النص المفهرس

صفحات 261-280

دَخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ الحِجَابَ، فَاعْتَنَقَ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا، وَطَفِقَ
يُنَاشِدُهَا وَبَيْكِي، وَطَفِقَ المِسْوَرُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ يُنَاشِدَانِهَا إِلاَّ
كَلَّمَتْهُ، وَقَبِلَتْ مِنْهُ، وَيَقُولاَنِ: إِنَّ النَّبِيَّ وَهِ نَهَى عَمَّا قَدْ عَلِمْتِ
مِنَ الهِجْرَةِ، وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ،
فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَى عَائِشَةَ مِنَ التَّذْكِرَةِ وَالتَّحْرِيجِ، طَفِقَتْ تُذَكِّرُهُمَا
وَتَنْكِي، وَتَقُولُ: إنِّي نَذَرْتُ، وَالنَّذْرُ شَدِيدٌ، فَلَمْ يَزَالاَ بِهَا حَتَّى
كَلَّمَتِ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَأَعْتَقَتْ فِي نَذْرِهَا ذَلِكَ أَرْبَعِينَ رَقَبَةٌ، وَكَانَتْ
تَذْكُرُ نَذْرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَتَبْكِي حَتَّى تَبَّلَّ دُمُوعُهَا خِمَارَهَا. رواهُ
البخاريُّ.
* قوله: «حدثت»:
(ك): بلفظ المجهول، انتهى(١).
* قوله: ((في بيع أو عطاء)»: كانت عائشة رضي الله عنها لا تدَّخر
شيئاً، وتنفق جميع ما فتح الله عليها في يومها، ذكر الحافظ أبو الفرج ابن
الجَوْزيِّ عن أم ذَرَّةَ قالت: بعث ابنُ الزبير إلى عائشة بمال في غِرَارتين،
قالت: أُراه ثمانين ومئة ألف، فدعت بطبق، وهي يومئذ صائمةٌ، فجلست
تَقْسِمُه بين الناس، فأمست وما عندها من ذلك دِرْهَمٌ.
فلما أمست قالت: يا جارية؛ هَلُمِّي فِطْريَ، فجاءتها بخُبز وزيت،
فقالت لها أُمُّ ذَرَّة: أما استطعت ممَّا قَسَمْتِ اليوم أن تشتريَ لنا بدرهم لحماً
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢١ / ٢٠٦).
٢٦١

نفطر عليه؟ فقالت: لا تُعَنِّفيني، لو كنت ذَكَّرتيني؛ لفعلت(١).
وعن عروة قال: رأيت عائشة تقسم سبعين ألفاً، وهي تَرْقَع دِرْعها(٢).
وعن عطاء قال: بعث معاويةُ إلى عائشة بطَوْق من ذهب قُوُّم بمئة
ألف، فقسمته بين أزواج النبيِّ ◌َلِ﴾ (٣).
فلعل ابن الزبير أراد منها أن تمسك عن بعض هذا الإنفاق، وخفي
عليه ما وَقَر في قلبها من التوكُّل والثِّقَة بالله، وما تَخلَّقت بسبب طول
معاشرتها مع الحضرة النبوية وَل﴿ ببعض أخلاقه الزَّكِيَّة.
(ك): ((لتنتهين)) بصيغة الغائبة، و((هو)) الشأن.
و((لا أشفع)) بكسر الفاء الشديدة؛ أي: لا أقبل الشفاعة فيه.
و((لا أتحنث إلى نذري)؛ أي: في يميني مُنتهياً إليه، و((المسور))
بكسر الميم وإسكان المهملة وفتح الواو وبالراء، ((ابن مَخْرمة)) بفتح الميم
والراء وتسكين المعجمة، الزُّهري(٤).
((وعبد الرحمن بن الأسود)» ضد الأبيض ((بن عبد يغوث)) بفتح
التحتانية وضم المعجمة وبالمثلثة .
(الزهري)) بضم الزاي وسكون الهاء، وكانا من أخوال رسول الله وَله .
وقوله: ((أنشدكما الله)) بضم الشين؛ من نَشَدْتُ فلاناً: إذا قلت له
(١) انظر: ((صفة الصفوة)) لابن الجوزي (٢/ ٢٩).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٤٧٤٠).
(٣) رواه هناد بن السَّري في ((الزهد)) (٦١٨).
(٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢١/ ٢٠٦).
٢٦٢

