النص المفهرس

صفحات 1-20

سَزْخُ
،
مُضَارَة السُّنَةٌ
لِلإمَامِ الْبَغَوِيّ
تَأليف
اُدّثِ الفَقِيْهِ ابنِ المَلَكِ الرُّومي
مُحَدِينِ عَبْدِالَّطِيفِ بنِ عَبْدِالعَزِيزِ الكَرهَانِيِّالرُّومِيِّ الحَنَفِيِّ
المتوفى سَنَة ٨٥٤ هـ
رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى

٠٩٥٠٠
جَمِيعُ الْحُقُوقِ مَخْفُوظَة
اُلْطَّبْعَةُ الْأُولَى
١٤٣٣ هــ٢٠١٢م
رقم الإيداع
(٢٠١٢/٣٠)

الحمد لله الذي بصَّرنا بالصراط المستقيم، وعرَّفنا بمنهج الدين القويم،
على لسان نبيه الكريم، محمد المبعوث لكشف الظلام، عليه أفضل التحيات
وأكمل السلام، وعلى آله وأصحابه الكرام، بعد:
يقول العبد الضعيف محمد بن عبد اللطيف، غفر الله له ولوالديه، وأجازهم
برحمة من لدیه :
إن كتابَ ((المصابيح)) في السنن الهدى كتابٌ فاخر، والنفعُ فيه للمنقطعين
إلى العبادة وافر، له شروحٌ بعضها بسيط، وبعضها وسيط، التمس مني بعضُ
إخواني أن لو كان له شرحٌ جامع لفوائدها على طريقة الحل، لصار المتن بلا
مهل انحل، فأجبت لملتمسهم مع قلة البضاعة، وقصور الباعة، مستعيناً بالله
الميسر لكل عسير، وهو نعم المولى ونعم النصير.
((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ)»
الحمد لله، وسلامُ على عباده الذين اصطفى، والصلاة التامة الدائمة
على رسوله المُجْتبی محمدٍ سیدِ الوری، وعلى آله نجوم الهدى.
قال الشيخ الإمام، الأجَلُّ السيدُ، محبي السنَّةِ، ناصرُ الحديث، ركن
الإسلام، قُدوة الأمّة، إمام الأئمة، أبو محمد الحسينُ بنُ مسعودٍ الفَرَّاءُ،
البَغويُّ، نوَّر الله قبره:
٣

أمّا بعد، فهذه ألفاظٌ صدرَتْ عن صدر النُّبوة، وسُنن سارت عن مَعْدِن
الرسالة، وأحاديثُ جاءت عن سيدِ المرسلين وخاتم النَّبيين، هُنَّ مصابيحُ
الدُّجى، خرجَتْ عن مِشْكَاةِ التقوى الثَّقيِّ، ممّا أوردها الأئمةُ في كتبهم،
جمعتُها للمنقطعين إلى العبادة؛ لتكونَ لهم بعد كتاب الله حظّاً من السنن،
وعَوناً على ما هم فيه من الطاعة.
تركتُ ذكرَ أسانيدها حَذَراً من الإطالة عليهم، واعتماداً على نقل الأئمة،
وربّما سمّيتُ في بعضها الصحابيَّ الذي يرويه عن رسول الله وِّ﴿ لمعنَى دعا إليه،
وتجدُ أحادیث کلِّ بابٍ منها تنقسم إلى صِحاح وحِسان.
أعني بـ (الصّحاح): ما أخرجه الشيخانِ؛ أبو عبد الله محمدُ بن إسماعيلَ
الجعفيُّ البخاريُّ، وأبو الحسينِ مسلمُ بنُ الحجاجِ القُشيري النيسابوريُّ
رحمهما الله، في جامِعيهما، أو أحدهما.
وأعني بـ (الحسان): ما أورده أبو داودَ سليمانُ بنُ الأشعثِ السجستانيُّ،
وأبو عيسى محمدُ بن عيسى الترمذيُّ، وغيرهما من الأئمة في تصانيفهم - رحمهم
الله - مما لم يخرجه الشيخان، وأكثرُها صِحاحٌ بنقل العدل عن العدل، غير أنها لم
تبلُغ غايةَ شرطِ الشيخين في عُلَو الدرجة من صحة الإسناد؛ إذ أكثرُ الأحكامِ ثبوتُها
بطريقٍ حسنٍ.
وما كانَ فيها من ضَعيف أو غريبٍ أشرتُ إليه، وأعرضتُ عن ذِكْرٍ ما كان
منكراً أو موضوعاً، والله المستعان وعليه التكلان.
روي عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ ﴾: أنه قال: قال رسول الله وَلِ: ((إنَّما
الأعمال بالنِّيَّاتِ، وإنَّما لامرِئٍ ما نَوَى، فَمَنْ كانتْ هِجرتُهُ إلى اللهِ ورسولهِ،
فهجرتُهُ إلى اللهِ ورسولهِ، ومَنْ كانتْ هِجْرتُهُ إلى دُنيا يُصِيبُها أو إلى امرأةٍ
يتزوَّجُها فهِجْرَتُه إلى ما هاجَرَ إليه)».
٤

