النص المفهرس

صفحات 301-320

طَعَامُكُمْ وَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتْ: طَعَامُنَا اللَّحْمُ، وَشَرَابْنَا المَاءُ.
قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي طَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ - قَالَ: فَقَالَ أَبُّو
القاسِمِ وَ﴿: ((بَرَكَةُ دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ وَ﴿))، قَالَ: فَإِذا جَاءَ زَوْجُكِ،
فَاقْرَتِي عَلَيْهِ السَّلامَ، وَمُرِبِهِ يُثَبِّتْ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ،
قَالَ: هَلْ أَنَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَثَانَاَ شَيْخٌ حَسَنُ الهَيْئَةِ،
وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ، فَسَأَلَنِي عَنْكَ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَسَألَنِي: كَيْفَ عَيْشُنَا،
فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ. قَالَ: فَأَوْصَاكِ بِشَيءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، يَقْرَأُ عَلَيْكَ
السَّلامَ، وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثَبِّتَ عَتْبَةَ بَابِكَ. قَالَ: ذَاكَ أبِي، وَأَنْتِ
العَتْبَةُ، أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ، ثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ جَاءَ
بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِسْمَاعِيلُ يَيْرِي نَّلاً لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ قريباً مِنْ زَمْزَمَ؛
فَلَمَّا رَآهُ، قَامَ إِلَيْهِ، فَصَنَعَ كَمَا يَصْنَعُ الوَالِدُ بِالوَلَدِ، وَالوَلَدُ
بِالوَالِدِ، قَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ! إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ، قَالَ: فَاصْنَعْ مَا
أَمَرَكَ رَبُّكَ، قَالَ: وَتُعِينُنِي؟ قَالَ: وَأُعِينُكَ، قَالَ: فَإِنَّ الله أَمَرَنِي
أَنْ أَبْنِي بَيْتاً هَاهُنَا، وَأَشَارَ إلى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَها. فَعِنْدَ
ذَلِكَ رَفَعَ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ، فَجَعَلَ إسْمَاعِيلُ يَأْتِي بالحِجَارَةِ،
وَإِبْرَاهِيمُ يَبْني، حَتَّى إِذا ارْتَفَعَ البِنَاءُ، جَاءَ بِهِذَا الحَجَرِ، فَوَضَعَهُ
لَهُ، فَقَامَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَبْنِي، وَإِسماعِيلُ يُنَاوِلُهُ الحِجَارَةَ، وَهُمَا
يَقُولانِ: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ.
٣٠١

وَفي روايةٍ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَرَجَ بِإِسْمَاعِيلَ وَأَمَّ إِسْمَاعِيلَ،
مَعَهُمْ شَنَّةٌ فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَتْ أُّ إِسْمَاعِيلَ تَشْرَبُ مِنَ الشَّنَّةِ، فَيَدِرُّ
لَبَّنُهَا عَلى صَبِيِّهَا، حَتَّى قَدِمَ مَّةَ، فَوَضَعَهَا تَحْتَ دَوْحَةٍ، ثُمَّ
رَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلى أَهْلِهِ، فَاتَّبَعَنْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، حَتَّى لَمَّا بَلْغُوا
كَدَاءَ، نَدَتْهُ مِنْ وَرَائِهِ: يَا إِبْرَاهِيمُ! إِلى مَنْ تَتَّرُكُنَا؟ قَالَ: إلى الله،
قَالَتْ: رَضِيتُ باللهِ، فَرَجَعَتْ، وَجَعَلَتْ تَشْرَبُ مِنَ الشَّنَّةِ، وَيَدِرُّ
لَبَّنُهَا عَلى صَبِيِّهَا، حَتَّى لمَّا فَنِيَ الماءُ، قَالَتْ: لَوْ ذَهَبْتُ،
فَنَظَرْتُ لَعَلِّي أُحِسُّ أَحَداً، قَالَ: فَذَهَبَتْ، فَصَعِدَتِ الصَّفا،
فَنَظَرَتْ وَنَظَرَتْ، هَلْ تُحِسُّ أَحداً؟ فَلَمْ تُحِسِنَّ أَحَداً، فَلَمَّا بَلَغَتِ
الوَادِيَ، وَأَتَتِ المَرْوَةَ، وَفَعَلَتْ ذَلِكَ أَشْوَاطاً، ثُمَّ قَالَتْ: لَوْ
ذَهَبْتُ فَنَظَرْتُ ما فَعَلَ الصَّبيُّ، فَذَهَبَتْ وَنَظَرَتْ، فَإِذا هُوَ عَلَى
حَالِهِ كَأَنَّهُ يَنْشَغُ لِلمَوْتِ، فَلَمْ تُفِرَّهَا نَفْسُهَا. فَقَالَتْ: لَوْ ذَهَبْتُ،
فَنَظَرْتُ لَعَلِّي أُحِسُّ أَحَداً، فَذَهَبَتْ فَصَعِدَتِ الصَّفَا، فَظَرَتْ
وَنَظَرَتْ، فَلَمْ تُحِسَّ أَحَداً حَتَّى أَتَمَّتْ سَبْعاً، ثُمَّ قَالَتْ: لَوْ
ذَهَبْتُ، فَتَظَرْتُ مَا فَعَلَ، فإِذا هِيَ بِصَوْتٍ، فَقَالَتْ: أَغِثْ إِنْ كانَ
عِنْدَكَ خَيْرٌ، فَإِذا جِبْرِيلُ بَّهِ، فَقَالَ بِعَقْبِهِ هَكَذَا، وَغَمَزَ بِعَقِبِهِ
عَلَى الأَرْضِ، فَانْبَثَقَ المَاءُ، فَدَهِشَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، فَجَعَلَتْ
تَحْفِنُ. وذَكَرَ الحَدِيثَ بِطُولِهِ.
رواه البخاريُّ بهذِ الرواياتِ كلِّها.
٣٠٢

