النص المفهرس

صفحات 161-180

١٨٢٣ - وعَنْهُ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِصَلَهُ يَقُولُ: ((يَتْرُكُونَ
المَدِينَةَ عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، لاَ يَغْشَاهَا إِلَّ العَوَافِي - يُريدُ: السِّبَاعَ
وَالطَّيْرَ - وَآخِرُ مَنْ يُحْشَرُ: رَاعِيَانٍ مِنْ مُزَيْنَةَ يُرِيدَانِ المَدِينَةَ يَنْعِقَانِ
بِغَنَمِهِمَا، فَيَجِدَانِهَا وُحُوشاً، حَتَّى إِذا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ، خَرَّا عَلَى
وُجُوهِهِمَا)) متفقٌ عليه.
* قوله {لفي: ((تتركون المدينة على خير ما كانت)):
(ق): ((تتركون)) بتاء الخطاب، ومرادُه غيرُ المُخاطَبين، لكن فرعُهم
من أهل المدينة، أو نسلُهم، (على خير [ما كانت)؛ أي على أحسن] حال
كانت عليه فيما قبل، وقد وُجِد هذا الذي قاله النبي ◌َّز، وذلك أنها صارت
بعده مَعدِنَ الخلافة ومَوضِعَها، ومَقصِدَ الناس ومَلجأَهم ومَعقِلَهم، حتى
تنافس الناسُ فيها وتوَسَّعَوا في خُطَطِها، وغرسَوا وسكَنوا فيها ما لم يُسكن
[من] قبل، وبنوا فيها وشيّدوا حتى بلغَتِ المساكنُ إهابَ، وجُلِبت إليها
خيراتُ الأرض كلُّها، فلمَّا انتهت حالُها كمالاً وحسناً؛ انتقلت الخلافة
عنها إلى الشام، فغلَبت عليها الأعرابُ، وتعاورتها الفتنُ، فخافَ أهلُها
وارتحلوا عنها، وذكر الأخباريون أنها خلت من أهلها، وبقيَت ثمارُها
للعوافي؛ الطير والسباع، كما قال رَّهِ: ((ثمَّ تراجَعَ النَّاسُ إِلَیھا)»(١).
(ن): ((العوافي)) فسَّرها في الحديث بالطير والسباع، وهو الصحيح
في اللغة، مأخوذٌ من عفَوتُه: إذا أتيتَهُ تطلُبُ معروفَه، والمختار أن هذا
الترك للمدينة يكون في آخر الزمان عند قيام الساعة، وهما آخر من يُحشر.
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣ / ٥٠١).
١٦١

وقال القاضي عياض: وهذا مما جرى في العصر الأول وانقضى،
وكانت المدينة أحسن ما كانت للدين والدنيا، أما الدين: فلكثرة العلماء
وكمالهم، وأما للدنيا: فلعمارتها، وغرسها، واتساع أهلها(١).
(ن): ((ينعقان بغنمهما)): يصيحان [بها]، ((فيجدانها وحشاً)، وفي
رواية البخاري: ((وحوشاً))(٢)، قيل: معناها يجدانها خلاءً؛ أي: خالية ليس
بها أحد، والوحش من الأرض هو الخلاء.
والصحيح: أن معناه يجدانها ذات وحوش كما في رواية البخاري،
وكما في قوله بََّ: ((لاَ يَغْشَاهَا إِلاَّ العَوَافِي))، ويكون (وحشاً) بمعنى
(وحوشاً)، وأصل الوحش: كل ما توخّش من الحيوان، وجمعه وحوش،
وقد یعبّر بواحده عن جمعه.
وحكى القاضي عن ابن المرابط: معناها: أن تصير غنمهما وحوشاً،
إما أن تَنقلِب ذاتُها فتصيرَ وحوشاً، وإما تَتَوحش وتَنْفِرَ من أصواتهما.
وأنكر القاضي هذا، واختار أن الضمير في ((يجدانها)) عائد إلى
المدينة لا إلى الغنم، وهذا هو الصواب، وقول ابن المرابط غلطٌ (٣).
(ق): «خرًّا على وجوههما))؛ أي: سقطا ميتين، وهذا إنما يكون عند
انقراض الدنيا، بدليل ما في ((البخاري)) في آخر هذا الحديث: ((وآخِرُ مَن
يُحشَرُ رَاعِيانِ من مُزَينَةَ»(٤)، ويحتمل أن يكون معناه: آخر من يحشر إلى
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٩ / ١٦٠).
(٢) رواه البخاري (١٧٧٥).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٩ / ١٦٠).
(٤) رواه البخاري (١٧٧٥)، من حديث أبي هريرة ـ
١٦٢