قال المصنف رحمة الله تعالى عليه :
(بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله)): إنما ابتدأ بذلك لقوله وَله: ((كلٌّ أمر
ذي بال لا يُبدَأ باسم الله))، وفي رواية: ((بالحمد الله، فهو أبتر))(١)؛ أي: أقطع.
و(الحمد): عبارة عن ثناءٍ باللسان أعمَّ من أن يكون في مقابلة نعمةٍ أو لا،
بشرط أن يكون للمحمود في تحصيل ما يُحمَد عليه نوع اختيار.
و(المدح): هو الحمد، لكنه أعمُّ من أن يكون للممدوح فيه نوعُ اختيار
أم لا .
و(الشكر): عبارة عن ثناء في مقابلة النعمة أعمَّ من أن يكون باللسان أو بغيره.
(الله): اسم للمعبود بالحق.
((وسلام))؛ أي: سلام من الله تعالى واقعٌ أو نازلٌ ((على عباده الذين
اصطفى))؛ أي: اصطفاهم الله واختارهم من الأنبياء والملائكة والأولياء
ومتابعیھم.
وهذا الحمد من المصنف، كما عَلَّم الله تعالى رسولَهُ في كتابه العزيز
بقوله: ﴿قُلِ اَلْحَمْدُ لِلَّهِوَسَلَمُ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَيُ﴾، وتعليمٌ منه لأمته أيضاً،
وتوفيقٌ لهم على رعاية هذا الأدب أمامَ كلِّ كلام يفتتحون به .
((والصلاة)) وهي من الله على النبي عليه السلام: التشريف ورفع الدرجة، ومن
الملائكة: الاستغفارُ له والثناء عليه، ومن المؤمنين الدعاءُ له وزيادةُ رفع الدرجة.
((الدائمة))؛ أي: الغير المنقطعة بتتابع أمثالها.
(١) رواه ابن ماجه (١٨٩٤)، والخطيب البغدادي في ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع))
(٦٩/٢ - ٧٠)، من حديث أبي هريرة له، بلفظ: ((أقطع)).
٥

((التامة))؛ أي: الكاملة البالغة في الكمال، وذلك لحصول جميع ما ينبغي
بها .
((على رسوله)) هو فَعُول بمعنى: المرسَل؛ أي: المبعوث إلى الناس
لتشريع الأحكام.
((المجتبى))؛ أي: المصطفى للرسالة.
((محمد)» عطف بيان، مفعول من التحميد، وهو مبالغة في الحمد والتكثير
فيه، يعني: هو مَنْ حمد الله تعالى حمداً كثيراً؛ لما فيه من الخصال الحميدة.
((سيد الورى))؛ أي: الخلق.
((وعلى آله))؛ أي: أهله، والصحيح: أنهم أهل بيته المشهورين، وآل
الرجل أيضاً: من يؤول إليه في دين أو نسب أو مذهب.
((نجوم الهدى))؛ أي: هم النجوم في طريق الهداية؛ لإرشادهم المؤمنين
إلى طريق الدين إرشادَ النجوم لسلاك السبيل في الليل البهيم، قال رَّه:
((أصحابي كالنجوم))، وإنما سلك المصنف مسلكَ الاستعارة مبالغةً في التشبيه.
وفي بعض النسخ: ((مصابيح الهدى)) جمع: مصباح، وهو السراج،
شبههم بالمصابيح لأن السالكين في الدين اهتدوا بأنوار علومهم المقتبسة من
النبي ◌َّل، كاهتداء السالكين بالمصابيح في المسالك.
وإنما أفرد الرسول ﴾ وأصحابه له بالصلاة الموصوفة مع اندراجهم
تحتَ السلامِ المذكورِ؛ لزيادة شرفهم.
((قال الشيخ الإمام مُحي السنة)) سمي به؛ لأنه لما جمع ((شرحَ السنة)) رأى
النبيَّ ◌َّ في المنام، فقال له: أحياك الله كما أحييتَ سنتي، فصار عَلَماً له بطريق
الغلبة .
((أبو محمد الحسين بن مسعود الفرَّاء البَغَوي)) أي: منسوب إلى بَغْشُور،
٦