(الدَّوْحَةُ)): الشَّجَرَةُ الكَبِيرَةُ.
قولهُ: ((قَفَّى)): أَيْ: وَلَّى، ((وَالجَرِيُّ»: الرَّسولُ. ((وَأَلَفى))
معناه: وَجَدَ.
قَوْلُهُ: (يَنْشَغُ))؛ أَيْ: يَشْهَقُ.
* قوله: ((عند دوحة)): (الدوحة): الشجرة العظيمة، و((الجراب))
بكسر الجيم معروف، وحكي فيه الفتح.
ومن مِلَحِ أهل الأدب: قولهم: لا تفتح الجِرابَ، ولا تكسر القَصْعة.
(نه): ((ققَّى))؛ أي: ذهب مُولِياً، فكأنه من القَفا؛ أي: أعطاه قفاه
وظهره، انتھی(١).
* قوله: ((تبعته أم إسماعيل))، وفي رواية: ((تبعته حتى بلغ كذا)،
وقولها: ((إذاً لا يضيعنا)) فيه بيانُ وفور توكُّلها ويقينها، وكمال إيمانها ودينها،
وهذه الخِصَال في النساء عزيزةٌ جداً.
وقوله: ((انطلق إبراهيم، حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه،
استقبل بوجهه البيت، ثم دعا)) فيه: أن دعاء المسافر مُستجابٌ، لا سيَّما
إذا انضاف إليه أسباب أُخرُ؛ من طُول السَّفَر، وركوب الخَطَر، وكون
الشخص مُمْتَحَنَ القلب بمُهاجرة الوطن، ومُفارقة السَّكَن.
وكان الخليل عليه السلام قد ابتُلي بجميع ذلك، مع تركه أهله وولده
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٩٤).
٣٠٣

الرَّضيع بواد لا أنيسَ به، ولا طعام ولا ماء، في موضع بعيد عنه مسيرةُ
شهر أو أكثر.
وفيه: استحباب الدعاء في الخَلَوات؛ فإنه لمَّا شرع في السفر،
وغاب عنهم؛ دعا، وفيه: استحباب استقبال القبلة عند الدعاء، ورفع
الیدین.
(ك): ((يتلوى))؛ أي: ينقلب ظهراً لبطن، ويميناً وشمالاً، و((يتلبّط»
بإهمال الطاء؛ أي: يتمزَّغُ، ويضرب نفسَه على الأرض؛ من لَبَط به
صرعه، و((درع المرأة)): قميصُها، انتهى(١).
قوله في: ((فلذلك سعى الناس بينهما))؛ أي: لشرف تلك البقعة
المُباركة، وإجابة الله فيها دعوةَ أُمّ إسماعيلَ، ونظره إليها بعين الرحمة،
سعى الناسُ بينهما؛ طلباً للإجابة .
قال الحافظ إسماعيل بن كثير: إن هاجر لما نَفَد زادُها وماؤها،
وخافت الضَّيْعةَ على ولدها؛ قامت تطلب الغَوْثَ من الله ◌َّ، فلم تزل
تتردَّد في هذه البقعة المُشرَّفة بين الصَّفا والمَرْوة، مُتذلِّلة، خائفة، وَجِلةً،
مضطرة، فقيرة إلى الله ◌َ، حتى كشف الله كُرْبتَها، وآنسَ غُرْبتَها، وفرَّج
شِدَّتها، وأنبع لها زَمْزَمَ التي ماؤُها طعامُ طُعْم، وشِفاء سُقْم.
فالساعي بينهما ينبغي أن يستحضر فَقْرَهُ وذُلَّه وحاجته إلى الله رَ في
هداية قلبه، وإصلاح حاله، وغفران ذنبه، وأن يُزيحَ ما به من النقائص
والعُيوب، وأن يُحوِّلَه إلى حال الكمال، والغُفْران، والسَّداد؛ كما فعل
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٤ / ٢٠).
٣٠٤