المدينة؛ أي: يُساق إليها كما في لفظ ((كتاب مسلم))(١).
*
*
*
١٨٢٤ - وعَنْ أَبِي سَعيدِ الخُدْرِيِّ ﴿: أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ قالَ:
(يَكُونُ خَلِيفَةٌ مِنْ خُلَفَائِكُمْ في آخِرِ الزَّمَان يَحْثُو المَالَ وَلا يَعُدُّهُ»
رواه مسلمٌ .
* قوله تعالي: «يحثو المال ولا يعده»:
(ق): أي: يصبُّهُ صباً، وقد روى الترمذي وأبو داود أحاديث صحيحة
في هذا الخليفة، وسمّياهُ بالمهدي، فروى الترمذي عن عبدالله بن مسعود
قال: قال رسول الله وَّهِ: ((لاَ تَذْهَبُ الدُّنْيا حتَّى يَملِكَ العرَبَ رَجُلٌ مِن أَهلِ
بَيْتِي، يُواطِئُ اسمُهُ اسمِي))، قال: حديث حسن صحيح(٢)، وخرّجه أبو
داود وزاد: ((يَمْلأُ الأَرضَ قِسْطاً وعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وجُوراً) (٣).
ومن حديث أبي هريرة: (لَو لَم يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ يَومٌ؛ لطَوَّلَ اللهُ ذَلِكَ
اليَومَ حتَّى يَلِيَ رَجُلٌ مِن أَهلِ بَيْتِي، يُواطِئُ اسمُهُ اسمِي))، قال: حديث
حسن صحيح (٤).
ومن حديث أبي سعيد قال: خشينا أن يكون بعد نبينا حدث، فسألناه
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٥٠٢).
(٢) رواه الترمذي (٢٢٣٠).
(٣) رواه أبو داود (٤٢٨٢). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير))
(٥٣٠٤).
(٤) رواه الترمذي (٢٢٣١).
١٦٣

فقال: ((إِنَّ في أُمتِي المَهدِيَّ، يَخرُجِ يَعِيشُ خُمْساً أو سَبْعاً [أو تسعاً))، زيدٌ
الشَّاكُ، قال: قلنا: وما ذاك؟ قال: ((سِنِينَ))، قال: ((فَيَجِيءُ [إِلَيهِ] الرَّجُلُ
فَيَقُولُ: يَا مَهدِيُّ؛ أَعطِنِي)) قال: ((فَيَحِثي لهُ في ثَوبِهِ مَا استَطَاعَ أَن
یَحمِلَهُ))، قال هذا حديث حسن(١).
وروى أبو داود عن أم سلمة قال: ((يكُونُ اختلافٌ عندَ مَوتٍ خَليفَةٍ،
فيَخرُجُ رَجُلٌ مِن أَهلِ المَدِينةِ هَارِباً إلى مَكَّةَ، فَيَأْتِيهِ نَاسٌ مِنْ أَهلِ مكَّةَ
فيُخرِجُونَهُ وهُو كارهٌ، فيُبايعُونَهُ بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقَامِ، ويُبعَثُ إِلَيهِ بَعْثٌ مِن
أَهْلِ الشَّامِ، فيُخسَفُ بِهِمْ بِالبَيداء بينَ مَّةَ والمَدِينَةَ، فَإِذَا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ؛
أَنْهُ أبدَالُ أَهلِ الشَّامِ وعَصَائِبُ أَهْلِ العِرَاقِ فَيبايعُونَهُ، ثم يَنشَأُ رَجُلٌ مِن
قُريشٍ أَخوَالُهُ كَلْبٌ؛ فَيَبعَثُ إِلَيْهِم بَعْثاً فيَظهَرُونَ عَلَيْهِمْ، وذَلِك بَعْثُ كَلْبٍ،
والخَيبَةُ لِمَنْ لَم يَشهَدْ غَنِيمةَ كَلْبٍ، فَيَقْسِمُ المَالَ، ويَعمَلُ في النَّاسِ بِسُنَّةٍ
نبيِّهِمْ، ويُلقي الإِسْلامُ بِجرانِهِ فِي الأَرْضِ، فَيَلْبَثُ سَبعَ سِنِينَ ثُمَّ يُتَوَفَّى،
ويُصلِّي عَلَيْهِ المُسلِمُونَ)(٢)، وفي رواية: (تِسْعَ سِنِينَ)(٣).
فهذه أخبار صحيحة مشهورة عن النبي ◌ِّهِ تدلُّ على خروج هذا
الخليفة الصالح في آخر الزمان، وهو منتظر؛ إذ لم يُسمَع بمن كَمَلَت له
جميعُ تلك الأوصاف التي تضمَّنتها تلك الأخبارُ(٤).
(١) رواه الترمذي (٢٢٣٢). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير))
(١٩٠٥).
(٢) رواه أبو داود (٤٢٨٦). وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٦٤٨٤).
(٣) رواه أبو داود (٤٢٨٧). وهو كسابقه.
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧/ ٢٥٢ - ٢٥٤).
١٦٤