وهي من مدائن خرسان بين هَراة ومَرو الروذ، يقال لها: بغ، وبَغْشُور، وتوفي
سنة عشر وخمس مئة بمرو رود.
والاسم المركب تركيباً مزجياً يُنسَب إلى جزئه الأول كـ (معدي)، وإنما
جاءت الواو في النسبة إجراءً لفظة (بغ) مجرى (دم)، وجعلوه محذوف العجز
تقدیراً، ثم ردوه في النسب، (قدس الله روحه)).
((أما بعد)): لفظة لتفصيل المجمل، وهو كلمة شرط محذوف وجوباً،
و(بعد) من الظروف الزمانية، متعلق بالشرط المحذوف؛ أي: مهما نذكر بعد
شيء من هذه الأشياء المارة.
((فهذه)) إشارةٌ إلى ما تضمَّنه الكتاب من السنن، أو إلى ما في ذهنه من
ذلك.
(ألفاظ صدرت)) صفة (ألفاظ)، والجملة وقعت جواباً لـ (أما)، ولهذا
دخلها الفاء؛ أي: صادرة وجائية ((عن صدر النبوة))؛ أي: أصلهم وأكبرهم
رتبة، أو المراد بالصدر: العضو المخصوص الذي في الصدر، وهو القلب.
فإن قيل: الألفاظ تصدر من مخارجها، فكيف قال: صدرت عن صدر
النبوة؟
قلنا: ذلك باعتبار ارتسام مدلولاتها في الصدر، وإضافته إلى النبوة إما
بتقدير مضاف؛ أي: صاحب النبوة، أو بجعله استعارة تخييلية كـ: معدن
الرسالة، أو غير تخييلية بجعل النبي ◌َّ نفسه نبوة.
((وسنن)): جمع: سنة، وهي الطريقةُ المسلوكة لغةً، وقولُ الرسول وَه
وفعله وتقديره اصطلاحاً.
((سارت)، أي: سائرة.
((عن معدن الرسالة))؛ أي: عمن تستخرج منه الرسالة، والمراد: الرسل،
٧

وإنما كان ﴿ أصلهم ومعدنهم؛ لقوله بَّ: ((كنتُ نبياً وآدم بين الماء
والطين))(١)، وقوله أيضاً: ((أولُ ما خلق الله تعالى نوري))(٢).
((وأحاديث)): جمع (أحدوثة)، وهو ما يُحدَّث به مما فيه غرابةٌ، أو جمع
(حديث) على غير قياس، وقيل: إنه اسم جمع للحديث، وهو الخبر لغة،
وقيل: كلام مشافهة .
((جاءت عن سيد المرسلين، وخاتم النبيين)) بفتح التاء: الطابع؛ أي: ختم به
الأنبياء، وبكسرها: اسم فاعل؛ أي: ختم هو نفسُهُ الأنبياء، فلا نبيَ بعده.
((هنَّ)، أي: تلك الأحاديث، أو الضمير لألفاظ السنن والأحاديث.
((مصابيح الدجى)) جمع مصباح، قيل: هو السراج الزاهر الاشتعال،
والأولى أن يقال: هو دون السراج؛ لتشبيهه تعالى النجوم بالمصابيح في قوله
تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَّةَ الذُّنْيَا بِمَصَنِيحَ﴾ والشمس بالسراج في قوله تعالى:
﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٦].
و(الدُّجى): جمع دجية، وهي الظلمة، وإنما شبَّهها بالمصابيح للاهتداء
بها في الدين اهتداءَ المستضيء بالمصابيح في المسالك.
((خرجت عن مشكاة التقوى))، وهي الكُوةُ تكون في الحائط وغيره، يوضع
فيها المصباح، وقيل: هي الوعاء الذي يُجعل فيه الدهن والفتيلة، والمراد هنا:
(١) قال السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (١/ ٥٢١): لم نقف عليه بهذا اللفظ، فضلاً عن
زيادة: ((كنت نبياً ولا آدم ولا ماء ولا طين)) وقد قال شيخنا؛ يعني: ابن حجر في بعض
أجوبته: إنها ضعيفة، والذي قبلها قوي.
قلت: وروى الإمام أحمد في «مسنده)) (٥ / ٥٩)، والترمذي (٣٦٠٩) من حديث ميسرة
الفجر : ((قال: قلت: يا رسول الله متى كُتبت نبياً، قال: وآدم عليه السلام بين الروح
والجسد)»، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.
(٢) قال الشيخ عبد الحي اللكنوي في الآثار المرفوعة (ص ٤٣): ((وهو حديث لم يثبت بهذا
المبنى، وإن ورد غيره موافقاً له في المعنى)).
٨