بهاجر عليها السلام، انتهى(١).
فإن قيل: ظاهر الحديث يُشعر بأنها إنما صَعِدَت الصَّفا؛ لتنظر هل
ترى أحداً معه زاد أو ماء حتى تُسَكِّن خَلَّتَها، وترويَ غُلَّتَها، ولو كانت
طالبةً لبُقعة مُشرَّفةٍ تتردد فيها، وتطلب الغَوْثَ من الله؛ لكان الأولى بها
التردُّدَ حولَ بيت الله المُحرَّم، والدُّعاءَ بقُرْبه؛ فإن إبراهيم عليه السلام كان
معه الملائكة (٢)، وقد دلَّته على معالم البيت، وكشفت عن أساسه.
وقيل: [لما رأته] يتمرَّغ في التراب ويَنْشَغُ للموت؛ لم تطق النظر إليه
في هذه الحالة كما صرح في الحديث؛ فلهذا تركت الدعاء حول البيت؛
لأن إسماعيل عليه السلام كان بقُرْب البيت، فانطلقت لأمرين:
أحدهما: لتغيب عن ابنها، ويَخِفَّ وَجْدُها به؛ لعلها تتفرَّغ للتوجُّه
والدعاء .
ثانيهما: لتصعد أعلى جبل؛ لعلها ترى أحداً من المسافرين ترفع إليه
حالَها؛ ليدفع بلاءَها، فلم تر في الصَّفا أحداً، فسعت نحو المروة، فلم تر
أحداً.
فلم تزل تتردد في هذه البُقْعة سائلةً من الله الغَوْثَ، ولم تعلم أن
القَدَرَ قد ساقها إلى بُقْعة مباركة تُصَبُّ فيها الخيرات، وتَنْزِلُ فيها الرَّحمةُ
والبركات على البَرِيَّات، ويُستجاب فيها الدُّعاء والطلبُ، وتُكْشَفُ فيها
الهُمومُ والكُرَب، ولله لطائف، وإذا أراد شيئاً؛ هيأ أسبابَهُ.
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٢ / ١٣٥).
(٢) في الأصل: ((السكينة)).
٣٠٥

وأما نظرها في أعلى الجبل لعلها ترى أحداً: فلا ينافي توكُّلَها، وما
تيقَّنت أولاً بأن الله لا يُضيِّعُها؛ فإن العباد قد أُمروا برعاية الأسباب الظاهرة.
فإن قيل: لم لم يظهر المَلَكُ أوَّلَ ما نفِد زادُها وماؤُها، وتأخَّر إلى أن
بلغ منها الجَهْدُ مبلغاً أضعفت قواها، وأشرفت هي وولدُها على الهلاك؟
يقال: إن البنية البشرية ما دامت بنعمة، والحيوانية عليها غالبةٌ لا يمكنها
الاطّلاعُ على عالَمِ المَلَكُوت، ومُشاهدة المَلَك، فلا بُدَّ لها من حالة ورياضة
تُضْعِفُ الحيوانية، وتُقُوِّي القوة المَلَكية، حتى تقرب مناسبتُها إلى المَلَك،
فتشاهده، وتتلقَّى منه ما يُلقِي إليها.
وقد قيل في قوله وَّهِ: ((فَأَخَذَنِي فَغَطِّي، حتى بلغَ مِنِّي الجَهْدَ»: إن
الخَطَّ ثلاث مرات كان لهذا السبب.
* قولها: ((صه)) :
(ك): يعني: لمَّا سمعت؛ قالت لنفسها: صَهْ؛ يعني: اسْكُتي(١).
(نه): ((غواث)) بالفتح؛ كالغياث بالكسر، من الإغاثة، وقد روي
بالضم والكسر، وهما أكثر ما يجيء في الأصوات؛ كالنِّباح والنِّداء، الفتح
فيهما شاذٌّ، انتهى(٢).
* قولها: ((إن كان عندك غواث)) شرط جزاؤه محذوف، تقديره:
أَغِثْ، ونحوه، علمت أن ما سمعت ليس من أصوات الإنس، فقالت: أيها
الذي أسمعتني صوتَك؛ قد سمعتُه، إن كان عندك غَواثٌ؛ أغثني.
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٤ / ٢١).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٣٩٢).
٣٠٦

* قوله: «فإذا هي بالملك عند موضع زمزم)» :
(ن): ((زمزم)) زادها الله شرفاً، بفتح الزايين، وإسكان الميم بينهما:
بئرٌ في المسجد الحرام، بينها وبين الكعبة زادها الله شرفاً ثمان وثلاثون
ذراعاً، سُمِّيت زمزمَ؛ لكثرة مائها، يقال: ماء زمزم، وزَمْزُوم، وزَمَازم:
إذا كان كثيراً.
وقيل: لضمٌّ هاجر عليها السلام لمائها حين انفجرت، وزَمِّها إياها.
وقيل: لزمزمة جبريل عليه السلام وكلامه.
وقيل: إنه غير مُشتقٍّ، ولها أسماء أخر ذكرها الأَزْرقِيُّ وغيره، هَزْمةُ
جبريل، و((الهَزْمَةُ»: الغمزة بالعَقِب في الأرض، وبَرَّة، وشُبَاعَةُ، والمَضْنُونةُ،
وتُكْتَمُ، ويقال لها: طعامُ ◌ُعْمٍ، وشِفاءُ سُقْمٍ، وشرابُ الأبرار.
وجاء في الحديث: ((مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ))(١)، وقد شربها
الصالحون لحاجات أُخرویة ودیویة، فنالوها بحمد الله وفضله.
وفي الصحيح عن أبي ذرٍّ: أنه قام بمكة شهراً لا قُوتَ له إلا ماءُ
زَمْزَمَ، وفضائلُها أكثر من أن تحصر .
وفي ((غريب الحديث)) لابن قتيبة: عن عليٍّ ◌َظُه قال: خيرُ بثر في
الأرض زمزمُ، قال - يعني: ابن قتيبة(٢) -: كان ذَرْعُ زمزمَ من أعلاها إلى
(١) رواه ابن ماجه (٣٠٦٢)، من حديث جابر ظه. وهو حديث صحيح. انظر:
((إرواء الغليل)) (١١٢٣).
(٢) كذا في الأصل، وصوابه: ((الأزرقي))، انظر: ((تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي
(٣/ ١٣١)، فما هنا مأخوذ منه.
٣٠٧