(ن): الحثو الذي يفعله هذا الخليفة؛ لكثرة الأموال والغنائم
والفتوحات مع سخاء نفسه(١).
١٨٢٥ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﴿هُ: أَنَّ النَّبِيَّ وَغِ قال:
(لَيَأْتِيَنَّ عَلى النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ،
فَلَا يَجِدُ أَحَداً يَأْخُذُهَا مِنْهُ، وَيُرَى الرَّجُلُ الوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ
امْرَأَةً يَلُذْنَ بِهِ؛ مِنْ قِلَّةِ الرِّجالِ، وَكَثْرَةِ النِّسَاء)) رواه مسلم.
* قوله : «فلا يجد أحداً يأخذها منه»:
(ق): حضٌّ على المبادرة إلى إخراج الصدقة(٢).
(ن): سبب عدم قبولهم الصدقة في آخر الزمان؛ لكثرة الأموال،
وظهور كنوز الأرض، ووضع البركات فيها - كما ثبت في الصحيح - بعد
هلاك يأجوج ومأجوج، وقلة الناس وقلة آمالهم، وقرب الساعة، وعدم
ادخارهم المال، وكثرة الصدقات.
وفي قوله: ((يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب)): إشارة إلى أنه
يتردد بها بين الناس، فلا يجد من يقبلها، فتحصل المبالغة، والتنبيه على
عدم قبول الصدقة بثلاثة أشياء: كونه يعرضها، وكونه يطوف بها، وكونها
ذهباً، فإذا كان الذهب لا يقبله أحد؛ فكيف الظن بغيره؟ انتهى(٣).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٣٩).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٥٦).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٩٦).
١٦٥

* قوله ويتمليفي: ((ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة))، وفي ((صحيح
البخاري)): ((خَمْسُونَ امْرَأَةً)(١)، وجه الجمع: أن الأقل لا ينافي الأكثر، أو
المراد أكثره مجازاً.
(ن): ((يرى)) بضم الياء المثناة تحت، وفي رواية ابن برادٍ: بفتح
المثناة فوق.
ومعنى ((يَلُذن به)): ينتمين إليه؛ ليقوم بحوائجهن، ويذُبَّ عنهن؛
كقبيلة بقي من رجالها واحد فقط وبقيت نساؤها، فيلُذْنَ بذلك الرجل ليقومَ
بحوائجهن، ولا یطمع فیھن أحد بسببه.
وسببُ قلة الرجال وكثرة النساء الحروبُ والقتالُ التي تقع في آخر
الزمان وتراكمُ الملاحم، كما قال ◌َّهِ: ((ويَكْثُرُ الهَرْجُ)) (٢)؛ أي: القتل(٣).
(ك): ويكفي كثرتهن في قلة العلم وظهور الجهل والزنا؛ لأن النساء
حبائل الشيطان، وهنَّ ناقصات العقل والدين كما في ((صحيح البخاري))
عن أنس مرفوعاً: ((من أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَن يَقِلَّ العِلْمُ و[يَظهَرَآَ الجَهْلُ،
ويَظْهَرَ الزِّنَا، وتَكْثُرَ النِّسَاءُ، ويَقِلَّ الرِّجَالُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمسِينَ امِرَأَةً
القَيِّمُ الوَاحِدُ))(٤)، فيحتمل أن يراد بها حقيقة هذا العدد، أو يراد بها كونها
مجازاً عن الكثرة(٥).
(١) رواه البخاري (٤٩٣٣)، من حديث أنس بن مالك
(٢) رواه البخاري (٨٥)، من حديث أبي هريرة ﴾.
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٩٦).
(٤) رواه البخاري (٤٩٣٣).
(٥) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢ / ٦١).
١٦٦

وهذا الحديث مشعرٌ بأن علامةَ الساعة اختلالُ الضرورات الخمس
الواجبة رعايتُها في جميع الأديان، التي بحفظها صلاحُ المعاش والمعاد
ونظام أحوال الدارين، وهي: الدين، والعقل، والنفس، والنسب،
والمال، فرفع العلم مخل بحفظ الدين، وشرب الخمر بالعقل وبالمال
أيضاً، وقلة الرجال بسبب الفتن بالنفس، وظهور الزنا بالنسب، وكذا
بالمال.
وإنما كان اختلال هذه الأمور من علاماتها؛ لأن الخلائق يُتركون
سُدَى، ولا نبي بعد هذا الزمان، فيتعين خراب العالم.
*
١٨٢٦ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿ه، عَنْ النَّبِيِّ وَّهِ، قالَ: ((اشْتَرَى
رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَقَاراً، فَوَجَدَ الَّذِيِ اشْتَرَى العَقَارَ في عَقَارِهِ جَرَّةٌ فِيهَا
ذَهَبٌ، فقالَ لَهُ الَّذِي اشْتَرَى العَقَارَ: خُذْ ذَهَبَكَ، إِنَّمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ
الأَرْضَ، وَلَمْ أَشْتَرِ الذَّهَبَ، وقالَ الذي لَهُ الأَرْضُ: إِنَّمَا بِعْتُكَ
الأَرْضَ وَمَا فِيهَا، فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلِ، فقالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ:
أَلَكُمَا وَلَدٌ؟ قَالَ أَحَدُهُمَا: لي غُلامٌ، وقالَ الآخَرُ: لِي جَارِيَةٌ، قالَ:
أَنْكِحَا الغُلامَ الجَاريَةَ، وَأَنْفِقُوا عَلَى أَنْفُسِهِمَا مِنْهُ، وَتَصَدَّقَا)) متفقٌ
عليه .
* قوله ◌َّله: ((اشترى رجل من رجل عقاراً):
(ن): (العقار): هو الأرض وما يتصل بها، وحقيقة العقار الأصل،
١٦٧

