للرياء والسمعة .
((تركته وشركه)) الضمير راجع إلى (مَن)، والواو للمعية أو للعطف على
الضمير المنصوب في (تركته)؛ أي: أجعله وعمله المشرك فيه مردوداً من
حضرتي .
قيل: فيه دليل على أنه لا تجوز الأضحية بسُبع بدنة إذا كان فيها شِركةٌ
لحم، وأنه لا يجوز أكل ذبيحة ذكر عليها اسم الله وغيره كـ: بسم الله ومحمدٍ
بالجر.
٢١ - وقال: ((قال الله تعالى: الكِبرياءُ ردائي، والعظَمةُ إزاري، فمنْ
نازَعَني واحداً منهما أدخلتُهُ النَّار))، رواه أبو هريرة ﴾.
((وقال أبو هريرة ﴿ه: قال رسول الله - عليه الصلاة والسلام -: قال الله
٥٤

تعالى: الكبرياء ردائي)»: قيل: الكبرياء هي الترفع عن الانقياد للغير بأن يرى
لنفسه فضلاً وشرفاً عليه، وذلك لا يستحقه غير الله.
((والعظمة إزاري)): وهي: أن يكون الشيء في نفسه كاملاً شريفاً مستغنياً،
والكبرياء أرفع منها، ولذلك مثلها بالرداء؛ لأنه أشرف من الإزار، فكبرياؤه
تعالى: عبارة عن ألوهيته التي هي استغناؤه عما سواه، واحتياج ما سواه إليه،
وعظمته وجوبه الذاتي الذي هو عبارة عن استغنائه تعالى عن الغير.
وإنما مثَّلهما بالإزار والرداء إبرازاً للمعنى المعقول في صورة المحسوس،
فكما لا يشارك الرجل في ملبوسه من ردائه وإزاره، ويستقبح طلب الشركة
فيهما، لا يمكن مشاركته تعالى في هذين الوصفين اللذين اختصَّ بهما،
وإطلاقهما عليه تعالى من باب الكناية؛ فإنهم يكنون عن الصفة اللازمة بالثوب
يقولون: شعار فلان الزهد ولباسه التقوى.
((فمن نازعني واحداً منهما))؛ بأن استعظم نفسه، واستعلى على الناس
((أدخلته النار)): أعاذنا الله تعالى منه، وإنما قال: (واحداً) دون واحدة؛ نظراً إلى
الرداء والإزار.
٢٢ - وقال رسول الله وَله: ((ما أَحَدٌ أصبَرُ على أذَّى يسمعه مِنَ الله تعالى،
يَدَّعونَ له الولَد، ثم يُعافيهم ويرزُقهم»، رواه أبو موسى الأشعري څ﴾.
((وعن أبي موسى الأشعري ﴿ه أنه قال: قال رسول الله - عليه الصلاة
والسلام -: ما أحدٌ أصبر))؛ أي: ليس أحداً أشدُّ صبراً.
((على أذى))؛ بمعنى: مؤذ، صفة محذوف؛ أي: على كلام مؤذ قبيح
صادر عن الكفار.
٥٥

((يسمعه)): صفة (أذى).
((من الله تعالى)): متعلق بـ (أصبر)، والصبر من الله تعالى: حبس العقوبة
عن مستحقها إلى وقت، ومعناه قريب من معنى الحلم، إلا أن المذنب لا يأمن
في صفة الصبور، كما يأمن في صفة الحليم.
(يدعون له الولد)): هذا بيان للأذى؛ يعني: ينسب بعضُ الكفار له ولداً.
(ثم يعافيهم))؛ أي: يدفع عنهم البلاء والضرر في الدنيا.
((ويرزقهم): فهذا كرمه، ومعاملته تعالى مع من يؤذيه، فما ظنكم
بمعاملته تعالى مع من يحتمل الأذى منه، ويثني عليه؟
٢٣ - وعن مُعاذبه قال: كنت رِدْفَ النبيِّ وَّحِ على حمارٍ، ليس بيني
وبينه إلاَّ مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ، فقال: ((يا معاذُ! هلْ تدري ما حقُّ الله على عبادِه؟ وما
حقُّ العِبادِ على الله؟))، قلتُ: الله ورسولهُ أعلم، قال: ((فإنَّ حَقَّ الله على العباد
أنْ يعبُدُوهُ، ولا يُشْرِكُوا به شيئاً، وحقُّ العبادِ على الله أنْ لا يُعذِّبَ مَنْ لا يُشركُ
بهِ شيئاً)، فقلت: يا رسول الله، أفلا أُبَشِّرُ به الناسَ؟ قال: ((لا، فَيَتَكِلُوا)).
((وعن معاذ ◌ُ أنه قال: كنت رِدْف النبي عليه الصلاة والسلام)): بكسر
الراء وسكون الدال؛ بمعنى: الرديف الذي يركب خلف الراكب؛ يعني: كنت
رادفاً خلف النبي الغد.
((على حمار ليس بيني وبينه إلا مُؤْخِرة الرحل)): بسكون الهمزة بعد الميم
المضمومة وكسر الخاء؛ أي: آخرة الرحل، وهي: الخشبات التي تكون على
آخر الرحل يستند إليها الراكب، والمراد به: المبالغة في شدة قربه.
((فقال: يا معاذ! هل تدري))؛ أي: هل تعلم؟
٥٦