أسفلها ستين ذراعاً، كلُّ ذلك بُنيان، وما بقي فهو جبل، وهي تسعة
وعشرون ذراعاً، وذرع تدوير فم زمزم أحدَ عشر ذراعاً، وسَعةُ فم زمزم
ثلاث أذرع، وثلثا ذراع، وعلى البئر مِلْبَنُ سَاجٍ مُربَّع، فيه اثنتا عشرة بَكْرة
يُستقی علیھا .
وأول من عمل الرُّخام على زمزم، وعلى الشُّبَّك، وفرش أرضَها
بالرُّخام أبو جعفر أميرُ المؤمنين المنصور في خلافته.
* قوله: ((فبحث بعقبه)) :
(نه): (البحث): الإثارة والتفتيش، انتهى(١).
* قوله ◌َري: «لو لم تغرف من الماء؛ لكانت زمزم عيناً معيناً)؛ أي:
جارياً ظاهراً، فيه: أن المُصْطَفَيْن من عباد الله رُبَّما لا يُسامحون بترك أدب،
فانظر إلى هذه الصِّدِّيقة مع ما مُنحت من الفضائل، وأوتيت من صَفْو
اليقين، وابتُليت بالهجرة والغُربة والوحدة في واد ليس به أنيسٌ، ثم مُقاساة
شدائد الطفل الرَّضيع، ثم فَرْط الجوع والعطش، والإشراف على التَّلَف،
والنظر إلى فَلْذة الكبد، وقُرَّة العين يتمزَّغ في التراب ويَنْشَغُ للموت من
الجوع والعطش = لم تسامح بادِّخار قليل من الماء في القِرْبة، ورُدَّ العينُ
المَعِین إلی بئر عمیق یحتاج النازحُ منه إلى مُعین.
ويستفاد من هذا أن اللائق لمَن خُرِقت له العادةُ، وسبق إلیه رِزقٌ من
حيث لا يحتسب أن يتلقَّاه بالأدب، وأن لا يتصرّف فيه إلا فيما اضطُرَّ إليه،
ويترك الادِّخار رأساً.
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٩٩).
٣٠٨

وكفى لنا شاهداً ما روي في ((الصحيحين)) من قوله وَله: ((لَوْلا بَنُو
إسرائيل؛ لم يَخْتَرِ اللَّحْمُ))، وفي رواية مسلم: ((لَمْ يَخْبُثِ الطَّعَامُ، ويَخْتَزِ
اللَّحْمُ))(١)؛ أي: لمَّا مَنَّ الله عليهم المَنَّ والسَّلوى - طائر شبه السُّمَانَى،
وقيل: هو السُّمَانَى بعينه، كان ينزل عليهم كل صباح من طلوع الفجر إلى
طلوع الشمس، فيأخذ كلُّ واحد منهم ما يكفيه يوماً وليلة، وإذا كان يوم
الجمعة يأخذ كلُّ واحد ما يكفيه ليومين؛ لأنه لم [يكن] ينزل عليهم يوم
السبت - فغلب عليهم الحِرْص والشَّرَه، فادخروا، فقطع الله ذلك عنهم،
ودَوَّد، وأَنْتُن، وفسد ما ادَّخروه، وكان ذلك سبباً لفساد الأطعمة عليهم
وعلی غیرهم إلى انقضاء الدنيا .
وفيه: ذَتُّ الحِرْص، وفضيلةُ ترك الادخار؛ فإن مَن ساق إليك رزقَك
في هذه الساعة من غير حَوْلك وقُوَّتك لا يُعْجِزُه أن يسوق إليك في ساعة
أخرى.
قیل :
فَإِنَّ على الرَّحْمَنِ رِزْقَكَمُ غَدَا
كُلُوا الْيَوْمَ مِنْ رِزْقِ الإِلَهِ وأبْشِرُوا
* قوله: ((لا تخافوا الضيعة))، سُنَّ الله في عباده المُخْلَصين،
والمُصْطَفَيْن منهم أن يبتليَهم لاستخراج خالص العبودية منهم، ولأن يرفع
درجتَهم، ولحِكَمٍ جَمَّة ومصالحَ مُهِمَّة لا تهتدي العقول إلا إلى بعضها، فأما
أن يُضيّعَهم: فكَلاً، ومن ثَمَّ إن أمّ إسماعيل لمَّا لم تتمكَّن في اليقين؛ ظهر
لها المَلَكُ، فقال لها هذا القول؛ ليطمئن قلبها، ولتعلمَ أن وعدَ الله حقٌّ.
(١) رواه البخاري (٣١٥٢)، ومسلم (١٤٧٠ / ٦٣)، من حديث أبي هريرة .
٣٠٩