فمه و ﴿ أو صدره أو قلبه، وهي استعارة تخييلية، أو المراد بالتقوى نفسُهُ مبالغةً.
((مما أوردها)؛ أي: اهتمّ بها ((الأئمة)) في كتبهم.
((جمعتُها للمنقطعين إلى العبادة))؛ أي: لمن انقطع عن الدنيا، وتوجَّه إلى
العبادة، فمَنْ هذه صفته لا بد له من معرفة الأحاديث؛ إذ لا يمكنه سلوكُ هذا
السبيل إلا بدليل حاذق يقتدي به في أفعاله وأقواله وهو رسول الله وَّ﴿ ولا سبيلَ
إلى معرفة أفعاله وأقواله بعد الصحابة إلا بتتبع الأحاديث، فمن حُرِمها حُرِمَ خيرَ
الدنيا والآخرة، ومن رُزِق منها رزق حظاً كاملاً من خيرها.
((لتكون))؛ أي: الأحاديث المذكورة.
(لهم))؛ أي: للمنقطعين إليها.
(بعد كتاب الله تعالى))؛ أي: القرآن. فيه إشارةٌ إلى أن العناية به مقدمة
على العناية بالسنة .
((حظاً من السنن))؛ أي: نصيباً من سنن رسول الله صل﴿ فإن من علم القرآن
وعمل به، ولم يعمل بالأحاديث، لم يكن حظه تاماً؛ لأن أحكام الشريعة من
الأمر والنهي والحلال والحرام وغيرها من الأحوال والأهوال ليس كلُّها مذكوراً
في القرآن، بل بعضها مذكور فيه، وبعضها غير مذكور.
والدليل عليه ما قال ◌َّ: ((أيحسب أحدُكم متكئاً على أريكته، [قد] يظنُّ
أنَّ الله تعالى لم يحرِّم شيئاً إلا [ما] في [هذا] القرآن، ألا وإني والله قد أمرتُ
ووعظتُ ونهيتُ عن أشياء إنها كمثلِ القرآنِ أو أكثر))(١).
((وعوناً))؛ أي: معينة لهم.
((على ما هم فيه من الطاعة)): بتعلمهم كيفية العبادة، وقدر وظائف
رسول الله وَّر من الصوم والصلاة وغير ذلك، فإن العملَ بسنةٍ من سنن رسول الله
يتضاعف ثوابه - وإن كانت قليلة - على عبادة ليست بسنة، وإن كانت كثيرة.
(١) رواه أبو داود (٣٠٥٠)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٩/ ٢٠٤)، عن العرباض بن سارية په
٩

((وتركت ذكر أسانيدها)): جمع إسناد، وهو العنعنة المتصلة به وقلتله .
وإنما ترك ذكرها لعدم الفائدة؛ لأن المطلوبَ من ذكرها هو أن يُعلَم عند
التعارض راجحُ الحديث من مرجوحها، وناسخها من منسوخها، بسبب زيادة
عدالة الرواة بعضهم على بعض، وتقدم البعض على البعض، ونحو ذلك من
المرجحات التي لابد للمجتهد من معرفتها؛ ليمكنه الاجتهاد.
ولما عدم المجتهدون في هذه الأعصار أو ندر وجودهم، فلم یکن في ذكرها
سوى التطويل من غير أن يجدي نفعاً في المطلوب، وأيضاً فالتعرض للحسن
والصحيح والضعيف والغريب وغير ذلك كافٍ في معرفة الترجيح فترك ذكرها.
((حذراً)؛ أي: للحذر.
((من الإطالة))؛ أي: من تطويل الكتاب.
((علیهم واعتماداً)؛ أي: اكتفاء.
((على نقل الأئمة)): الذين استخرجتُ هذه الأحاديث من كتبهم ذكروا
الرواة؛ يعني: هم ذكروا رواة الأحاديث بينهم وبين رسول الله صل﴾ وصححوها،
فلا حاجة إلی ذکرهم.
((وربما سَمَّيتُ في بعضها)»؛ أي: بعض الأحاديث
((الصحابيَ الذي يرويه عن رسول الله وَّفي لمعنى)): متعلق بـ (سميت).
((دعا إليه))؛ أي: إلى تسمية الصحابي الراوي عنه بَّر، فمن ذلك المعنى امتياز
بعض الرواة عن بعض بعبارته، إذا روى عنه عليه الصلاة والسلام جمعٌ من الصحابة
بألفاظ مختلفة، أو يكون في رواية بعضهم ضعفاً أو إنكاراً؛ إما لجهالة الراوي، أو
لكونه مرسلاً، أو منقطعاً، وليس في رواية بعضهم ضعفٌ وخلل، أو يكون الحديث
قد اشتهر برواية، أو يكون رواية أحد في الحديث مطلقاً، ورواية الآخر فيه مقيداً.
ومن ذلك معرفة الحديث السابق واللاحق المفيدة في معرفة الناسخ
والمنسوخ، ومنه رجحان الحديث بسبب العلم بحال الراوي من علمه، أو كبر
سنه، أو قدمه في الإسلام، أو فطنته، أو ورعه، أو زيادته في كلها، أو أحدها،
١٠