نَشَدْتُك بالله؛ أي: سألتك بالله، و((لما)) بتخفيف الميم، و(ما) زائدة،
ويتشديدها، وهو بمعنى (إلا)؛ كقوله تعالى: ﴿إِن كُلُّنَفْسِ لََّ عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾ [الطارق:
٤]، ومعناها: لا أطلب منكما إلا إدخالي.
قال في ((المفصل)): ناشدتك بالله إلا فعلت، معناه: لا أطلب منك
إلا فعلَك(١).
((وقطيعتي))؛ أي قطع صلة الرحم؛ لأن عائشة كانت خالته،
و((يناشدانها))؛ أي: ما يطلبان منها إلا التكلم معه، وقَبول العُذْر منه، و((من
الهجرة» بیان «ما قد علمت)).
و((التذكرة))؛ أي: التذكير بالصِّلَة، وبالعفو، وبكَظْم الغَيْظ، ونحوه.
و (التحريج)): التضييق، والنسبة إلى الحرج، وأنه لا يحِلُّ الهِجْرة
ونحوه.
و ((أعتقت)) كفارة ليمينها، وعلم منه أن المراد بالنذر اليمينُ، و((الخمار)):
المِقْنَعة.
قال ابنُ بطَّال: [فإن قلت]: لم هجرت عائشةُ ابنَ الزبير رُّ أکثر من
ثلاثة أيام؟
قلت: معنى الهجرة: ترك الكلام عند التلاقي، وعائشة رضي الله
عنها لم تكن تلقاه، فتُعرِضَ عن السلام عليه، وإنما كانت من وراء
حجاب، ولا يدخل عليها أحدٌ إلا بإذن، فلم يكن ذلك من الهجرة، ويدلُ
عليه لفظ: ((يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذا))؛ إذ لم يكن بينهما التقاءٌ فإعراض.
(١) انظر: ((المفصل)) للزمخشري (ص: ١٠١).
٢٦٣

ووجه آخرُ، وهو: إنما ساغ لعائشة رضي الله عنها ذلك؛ لأنها أم
المؤمنين، لا سيما بالنسبة إلى ابن الزُّبير؛ لأنها خالته، وذلك الكلام في
حقُّها کان کالعُقوق لها، فهجرتها منه کانت تأدیباً له، وهذا من باب إباحة
الهِجْران لمَن عصی(١).
وفيه: أن مَن قال: إن فعلت كذا؛ فلله عليَّ نذر؛ أي: كفارة
اليمين، وهو مذهبُ الشافعي، وروي عن النبي ◌َِّ أنه قال: ((كَفَّارَةُ النَّذْرِ
كَفَّارَةُ الْيَمِينِ)»(٢).
١٨٦٠ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﴿ه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَُّ خَرَجَ
إِلى قَتْلَى أُحُدٍ، فَصَلَّى عَلَيْهِمْ بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ كَالمُوَدِّع لِلأَحْيَاءِ
وَالأَمْوَاتِ، ثُمَّ طَلَعَ إِلى المِنْبَرِ، فَقَالَ: إِّي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَرَطٌ، وَأَنَ
شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الحَوْضُ، وَإِنِي لِأَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ مَقَامِي
هَذَا، أَلا وَإِنِّي ◌َسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا، وَلَكِنْ أَخْشَى
عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوها)). قَالَ: فَكَانَتْ آخِرَ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى
رَسُولِ الله ◌ِ. متفقٌ عليه.
وفي رِوَايَةٍ: ((وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا،
وَتَقْتَتِلُوا، فَتَهْلِكُوا كَمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ)). قَالَ عُقْبَةُ: فَكَانَ
(١) انظر: ((شرح صحيح البخاري)) لابن بطال (٩ / ٢٧٠).
(٢) رواه مسلم (١٦٤٥ / ١٣)، من حديث عقبة بن عامر حته.
٢٦٤

آخِرَ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ عَلَى المِنْبَرِ.
وَفِي رِواية قال: (إِنِّي فَرَطْ لَكُمْ، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنِّي
- وَالله - لأَنْظُرُ إلى حَوْضِي الآنَ، وَإِنِّي أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ
الأَرْضِ، أَوْ مَفَاتِحَ الأرْضِ، وَإِنِّي - وَالله - مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ
تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا».
وَالمُرَادُ بِالصَّلاَةِ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ: الدُّعَاءُ لَهُمْ، لاَ الصَّلاَةُ
المعْرُوفُ.
* قوله: (فصلی علیھم)):
(ن): أي: دعا لهم بدعاء صلاة الميت(١).
(ق): كأنه ◌َ﴿ كان استقبل القبلة، ودعا لهم، واستغفر، وهذا كما
فعل حيث أمره الله أن يستغفر لأهل البقيع(٢).
(مظ): ((كالمودع الأحياء والأموات))، وأما الأحياء: فبخروجه من
بينهم، وأما الأموات: فبانقطاع دعائه، واستغفاره لهم.
(ن): معناه: خرج إلى قتلى أحد، فدعا لهم دعاء مُودِّع، ثم دخل
المدينة، فصَعِد المنبر، فخطب الأحياء خطبة مُودِّع؛ كما قال النَّوَّاس بنُ
سَمْعان: قلنا يا رسول الله: كأنها خطبة مُودِّع؛ فأوصنا، وفيه معنى
المعجزة.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٥٨).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٩٣).
٢٦٥