مأخوذ من العُقر بضم العين وفتحها، وهو الأصل، ومنه: (عقر الدار)
بالضم والفتح .
وفي هذا الحديث فضل الإصلاح بين المتنازعين، وأن القاضي
يُستحب له ذلك کما يُستحب لغيره(١).
* قوله: «فتحاكما إلى رجل)):
[(ق)]: ظاهره أنهما حكَّماه في ذلك، وأنَّه لم يكن حاكماً منصوباً
للناس، مع أنه يحتمل ذلك.
وعلى ظاهره يكون فيه حجة لمالك في قوله: إن المتداعيين إذا
حكَّما بينهما مَن له أهليةُ الحُكْم؛ صحَّ، ولزمهما حكمه ما لم يكن جوراً،
سواء وافق ذلك الحكمُ رأيَ قاضي البلد أو خالفه.
وقال أبو حنيفة: إن وافق رأيهُ رأيَ قاضي البلد؛ نفذ، وإلا؛ فلا.
واختلف قول الشافعي، فقال: مثل قول مالك، وقال أيضاً: لا يلزم
حکمه، ویکون ذلك کالفتوی منه، وبه قال شریح.
وهذا الرجل المحكَّم لم يحكم على أحد منهما، وإنما أصلح بينهما؛
بأن يُنفقا ذلك المالَ على ولديهما ويتصدَّقا، وذلك أن هذا المال ضائعٌ؛ إذا
لم يدَّعهِ أحدٌ لنفسه.
ولعلهم لم يكن لهم بيت مال، فظهر لهذا المحكَّم أنهما أحق بذلك
المال من غيرهما من المستحقين؛ لزهدهما وورعهما، ولمَا ارتُجِي من
طیب فعلهما.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ١٩).
١٦٨

قال الشيخ أبو عبدالله المازري: واختلف عندنا فيمن باع أرضاً فوجد
فيها شيئاً مدفوناً، فهل ذلك للبائع أو للمشتري؟ فيه قولان.
قلت: ويعني بذلك ما [يكون من] أنواع الأرض؛ كالحجارة
والرخام، ولم يكن خِلقةً فيها، وأما ما يكون من غير أنواع الأرض كالذهب
والفضة؛ فإن كان من دَفْن الجاهلية؛ كان رِكَازاً، وإن كان من دَفْن
المسلمين؛ فهو لقطة، وإن جهل ذلك؛ كان مالاً ضائعاً.
فإن كان هناك بيت مال؛ حُفِظ فيه، وإن لم يكن؛ صُرِف في الفقراء
والمساكين، وفيمن يستعين به على أمور الدين، وفيما أمكن من مصالح
المسلمین(١).
١٨٢٧ - وعَنْهُ عَُ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَلِ يَقُولُ: ((كَانَتِ
امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا، جَاءَ الذِّتْبُ، فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فقالَتْ
لِصَاحِبَتِهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، وقالَتِ الأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ،
فَتَحَاكَمَا إِلَى دَاوُدَ بَّهِ، فَقَضَى بِهِ للكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ
داودَ ◌َ﴿ِ، فَأَخْبَرَتَهُ، فَقالَ: ائْتُّوني بِالسِّكِّينِ أَشْقُّهُ بَيْنَكُما. فقالَتِ
الصُّغْرَى: لا تَفْعَلْ، رَحِمَكَ الله، هُوَ ابْتُهَا. فَقَضَى بِهِ للصُّغْرَى)
متفقٌ عليه.
(ن): استدل سليمان عليه السلام بشفقة الصُّغرى على أنها أمه، وأما
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ١٧٩).
١٦٩