ونحو ذلك، وهذان الأخیران ینتفعُ بهما المجتهد.
((وتجدُ أحاديث كل باب منها))؛ أي: من الأحاديث المجموعة في هذا
الكتاب.
(تنقسم إلى صحاح وحسان))؛ أي: إلى أحاديث صحاح وأحاديث
حسان.
(عني))؛ أي: أريد ((بالصحاح: ما أخرجه))؛ أي: أورده أو جمعه
((الشيخان؛ أبو عبدالله محمد بن إسماعيل الجعفي))؛ أي منسوب إلى جُعفة،
وهي اسم بلد، وفيها مولده.
رُوي أنه وُلِد يوم الجمعة بعد صلاة العصر لثلاث عشرة ليلة خَلَت من
شوال سنة أربع وتسعين ومئة، وتوفي في عيد ليلة الفطر سنة ستة وخمسين
ومئين، وقيل: الجُعْفُ حٍّ من اليمن.
((البخاري))، وإنما نُسِبَ إليهما؛ لسكونه فيهما.
((وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري))؛ أي: منسوباً إلى قُشَير، وهو
اسم قبيلة، وُلِد سنة ست ومئتين، وتوفي عشية الأحد لخمس أو ست بقين من
شهر رجب سنة إحدى وستين ومئین .
((في جامعيهما»: متعلق بإخراجه؛ أي: في كتابيهما الجامع.
(أو أحدهما))؛ أي: أخرجه أحدُ الشيخين في ((جامعه)).
((وأعني بالحسان: ما أورده أبو داود سليمانُ بن الأشعث السجستاني،
وأبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، وغيرهما من الأئمة في تصانيفهم،
رحمهم الله تعالى)): كأبي عبد الرحمن أحمد بن شُعيب النسائي، وأبي محمد
عبدالله بن عبد الرحمن الدارمي السمرقندي، وأبي عبدالله محمد بن يزيد بن
ماجه القزويني، فإن أحاديث ((المصابيح)) لا تتجاوز عن كتب الأئمة السبعة؛
كتب هؤلاء الخمسة المذكورة، وصحيحي الشیخین .
١١

(وأكثرها))؛ أي: أكثر الأحاديث الحسان ((صحاح))، أراد بها: الصِّحاح
التي في مقابلة السِّقام، وهي ما كان رُواتها عدولاً، ولهذا قيَّدها ((بنقل العدل عن
العدل))، وهذا القدرُ كافٍ في صحتها، ((غير أنها لا تبلغُ غاية شرط الشيخين؛
يعني)): البخاري ومسلم ((في علو الدرجة وفي صحة الإسناد))، وشرطهما: أن
يروي الصحابي المشهور بالرواية عن رسول الله وَلقر حديثاً، ثم يرويه عنه راويان
ثقتان أو أكثر من التابعين المشهورين بالرواية عن ذلك الصحابي، ثم يرويه عن
كل واحد ثقتان من أتباع التابعين مشهوران بالحفظ والإتقان، ثم يرويه عن كل
منهما رواة ثقاتٌ، ثم يرويه عن كل منهم الشيخان، أو أحدهما، وهذا النوع من
الأحاديث في المرتبة العليا، وهي قريبةٌ من عشرة ألاف حديث احتجَّ بها الأئمة
في المسائل، الشرعية وجعلوها متمسّكاتهم في المناظرات.
وأما مطلق الصحاح فقد قال الإمام أحمد بن حنبل: أنه سبع مئة ألف
حدیث .
اعلم أن ما نُقِلَ عن الرسول ◌َ ◌ّ على ثلاثة أقسام:
الأول: ما عُلِم صدقه، وهو كلُّ خبر بلغت رواته في كل طبقة مبلغاً أحالَ
العقلُ تواطؤهم على الكذب، ويُسمَّى متواتراً.
والثاني: ما عُلِم كذبه، وهو ما خالف قطعياً، ولم يقبل التأويل، أو
متضمناً لما يتوفّر الداعي على نقله وإشاعته؛ إما لغرابته، أو لكونه أصلاً في
الدين، ولم يتواتر، ويسمى موضوعاً، ولا يجوز روايته لمن علم حالَهُ إلا مقروناً
ببیان وضعه .
والثالث: ما لم يعلم أحدهما، وهو أيضاً على ثلاثة أقسام: راجح
الصدق، وراجح الكذب، أو مساوي الطرفين :
فالأول: ما سلم لفظه من الركاكة، ومعناه من مخالفة آية أو خبر متواتر أو
١٢