و((الفرط)) بفتح الفاء والراء، و((الفارط)): هو الذي يتقدم الوارد؛
ليصلح لهم الحِياضَ والدِّلاء ونحوها من أُمور الاستقاء، فمعنى ((فَرَطَكُم
على الحَوْضِ)): سابقُكم إليه كالمُهِيِّء له(١).
(مظ): يريد أنه شفيع لأمته؛ فإنه مُتَقَدِّم على المشفوع له.
* قوله وير: ((وإن موعدكم الحوض)):
(ن): قال القاضي: أحاديث الحَوْض صحيحة، والإيمان به فرضٌ،
والتصديق به من الإيمان، وهو على ظاهرة عند أهل السُّنَّة والجماعة
لا يُتأوَّل، وحديثه متواتر النقل، رواه خلائقُ من الصحابة (٢).
(ق): [روى ذلك] منهم نَيِّفٌ على الثلاثين، في ((الصحيحين)) منهم
نَيِّفٌ على العشرين، وباقيهم في غيرهما، ثم قد رواها من التابعين
أمثالُهم، ثم لم تزل كذلك إلى أن انتهى إلينا، وقامت حُجَّةُ الله علینا،
وتأويله تحريفٌ صدر عن عقل سخيف خرَق به إجماعَ السلف، وفارق به
مذهبَ أئمة الخلف(٣).
(ن): طول الحوض مسيرة شهر، وعَرضُه كذلك، وماؤه أشدُّ بياضاً
من الوَرِق، وريحُه أطيبُ من المسك، كِيزانُهُ كنجوم السماء، فمَن شرب
منه؛ لا يَظْمَأُ بعده أبداً، ثبت جميع ذلك في ((صحيح مسلم)).
قال القاضي: وظاهر هذا الحديث: أن الشُّرْبَ منه يكون بعد
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٥٩، ٥٣).
(٢) المرجع السابق، (١٥ / ٥٣).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٩٠).
٢٦٦

الحساب والنجاة من النار، وهذا هو الذي لا يَظْمأُ بعده، وقيل: لا يشرب
منه إلا مَن قُدِّر له السلامة من النار.
قال: ويحتمل أن مَن شرب منه من هذه الأمة، وقُدِّر عليه دخولُ
النار؛ لا يعذب فيها بالظَّمَأ؛ لأن ظاهر هذا الحديث أن جميعَ الأمة تشربُ
منه، إلا من ارتدَّ وصار كافراً.
وقيل: إن جميع المُوحِّدين يأخذون كُتبَهم بأَيْمَانهم، ثم يعذب الله
مَن شاء من عُصاتهم.
وقيل: إنما يأخذه بيمينه الناجون خاصَّةً، قال القاضي: وهذا مثله،
انتھی(١).
قال القرطبيُّ في ((التذكرة)): وذهب صاحبُ ((القوت)) وغيره إلى أن
الحوض بعد الصراط، والصحيح: أن النبي ◌َّهِ حوضين، وكلاهما يُسمَّى
كَوْثراً؛ إذ الكَوْثَرُ في كلام العرب: الكثيرُ الخَيْرِ، واختُلف في الميزان
والحَوْض أيّهما قبل الآخر؟ والصحيح: أن الحَوْضَ قبلُ، قاله أبو الحسن
القَابِسِيُّ، والمعنى يقتضيه؛ فإن الناس يخرجون عِطاشاً من قبورهم،
فيقدَّم قبل الصراط والميزان.
قال أبو حامد الغزاليُّ في كتاب ((كشف علوم الآخرة)): حكى بعضُ
السلف من أهل التصنيف: أن الحوض يُورَدُ بعد الصراط، وهو غلط من
قائله .
قلت: وهو كما قال؛ لما رواه البخاري في ((صحيحه)) عن أبي
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٥٤).
٢٦٧