الكبرى: فما كرهت ذلك، بل أرادته؛ لتشاركها صاحبتها في المصيبة بفقد
ولدها، ولم يكن مراده أنه يقطعه حقيقة، وإنما أراد اختبار شفقتهما لتتميز
الأم.
قال العلماء: يحتمل أن داود عليه السلام قضى به للكبرى لشبه رآه
فيهما، أو أنه كان في شريعته الترجيح بالكبير، أو لكونه في يدها، وكان
ذلك مرجحاً في شرعه.
وأما سليمان عليه السلام: فتوصل بطريق من الحيلة والملاطفة إلى
معرفة باطن القضية، فأوهمهما أنه يريد قطعه؛ ليعرف مَن يَشُق عليها قطعُه
فتكون هي أمه، ولعله استقرّ الكبرى فأقرَّت بعد ذلك به للصغرى، فحکم
بالإقرار لا بمجرد الشفقة المذكورة.
قال العلماء: ومثل ذلك يفعله الحكام ليتوصلوا به إلى حقيقة
الصواب(١) .
(ق): الذي ينبغي أن يقال: إن داود عليه السلام إنما حكم به للکبری
لسبب اقتضی عنده ترجيحَ قولها، ولم یذکره في الحدیث بعینه؛ إذ لم تدع
حاجة إليه، فيحتمل أن الولد كان في يد الكبرى، وعلم عجز الأخرى عن
إقامة البينة، فقضى [به] لها؛ إبقاءً لما كان على ما كان، وهذا تأويل حسن
لا يمنعه اللفظ، وتشهد له قاعدة الدعاوي الشرعية التي يبعد اختلاف
الشرائع فيها (٢).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ١٨).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ١٧٥).
١٧٠

(ن): فإن قيل: كيف حكم سليمان بعد حكم داود عليه السلام في
القصة الواحدة ونقض، والمجتهد لا ينقض حکم مجتهد؟
فالجواب من أوجه :
أحدها: أن داود عليه السلام لم يكن حكم بالحكم.
والثاني: أن يكون ذلك فتوى من داود لا حكماً.
والثالث: لعله كان في شرعهم فسخُ الحكم إذا رفعه الخصمُ إلى
حاكم آخر یری خلافه.
الرابع: أن سليمان عليه السلام فعل ذلك حيلة إلى إظهار الحق
وظهور الصدق، فلما أقرَّت به الكبرى؛ عمل بإقرارها وإن كان بعد
الحكم؛ كما إذا اعترف المحكوم له بعد الحكم أن الحكم لخصمه(١).
(ق): فعلى هذا لا يكون من باب نقض الحكم، بل من باب تبدُّل
الأحكام بسبب تبدُّل الأسباب.
وفي هذا الحديث أن الأنبياء عليهم السلام يسوغ لهم الحكم
بالاجتهاد، وهو مذهب المحققين، ولا يلتفت لقول من يقول: إن
الاجتهاد إنما يَسوغ عند فقدِ النص، وإنهم مُتمگِّنون من استطلاع الوحي؛
لأنهم إذا لم يأتهم الوحي في الواقعة؛ تعيَّنَ عليهم البحثُ عن معاني
النصوص، والفرق بينهم وبين غيرهم من المجتهدين، أنهم معصومون من
الغلط والخطأ، وعن التقصير في اجتهادهم، وغیرُهم ليس كذلك.
وفيه استعمال الحكام الحِيلَ التي تُستخرج بها الحقوقُ بقوة الذكاء
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ١٨).
١٧١

والفطنة وممارسة أحوال الخليقة، وقد يكون في أهل التقوى فراسةٌ دينيةٌ
وتوسُّمات نُوريَّةٌ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وفيه حجة لمن يقول:
إن الأم تَستَلحِقُ، وليس مشهور مذهب [مالك](١).
* قولها: ((لا تفعل رحمك الله))، وفي رواية مسلم قالت: ((لاً
- يَرِحمُكَ اللهُ ـ هُوَ ابْنُهَا))(٢).
(ن): قال العلماء: ويستحب أن يقال في مثل هذا بالواو، فيقال:
لا ويرحمك الله(٣).
(ق): حتى يتبين أن ما بعده كلام مستأنف؛ أي: لا تفعل، ثم دعت
له بقولها: يرحمك الله؛ لأنَّ وصلَه بما بعده يوهم السامع أنه دعاء عليه،
وهو دعاء له.
وقد روي عن أبي بكر الصديق حظه أنه قال لرجل سمعه يقول مثل
ذلك القول: لا تفعل هكذا، وقل: يرحمك الله لا .
قلت: وقد يزول ذلك الإبهام بزيادة واو أيضاً(٤).
(ن): و((السكين)) يذكر ويؤنث لغتان، ويقال: لها سكِّينة أيضاً؛
لأنها تُسكن حركةَ الحیوان.
ويقال لها: المدية، بضم الميم وكسرها وفتحها، سميت به؛ لأنها
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١٢ / ١٩).
(٢) رواه مسلم (١٧٢٠ / ٢٠)، من حديث أبي هريرة عظته.
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٩).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ١٧٧).
١٧٢