((ما حق الله على عباده؟))؛ أي: أيُّ شيء واجب لله تعالى عليهم؟
((وما حق العباد على الله تعالى؟))؛ أي: أي شيء حقيق وجدير أن يفعل
الله تعالى بهم؛ إذ لا يجب على الله تعالى شيء خلافاً للمعتزلة.
((قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه)): هذا
إرشادٌ إليه؛ لأن العبادة إنما تتحقق بامتثال الواجبات، والانتهاء عن المنهيات.
((ولا يشركوا به شيئاً)، وفي عطفه بالواو دليلٌ على عدم الترتيب؛ إذ
العبادةُ لا تتحقق إلا بعد عدم الإشراك، فالتقدير: أن لا يشركوا ويعبدوه، وإنما
ذكر عدم الإشراك وإن كان مندرجاً تحت العبادة؛ لأن ترك الإشراك أصلُ
العبادة، فكان مقصوداً لعظم شأنه .
((وحق العباد على الله: أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً، فقلت:
يا رسول الله! أفلا أبشر»، الفاء جواب شرط محذوف تقديره: إذا كان كذلك،
أفلا أبشر.
(به))؛ أي: بما ذكرت من حقِّ العباد على الله تعالى، ((الناس؟ قال: لا))؛
أي: لا تبشرهم، ((فيتكلوا)) منصوب بتقدير (أن) بعد الفاء؛ لأنه جواب النهي؛
أي: فيعتمدوا عليه ويقعدهم ذلك عن العبادات.
روي: أن معاذاً روى هذا الحديث آخر عمره، وكان زمان النهي زمان
استيلاء الكسل على النفوس، وغلبة التثاقل على الطُّباع بسبب عدم استقرار
الشرع، فلما انتفى الكسل عن الطباع، ووقع الأمن عن ذلك، علم معاذ أمد
النهي، فروى هذا الحدیث.
٢٤ - وقال: ((ما مِنْ أحدٍ يشهدُ أنْ لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً رسولُ الله،
صِدْقاً مِنْ قلبهِ، إلاَّ حرَّمهُ الله على النَّارِ))، رواه مُعاذٌ.
٥٧

((وعن أنس به أنه قال: قال رسول الله - عليه الصلاة والسلام -: ما من
أحد)): (من) زائدة، و(أحد) مبتدأ.
((يشهد): صفة.
((أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله صدقاً))؛ بمعنى: صادقاً، حال
من ضمير (يشهد).
(من قلبه)): صفة لـ (صدقاً)، قيّده به؛ لأن الصدق قد لا يكون عن قلب
- أي: عن اعتقاد - كقول المنافق، قال الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَهِهِم مَّا لَيْسَ فِى
قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧].
((إلا حرمه الله على النار)): قيل: صدور هذا الحديث منه عليه الصلاة
والسلام يحتمل أن يكون قبل وجوب شيء من أركان الإسلام، أو يكون في حقِّ
من تاب عن الكفر، فمات قبل أن يتمكن من الإتيان بفرض آخر، أو يكون
الامتثال بالأوامر والانتهاء عن المعاصي مندرجاً تحت شهادته، والأقرب أن يراد
بالتحريم: تحريم الخلود.
٢٥ - وعن أبي ذَرَِّ﴿به قال: أَتَيْتُ النبيَّ ◌ِ﴿ وعليه ثوبٌ أبيضُ وهو نائمٌ،
ثم أتيتهُ وقد استيقظَ، فقال: ((ما مِنْ عبدٍ قال: لا إله إلا الله، ثمَّ ماتَ على
ذلك، إلاَّ دخلَ الجنَّة))، قلتُ: وإنْ زَنى، وإن سَرق؟ قال: ((وإِنْ زَنى وإنْ
سَرق))، قلت: وإِنْ زَنى وإن سَرق؟ قال: ((وإنْ زَنى وإنْ سَرق))، قلت: وإنْ
زَنى وإن سرق؟ قال: ((وإنْ زَنى وإنْ سَرق، على رَغْم أنْفِ أبي ذر))، وكان أبو
ذر إذا حدَّث بهذا الحديث قال: وإن رَغِمَ أَنْفُ أبي ذَرٍّ.
((وعن أبي ذر ه أنه قال: أتيت النبي - عليه الصلاة والسلام - وعليه ثوب
أبيض)): حال من النبي ◌َّ، فيه تقرير تثبت الراوي وإتقانه فيما يرويه عنه وَّ في أذن
٥٨

