النص المفهرس

صفحات 121-140

شاركيد خله الصف.
(تو): قد بين لنا إخبارُ الصادق المصدوق صلوات الله عليه: أن الدجال
يبعث معه من المُشبِّهات، ويفيض على يديه من التَّمْوِيهات ما يسلب عن
ذوي العقول عقولَهم، ويخطف من ذوي الأبصار أبصارهم، كمجيئه بجنة
ونار، وإحياء الميت على حسب ما يدعيه، وتقويته على من يريد إِضلاله،
تارة بالمطر والغيث، وتارة بالأزمنة والجدب، ثم لا خفاء بأنه أسحر الناس،
فلم يستقم لنا تأويل هذا القول، إلا بأن نقول: إنه يأخذ بأسماع الناس
وأبصارهم حتى يُخيل إليهم أن الزمان قد استمر على حالةٍ واحدةٍ، إسفار
بلا ظلام، وصباح بلا مساء، يحسبون أن الليل لا يمُدُّ عليهم رِواقه، وأن
الشمس لا تطوي عنهم ضياءها، فيقعون في حيرة والتباس من امتداد الزمان،
وتدخل عليهم الدواخل باختفاء الآيات الظاهرة في اختلاف الليل والنهار،
فَأَمَرَهم أن يجتهدوا عند مصادفة تلك الأحوال، ويقدروا لوقت كلِّ صلاة
قَدْرَها إلى إن يكشف الله تعالى عنهم تلك الغمة، انتهى.
يؤيده ما رواه ابن ماجه: قال ◌َله: ((وإِنَّ أيامَهُ أَربِعُونَ سَنَةٌ، السَّنَةُ
كَنِصْفِ السَّنَةِ، والسَّنَةُ كالشَّهْرِ، والشَّهْرُ كالجُمُعَةِ، وآخِرُ أيَّامِهِ كالشَّرَرَةِ،
يُصْبِحُ أَحَدُكُمْ على باب المَدِينةِ، فلا يَبْلُغُ بابَها الآخَرَ حتَّى يُمْسِيَ))، فَقِيلَ
له: يا رَسُولَ الله؛ كيفَ نصلِّي في تلكَ الأيامِ القِصارِ؟ فقال: «تَقْدُرُونَ فِيها
الصَّلاَةَ كَمَا تَقْدُرُونَهَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الطَّوَالِ، ثُمَّ صَلُّوا))(١).
فهذه الرواية تعضد من قال: إنه يأخذ بأسماع الناس وأبصارهم،
حتى يُخيِّلَ إلى بعضهم طُولَ النَّهار، وإلى بعضهم قِصَرَهُ.
(١) رواه ابن ماجه (٤٠٧٧) مطولاً من حديث أبي أمامة ﴿ه، وهذا القطعة منه
صحيحة. انظر: ((قصة المسيح الدجال)) (ص: ٤٧).
١٢١

* قوله{﴾: «اقدروا له قدره»:
(ن): قال القاضي وغيره: هذا حكم مخصوص بذلك اليوم، شرعَهُ
لنا صاحب الشرع، ولولا هذا الحديثُ ووُكِلنا إلى اجتهادنا؛ لاقتصرنا فيه
على الصلاة عند الأوقات المعروفة في غيره من الأيام.
ومعنى «اقدروا قدره)): أنه إذا مضى بعد طلوع الفجر قدر ما يكون
بينه وبين الظهر كل يوم؛ فصلوا الظهر، ثم إذا مضى بعده قدر ما يكون
بينها وبين العصر ؛ فصلوا العصر، فإذا مضى بعدها قدر ما يكون بينها وبين
المغرب فصلوا المغرب، وكذا العشاء والصبح، ثم الظهر، ثم العصر، ثم
المغرب، وهكذا حتى ينقضي ذلك اليوم، وقد وقعت فيه فرائض سنة كلُّها
فرائض مؤدَّةٌ في وقتها .
وأما الثاني الذي كشهر، والثالث الذي كجمعة: فقياس اليوم أن يُقدَّر
لها کاليوم الأول على ما ذكرنا(١).
* قوله: «وما إسراعه)) :
(ط): لعلهم علموا أن له إسراعاً في الأرض، فسألوا عن كيفيته كما
كانوا عالمين بلبثه في الأرض، فسألوا عن كميته بقولهم: ما لبثه؛ أي: ما
مدة لبثه، والمراد بـ ((الغيث)) هاهنا: الغيم العظيم، إطلاقاً للمسبب على
السبب؛ أي: يُسرع في الأرض إسراعَ الغيم إذا استدبرته الريح(٢).
* قوله : ((فتروح عليهم سارحتهم)):
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٦٦).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٤٥٥).
١٢٢

