النص المفهرس
صفحات 321-340
ورواه ابن جرير عن أُمِّ سلمةَ، ولفظه: قالت: كان رسولُ الله ێ في آخر أمره لا يقومُ، ولا يَقْعُد، ولا يذهبُ، ولا يَجِيءُ؛ إلا قال: ((سُبْحَانَ اللهِ وبحَمْدِه))(١) . وفي ((مسند أحمد)): عن عبدالله قال: لمَّا نزلت على رسول الله وَلا ت : ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾ [النصر: ١]؛ كان إذا قرأها وركع؛ يكثر أن يقول: ((سُبْحَانكَ اللَّهُمَّ [رَبَّنَا وبحَمْدِكَ]، اللَّهُمَّ؛ اغفر لي إنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)) ثلاثاً، تفرَّد به أحمدُ(٢). (م): قوله: ﴿فَسَيِّحْ بَحَمْدِرَبِّكَ﴾ في تفسيره وجوهٌ: أحدها: ذكره صاحب ((الكشاف))؛ أي: قل: سبحان الله والحمد لله؛ تعجّباً مما أراك الله؛ أي: اجمع بينهما، تقول: شربت الماء باللَّبَن: إذا جمعت بينهما خَلْطاً وشُرْباً. ثانيهما: أنك إذا حمدت الله؛ فقد سبَّحته؛ لأن التسبيح داخلٌ في الحمد؛ لأن الثناء عليه والشكر له لابد وأن يتضمن تنزيهَهُ عن النقائص؛ لأنه لا يكون مستحقاً للثناء إلا إذا كان مُنزَّهاً عن النقص؛ ولذلك جعل مفتاح القرآن الحمدَ. فقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [النصر: ٣]، معناه: سبِّحْه بواسطة أن تحمدَه؛ أي: بهذا الطريق. (١) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره)) (٣٠/ ٣٣٥). (٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (١ / ٣٨٨). وهو حديث حسن كما ذكر محققو ((المسند)) (طبعة الرسالة). ٣٢١ ثالثها: أن تكون هذه الباء هي التي في قولك: فعلت هذا بفضل الله؛ أي سَبِّحْهُ بحمد الله، وإرشاده وإنعامه. وقوله: ﴿وَاَسْتَغْفِرَةٌ﴾ ذكروا فيها وجوهاً: أحدها: أنه الاستغفار الذي هو جارٍ مَجْرى [التسبيح]؛ وذلك لأنه وصفٌ لله تعالى بأنه غَفَّار. ثانيها: أمره تعالى بذلك؛ ليقتدي به غيرُه؛ إذ لا يأمن كلُّ مُكلَّف عن تقصیر یقع منه في عبادته. وفيه: تنبيهٌ على أنه مع نبوته واجتهاده وعِصْمَته ما كان يستغني عن الاستغفار، فکیف من دونه؟! وثالثها: أن الاستغفار كان عن ترك الأفضل. رابعها: الاستغفار بسبب التقصير الواقع في السلوك؛ لأن السائر إلى الله إذا وصل إلى مقام في العبودية، ثم تجاوز عنه؛ يرى ذلك المقام قاصراً، فيستغفر الله عنه؛ ولهذا كانت مراتبُ هذا الاستغفار غيرَ متناهية. فإن قيل: هلا قال: غفاراً؛ كما قال في (سورة نوح). قلنا: لعله خَصَّ هذه الأمة بزيادة شرف؛ لأنه لا يقال في صفات العبد: غفار، ويقال: توَّاب إذا كان آتياً بالتوبة، فيقول تعالى: كنت لي سَمِيَّاً من أول الأمر، أنت مؤمن، وأنا مؤمن، وإن كان المعنى مختلفاً؛ فُتُبْ حتى تصيرَ سَمِيًَّ لي في آخر الأمر، فأنت توَّاب، وأنا توابٌ، ثم إنَّ الَّوابَ في حق الله تعالى هو أنه يقبل التوبة كثيراً، فيجب على العبد أن ٣٢٢ يكون إتيانُه بالتوبة كثيراً(١). * قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ﴾ [آل عمران: ١٧]، دل على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار، وقد قيل: إن يعقوب عليه السلام لمَّا قال لبنيه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّ﴾ [يوسف: ٩٩]: إنه أَخَّرهم إلى وقت السَّحَر. وفي ((الصحيحين)) عن عائشة رضي الله عنها قالت: مِنْ كل الليل أوتر رسولُ اللهِ وَِّ، فانتهى وِتْرُه إلى السَّحَر(٢). وكان عبدالله بن عمر يصلي من الليل، ثم يقول: يا نافعُ؛ هل جاء السَّحَر؟ فإذا قال: نعم؛ أقبل على الدعاء والاستغفار حتی یصبح، رواه ابن أبي حاتم(٣). وروى ابن جرير عن إبراهيم بن حاطب، عن أبيه قال: سمعتُ رجلاً في ناحية المسجد، وهو يقول: ربِّ أمرتني فأطعتك، وهذا سَحَر؛ فاغفر لي، فنظرتُ فإذا ابنُ مسعود(٤). وروى ابن مَرْدَونِهِ عن أنس بن مالك ظُبه قال: كنا نُؤمر إذا صلينا من الليل أن نستغفر في [آخر] السَّحَر سبعين مرة. * قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِّمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِ اَللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ (١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٣٢/ ١٤٨ - ١٥٠). (٢) رواه البخاري (٩٥١)، ومسلم (٧٤٥ / ١٣٦). (٣) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (٣٣٠٢). (٤) رواه ابن جرير الطبري في «تفسيره)) (٣/ ٢٠٨). ٣٢٣ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]، عن ابن عباس ◌َ﴾ في هذه الآية: أخبر الله تعالى بحِلْمه، وعفوه، وكرمه، وسعة رحمته، ومغفرته، فمَن أذنب ذنباً صغيراً كان أو كبيراً، ثم يستغفر الله؛ يجد الله غفوراً رحيماً، ولو كانت ذنوبُه أعظمَ من السماوات والأرض والجبال، رواه ابن جرير(١). وعن أبي وائل قال: قال عبدالله: كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدُهم ذنباً؛ أصبح قد كُتِبَ كفارة ذلك الذنب على بابه، وإذا أصاب البولُ شيئاً منه؛ قرضه بالمِقْراض، فقال رجل: لقد آتى الله بني إسرائيل خيراً، فقال عبدالله: ما آتاكم خيراً ممَّا آتاهم، جعل الله لكم الماء طهوراً، وقال: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً أَوْ ظَلَمُوَاْ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٣٥]، وقال: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ, ﴾ الآية [النساء: ١١٠]، رواه ابن جرير أيضاً(٢). وعن أبي الدرداء څ قال: كان رسول الله پڼ إذا جلسنا حوله، وكان له حاجةٌ، فقام إليها، وأراد الرجوع؛ ترك نعليه في مجلسه، أو بعضَ ما عليه، وإنه قام فترك نعليه . قال أبو الدرداء: فأخذتُ رَكْوةً من ماء، فاتبعته، فمضى ساعة، ثم رجع، ولم يَقْضِ حاجتَهُ. فقال: ((إنَّهُ أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي، فقالَ: إنَّه مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً، أَو تَظْلِمْ نَفْسَهُ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ؛ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً، فَأَرَدْتُ أَنْ أُبَشِّرَ أَصْحَابِي)). (١) رواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (٥ / ٢٧٣). (٢) المرجع السابق، الموضع نفسه. ٣٢٤ قال أبو الدَّرداء: وكان قد شقَّت على الناس الآيةُ التي قبلها ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، فقلت: يا رسول الله؛ وإن زنا، وإن سرق، ثم استغفر الله؛ غفر له؟! قال: ((نعم))، قلت: الثانية، قال: ((نعم))، قلت: الثالثة، قال: ((نعم، وإن زنا، وإن سرق، ثم استغفر الله؛ غَفَرَ اللهُ لهُ على رَغْمٍ أَنْفِ عُوَيْمِر))، قال: فرأيت أبا الدَّرداء يضرب أنفَ نفسه بإصبعه، رواه الحافظ ابن مَرْدَويْهِ(١)، وهذا حديث غريبٌ جداً بهذا السياق، وفي إسناده ضَعْفٌ. * قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]، روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿يا قال: إنَّ الله جعل في هذه الآية أمانين، لا يزالون معصومين مُجارين من قوارع العذاب ما دام بين أظهرهم، فأمانٌ قبضه الله إليه، وأمانٌ بقي فيكم؛ قولُه: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] (٢). وروى الترمذيُّ عن أبي موسى ◌ُ قال: قال رسول الله وَّه: ((أَنْزَلَ الله عليَّ أَمَانَّنِ لِأُمَّتِي: ﴿ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمَّ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]، فإذا مَضَيْتُ؛ تَرَكْتُ فِيكُمُ الاسْتِغْفَارَ))(٣). وفي ((مسند الإمام أحمد)) عن فَضالة بن