إجماع، واتصل إسناده إلى النبي ◌َّ بعنعنة ثقات معلومي العدالة، ويسمَّى
صحيحاً ومسنداً ومرفوعاً، وقد يقسم هذا القسم بنوعين من التقسيم إلى أربعة
أقسام :
أحدهما: أن رواته إن كانت مثنى أو أكثر في كل طبقة إلى الصحابي
كالأحاديث التي أوردها الشيخان، تسمى صحاحاً، وإن كانت فرادى في كل
الطبقات، أو في بعضها، تسمى حساناً.
وثانيهما: أن الحديث إن كان مما دوَّنه الحفاظُ، وشاع فيما بينهم، يسمى
مشهوراً، وإن تفرد به حافظٌ واحد، ولم يذكره غيره، يسمى غريباً، وقد يطلق
الغريبُ على ما رواه التابعي عن صحابيٍّ لم يكن مشهوراً به.
والثاني: أي: ما يكون راجح الكذب، وهو: ما في لفظه ركاكةٌ أو خلل
لا يحسن إصلاحه، أو في معناه: بأن كان على خلاف آية أو خبر متواتر أو
إجماع، ويسمى سقيماً، أو في أحد رواته قدحٌ وتهمةٌ، ويسمى ضعيفاً.
والثالث: ما لا يكون في متنه علةٌ، ولا في رواته خللٌ بينٌ، ولكن بعض
رواته لم يُعلَم بعينه؛ فإن كان هو الصحابي يُسمَّى مرسلاً، وإن كان غيره يسمى
منقطعاً، وإن كان كلاهما يُسمَّى معضلاً.
أو بصفته من العدالة وغيرها يسمى مجهولاً .
والمنقطعُ والمعضلُ لا استدلالَ بهما، وفي المرسل والمجهول خلافٌ.
(إذ أكثر الأحكام)): جواب عن سؤال مقدر، وهو أن يقال: لم ذكرت
الحسان وما اقتصرت على الصحاح التي أخرجها الشيخان؟ فأجاب بأن أكثر
الأحكام؛ أي: الأحكام الشرعية التي حكم بها الأئمة الأربعة («ثبوتُها بطريق
حسن))؛ أي: أكثرها ثبتَ بالأحاديث الحسان، والظاهر أنه تعليلٌ لقوله:
((وأكثرها صحاح))، إذ لو لم تكن الحسان صحيحة، لم تثبت بها الأحكام.
١٣

((وما كان فيها))؛ أي: في الأحاديث الحسان ((من ضعيف أو غريب
أشرتُ إليه بالبيان))، وما لم أذكر أنه ضعيف أو غريب أو غير ذلك، فاعلم أنه
متصل الإسناد، وليس فيه ضعفٌ بوجه من الوجوه.
وإنما ذكر الضعيف للاختلاف بين الأئمة في أسباب الجرح، فما هو
ضعيف عند بعض للجرح في رواته قد يكون قوياً عند آخر، وكثيراً ما وقعَ
الخلافُ في المسائل الشرعية، وكان مَنشؤوه ذلك، فأثبته المؤلف تعميماً لنفعه،
وأشار إلى ضعفه تنبيهاً على ما هو عليه عنده.
((وأعرضتُ عن ذكر ما كان منكراً)؛ يعني: ما أوردت في هذا الكتاب
حديثاً منكراً ((أو موضوعاً)، وأما ذكرُهُ المنكرَ في بعض المواضع - وإن كان
ادَّعى الإعراضَ - عنه فلقلَّتِهِ، أو لأنه إنما أعرض عما هو منكرٌ باتفاق أئمة
الحديث، والذي ذكره غيرُ منكر كذلك، فلا يخلو ذكره عن فائدة.
((والله المستعان))؛ أي: الذي يُطلَب منه العونُ، وهو النصرة، لم يذكر
متعلقه، بل تركه مبهماً؛ لأن ترك الشيء كذلك مُعظِمٌ لشأنه؛ أي: في نفسي
أشياء مبهمة لا يفي بها الواصفُ، والله المستعان عليها، أو المراد: والله
المستعان على إتمام هذا الكتاب.
((وعليه التكلان))؛ أي: الاعتماد، وأصله: وكلان، قلبت الواو تاءً؛
لقرب مخرجها، كـ (تجاه) و(وجاه).
قيل: المؤلف لم يُسمِّ هذا الكتاب بـ ((المصابيح)) نصاً منه، وإنما صار
هذا الاسم علماً له بالغلبة من حيث إنه ذكر بعد قوله: أما بعد: إن أحاديث هذا
الکتاب مصابیح .
وعددُ الأحاديث المذكورة في ((كتاب المصابيح)): أربعة آلاف وأربع مئة
وأربعة وثمانون حديثاً؛
١٤