(ك): فيه: أن المَلَك يتكلم مع غير الأنبياء(١).
قوله: ((وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية)):
(الجوهريُّ): (الرابية): الرَّبُوُ، وهو ما ارتفع من الأرض، وكذلك
الرُّبْوةُ بالضم، وفيها أربع لغات، حركات الراء، والرابع: رَبَاوة.
وذكر الأَزْرَقيُّ عن مجاهد قال: كان موضع البيت قد خَفِي ودَرَس
من الغرق بين نوح وإبراهيم عليهما السلام، وكان موضعه أَكَمةً حمراء
مَدَرة لا تعلوها السيول، غير أن الناس يعلمون أن موضع البيت فيما
هنالك، ولا يثبت موضعه، وكان يأتيه المظلوم والمُتعوِّذ من أقطار
الأرض، ويدعو عنده المکروبُ، فقل من دعا هنالك إلا استجيب له.
(ك): ((جرهم)) بضم الجيم والهاء: حيٌّ من اليمن(٢).
(نه): ((كداء)) بالفتح والمد: الثنية العليا بمكة ممَّا يلي المقابر، وهو
المُعَلاَ، وكذا بالضم والقصر: الثنية السُّفلى ممَّا يلي باب العُمْرةِ(٣).
وقوله: (عائفاً))؛ أي: حائماً على الماء؛ ليجد فُرْصة فيشربَ(٤)،
و ((الجَرِي)): الرسول(٥).
(ك): ((فألفى ذلك أم إسماعيل))؛ أي: وجد ذلك الحيُّ الجُرهميُّ أمّ
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٤ / ٢١).
(٢) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ١٥٦).
(٤) المرجع السابق، (٣/ ٣٣٠).
(٥) المرجع السابق، (١ / ٢٦٤).
٣١٠

إسماعيل مُحِبَّة للمؤانسة بالناس، و((أنفسهم)) بلفظ الماضي؛ أي [كثرت]
رغبتُهم فيه، وفي مُصاهرته، يقال: أنفسني فلان في كذا؛ أي: رغَّبني
فیه(١) .
(نه): أي: أعجبهم، وصار عندهم نفيساً(٢).
قوله: ((وماتت أم إسماعيل)) ذكر ابن الجَوزيِّ الحافظ في
((المنتظم)) عن زيد بن أسلمَ، عن أبيه قال: لمَّا بلغ إسماعيلُ عليه السلام
عشرين سنة؛ توفيت أُمُّه هاجر، وهي بنت تسعين سنة، فدفنها إسماعيل
في الحِجْر(٣).
* قوله: ((فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل)) :
(ك): فإن قلت: هذا مُشعر بأن الذَّبِيح غيرُ إسماعيل؛ لأن الذَّبْحَ
كان في الصِّغَر في حياة أُمُّه قبل التزوج، وإبراهيم عليه السلام تركه
رضيعاً، وعاد إليه وهو مُتزوِّج.
قلت: ليس فيه نفيُ مجيئه أُخرى قبل موتها وتزوُّجه، انتهى(٧).
قال الحافظ إسماعيل بن کثیر رحمه الله: هذا الحدیث فیه اختصارٌ؛
فإنه لم يذكر فيه شأن الذبح، وقد جاء في الصحيح: أن قرني الكبش كانا
مُعلَّقين بالكعبة، وقد جاء أن إبراهيم عليه السلام كان يزور أهلَه بمكة على
البُراق سريعاً، ثم يعود إلى أهله بالبلاد المُقدَّسة.
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٤ / ٢٢).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥ / ٩٥).
(٣) انظر: ((المنتظم)) لابن الجوزي (١ / ٣٠٤).
٣١١