عبيد، عن النبي ◌َّ أنه قال: (١) انظر: ((الدر المنثور)) للسيوطي (٢ / ٦٧٨)، و((مجمع الزوائد)) للهيثمي (٧ / ١٠). (٢) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره)) (٩٠٢٥). (٣) رواه الترمذي (٣٠٨٢). وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (١٦٩٠). ٣٢٥ ((العَبْدُ آمِنٌ مِن عَذَابِ الله ما اسْتَغْفِرَ اللهَ وَّ)(١). (م): ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ اللفظ وإن كان عامّاً؛ إلا أن المرادَ بعضُهم؛ كما يقال: قتل أهلُ المَحَلَّة رجلاً، وأقبل أهلُ البلدة الفلانية على الفساد. وقال قتادة والسُّدِّيُّ: معناه: لو استغفروا؛ لم يُعذَّبوا، وكان المطلوبُ من ذكر هذا الكلام استدعاءَ الاستغفار منهم؛ أي: لو اشتغلوا بالاستغفار؛ لما عَذَّبهم الله تعالى. قال أهل المعاني: دلت هذه الآية على أن الاستغفار أمانٌ وسلامةٌ من العذاب(٢). * قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً﴾ [آل عمران: ١٣٥] الآيةَ، سبق في (الباب التاسع والخمسين بعد المئتين). ١٨٦٩ - وَعَنِ الأَغَرِّ المُزَنِّي ﴿ه: أَنَّ رَسُولَ اللهِّهِ قَالَ: (إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ في الْيَوْمِ مِئَةَ مَرَّةٍ)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. * قوله ويتلقى: ((إنه ليغان على قلبي)): (ط): اسم (إن) ضمير الشأن، والجملة بعده خبر له، ومُفسِّرة. (١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٦/ ٢٠). وهو حديث حسن كما ذكر محققو ((المسند)) (طبعة الرسالة). (٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٥ / ١٢٧). ٣٢٦ قال صاحب ((الفائق)): ((ليغان))؛ أي: ◌َيُطْبِقُ إطباق الغَيْن، يقال: غِينَت السَّماءُ، والفعل مُسندٌ إلى الظرف، وموضعه رفعٌ بالفاعلية (١). (ن): (الغين): بالغين المعجمة، والغيم بمعنىّ واحد، المراد به هاهنا: ما يُغَشِّي القلبَ. قال القاضي: قيل: المراد: الفَتَرات، والغَفَلات عن الذِّكر الذي كان شأنُهُ الدوامَ عليه، فإذا فتَر، أو غفل؛ عَدَّ ذلك ذنباً استغفر منه. وقيل: هو همُّه بسبب أمته، وما اطّلع عليه من أحوالها بعده، فیستغفر لهم. وقيل: سببُه: اشتغالُهُ بالنظر في مصالح أُمَّته وأُمورهم، ومُحاربة العدو، ومُداراته، وتأليف المُؤلَّفة، ونحو ذلك؛ من مُعاشرة الأزواج، والأكل، والشرب، والنوم، فيشتغل بذلك عن عظيم مقامه، فيراه ذنباً إلى عظيم منزلته، وإن كانت هذه الأمورُ من أعظم الطاعات، وأفضل الأعمال؛ فهي نزولٌ عن عالي أعلى درجته، ورفيع مقامه؛ من حُضوره مع الله تعالی، ومُراقبته، ومُشاهدته، وفراغه ممَّا سواه، فيستغفر لذلك. وقيل: يحتمل أن هذا الغَيْنَ هو السَّكِينُ التي تَغْشَى القلبَ؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَنَزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ, عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الفتح: ٢٦]، ويكون استغفاره إظهاراً للعبودية والافتقار، ومُلازمةً للخُضوع، وشكراً لما أولاه. وقال المُحاسِبيُّ: خوف الأنبياء عليهم السلام والملائكة خوفُ إعظام، وإن كانوا آمنين من عذاب الله تعالی. (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٣٥). ٣٢٧ وقيل: يحتمل أن هذا الغَيْنَ حالة خشية وإعظام، ويكون استغفاره شكراً كما سبق، وقيل: هو شيءٌ يعتري القلوبَ الصافية ممَّا تتحدث به النفس(١). (ق): (الغين): حالة خشية وإعظام، والاستغفار الذي صدر منه لم يكن لأجل ذلك الغين، بل للقيام للعبادة، ألا ترى قوله في الحديث: ((إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله))؟! فأخبرنا بأمرين متنافيين ليس أحدُهما مُعلَّقاً على آخر(٢). (تو): بلغنا عن الأصمعيِّ عبد الملك بن قُرَيْب: أنه سئل عن هذا الحديث، فقال للسائل: عن قلب من تروي هذا؟ فقال: عن قلب النبي وَلّ. فقال: لو كان عن غير قلب النبي ◌َّيِ؛ لكنت أفسره لك، ولله درُّه في انتهاجه منهجَ الأدب، وإجلاله القلبَ الذي جعله الله تعالى موقعَ وَحْيه، ومَنْزِلَ تنزيله. وبعدُ؛ فإنه مَشْرَبٌ سُدَّ عن أهل اللسان مواردُه، وفُتِحَ لأهل السلوك مسالكُه، وأحق مَن يُعْرِبُ أو يُعبِّر عنه مشايخُ الصوفية الذين نازل الحقُّ أسرارَهم، ووضع الذِّكْرُ عنهم أوزارَهم، ونحن بالنور المُقتبس من مشكاتهم نذهب في الوقوف عليه مذهبين : أحدهما: أن نقول: لمَّا كان قلب النبي ◌َّم أتمَّ القلوب صفاء، وأكثرها ضياء، وكان معنياً مع ذلك بتشريع المِلَّة، وتأسيس السُّنَّة مُيسِّراً غير مُعَسِّر = لم يكن له بدٌّ من النزول إلى الرُّخَص، والالتفات إلى حظوظ النفس، مع (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٢٣). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٢٧). ٣٢٨ ما كان ممتحناً به من أحكام البشرية، فكان إذا تعاطى شيئاً من ذلك؛ أسرع كُدورةٌ ما إلى القلب؛ لكمال رقَّته، وفَرْط نورانيته، فإن الشيء كلما كان أرقّ وأصفى؛ كان ورود التأثيرات عليه أَبَينَ، وكان رسول الله وَ﴿ إذا أحسَّ بشيء من ذلك؛ عدَّه على النفس ذنباً، فاستغفر منه؛ ولهذا المعنی کان استغفاره عند خروجه من الخلاء، فيقول: غفرانك. ثانيهما: أن نقول: إن الله تعالى كما أفناه عن العالَمِينَ؛ أراد أن يبعثه لهم؛ لينتفعوا به، فإنه ◌َّ﴾ لو تُرك وما هو عليه، وفيه من الحضور والتجليات الإلهية؛ لم يكن ليتفرَّغ لتعريف الجاحد، وتعليم الجاهل، فاقتضت الحكمة الإلهية أن يرد عليهم الفَيْنةَ بعد الفَيْنة بنوع من الحَجْبة والاستتار؛ لیکمل حظّهم عنه، فیری ذلك من سیئات حاله، فيستغفر منه، انتھی . قال شيخ الإسلام شهاب الدين أبو حفص الشُّهْرَ وَردُّ رحمه الله: لا ينبغي أن يُعتقدَ أن الغَیْنَ نقصٌ في حاله صلوات الله علیه، بل هو کمال، أو تتمة كمال، وهذا سِرٍّ دقيق لا ينكشف إلا بمثال، وهو أن الجَفْنَ المُسْبَل على حدقة البصر وإن كانت صورتُهُ صورةَ نقصان من حيث هو إسبالٌ وتغطية على ما من شأنه أن يكون بادياً مكشوفاً؛ فإن المقصود من خلق العين إدراك المُدْرَكات الحِسِّية، وذلك لا يتأتى إلا بانبعاث الأشعة الحسية من داخل العين، واتصالها بالمرئيات على مذهب قوم، وبانطباع صور المُدْرَكات في الكرة الجليدية على مذهب آخرين، فكيفما قُدِّر لا يتِمُّ المقصود إلا بانكشاف العين وعَرائها عما يمنع من انبعاث الأشعة عنها، ولكن لما كان الهواء المحيط بالأبدان الحيوانية قلَّما يخلو من الأغبرة ٣٢٩ الثائرة بحركة الرياح، فلو كانت الحدقة دائمةً الانكشاف؛ لاستضرت بمُلاقاتها وتراكمها عليها، فأُسبلت أغطية الجفون عليها؛ وقاية لها، ومَصْقَلةً لها؛ لتَنْصَقِلِ الحَدَقةُ بإسبال الأهداب، ورفعها لخفة حركة الجفن، فيدوم جلاؤها، ويحتدَّ نظرُها، فالجفن وإن كان نقصاً ظاهراً؛ فهو كمال في الحقيقة . فهكذا لم تزل بصيرة النبي وَ﴿ مُتعرِّضة لأن تَصْدَأ بالأغبرة الثائرة من أنفاس الأغيار، فلا جَرَمَ دعت الحاجة إلى إسبال جفن من الغين على حدقة بصيرته؛ سَتْراً لها، ووقاية، وصِقالاً عن تلك الأغبرة المُثارة برؤية الأغيار وأنفاسها، فصَحَّ أن الغَيْنَ وإن كانت صورته نقصاً؛ فمعناه كمال وصِقَالٌ حقيقة . ثم قال رحمه الله: وأيضاً إن روح النبي وَّه لم تزل في الترقِّي إلى مقامات القُرْب مُستتبعةً للقلب في رَقْيها إلى مركزها، وهكذا القلب كان يستتبع نفسه الزكية، ولا خفاء أن حركة الروح والقلب أسرعُ وأتمُّ من نَهْضَة النفس وحركتها، وكانت خُطا النفس تَقْصُر عن مدى الروح والقلب في العُروج والولوج