فمنها ما هو من الصحاح ألفان وأربع مئة وأربعة وثلاثون حديثاً، ومنها ما
هو من الحسان: ألفان وخمسون حديثاً.
(رُوِيَ عن عمر بن الخطاب ﴿ه أنه قال: قال رسول الله الضله: إنما
الأعمال)): قيل: أشار ◌َّ بكلمة (إنما) إلى أن قَوامَ الأعمال
(بالنيات))، وأن لا عبرةَ بها إذا خَلَت عن النيات؛ لأنها العاملة بركنيها
إيجاباً ونفياً؛ فبحرف التحقيق يثبت الشيء، وبحرف النفي يُنْفَى ما عداه.
واعترض عليه بأن (ما) النافية تقتضي صدر الكلام، وكذا (إن) فكيف
يجتمعان، فالأولى أن يجعل (ما) زائدة للتأكيد، كما في (سيما) وأخواتها،
و(إن) لتأكيد الإثبات، وضاعفه يفيد القصر؛ لأنه ليس إلا تأكيداً للحكم على
تأكيد، فالمعنى: ليست الأعمال حاصلة إلا بالنيّة، ولا يمكنُ هاهنا نفيُ نفسٍ
الأعمال؛ لثبوتها حساً وصورة من غير اقتران النية بها، فلا بد من إضمار شيء
يتوجَّهُ إليه النفي، وهو الصحة على رأي الشافعي رحمه الله، والتقدير: إنما
صحة الأعمال واعتبارها بالنيات، وعلى رأي أبي حنيفة هو الفضيلة والكمال.
أورد الشيخ هذا الحديث في عنوان كتابه تفاؤلاً بحسن النية، وتيمناً بهذا
الحديث، واقتداء بجماعة من المحدثين المؤلفين المفتتحين به في مؤلفاتهم،
منهم البخاريُّ، وليتمكنَ في النفوس: أن الأعمالَ بالإخلاص، فينبغي للمتعلم
والمعلم أن يُزكيا أسرارهما، ويتوجَّها بقلوبهما إلى الحضرة الإلهية قاصدين
بسعيهما - لاسيما في هذا النوع - إلى الفوزِ بالمغفرة، والتقربِ إلى الله تعالى.
((وإنما لامرئ ما نوى))؛ أي: ما حصلَ من العمل إلا ما نواه فما لم ينوِهِ
لم يعتدَّ به؛ يعني: إذا كان غرضُهُ من عمله رضاءً الله تعالى وطاعته، حصل له
الثواب، وإلا لا، كما إذا جلس أحدٌ في المسجد لشغل من الأشغال الدنيوية،
فلا يحصلُ له من جلوسه فيه، وإن كان للاعتكاف، أو لانتظار الصلاة، يحصلُ
١٥

بقدرٍ جلوسِهِ فیه.
((فمن كانت هجرته))؛ أي: قصده بالهجرة، وهي: تركُ الوطن الذي بين
الكفار، والانتقالُ إلى دار الإسلام.
((إلى الله ورسوله))؛ أي: إلى موضع أمرهما، لا يخلطها بشيء من
أغراض الدنيا.
((فهجرته إلى الله ورسوله))؛ أي: فهجرته مقبولة عندهما، وأجره على الله
تعالی .
((ومن كانت هجرته إلى دنيا)»: وزنه (فُعلى) مقصورٌ غير منون، تأنيث
(أدنى)، ثم غلبت على هذه الدار؛ لدناءتها وخسّتها، أو لدنوها إلى الزوال،
أراد بها: متاع الدنيا.
(يصيبها))؛ أي: يصلُ إليها من الغنيمة، أو التجارة، أو نحو ذلك.
((أو امرأة))؛ أي: أو إلى امرأة ((یتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه))؛
يعني: لا يُثابُ على هجرته، إنما ذكرها مع كونها مندرجة تحت (دنيا) تعريضاً
لمن هاجر إلى المدينة في نكاح مهاجِرةٍ، فقيل له: مهاجر أم قيس، وتنبيهاً على
زيادة التحذير من ذلك.
١٦