والحديث - والله أعلم - إنما فيه مرفوعٌ أماکنُ، كما صرح بها ابن
عباس عن النبيِّ ◌َلِ﴾(١).
* قوله: «یطالع تر کته)):
(نه): (التركة) بسكون الراء: في الأصل بَيْضُ النَّعام، وجمعها تَرٌْ،
یرید به إسماعيل وأمه هاجر لمَّا تركهما بمكة، قيل: ولو روي بكسر الراء؛
لكان وجهاً من التركة، وهو الشيء المتروك، انتھی(٢).
* قولها: ((خرج يبتغي لنا، وفي رواية: يصيد)) فيه: فضيلة الاكتساب
من الوجوه المباحة، وأنه ما أكل أحدٌ طعاماً قَطُّ خيرٌ من أن يأكل من عمل
يديه، والكَسْبُ من سُنن الأنبياء، فأوَّلُهم آدمُ، ثم نوحٌ، وداود، وسليمان،
وموسى، ونبينا وَّر، كلَّهم كانت لهم مَكاسِبُ، سبق في (الباب التاسع
والخمسين) بيانُها، ثم اقتدى بهم المُثَّقون والأبرارُ، وكل منهم لم يُرَ كَلاَّ على
الناس.
قوله: «قولي له یغیر عتبة بابه»، فیه إلغاز، ووجه ذلك أن الزوجة
محل للوطء؛ كما أن العتبة محل للوطء بالأقدام، أو لأنها مُلازمة للبيت
مُلازمةَ العتبة للباب.
والألغاز من باب التشبيه، إلا أنها أصعبُ تناولاً، ونَبَّذٌ من التعريض،
سوى أنها أبعد غوصاً، وفيه تصفية الذِّهْن، وربما يضطر الرجل إلى
الإلغاز؛ إذ لا يمكنه التصريحُ، ولعل إلغاز الخليل عليه السلام من هذا
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٤ / ٢٢).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ١٨٨).
٣١٢

القبيل؛ إذ لو صرَّح؛ ربما لم تبلغ الرسالة.
وإنما أمره بمفارقتها؛ لأنها لم تكن مُحِبَّةً للضيف، لم تَعْرِضْ عليه
شيئاً كما عرضت الثانية، ولم تُرحِّب به، وكانت الضيافة سُنَّةَ الخليل عليه
السلام، وشكت من بَعْلها، والصبر سَجِيَّة الأبرار.
ولأنها أيضاً كانت قليلةَ العقل، غيرَ صالحة لمُصاحبة الذبيح، وإيداع
النور الذي انتقل من إبراهيم إلى إسماعيل، وهو نور خاتم النبيين، لم تعلم
أن ما عدَّتها مِحْنَةً مِنْحةٌ منه سبحانه لمَن اصطفاه، وهذا المنع منه عطاءٌ،
ذهلت عن نعم جَمَّة سيقت إليها من مُصاحبة نبيِّ الله، وما يُتلى في بيتها من
آيات الله والحكمة، ولم تر نعمة الله إلا في مأكلها ومشربها الذي شاركها
في هذه النعمة أخسُّ الحيوانات، وأحقر الديدان والحشرات.
ولم تفهم أن الله سبحانه في كل ذرة من ذرات بدن الإنسان ظاهراً
وباطناً نعمةً لا بد من شُكرها، ومَطْمَحُ نظر العقلاء في اختيار الأزواج وُفور
عقلها ودينها، روي أنه عرض على الإمام أحمد ابن حنبل أختان، أحدُهما
عَوْراء، والأخرى جميلة، فسأل أيُّهما أعقل؟ فقيل: العَوْراء، فقال:
زوِ جني إياها.
وفيه: فضيلة برِّ الوالدين، والمسارعة إلى طلب رضاهما، وإن أمره
أن يخرج عن أهله وماله، خصوصاً أمرَ الوالد؛ فإنه قد حَنَّكَتْهُ التجارب،
ومارس أحوالَ الزمان، وأتت عليه سِنونَ أفادته علماً وفهماً لم يُحِط به علمُ
الولد، ولا فِكْرُه.
ثم إن فَرْطَ محبته للولد معلومٌ، لا يقدم على أمره بمخالفته هواه إلا
بمصلحة ظهرت له، فليغتنم في الحال ترك الأهل والمال؛ فإن الله يُعوِّضُه
٣١٣

خيراً منهما، ويبارك له في العِوَض.
فانظر إلى إسماعيل عليه السلام لمَّا آثر رضا والده الكريم على هواه،
وترك محبوبه ومُشتهاه؛ عوَّضه الله خيراً منها، وبارك في نسله بركة لم يَفُزْ
بها أحدٌ، فلم يُخْصَوا كثرة وشرفاً.
حتى إن منهم سيدَ ولد آدم دُرَّة صَدَف الوجود ◌َِّ، ثم أولاده وعِثْرتُه
الطاهرون الباقون إلى انقراض العالم، وكذلك خلفاؤه الراشدون، وذُرِّيَتُهم،
وعامة المهاجرين والأنصار، والأئمة والعلماء الرَّبَّانيون من ذراريهم.
وفيه: فضيلة ظاهرة للذبيح عليه السلام؛ فإنه لم يتلعثم، ولم يراجع
الوالد، ومن لم يكترث بمفارقة الحياة، ويستسلم للذبح أنى له التوقُّف في
ترك شهوة من شهوات النفس؟!
وفيه: أن كُفران النعمة سببٌ لزوالها؛ كما أن الشكر مَوجِبٌ للمزيد،
فانظر في حال هاتين المرأتين واعتبر.
* قوله: ((فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة)) :
(نه): أي: يستقِلُّ وينفرد بالماء واللحم، يقال: خلى وأخلى، وقيل:
يخلو: يعتمد(١).
(ك): الغرض أن المداومة على اللحم والماء لا يوافق الأمزجة،
وينحرف المِزاج عنهما إلا في مكة؛ فإنهما يوافقانه، وهذا من جملة بركاتها،
وأثر دعاء إبراهيم عليه السلام، انتهى (٢).
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٧٦).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٤ / ٢٣).
٣١٤