في حريم القدس، ولُحوقها بهما، فاقتضت العواطف الربانية إبطاء القلب بإلقاء الغَيْن عليه؛ لئلا يسرع القلب، ويسرح في معارج الروح ومدارجها، فتنقطع علاقة النفس عنه؛ لقوة الانجذاب، فيبقى العباد مهملين محرومين عن الاستنارة بأنوار النبوة، والاستضاءة بمشكاة مصباح الشريعة؛ حيث كان يرى النبيُّ وَّه إبطاء القلب بالغَيْنِ المُلْقى عليه، وقصور النفس عن شَأْو ترقِّي الروح إلى الرفيق الأعلى؛ كان يفزع إلى الاستغفار؛ إذ لم تف قواهما في سرعة اللُّحوق بها. ٣٣٠ وهذا من أعزِّ مَقُولٍ في هذا المعنى، وأحسن مشروح فيه(١). ١٨٧٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَ﴾ يَقُولُ: ((واللهِ! إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً)، رواه البخاريُّ. * قوله وي: ((وإني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة)) سبق شرحه في (الباب الثاني). ١٨٧١ - وَعَنْهُ ﴿هَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا، لَذَهَبَ اللهُ تعالى بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ تعالى، فَيَغْفِرُ لُهُمْ))، رواه مسلمٌ. * قوله ◌َّهى: ((ولجاء الله بقوم يذنبون، فيستغفرون الله))، سبق في (الباب الحادي والخمسين). ١٨٧٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ عَ﴾، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌َلِ: (مَنْ لَزِمَ الاسْتِغْفَارَ، جَعَلَ اللهُلَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً، وَمِنْ كُلِّ (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٣٦). ٣٣١ هَمِّ فَرَجاً، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ))، رواه أبو داودَ. * قوله خير: ((من كل ضيق مخرجاً): (ط): مقتبس من قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَل لَّهُ, مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]؛ لأن من داوم الاستغفار، وأقام بحقه؛ كان مُتَّقياً، وناظراً إلى قوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ أُسْتَغْفِرُ واْرَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] الآيةَ. روي عن الحسن أن رجلاً اشتكى إليه الجَدْبَ، فقال: استغفر الله، وشكا إليه آخرُ الفقرَ، وآخرُ قِلَّة النسل، وآخر قِلَّة رَبْع أرضه، فأمرهم كلَّهم بالاستغفار، فقيل له: شكوا إليك أنواعاً، فأمرتهم كلَّهم بالاستغفار، فتلا الآية (١). ١٨٧٤ - وَعَنِ ابْنٍ مَسْعُودٍ ﴾، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَسِ: ((مَنْ قالَ: أَسْتَغْفِرُ الله الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الَحَيَّ القَيُّمَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وَإِن كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ))، رواه أبو داودَ، والترمذيُّ، والحاِمُ، وقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ. * قوله قال: ((الحي القيوم)): (ط): يجوز فيهما النصب صفة الله أو مدحاً، والرفع بدلاً من الضمير، أو خبرَ مبتدأ محذوف على المدح، و((الزحف)): الجيش الدَّهْمُ الذي يُرى (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٤٦). ٣٣٢ لكثرته كأنه يزحف؛ أي: يَدِبُّ دبيباً؛ من زحف الصبيُّ: إذا دبَّ على اسْتهِ قليلاً قليلاً . وفي تخصيص ذكر الفِرار عن الزَّحْف إدماجٌ لمعنى أن هذا الذنب من أعظم الكبائر؛ لأن سياق الكلام وارد في الاستغفار، وعبارته في المُبالغة عن حَطِّ الذنوب عنه، فيلزم بإشارته أن هذا الذنبَ من أعظم كبائر الذنوب(١). (مظ): أراد بقوله: ((فرّ من الزحف)): أنه فرَّ من حرب الكفار؛ حيث لا يجوز له الفِرار، وذلك بأن لا يكون عددُ الکفار علی مِثْلَيْ عدد جیش المسلمین(٢). ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ، قالَ: ١٨٧٥ - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ . (سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ العَبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ ما صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ. مَنْ قَالَها مِنَ النَّهَارِ مُوقِناً بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِي، فَهُو مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بها، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلُ الجَنَّةِ)، رواه البخاريُّ. (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦/ ١٨٥٥). (٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ١٩٤). ٣٣٣ (أَبُوءُ)) بياءٍ مَضْمومَةٍ ثُمَّ واوٍ وهمزَةٍ ممدودَةٍ، وَمَعْنَاهُ: أُقِرُ وَأَعْتَرِفُ. • قوله في: ((سيد الاستغفار)): (ط): (السيد) هنا: مستعار من الرئيس المُقدَّم الذي يُصْمَدُ إليه في الحوائج، ويُرجع إليه في الأمور بهذا الدعاء الذي هو جامع لمعاني التوبة كلِّها، والتوبة غاية الاعتذار. وقوله: ((وأنا عبدك)) يجوز أن يكون حالاً مُؤكِّدة، وأن يكون مُقدَّرة؛ أي: أنا عابد لك؛ كقوله تعالى: ﴿وَبَتَّتْنَهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا﴾ [الصافات: ١١٢]، وينصره عطفُ قوله: ((وأنا على عهدك ووعدك))(١). (حس): أي: أنا على ما عاهدتك عليه، وواعدتك من الإيمان بك، وإخلاص الطاعة لك. وقد يكون معناه: أني مقيمٌ على ما عَهِدْتَ إليَّ من أمرك، ومُتمسِّك به، ومُتنجِّزٌ وعدَك في الأجر والمَثُوبة عليه، واشتراطُ الاستطاعة في ذلك معناه: الاعترافُ بالعَجْز والقُصور عن كُنْه الواجب من حقه رَق (٢). (ط): ويجوز أن يراد بالعهد والوعد ما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمِ ذُرِّيَّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىُ شَهِدْنَاْ﴾ [الأعراف: ١٧٢](٣). (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٤٤). (٢) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٥ / ٩٤). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٤٥). ٣٣٤ (نه): ((أبوء لك))؛ أي: ألتزم، وأرجِعُ، وأُقِرُّ، وأصل البَوْءِ: اللزوم، ومنه الحديث: ((فَقَدْ بَاءَ به أَحَدُهُما))؛ أي: التزمه، ورجع به(١). (تو): أي: أقر لك بما أنعمت به عليَّ، وأعترف بما اجترحتُ من الذنب؛ من قولهم: باء بحقِّه: أقر، وذا يكون أبداً بما عليه لا له، قال لَبِیدُ: عِنْدِي ولَمْ يَفْخَرْ عليَّ كِرَامُها أَنْكَرْتُ بَاطِلَها وَيُؤْتُ بحَقِّها (ط): اعترف أولاً بأنه تعالى أنعم عليه، ولم يُقيِّدْه؛ ليشملَ كل الإنعام، ثم اعترف بالتقصير، وأنه لم يَقُمْ بأداء شُكرها، وعَدَّهُ ذنباً؛ مُبالغةً في التقصير، وهَضْمِ النفس(٢). ١٨٧٦ - وَعَنْ ثَوْبَانَ ﴿هَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاتِهِ، اسْتَغْفَرَ اللهَ ثَلاثاً، وَقَال: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ، وَمِنْكَ السَّلامُ؛ تَبَارَكْتَ يا ذَا الْجَلالِ والإِكْرَامِ». قيلَ لِلأَوزاعِيِّ - وهُوَ أَحَدُ رُوَاتِهِ -: كَيْفَ الاسْتِغْفَارُ؟ قَالَ: يَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ، رواه مسلمٌ. (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ١٥٩)، والحديث رواه البخاري (٥٧٥٢)، من حديث أبي هريرة ◌ُ. (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٤٥). ٣٣٥ * قوله: ((استغفر ثلاثاً)، سبق في (الباب الرابع والأربعين بعد المئة). ١٨٧٨ - وَعَنْ أَنَسِ ﴿﴾، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِلَّهِ يَقُولُ: (قَالَ اللهُ تعالى: يَا بْنَ آدَمَ! إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي، غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلا أُبَالِي، يَا بْنِ آدَمَ! لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّماءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي، غَفَرْتُ لَكَ وَلا أُبَالي، يَا بْنِ آدَمَ! إِنَّكَ لَوْ أَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَني لا تُشْرِكُ بِي شَيْئاً، لأَيُكَ بِقُرَابِها مَغْفِرَةً)، رواه الترمذيُّ، وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. (عَنَانَ السَّمَاءِ) بِفَتْحِ العَيْنِ: قِيل: هُوَ السَّحَابُ، وَقيلَ: هُوَ مَا عَنَّ لَكَ مِنْها؛ أيْ: ظَهَرَ. وَ((قُرَابُ الأرْضِ)) بِضَمِّ القافِ، وَرُوِيَ بِكَسْرِهَا، والضَّمُّ أَشْهَرُ، وهُوَ: ما يُقَارِبُ مَلأَها. قوله : ((إنك ما دعوتني)): ٠ (ط): أي: ما دمت تدعوني، وترجو مغفرتي، ولا تَقْنَط من رحمتي؛ فإني أغفر لك، ولا تَعْظُم عليَّ مغفرتُك، وإن كانت ذنوبُك كثيرةً، وفي عدم المُبالاة معنى قوله: ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣](١) . (تو): (العَنان): السحاب، وإضافته إلى السماء غيرُ فصيح، وأرى الصواب أعنان السماء، وهي صفائحها، وما اعترض من أقطارها، كأنها (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٤٥). ٣٣٦ جمع عَنَن، فلعل الهمزة سقطت عن بعض الرواة، أو ورد العَنان بمعنى العَنَن. (ط): يمكن أن يجعل من باب قوله تعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦]؛ تصويراً لارتفاع شأن السحاب، وأنها بلغت مبلغَ السماء، وأن يجعل من قوله: ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ ﴾ [البقرة: ١٩]؛ فإن فائدة ذكر السماء - والصيِّب لا يكون إلا منها -: أنه جاء بها معرفةً، فنفى أن يتصوَّب من سماء؛ أي: من أُقُق واحد من بين سائر الآفاق؛ لأن كل أُفُق من آفاقها سماءٌ (١). (تو): ((قراب الأرض)) مِلاؤها، ومثله طِباقُها وطِلاعُها. (ط): ((خطايا)) تمييز من الإضافة؛ مثل قولك: مِلْءُ الإناء عسلاً، و(ثم) في قوله: ((ثم لقيتني)) هنا للتراخي في الإخبار، وأن عدمَ الشِّرْك منه مطلوبٌ أَوْلى؛ ولذلك أعاد (لقيتني)، وعلَّقه به، وإلا؛ لكان يكفي أن يقال: لو لقيتني بقُراب الأرض خطايا لا تشرك بي(٢). ١٨٧٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴾: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلِ قَالَ: ((يا مَعْشَرَ النِّسَاءِ! تَصَدَّقْنَ، وَأَكْثِرْنَ مِنَ الاسْتِغْفَارِ؛ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلٍ النَّارِ))، قَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: مَا لَنَا أَكْثَرَ أَهْلِ الَّارِ؟ قالَ: ((تُكْثِرْنَ (١) المرجع السابق، (٦ / ١٨٤٦). (٢) المرجع السابق، الموضع نفسه. ٣٣٧ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَقِصَاتٍ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِذِي لُبِّ مِنْكُنَّ))، قالَتْ: ما نُقْصَانُ العَقْلِ والدِّينِ؟ قالَ: ((شَهَادَةُ امْرَأَيْنِ بِشَهَادَةِ رَجْلٍ، وَتَمْكُثُ الأَيَامَ لا تُصَلِّي))، رواه مسلمٌ. * قوله : ((يا معشر النساء)»: (ن): (المعشر): هم الجماعة الذين أمرُهم واحد، وهو اسمٌ يتناولهم؛ كالإنس معشر، والجن معشر، والنساء معشر، ونحو ذلك، وجمعه معاشر(١). (ق): هذا نداء لجميع نساء العالم إلى يوم القيامة، وإرشادٌ لهُنَّ إلى ما يُخلِّصُهنَّ من النار(٢). (ط): الخطاب عامٌّ، غُلِّبت فيه الحاضرات على الغُيَّ؛ كما في قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُ وارَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، واللام فيه للاستغراق(٣). (ق): وقوله: ((تصدقن))، المراد: الصدقة مطلقاً واجبُها وتطوُّعُها، والظاهر: أن المراد هنا القَدْرُ المشترك بين الواجب والتطوُّع؛ لقوله في بعض طرقه: ((ولَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ))، و((الاستغفار)): سؤال المغفرة، وقد يُعبَّر به عن التوبة؛ كما في قوله تعالى: ﴿اَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠]؛ أي: توبوا، وإنما عَبَّر عن التوبة بالاستغفار؛ لأنه إنما يصدر عن (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٦٦). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٦٨). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٦٤). ٣٣٨ الندم، وحَلِّ الإصرار، وذلك التوبةُ. وأما الاستغفار مع الإصرار: فحال المنافقين والأشرار، وهو جدير بالردِّ وتكثير الأوزار، وقد قال بعضُ العارفين: الاستغفار باللِّسان توبةٌ الکَذَّابين(١). (ن): ((رأيتكن أكثر أهل النار)) هو بنصب (أكثر)؛ إما على أن هذه الرؤية تتعدّى إلى مفعولين، وإما على الحال على مذهب ابن السَّرَّاج، وأبي عليٍّ الفارسيِّ، وغيرهما ممَّن قال: إن (أفعل) لا يتعرَّفُ بالإضافة، وقيل: هو بدل من الکاف في (رأیتکن). وأما قولها: ((ما لنا أكثر أهل النار؟)): فمنصوبٌ؛ إما على الحكاية، وإما على الحال(٢). (ق): أي: اطَّلِعَ على نساء آدميات من نوع المخاطبات، لا أَنْفُس المخاطبات؛ كما قال في الرواية الأُخرى: ((اطَّلَعْتُ على النَّارِ، فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ)) (٣). وقوله: ((تكثرن اللعن))؛ أي: يدور اللَّعْنُ على ألسنتهن كثيراً لمَن لا يجوز لعنُه، وكان ذلك عادةً جارية في لسان العرب؛ كما قد غلبت بعد ذلك على النساء والرجال، حتى إنهم إذا استحسنوا شيئاً؛ ربما لعنوه، فيقولون: ما أَشْعَرَهُ لعنه الله! (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٦٨). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٦٦). (٣) رواه البخاري (٣٠٦٩)، من حديث عمران بن حصين قـ ◌ُمَا . ٣٣٩ وحكى بعضهم أن قصيدة ابن دُرَيِّد كانت تُسمَّى عندهم الملعونةَ؛ لأنهم كانوا إذا سمعوها؛ قالوا: ما أَشْعَرَهُ لعنه الله (١)! (ن): اتفق العلماء على تحريم اللعن؛ فإنه في اللغة: الإبعاد والطَّرْد، وفي الشرع: الإبعاد من رحمة الله، فلا يجوز أن يُبْعَد من رحمة الله مَنْ لا يُعرف حالُه وخاتمةُ أمره معرفة قطعية؛ فلهذا قالوا: لا يجوز لَعْنُ أحد بعينه، مسلماً كان أو كافراً أو دابة، إلا مَن علمنا بنصِّ شرعي أنه مات علی الکفر، أو يموت عليه؛ کأبي جَهْل، وإبليس. وأما اللعن بالوصف: فليس بحرام؛ كلعن الواصلة، والمُستوصلة، والواشمة، وآكل الربا، أو مؤكله، والمُصوِّرين، والظالمين، وغير ذلك ممَّا جاءت به النصوصُ الشرعية بإطلاقه على الأوصاف لا على الأعيان(٢). * قوله: ((وتكفرن العشير)) : (غب): ((الكفر)) في اللغة: ستر الشيء، وكفر النعمة وكفرانها: سترها بترك أداء شُكْرها، قال تعالى: ﴿فَلَ كُفْرَانَ لِسَعْبِهِ،﴾ [الأنبياء: ٩٤]، وأعظم الكفر جحودُ الوَحْدانية، والنبوة، والشريعة، والكفران في جحود النعمة أكثرُ استعمالاً، والكفر في الدِّين أكثرُ، الكفور فيهما جميعاً، قال تعالى: ﴿فَأَبَ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّ كُفُورًا﴾ [الفرقان: ٥٠](٣). (ق): ((العشير)): هو المُعاشِر والمُخالِط مطلقاً، والمراد به هنا (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٦٨). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٦٧). (٣) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٤٣٣). ٣٤٠