هريرة: أن النبيَّ وَّهِ قال: ((بَيْنَا أنا قَائِمٌ على الحَوْضِ؛ إذا زُمْرَةٌ، حتى إذا
عَرَفْتُهُم؛ خَرَجَ من بَيْنِي وبَيْنِهِم رَجُلٌ، فقال: هَلُمَّ، فقلت: إلى أين؟
فقال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ فقال: إنَّهُم ارْتَدُّوا على أَدْبَارِهِمْ
القَهْقَرَى))(١) الحدیثَ.
قال المؤلف: فهذا الحديث الصحيح من أدلِّ الدليل على أن الحوض
يكون في الموقف قبل الصراط، وكذلك حِيَاضُ الأنبياء تكون في الموقف.
روى الترمذيُّ عن سَمُرةَ قال: قال رسول الله وَّهِ: ((إنَّ لِكُلِّ نَبِيِّ
خَوْضاً، وإِنَّهم يَتَبَاهَوْنُ أَيُّهم أَكْثَرُ وَارِدةً، وإِنِّي أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُم
وَارِدَةً)، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب(٢).
ويقال: إن على أحد أركان حوض نبينا وَ﴿ أبا بكر، وعلى الثاني:
عمرَ، وعلى الثالث: عثمانَ، وعلى الرابع: علياً رُّه، وهذا لا يقال من
جهة الرأي، فهو مرفوعٌ، وقد رفعه صاحبُ ((الغيلانيات)) من حديث حُميد
عن أنس مرفوعاً، الحديثَ بطوله(٣).
قوله : ((وإني لأنظر إليه الآن»:
٠
(ن): هذا تصريح بأن الحوض حقيقيٍّ على ظاهره، كما سبق وأنه
موجود (٤).
(١) رواه البخاري (٦٢١٥)، ولفظه: ((بينا أنا نائم إذا زمرة ... )).
(٢) رواه الترمذي (٢٤٤٣). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير))
(٢١٥٦).
(٣) رواه أبو بكر الشافعي في ((الغيلانيات)) (١ / ١٠٦).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٥٩).
٢٦٨

* قوله : ((إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي)):
(ق): يعني: أنه قد أَمِن على جميع أصحابه أن يُبدِّلوا دينَ الإسلام
بدين الشرك، ولا يلزم من ذلك أن لا يقع من آحاد منهم؛ فإن الخبر عن
الجملة لا يلزم صدقُه على كل واحد من آحادها، وقد نصَّ بأن منهم من
یرتدُّ بعد موته.
وقتال أبي بكر ظُه لأهل الرِّدَّة معلومٌ متواتر، ويحتمل أن يكون هذا
إخباراً عن خصوص أصحابه الذين أعلمه الله بمَآل حالهم، وأنهم لا يزالون
علی هَذي الإسلام وشرعه.
وقوله: ((ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها)) هذا الذي توقعه
هو الذي وقع بعده، فعَمَّت البَلِيَّةُ، وعَظُمَتِ المِحَنُ، ولا يزال الهَرْجُ إلى
يوم القيامة، نسأل الله عاقبةَ خَيْرِ وسَلامة(١).
(ن): فى هذا الحديث مُعجزتان لرسول الله وَلٍ:
أحدهما: الإخبار بأن أُمَّته تملك خزائنَ الأرض.
والثاني: أنهم يتنافسون فيها، وقد وقع كلُّ ذلك(٢).
وسبق معنى التنافس في أوائل (الباب الخامس والخمسين).
١٨٦١ - وَعَنْ أَبِي زَيْدٍ عَمْرِو بْنِ أَخْطَبَ الأَنْصَارِيِّ
،
قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِوَِّ الفَجْرَ، وَصَعِدَ المِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٩٤).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٥ / ٥٩).
٢٦٩

حَضَرَتِ الظُّهْرُ، فَتَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ المِنْبَرَ حَتَّى حَضَرَتٍ
العَصْرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ المِنْبَرَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ،
فَأَخْبَرَنَا مَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ، فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
* قوله: «فأخبرنا بما کان وبما هو كائن)):
(ق): إن النبيَّ ◌َّ كان قد أعلمه اللهُ بتفاصيل ما يجرى بعده لأهل
بيته وأصحابه، وبأعيان المنافقين، وبتفاصيل ما يقع في أُمَّته من كبار الفِتَن
وصِغَارها، وأعيان أصحابها، وأسمائهم، وأنه بَثَّ الكثير من ذلك عند مَنْ
يصلح لذلك من أصحابه؛ كحذيفة، وأبي بكر، وأبي سعيد، وأبي هريرة،
وغيرهم.
وأصحابه كان عندهم من علم الكوائن الحادثة إلى يوم القيامة العلمُ
الكثير، والحَظُّ الوافر، لكن لم يُشِيعُوها؛ إذ ليست من أحاديث الأحكام،
وما كان فيها شيءٌ من ذلك؛ حَدَّثوا به.
ولحُذيفة في هذا الباب زيادةُ مَزِيَّة، وخُصوصيّةٌ لم تكن لغيره منهم؛
لأنه کان کثیرَ السؤال عن هذا الباب.
وأبو زيد هذا: هو عمرو بن أَخْطَبَ - بالخاء المعجمة - الأنصاريُّ
من بني الحارث بن الخزرج، صحب النبيَّ وَّ، وقال: غزوت معه سِتَّ
غزوات، أو سبعاً(١).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٢٢١).
٢٧٠