* قوله: ((كأنه آنس شيئاً)؛ أي: ظاهراً من أثر حافر البُراق أو غيره،
أو باطناً ممَّا يجده المُحِبُّ في نفسه من قُرْب المحبوب؛ فإن النفوس
الطاهرة لا يخفى عليها ذلك.
* وقولها: «أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه)»، فيه: أن مَن رزق
محبة الصالحين؛ فإنه بخير الدارين، وحاز سعادة المَنْزِلَيْن؛ فإن المرأة
التي قبلها لم تزد إلا على الوصف المُجرَّد.
وقوله: ((قام إليه))، فيه: استحباب القيام لذوي الفضل، وقد
تظاهرت الأدلة على ذلك، جمعها الإمام النوويُّ رحمه الله في رسالة مستقلة.
١٨٦٨ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَ﴾
يَقُولُ: ((الكَمْأَةُ مِنَ المَنَّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ)) متفقٌ عليه.
* قوله : ((الكمأة من المن)):
(نه): ((الكمأة)): معروفة، واحدها كَمْءٌ على غير قياس، وهي من
النوادر؛ فإن القياس هو العكس، قيل: هو نبت بالبرِّية تنشقُّ عنه الأرض(١).
(ش): سميت كَمْأة؛ لاستتارها، ومنه كمَأَ الشهادة: إذا سترها
وأخفاها.
والكمأة مخفية تحت الأرض، لا ورق لها ولا ساق، ومادتها من
جوهر أرضي بخاري مُخْتَقن في الأرض نحو سطحها، يحتقن ببرد الشتاء،
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ /١٩٩).
٣١٥

وتنميه أمطار الربيع، فيتولد ويندفع نحوَ سطح الأرض مُتجسِّداً؛ ولذلك
يقال لها: جُدري الأرض؛ تشبيهاً بالجُدَري في صورته ومادته؛ لأن مادته
رطوبة دموية تندفع عند سِنِّ الترعرع في الغالب، وفي ابتداء استيلاء
الحرارة، ونماء القوة، وهي مما يوجد في الربيع، وسَمَّتها العرب نبات
الرعد؛ لأنها تكثر بكثرته، وتنفطر عنها الأرض(١).
(ن): قال أبو عُبيد وكثيرون: شبَّهها ◌َ﴿ بالمَنِّ الذي كان ينزل على
بني إسرائيل؛ لأنه كان يحصل لهم بلا كُلْفة ولا علاج، والكمأة تحصل بلا
کلفة ولا علاج، ولا زرع بذر، ولا غيره.
وقيل: هي من المَنِّ الذي أنزل الله على بني إسرائيل حقيقة؛ عملاً
بظاهر اللفظ (٢).
(ش): المَنُّ الذي أنزل على بني إسرائيل لم يكن هذا الحُلْوَ فقط،
بل أشياء كثيرة مَنَّ الله عليهم من النبات الذي يوجد عفواً من غير صنعة ولا
علاج ولا حرث، فكان قُوتُهم الكَمْأَةَ، وهي تقوم مقام الخبز، وجعل
أُدْمَهم السَّلْوى، وهي تقوم لهم مقام اللحم، وجعل حَلْوَاهُم الطلّ الذي
ينزل على الأشجار يقوم لهم مقام الحلواء.
والكَمْأة أصناف، منها صنف قَتَّال يضرب لونُهُ إلى الحُمْرةِ، يَحدُث
لأجله الاختناق، وهي باردة رطبة في الدرجة الثانية، رديئة للمعدة، بطيئة
الهَضْم، وإذا أُدْمِنت؛ أورثت القُولَنْج، والسَّكْتة، والفالج، ووجع
المعدة، وعُسْر البول.
(١) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (٤ / ٣٦٠).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٤).
٣١٦

والرطبة أقلُّ ضرراً من اليابسة، ومَن أكلها؛ فليدفنها في الطين
الرطب، ويسلقها بالملح، والثلج، والسَّعْتر، ويأكلها بالزيت والتوابل
الحارَّة، لأن جوهرها أرضيٍّ غليظ، وغذاؤها رديءٌ.
فإن قلت: فإذا كان الكَمْأة من المَنِّ؛ فما بال هذا الضرر فيها، ومن
أين أتاها ذلك؟
فاعلم أن هذا عند مبدأ خلقه بريءٌ من الآفات، ثم حدثت الآفاتُ بعد
ذلك بأمور أُخرى؛ من مُجاورة، أو امتزاج، أو اختلاط، أو أسباب أخر تقتضي
فسادَه، فلو تُرك على خِلْقته الأصلية من غير تعلُّق الفساد به؛ لم يفسد.
ومَن له معرفة بأحوال العالم ومبدئه؛ يعرف أن جميع الفساد فيه
حادثٌ بعد خلقه بأسباب اقتضت حُدوثَه؛ من معاصي الناس، وظلمهم
أنفسَهم، ومخالفتهم لأمر الله ورسله، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ اُلْفَسَادُ فِ الْبَرِّ
وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]، وأكثر هذه الأمراض والعاهات
العامة بقية عذابٍ عُذِّبت به الأُمم السابقة، ثم بقيت منها بقية مُرْصَدةٌ لمَن
بقيت عليه بقيةٌ من أعمالهم، حكماً قسطاً، وقضاء عدلاً(١).
قوله : ((وماؤها شفاء)»:
[(ن)]: قيل: هو نفس الماء مجرداً، وقيل: معناه أن يخلط ماؤها
[بدواء، ويعالج به العين](٢)، وقيل: إن كان لتبريد ما في العين من حرارة؛
فماؤها مجرداً شفاء، وإن كان من غير ذلك؛ فمركباً مع غيره.
(١) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (٤ / ٣٦٣).
(٢) ما بين معكوفتين من ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٥).
٣١٧