تقطع مدى حياة الحيوان(١).
١٨٢٨ - وعَنْ مِرْدَاسِ الأَسْلَمِيِّ ﴾، قَالَ: قَالَ النبيُّ ◌ٍَّ:
(يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الأَوَّلُ فِالأَوَّلُ، وَتَبَّقَى حُثَالَةٌ كَحُثَالَةِ الشَّعيرِ أَوْ
التَّمْرِ، لا يُبَالِيهِمُ الله بَالَةً)) رواه البخاريُّ.
· قوله : ((يذهب الصالحون الأول فالأول)»:
(ط): الفاء للتعقيب، ولا بد من تقدير؛ أي: الأول منهم فالأول من
الباقين منهم، حتى ينتهى إلى الحثالة، مثل الأفضل فالأفضل، و(الأول)
بدل من (الصالحون)(٢).
* قوله: ((ويبقى حثالة))، وفي رواية: (نخالة)، وفي رواية: (حفالة).
(نه): ((الحثالة)) بحاء مهملة وثاء مثلثة: الرديء من كل شيء، ومنه
حثالة الشعير، والتمر، والأرز، وكل ذي قشر، وفي الحديث: ((لاَ تَقُومُ
السَّاعَةُ إِلاَّ عَلَى حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ))(٣)، وفي حديث أنس: ((كَيْفَ أَنَتَ إِذَا
بَقِيتَ في حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ)»(٤).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ١٩).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٣٩١).
(٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ٤٩٩)، والحاكم في ((المستدرك)) (٨٥١٧)، من
حديث عِلْباءَ السُّلمي ◌َظُه. وإسناده صحيح كما ذكر محققو ((المسند)) (طبعة
الرسالة).
(٤) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١/ ٣٣٩)، والحديث رواه البخاري
(٤٦٦)، من حديث عبدالله بن عمرو ظلمًا.
١٧٣

(قض): ((الحفالة)): رذالة الشيء، وكذا الحثالة، والفاء والثاء
يتعاقبان كثيراً.
((لا يبالهم الله))؛ أي: لا يَرفع لهم قدراً ولا يُقيم لهم وزناً، وأصل
بالة: بالية؛ مثل عافاه الله عافية، فحذفوا الياء منها تخفيفاً، كما حذفوا
[الألف] من (لم أُبَل)، يقال: ما باليته وما باليت به؛ أي: لم أكترث(١).
(ك): فإن قلت لفظ (البالية) ليس مصدراً لـ (باليت)، فما وجهه؟
قلت: هو اسم لمصدره، وقيل: هو مصدر بالیت، فحذفت الياء
تخفيفاً(٢).
(ط): التنكير في (حفالة) للتحقير(٣).
*
١٨٢٩ - وعَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ الزُّرَقِيِّ ﴾، قالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ
إِلَى النَّبِّ ◌ِ ﴿، قَالَ: مَا تَعُدُّون أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ قالَ: ((مِنْ أَفْضَلِ
المُسْلِمِينَ)، أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا. قالَ: ((وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِد بَدْراً مِنَ
المَلائِكَةِ) رواه البخاريُّ.
* قوله: ((ما تعدون أهل بدر؟»:
(ط): ((ما تعدون))؛ أي: ممَّن تعدُّون؛ ليطابقه الجواب، وهو: ((من
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٣١٠).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٢/ ٢٠٥).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١/ ٣٣٩١).
١٧٤

أفضل المسلمين))، وإنما أتى بـ (ما) بدل (من)؛ تعظيماً لشأنهم؛ نحو
قولهم: سبحان ما سخركن لنا .
وقوله: ((وكذلك من شهد بدراً من الملائكة))؛ [أي]: فإنهم مِن
أفضل الملائكة، انتھی(١).
أهل بدر من الصحابة كانوا بضعةً عشرة وثلاث مئة عِدَّة أصحاب
طالوت، الذين جاوزوا معه النهر، والملائكة الذين حضروا ألفٌ على
أَصحِّ الوجهين من التفسير، وقيل: خمسة آلاف.
قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِى مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍمِّنَ
المَلِكَةِ مُهْدِفِينَ ﴾[الأنفال: ٩]، قال ابن عباس: أي: متتابعین، کان جبريل
في خمس مئة من الملائكة مُجَنِّبة، وميكائيل في خمس مئة.
فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية، وبين قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ
اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ
بَلَّ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوَكُم مِّن
يُمِدَكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ ءَالَفٍ مِنَ الْمَلَئِكَةِمُنزَلِينَ
فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدَكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٣ -
١٢٤ - ١٢٥]؛ فإن هذه الآية تقتضي أن الإمداد يوم بدر كان بخمسة آلاف
مَلَك؟!
فالجواب: أن التنصيص بالألف هاهنا لا ينافي الثلاثة الآلاف فما
فوقها؛ لقوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بمعنى: يَرْدُقُهم غيرُهم، ويتبعهم ألوفٌ أُخَرُ
مثلهم.
(١) المرجع السابق، (١٢ / ٣٩٤٠).
١٧٥