١٨٦٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا، قَالَتْ: قالَ النَّبِيُّ ◌َّ:
(مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ، فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ، فَلاَ يَعْصِهِ))
رواه البخاريُّ.
* قوله وله: ((فليطعه)» :
(حس): فيه دليلٌ على أن مَن نذر طاعة؛ يلزمه الوفاءُ به، وإن لم
يكن مُعلَّقاً بشيء، وأن مَن نذر معصية؛ لا يجوز الوفاءُ به، ولا تلزمه
الكفارة؛ إذ لو كانت فيه الكفارة؛ لأشبه أن يكون ێ بيَّنه.
فعلى هذا: لو نذر صومَ العيد؛ لا يجب عليه شيءٌ، ولو نذر نحرَ
ولده؛ فباطل، وإليه ذهب مالكٌ والشافعيُّ.
فأما إذا نذر مطلقاً، فقال: عليَّ نذرٌ، ولم يُسَمِّ شيئاً: فعليه كفارة
اليمين؛ لما روي عن عُقبةَ بن عامر قال: قال رسول الله وَّ: ((كَفَّارَةُ النَّذْرِ
إذا لَمْ يُسَمَّ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ))(١).
وروي عن ابن عباس أنه قال: ((مَنْ نَذَرَ نَذْراً لَمْ يُسَمَّ؛ فكَفَّارتُه كَفَّارَةُ
يَمِينٍ، ومَنْ نذرَ شَيْئاً لا يُطِيقُه؛ فكَفَّارتُه كَفَّارةُ يَمِينٍ))(٢).
(١) رواه الترمذي (١٥٢٨). وهو حديث صحيح عدا قوله: ((إذا لم يُسَم)). انظر:
((صحيح الجامع الصغير)) (٤٤٨٨)، ((وضعيف الجامع الصغير)) (٥٨٦٢).
(٢) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١٠ / ٢١، ٣٣ - ٣٥)، والحديث رواه أبو داود
(٣٣٢٢) وقال: ((روى هذا الحديث وكيع وغيره ... أوقفوه على ابن عباس))،
انتهى. والمرفوع ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٥٨٦٢).
٢٧١

(ن): ذهب أبو حنيفة، والشافعيُّ، وداود، وجمهور العُلماء إلى أن
مَن نذر معصية؛ فنذره باطل لا ينعقد، ولا تلزمه كفارةُ يمين ولا غيرُها.
وقال أحمد: يجب فيه كفارة يمين؛ للحديث المروي عن عِمْرانَ بن
حُصَيْن، وعن عائشة عن النبيِّ نَ ﴿ قال: ((لا نَذْرَ في مَعْصِيَةٍ، وكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ
يَمِينٍ))(١)، واحتجَّ الجمهور بهذه الأحاديث الصحيحة؛ يعني: حديثَ
عائشة هذا وغيره.
وأما حديث ((فَكَفَّارتُهُ كَفَّارةُ يَمِينٍ)»: فضعيف باتفاق المُحدِّثين(٢).
*
١٨٦٣ - وَعَنْ أُمِّ شَرِيكٍ رَضِيَ الله عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِصَل
أَمَرَهَا بِقَتْلِ الأَوزَاغِ، وَقَالَ: ((كَانَ يَنْفُخُ عَلَى إِبْرَاهيمٌ)) متفقٌ عليهِ.
، قوله: ((أمرها بقتل الأوزاغ)):
(ن): ((الوزغ))، و((سامُّ أبرصَ)): جنس، وساُّ أَبْرَصَ كِبَارُه، وهو
من الحشرات المؤذيات، وجمعه أوزاغ، ووُزْغَان، والأمر بقتله والحَثُّ
عليه؛ لكونه من المؤذيات(٣).
(١) رواه أبو داود (٣٢٩٠)، من حديث عائشة رضي الله عنها. وهو حديث صحيح.
انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٧٥٤٧).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ١٠١).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٢٣٦).
٢٧٢