والصحيح، بل الصواب: أن ماءها مجرداً شفاء، للعين مطلقاً، فيعصر
ماؤها، ويجعل في العين منه، وقد رأيت أنا وغيري في زمننا من كان عَمِي
وذهبَ بصرُه حقيقة، فكَحَل عينيه بماء الكَمْأة مجرداً، فشُفِي، وعاد إليه بصرُه،
وهو الشيخ العَدْل الأمين الكمال بن عبدالله الدمشقيُّ، صاحبُ صلاح ورواية
للحديث، وكان استعماله لماء الكَمْأة اعتقاداً منه في الحديث وتبرّكاً به،
انتھی(١).
في ((سنن الترمذي)) وحسّنه: أن أبا هريرة به قال: أخذت ثلاثة
أَكْمُؤْ، أو خمساً، أو سبعاً، فعصرتهن، وجعلت ماءهن في قارورة،
وكحلت به جارية لي عمشاء، فبرَأت(٢).
(ش): في الكمأة جوهر مائي لطيف يدل عليه خفَّتُها، والاكتحال بها
نافع من ضعف البصر، والرمد الحارُّ، وقد اعترف فُضلاء الأطباء بأن ماءها
يجلو العين، ذكره المَسِيحيُّ، وصاحبُ ((القانون)»، وغيرهما.
وقال الغافقي: ماء الكَمْأة أصلحُ الأدوية للعين إذا عُجن به الإثْمِدُ،
واكتُحل به؛ يقوِّي أجفانَها، ويزيد الروح الباصرة قوة وحِدَّة، ويدفع عنها
نزول النوازل(٣) .
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٤).
(٢) رواه الترمذي (٢٠٦٩). وهو حديث مع وقفه ضعيف الإسناد. انظر: ((ضعيف
سنن الترمذي» (٣٦٠).
(٣) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (٣/ ٣٦٥).
٣١٨

٣٦١-باب
الاستغفار
* قال الله تعالى: ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لِذَئِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِّنَتِ﴾
[محمد: ١٩].
، وقال تعالى: ﴿وَأَسْتَغْفِرِ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾
[النساء: ١٠٦].
وقال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بَحَمْدٍ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ، كَانَ
[النصر: ٣].
توانا
* وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنٌَّ تَجْرِى﴾ إلى
قوله ولك: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ﴾ [آل عمران: ١٥].
* وقال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ, ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ
يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠].
* وقال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ
اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣].
٣١٩

* وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ
ذَكَرُواْ اللَّهَ فَأَسْتَغْفَرُو ◌ْلِذُّنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُواْ عَ
مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] والآيات في الباب كثيرة
معلومة .
(الباب الحادي والستون بعد المئتين)
(في الاستغفار)
((الاستغفار)): استفعال؛ من الغُفران، وأصله من الغَفْر، وهو إلباس
الشيء ما يصونُهُ عن الدَّنَس.
ومنه قيل: اغفر ثوبك في الوعاء؛ فإنه أَغْفَرُ للوسخ، والغُفران
والمغفرة من الله: هو أن يصون العبدَ من أن يمسَّه العذابُ.
* قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنِْكَ﴾ [ محمد: ١٩]، سبق في (الباب
الخامس والأربعين بعد المئة).
* قوله: ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣]، روى الإمام أحمد
في ((مسنده)) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله ێ يُكْثِرُ
في آخر أمره من قول: سُبْحان الله وبحَمْده، أستغفر الله وأتوب إليه، وقال:
(إِنَّ ربِّي كانَ أَخْبِرَنِي أَنِّي سَأَرَى عَلامةً في أُمَّتِي، وَأَمَرَنِي إذا رَأَيْتُها أَنْ أُسَبِّحَ
بِحَمْدِه وأَسْتَغْفِرَهُ؛ إنه كان تَوَّاباً، فَقَدْ رَأَيْتُها: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْ خُلُونَ فِ دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ﴾ فَسَيِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ
ج
إِنَّهُ كَانَ تَوَابًا﴾ [النصر: ١ -٣](١)).
(١) رواه مسلم (٤٨٤)، والإمام أحمد في ((المسند)) (٦ / ٣٥).
٣٢٠