وعن ابن عباس في قوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾، قال: وراء كل ملك [مَلَك].
وعن علي به قال: نزل جبريل في ألف من الملائكة عن مَيْمَنة النبيِّ لَّارِ،
وفيها أبو بكر، ونزل ميكائيل في ألف من الملائكة عن مَيْسَرة النبيِّ وَِّ، وأنا
في المَيْسَرة(١).
قال ابن كثير الحافظ: وهذا يقتضي - إن صحَّ إسنادُه - أن الألف
مُرْدَقَةٌ بمثلها؛ ولهذا قرأ بعضُهم: (مردفين) بفتح الدال.
الوجه الثاني: أن هذا الوعد متعلق بقوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ [آل
عمران: ١٢١]، وذلك يوم أُحُد، وهو قول مجاهد، وعكرمة، والضَّخَّاك،
والزُّهريّ، وغيرهم.
لكن قالوا: لم يحصل الإمداد بالخمسة، ولا بالثلاثة؛ لقوله: ﴿ بَلَّ
إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ﴾ [آل عمران: ١٢٥]، فلم يصبروا وفَرُّوا، فلم يُمُّوا بمَلَك
واحد .
وعن ابن عباس: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر، وفي غيره يكونون
عدداً وإمداداً لا يضربون(٢).
١٨٣٠ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَعَ﴾، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِذا
أَنْزَلَ الله تَعَالى بِقَوْمِ عَذَاباً، أَصَابَ العَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ، ثُمَّ
بُعِثُوا عَلى أَعْمَالِهِمْ)) متفقٌ عليه.
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٣/ ١٧٥).
(٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٣/ ١٧٥).
١٧٦

* قوله ◌َّج: ((ثم بعثوا على أعمالهم))، سبق في (الباب الأول).
، قَالَ: كَانَ جِذْعٌ يَقُومُ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ◌َه
١٨٣١ - وَعَنْ جَابِرٍ ـ
- يَعْني: في الخُطْبَةِ -، فَلَمَّا وُضِعَ المِنْبَرُ، سَمِعْنَا لِلِجِذْعِ مِثْلَ
صَوْتِ العِشَارِ حَتَّى نَزَلَ النَّبِيُّ ◌َهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، فَسَكَنَ.
وفي روايةٍ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الجمعَة، قَعَدَ النَّبِيُّ نَّهِ على
المِنْبَرِ، فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ التي كَانَ يَخْطُبُ عِنْدَها حَتَّى كَادَتْ أَنْ
تنشق .
وفي روايةٍ: فَصَاحَتْ صِيَاحَ الصَّبِيِّ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ◌َِِّ، حَتَّى
أَخَذَهَا فَضَمَّهَا إِلَيْهِ، فَجَعَلَتْ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّتُ حَتَّى
اسْتَقَرَّتْ، قالَ: ((بَكَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ)) رَواه
البخاريُّ.
* قوله: ((مثل [صوت] العشار)):
(ك): بكسر العين، جمع العُشَراء، كما يقال: امرأة نُفَّساء، وهي
الناقة التي أتت عليها من يوم أُرسل فيها الفحلُ عشرةُ أشهر .
قال التَّيْميُّ: وكان المنبر ثلاثَ درجات، وفي الحديث عَلَمٌ عظيم
من أعلام نبوته، وهو حنين الجذع، انتهى(١).
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٦ / ٣١).
١٧٧

لله درُّ عبد الصمد بن خلیل البغدادي رحمة الله علیه؛ حيث يقول:
لا تُسْتَطَاعُ وشَأْنُهَا لا يُكْثَمُ
والجَذْعُ حَنَّ لِفَقْدِهِ وَهِيَ النَّوَى
مَفْهُومَةٍ والجَذْعُ أَخْرَسُ أَنْكَمُ
نَطَقَتْ لَوَاعِجُ شَوْقِه بِعِبَارَةٍ
لِأَجَابَهُمْ لَوْ أَنَّهُ يَتكَلَّمُ
لَوْ عَاتَبُوهُ على إِذَاعَةٍ سِرِّهِ
يُبْلَى بِفُرْقَتِكُمْ وَأَنْتُمْ أَنْتُمُ
أَيُطِيقُ كِثْمَانَ الصَّبَابَةِ عَاشِقٌ
١٨٣٢ - وعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ جُرْثُومِ بْنِ نَاشِرٍ ﴾، عَنْ
رَسُولِ اللهِ وَ﴿ِ، قالَ: ((إِنَّ اللهَ تَعَالَى فَرَضَ فَرائِضَ فَلا تُضَيِّعُوهَا،
وَحَدَّ حُدُوداً فَلا تَعْتَدُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ
عَنْ أشْيَاءَ رَحْمَةٌ لَكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ، فَلا تَبْحَثُوا عَنْها)) حديثٌ حسنٌ،
رواه الدَّارَقُطْنِيُّ وغيْرُهُ.
* قوله : ((إن الله فرض فرائض))، اختُلف هل الواجب والفرض
بمعنىّ واحد أم لا؟
فذهب الشافعيُّ إلی أن کل واجب فرضٌ.
وذهب أبو حنيفة إلى أن الفرض: ما ثبت بدليل قطعيٍّ، والواجب:
ما ثبت بغيره.
وأكثر النصوص عن أحمد: أنه يُفرِّق بين الفرض والواجب، فيقول:
الفرض: ما كان في الكتاب، والواجب: ما ثبت بالسنة.
١٧٨