C
(١)
ـو
١٧

(١)
كتابة الأسماء
(كتاب الإيمان)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١ - قال عمرُ بن الخَطَّاب ﴿ه: بينما نحنُ عندَ رسولِ الله ◌ِ ﴿ إِذْ طلعَ
علينا رجلٌ شديدٌ بياضِ الثيابِ، شديدُ سوادِ الشَّعرِ، لا يُرى عليهِ أثَرُ السَّفَرِ،
ولا يعرفُهُ منا أحدٌ، حتى جلسَ إلى النبيِّ لَ﴿، وأسندَ رُكبتَيْه إلى رُكبتَيْهِ ووضَعَ
يدَيْهِ على فَخِذَيْهِ، فقال: يا محمَّدًا أخبرني عن الإِيمان، فقال: ((الإيمانُ أنْ
تُؤْمنَ بالله وملائكتِهِ وكُتُبهِ ورُسُلِهِ واليومِ الآخرِ، وتؤمِنَ بالقَدَرِ خيره وشرِّه))،
فقال: صدقتَ، قال: فأخبرني عن الإِسلام، قال: ((الإِسلامُ أنْ تشهدَ أنْ لا إلهَ
إلّ الله وأنَّ محمَّداً رسولُ الله، وتُقِيمَ الصَّلاةَ، وتُؤْتِي الزَّكاةَ، وتصومَ رمضانَ،
وتحُجَّ البيتَ إن استطعتَ إليه سبيلاً))، قال: صدقتَ، قال: فأخبرني عن
الإِحسان، قال: ((الإِحسانُ أنْ تعبدَ الله كأنَّكَ تراهُ، فإنْ لمْ تكُنْ تراهُ فإنَّهُ
يراكَ))، قال: فأخبرني عنِ السَّاعة، قال: ((ما المسؤولُ عنها بأعلمَ مِنَ
السَّائلِ))، قال: فأخبرني عن أَمَاراتِها، قال: ((أنْ تلدَ الأَمَةُ ربََّها، وأنْ ترى
الحُفاةَ العُراةَ العالةَ رِعاءَ الشَّاءِ يتطاولونَ في البنيانِ))، ثمَّ انطلقَ، فلبثْتُ مليّاً،
ثمَّ قال لي: ((يا عمرُ! أتدري مَنِ السَّائِلُ؟))، قلتُ: الله ورسولُهُ أعلمُ، قال:
(فإِنَّهُ جبريلُ أتاكُمْ يُعلِّمُكُمْ أَمْرَ دینِكُم)).
١٩

ورواه أبو هريرة ، وفي روايته: ((وأنْ ترَى الحُفاةَ العُراةَ الصُّمَّ الْبُكْمَ
مُلوكَ الأرض في خمسٍ لا يَعلمُهُنَّ إلَّ الله: ﴿ إِنَّ اللّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ يُنَزِّفُ
الْغَيْثَ﴾ الآية)).
((من الصحاح)):
((قال عمر بن الخطاب ﴿ه: بينما نحن عندَ رسولِ الله صلى الله تعالى
عليه وسلم)): (بينما) ظرف كـ (وسط) في زمان أو مكان حسب المضاف إليه،
وإذا قُصِدَ إضافة (بين) إلى أوقات مضافة إلى جملة، حذف الأوقاتَ، وعوّض
عنها الألف أو (ما)، فيقال: (بينما) منصوب المحل، والعامل فيه معنى المفاجأة
التي تضمنه (إذ) في قوله:
((إذا طلع علينا رجل))، والمعنى: بين أوقات جَلستنا عند رسول الله وَيه
فاجأنا طلوعُ رجل علينا وظهوره، وهو جبرائيل عليه السلام.
يدلُّ على أن الملك يقتدر بقدرة الله تعالى على التشكل شكل البشر
ليستأنس به القوم.
((شديد بياض الثياب)): بإضافة (الشديد).
فيه إرشادٌ إلى استحباب النظافة بأبلغ الوجوه في مجالس السادات
والعلوم، واستحباب البياض في الثياب.
((شديد سواد الشعر)): بالإضافة أيضاً. وفيه إرشادٌ إلى أن العلم ينبغي أن
يُطلَب في عنفوان الشباب؛ لأن سواد الشعر يكون في زمان الشباب.
وقُدم البياض على السواد؛ لشرفه، ولئلا يفتتحَ بغتة بلون مستوحش.
((لا يُرى عليه أثر السفر)): من شعث وقشف ونحوهما. فيه إشارةٌ إلى أن
إزالة أثرِ السفرِ مقدَّمٌ على حضور مجالس السادات.
٢٠