السامعين وفي قلوبهم.
((وهو نائم))، فرجعت، ((ثم أتيته)): مرة أخرى، ((وقد استيقظ))؛ أي:
وجدته منتبهاً من النوم.
((فقال: ما من عبد قال: لا إله إلا الله)): وإنما لم يذكر: محمد رسول
الله؛ لأنه معلوم أنه بدونه لا ينفع.
((ثم مات على ذلك))؛ أي: على الثبات على الإيمان، وفيه إشعارٌ بأن من
ارتدَّ عن دينه، ومات على الردة، لا ينفعه إيمانه في الزمان الماضي.
((إلا دخل الجنة))؛ أي: کان عاقبته دخول الجنة، وإن كان له ذنوبٌ
كثيرة؛ لأن الله تعالى إن شاء عفا، وإن شاء عذَّب بقدر ذنوبه، ثم أدخله الجنة.
قال أبو ذر: ((قلت: وإن زنى وإن سرق))؟ وتسمى هذا الواو واو المبالغة،
ولا بد فيه من تقدير حرف الاستفهام، وإنما كان تعجب أبي ذر من هذا
الحديث؛ لأجل أن الزنا والسرقة وغيرهما من الذنوب موجبة العقوبة، فكيف
يدخله الجنة مع استحقاق العقوبة؟
((قال له: وإن زنى وإن سرق)): فيه دلالةٌ على أن أهل الكبائر لا يُسلَب
عنهم اسم الإيمان، فإن من ليس بمؤمن لا يدخل الجنة اتفاقاً، وعلى أنها
لا تحبط الطاعات؛ لتعميمه ﴾ ﴿ الحكم وعدم تفصيله.
((قلت: وإن زنى وإن سرق)): تكرار أبي ذر هذا ليس للإنكار، بل لظنه أن
الرسول ﴿ لعله یجیب بجواب آخر، فيجد فائدة أخرى.
((قال : وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال وصله: وإن
زنى وإن سرق، على رغم أنف أبي ذر)»، يقال: رغم أنفه؛ أي: ألصقه بالرغام،
وهو التراب، ويستعمل بمعنى: الذل؛ أي: على خلاف مراده، ولأجل مذلته.
وقيل: بمعنى كره؛ إطلاقاً لاسم السبب على المسبب؛ أي: وإن كره
٥٩

أبو ذر ذلك؛ يعني: أتبخل يا أبا ذر برحمة الله تعالى؟ ورحمة الله واسعة على
خلقه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ
اُللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]، ففرح أبو ذر بهذا.
((وكان أبو ذر إذا حدث بهذا الحديث قال)) تفاخراً: ((وإن رغم أنف أبي
ذر))، وعدَّ قوله ◌ّآي له ذلك شرفاً وكرامة.
٢٦ - وعن عُبادة بن الصَّامت ﴿ه، عن النبيِّوَ﴿ قال: ((من شهدَ أنْ
لا إله إلاَّ الله وحدهُ لا شريكَ له، وأنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُه، وأنَّ عيسى عبدُالله
ورسولُه وابن أمَتِهِ وكلمته ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه، والجنةَ حقٌّ، والنارَ حقٌّ
= أدخلَهُ الله الجنةَ على ما كانَ منَ العمل)).
((وعن عبادة بن الصامت، عن النبي بَلقر أنه قال: من شهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبدالله)): فيه
إيطال قولِ النصارى بأنه ابنه، وبأنه هو الله، وإنما أضاف لفظ (العبد) إلى ظاهر
الاسم دون ضميره؛ ليكون أصرح دلالة في إبطال مذهبهم.
((ورسوله)): فيه إبطال مذهب اليهود المنكرين لرسالته.
(وابن أمته))؛ يعني: مريم، وهي أمة الله، وفيه إشارة إلى بطلان ما
يقولونه من اتخاذ الله إياها صاحبة، تعالى الله عمَّا يقول الظالمون علواً كبيراً.
((وكلمته)): سماه كلمة مبالغةً؛ لأنه تكلّم في غير أوانه، وهو حين كان في
المهد، وأضيف إلى الله تعالى تعظيماً، أو لأنه كان بالكلمة من غير واسطة أب، كما
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [آل عمران: ٥٩].
((ألقاها إلى مريم))؛ أي: أوصلها إليها.
٦٠