(ق): ((الوزغة)): دُوَيْبَّة مُستخبئَةٌ مُستكرَهةٌ، والأمر بقتله؛ لما
يحصل منه من الضرر والأذى الذي هي عليه من الاستقذار، والنَّفْرة التي
قد لازمت الطُّباع، ولما يُتَّقى أن يكون فيها سُمٌّ، أو شيءٌ يضرُّ متناولَه،
ولما روي من أنها أعانت على وُقود نار إبراهيم عليه السلام، وهذا من نوع
ما روي في الحيّة أنها أدخلت إبليسَ الجنة بين فكَّيها، فعُوقبت بأن أهبطت
مع مَن أهبط، وجعلت العداوة بينها وبين بني آدم، ويشهد لهذا قولُهُ وَّت:
(ما سَالَمْنَاهُنُّ مُنْذُ عَادَيْنَاهُنَّ))(١).
(قض): ((كان ينفخ على إبراهيم)): بيانٌ لخُبْث هذا النوع وفساده، وأنه
بلغ في ذلك مبلغاً استعمله الشيطان، فحمله على أن ينفخ في النار التي ألقي
فيها خليلُ الله، وسعى في اشتعالها، وهي من جملة ذوات السُّموم المُؤذية،
انتھی(٢).
في ((صحيح ابن حبان)): عن سائبةَ مولاة الفاكه بن المغيرة: أنها دخلت
على عائشة رضي الله عنها، فرأت في بيتها رُمحاً موضوعاً، فقالت: يا أُمَّ
المؤمنين؛ ما تصنعين بهذا؟
قالت: أقتل به الأوزاغ؛ فإن رسول الله وَّر أخبرنا أن إبراهيم عليه
السلام لمَّا أُلقي في النار؛ لم يكن دابة في الأرض إلا أطفأت النارَ عنه غيرَ
الوَزَغْ؛ فإنه كان ينفخُ عليه، فأمر رسولُ الله ◌ََّ بِقَتْلِه، ورواه النسائيُّ
بزيادة .
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٥٣٩).
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣ / ٩٤).
٢٧٣

وفي ((صحيح مسلم)): أن النبيَّ ◌َّ﴿ أمر بقَتْل الوَزَغِ، وسمَّاه
فُوَيْسِقاً(١).
١٨٦٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِّهِ:
(مَنْ قَتَلَ وَزَغَةً فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ، فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةٌ، وَمَنْ قَتَلَهَا
في الضَّرْبَةِ الثَّانِيَةِ، فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةٌ دُونَ الأُولَى، وَإِنْ قَتَلَهَا في
الضَّرْبَةِ الثَّالِثَةِ، فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً)).
وفي رِوَايَةٍ: ((مَنْ قَتَلَ وَزَغاً فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ، كُتِبَ لَهُ مِئَةُ
حَسَنَةٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ دُونَ ذَلِكَ، وَفِي الثَّالِثَةِ دُونَ ذَلِكَ)) رواهُ مسلم.
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الوَزَغُ: العِظَامُ مِنْ سَامَ أَبْرَصَ.
* قوله : ((من قتل وزغة في أول ضربة)):
(ن): سببُ تكثير الثواب في قتله بأول ضربة: الحَثُّ على المُبادرة
بقتله، والاعتناء به، وتحريض قاتله على أن يقتلَه بأول ضربة؛ إذ ربّما
انفلت، وفات قتلُه(٢).
(ق): ويظهر لي وجهٌ آخرُ، وهو أن قتلها وإن كان مأموراً به، لكن لا
تُعذَّب بكثرة الضرب عليها، بل ينبغي أن يُجْهِزَ عليها في أول ضَرْبة،
(١) رواه مسلم (٢٢٣٨ /١٤٤).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٢٣٦).
٢٧٤

ويشهد لهذا نهيُّه عليه الصلاة والسلام عن تعذيب الحيوان، وقوله: ((إذا
قَتَلْتُم؛ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ)(١).
١٨٦٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِهِ قَالَ: ((قَالَ
رَجُلٌ: لأَنَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِ
سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ! فَقَالَ: اللَّهُمَّ
لَكَ الحَمْدُ، لأَنَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِ
زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ! فقالَ: اللَّهُمَّ
لَكَ الحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ؟! لأَنَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ،
فَوَضَعَهَا فِي ◌َدِ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى
غَنِيٍّ! فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، عَلَى سَارِقٍ، وَعَلَى زَانِيَةٍ، وَعَلَى
غَنِيٍّ! فَأُنِيَ، فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ
عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ، فَلَعَلَّهَا تَسْتَعِفُّ عَنْ زِنَهَا، وَأَمَّا الغَنِيُّ،
فَلَعَلَّهُ أَنْ يَعْتَبِرَ، فَيُنْفِقَ مِمَّا آتَاهُ اللهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بلفظِهِ، وَمُسْلِمٌ
بمَعْنَاهُ.
* قوله: ((تصدق الليلة على سارق)):
(ط): إخبار في معنى التعجب والإنكار.
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٥٤١).
٢٧٥

وقوله: ((اللهم لك الحمد على سارق))؛ أي: على تصدُّقي على
سارق؛ إما واردٌ شكراً أو تعجُّباً.
أما الأول: فأن يجريَ الحمدُ على الشكر، وذلك أنه لما جزم على
أن يتصدق على مُستحِقٍّ ليس بعده؛ بدلالة التنكير في ((صدقة))، وأبرز
كلامه في مَعْرِض القَسَمِيّة؛ تأكيداً وقطعاً للقبول به، فلما جوزي بوضعه
على يد سارق؛ حمد الله بأنه لم يُقدِّر أن يتصدق على مَن هو أسوأُ حالاً من
السارق.
وأما الثاني: فأن يجريَ الحمدُ على غير الشكر، وأن يعظم الله عند
رؤية العجب؛ كما يقال: سبحان الله عند مشاهدة ما يُتعجّب منه،
وللتعظيم قرن به لفظة (اللهم) فكما تعجَّبوا من فعله وقالوا: ((تصدق الليلة
على سارق))؛ تعجّب من فعل نفسه، وقال: ((الحمد لله على سارق))؛ أي:
أتصدقت على سارق؟! ولذلك سُلِّي، فقيل له: ((أما صدقتك على سارق:
فلعله أن یستعفف عن سرقته))، انتهى(١).
ويحتمل أن يقال: إنه لما بذل وُسْعَه، وأفرغ جُهْدَه في تخليص عمله
من شوائب الرِّياء؛ بأن أوقعه في ظُلمة الليل؛ لعله يقع مَوْقِعَ القَبول والرِّضا
من الله سبحانه، فظهر له خلافُ ذلك = استشعر في نفسه مُصيبةً، فحمد
الله علی ذلك.
أي: إن قبلت عملي؛ فأنت المَحمودُ، وإن رَدَدْتَهُ؛ فأنت المحمود،
فهذا هو الحمد المُستحبُّ عند الإصابة بمُصيبة؛ كما ورد في الذي أُصيب
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٥٣٢).
٢٧٦

بولده وثمرة فؤاده: ((ماذا قال عبدي؟ قَالُوا: حَمِدَكَ واسْتَرْجَعَ))، وورد في
وصف هذه الأمة: ((يَحْمَدُونَ اللهَ فِي السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ».
(ق): قول المتصدق: ((اللهم لك الحمد على سارق، وعلى زانية،
وعلى غني)) إشعاراً بألم قلبه؛ إذ ظنَّ أن صدقته لم توافق مَحلَّها، وأن ذلك
لم ينفعه؛ ولذلك كرر الصدقة، فلما علم الله صِدْقَ نيته؛ قبلها منه،
وأعلمه بفوائد صدقاته.
ويُستفاد منه صِحَّةُ الصدقة، وإن لم توافق محلاً مرضياً إذا حَسُنَتْ نِيةُ
المُتصدِّق، فأما لو علم المُتصدِّق أن المُتصدَّق عليه يستعين بتلك الصدقة
على معصية؛ يحرم عليه ذلك؛ فإنه من باب التعاون على الإثم والعدوان(١).
(ن): فيه: ثبوت الثواب في الصدقة، وإن كان الآخذ فاسقاً أو غنياً؛
فإنَّ في كل كَبِدٍ حَرَّى أجراً، هذا في صدقة التطوع، أما الزكاة: فلا يُجزئ
دفعُها إلى غنيٌّ(٢).
* قوله: «فأتي فقيل له» :
(ط): أي: فأُري في المنام، انتهى(٣).
وفي ((سنن النسائي)): ((فقيل له: صَدَقتُك قَدْ تُقُبِّلَتْ))(٤).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٦٧).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١١٠).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥٣٢).
(٤) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (٢٣٠٢)، ورواه مسلم (١٠٢٢) بلفظ: ((أما
صدقتك فقد قبلت» .
٢٧٧