وأما المحارم: فهي التي حماها الله تعالى، ومنع من قُربانها، وارتكابها،
وانتهاكها، ممّا ثبت بالكتاب والسنة.
أما حدودُ الله التي نهى عن اعتدائها: فالمراد بها جملة ما أذن في
فعله، سواء كان على طريق الوجوب، أو الندب، أو الإباحة، واعتداؤها:
هو تجاوز ذلك إلى ارتكاب ما نُهي عنه.
وليس وراء ما حَدَّ الله من المأذون فيه إلا ما نهى عنه، ولهذا مدح
سبحانه الحافظين لحدوده، وذمَّ مَن لا يعرف حدَّ الحلال من الحرام؛ كما
قال: ﴿اَلْأَعْرَابُ أَشَدُ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ﴾ [التوبة:
٩٧]، وقد تطلق الحُدود، ويراد بها نفس المحارم، وحينئذ؛ فيقال: لا تقربوا
حدود الله .
وأما المسكوت عنه: فهو ما لم يذكر حكمُه بتحليل، ولا إيجاب،
ولا تحريم، فيكون مَعْفُوّاً عنه، لا حرجَ على فاعله.
لكن ينبغي أن يُعلمَ: أن ذكر الشيء بالتحريم والتحليل ممَّا قد يخفى
فهمُه من نصوص الكتاب والسنة؛ فإن دلالة هذه النصوص قد تكون
بالتصريح، وبالعموم والشُّمول، وقد تكون بطريق الفحوى(١) والتنبيه؛ كما في
قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَُّمَآ أُفٍ ﴾ [الإسراء: ٢٣]؛ فإن دخول ما هو أعظم من
التأفيف من أنواع الأذى يكون بطريق الأَوْلى، ويُسمَّى ذلك مفهومَ المُوافقة.
وقد تكون دلالته بطريق مفهوم المخالفة، كما [في]: ((في الغَنَمِ
السَّائِمَةِ زَكَاةٌ))؛ فإنه يدل مفهومُه على أنه لا زكاة في غير السائمة .
(١) في الأصل: ((التحري))، والتصويب من ((جامع العلوم والحكم)) لابن رجب
(ص: ٢٨٢).
١٧٩

وقد تكون دلالته من باب القياس، فإذا نصَّ الشارع على حكم في
شيء لمعنى من المعاني، وكان ذلك المعنى موجوداً في غيره؛ فإنه يتعدَّى
الحکمُ إلی کل ما وُجِد فيه.
وهذا من باب العَدْل والميزان الذي أنزله الله، وأمر بالاعتبار به، فأما
ما انتفى فيه ذلك كلُّه: فهو مما سَكتَ عنه.
واعلم أن هذه المسألة [غير مسألة] حكم الأعيان قبل ورود الشرع:
هل هو الحَظْر، أو الإباحة، أو لا حكم فيها؟
فإن تلك المسألة مفروضة فيما قبل ورود الشرع، فأما بعد وُروده:
فقد دلت هذه النصوص وأشباهُها على أن حكم ذلك الأصل زال، واستقر
أن الأصل في الأشياء الإباحة بأدلة الشرع، وقد حكى بعضُهم الإجماعَ
على ذلك، وغَلَّطوا من سوَّى بين المسألتين.
قوله ◌َّير: ((وسكت عن أشياء رحمة لكم))؛ يعني: لم يُحرِّمْها عليهم
حتی یعاقبهم على فعلها، ولم يُوجِبها عليهم حتی یعاقبهم علی ترکها، بل
جعلها عفواً، فإن فعلوها؛ فلا حرجَ عليهم، وإن تركوها؛ فكذلك.
خرَّج البزَّار في («مسنده))، والحاكم في (صحيحه)) عن أبي الدَّرْدَاء
عن النبيِّ وَ ﴿ه قال: ((ما أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ؛ فَهُوَ حَلالٌ، وما سَكَتَ عَنْهُ؛ فَهُوَ
عَفْرٌ، فَاقْبَلُوا مِنَ اللهِ عَافِيَتَهُ؛ فإنَّ اللهَ لَمْ يَكُنْ لِيَنْسَى شَيْئاً)، ثم تلا هذه
الآية: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾ [مريم: ٦٤](١).
وقوله: ((فلا تبحثوا عنها)) يحتمل اختصاصَ هذا النهي بزمن النبيِّ بَێے،
(١) رواه البزار (٤٠٨٧)، والحاكم في ((المستدرك)) (٣٢٣٦). وهو حديث حسن.
انظر: ((غاية المرام)) (ص: ١٤).
١٨٠