* قوله: ((یعتبر)) :
(غب): أصل العَبْر: التجاوز من حال إلى حال، والاعتبار والعبرة:
الحالة التي يُتوصَّل بها من المُشاهَد إلى ما ليس بمُشاهَد(١).
(ط): يريد أن الغنيَّ إذا نظر إلى تصدُّقه؛ اقتدي به، وتجاوز عمّا كان
فيه من صفة البُخل إلى صفة السَّماحة(٢).
*
١٨٦٦ - وَعَنْهُ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ◌ّهِ فِي دَعْوَةٍ، فَرُفِعَ
إِلَيْهِ الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ، فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً، وَقَالَ: ((أنَا سَيِّدُ
النَّاسِ يَوْمَ الِيَامَةِ، هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَاكَ؟ يَجْمَعُ اللهُ الأَوَّلِينَ
وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيُبْصِرُهُمُ النَّاظِرُ، وَيُسْمِعُهُمُ
الدَّاعِي، وَتَذْنُو مِنْهُمُ الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسُ مِنَ الغَمِّ وَالكَرْبِ مَا
لاَ يُطِيقُونَ وَلاَ يَحْتَمِلُونَ، فَيَقُولُ النَّاسُ: أَلَا تَرَوْنَ إِلى مَا أَنْتُمْ فِيهِ
إِلى مَا بَلَغَكُمْ؟ أَلاَ تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ
بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: أَبُوكُمْ آدَمُ، وَيَأْتُونَهُ، فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ! أَنْتَ
أَبَوِ البَشَرِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ
المَلاَئِكَةَ، فَسَجَدُوا لَكَ، وَأَسْكَنَكَ الجَنَّةَ، أَلَا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى
رَبِّكَ؟ أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ، وَمَا بَلَغَنَا؟ فَقَالَ: إِنَّ رَبِّي غَضِبَ
(١) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٣٢٠).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥٣٣).
٢٧٨

غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلاَ يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ نَهَانِ عَنِ
الشَّجَرَةِ، فَعَصَيْتُ، نَفْسِي، نَفْسِي، نفسي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي،
اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ. فَيَأْتُونَ نُوحاً، فَيَقُولُونَ: يا نُوحُ! أَنْتَ أَوَّلُ
الرُّسُلِ إِلى أَهْلِ الأرْضِ، وَقَدْ سَمَّاكَ اللهُ عَبْداً شَكُوراً، أَلاَ تَرَى
إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا بَلَغْنَا، أَلَا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ؟
فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي غَضِبَ اليَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ
يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُ بِهَا عَلَى قَوْمِي،
نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إلى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ.
فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُونَ: يَا إِبْرَاهِيمُ! أنتَ نَبِيُّ الله وَخَلِيلُهُ مِنْ
أَهْلِ الأَرْضِ، اشْفَعْ لَنَا إِلى رَبِّكَ، أَلاَ تَرَى إِلى مَا نَحْنُ فِيهِ؟
فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ،
وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلاَثَ كَذَبَاتٍ، نَفْسِي،
نَفْسِي، نَفْسِي، اذْهَبُوا إلى غَيْرِي، اذْهَبُوا إلى مُوسَى، فَيَأْتُونَ
مُوسَى، فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى! أَنْتَ رَسُولُ الله، فَضَّلَكَ اللهُ
بِسَالاَتِهِ وَبِكَلَامِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلاَ تَرَى إِلَى
مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبَاً لَمْ يَغْضَبْ
قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْساً لَمْ أُؤْمَرْ
بِقَتْلِهَا، نَفْسِي، نَفْسِي، نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلى
عِيسَى، فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى! أَنْتَ رَسُولُ الله،
٢٧٩

وَكَلِمَتُهُ القَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي المَهْدِ،
اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ، أَلاَ تَرَى إلى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ عِيسَى: إِنَّ
رَبِِّ قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَباً لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ
بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْباً، نَفْسِي، نَفْسِي، نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلى
غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلى مُحَمَّدٍ ◌ِ﴾)).
وفي روايةٍ: ((فَيَأْتُونِي، فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدًا أَنْتَ رَسُولُ الله،
وَخَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ،
اشْفَعْ لَنَا إلى رَبِّكَ، أَلاَ تَرَى إلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَأَنْطَلِقُ، فَآتِي تَحْتَ
العَرْشِ، فَقَعُ سَاجِداًلِرَبِّي، ثُمَّ يَفْتَحُ اللهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ، وَحُسْنِ
الثَّاءِ عليْهِ شَيئاً لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدًا ارْفَعْ
رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَةْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَرفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا
رَبِّ! أُمَّتِي يَا رَبِّ! فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدًا أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لاَ حِسَابَ
عَلَيْهِمْ مِنَ البابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا
سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ)). ثُمَّ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنَّ ما بَيْنَ
المِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرَ، أَوْ: كَمَا بَيْنَ
مَكَّةَ وَبُصْرَى)) متَّفقٌ عليهِ.
* قوله: ((فرفع إليه الذراع)):
(ن): محبته ◌َّ للذراع؛ لنضج لحمها، وسرعة استمرائها، وزيادة
٢٨٠