(ن): ((تروح)) معناه: ترجع آخر النهار، و((السارحة)): هي الماشية
التي تسرح؛ أي: تذهب أول النهار إلى المرعى، و((الذرى)) بضم الذال
المعجمة: هي الأعالي والأسنمة، جمع ذروة بضم الذال المعجمة
وكسرها، و(أسبغه)) بالسين المهملة والغين المعجمة؛ أي: أطوله؛ لكثرة
اللبن، وكذا ((أمده خواصر))؛ لكثرة امتلائها من الشبع(١).
(تو): ((ممحلين))، يقال: أمحلَ القوم: أصابهم المَحْلُ، وهو انقطاعَ
المطر، ويَبَس الأرض من الكلا .
(ن): ((يعاسيب النحل)): هي ذكورها، كذا فسره ابن قتيبة وآخرون.
قال القاضي: المراد جماعة النحل لا ذکورها خاصة، لكنه کنی عن
الجماعة باليعسوب، وهو أميرها(٢).
(ق): وجه التشبيه: أن يعاسيب النحل يَتْبعُ كلَّ واحد منهم طائفةٌ من
النحل، فتراها جماعاتٍ في تفرقة، والكنوز تتبع الدجال كذلك(٣).
(شف): معناه يتبع الدجالَ كنوزُ الأرض كما يتبعُ اليعسوبَ النحلُ،
فقوله: (كاليعاسيب) حال من الدجال، ويمكن أن يكون حالاً من الكنوز؛
أي: كائنة كما اليعاسيب، وهي كناية عن سرعة اتباعه؛ أي: تتبعه الكنوز
بالسرعة.
(قض): ((الممتلئ شباباً): هو الذي يكون في غاية الشباب ونضرة
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٦٦).
(٢) المرجع السابق، الموضع نفسه .
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٢٨٢).
١٢٣

مائه، (جزلتین) بفتح الجیم علی المشهور، وحکی ابن درید کسرها؛ أي:
قطعتين، ومعنى ((رمية الغرض)): أنه يجعل بين الجزلتين مقدار رمية
الغرض، هذا هو الظاهر المشهور.
وحکی القاضي هذا، ثم قال: وعندي أن فيه تقديماً وتأخیراً، وتقديره:
فيصيبه إصابة رمية الغرض، فيجعله جزلتين، والصحيح الأول(١).
(ق): (رمية الغرض) منصوب على المصدر؛ أي: كرمية الغرض في
السرعة والإصابة، وقيل: جعل بين القطعتين مثل رمية الغرض، وفيه بُعدٌ(٢).
(تو): أراد (برمية الغرض)؛ إما سرعة نفوذ السيف فيه، وإما إصابة
المحَزِّ.
(ط): ((يتهلل وجهه))، أي: يتلألأ ويُضيء ضاحكاً بالدجال، ويقول:
كيف يصلح هذا إلهاً؟(٣)
(ن): ((المنارة)) بفتح الميم، وهذه المنارة موجودة اليوم شرقي دمشق،
بکسر الدال وفتح المیم، هذا هو المشهور، وحکی صاحب ((المطالع» بکسر
الميم، وهذا الحديث من فضائل دمشق، وفي (عند) ثلاث لغات: كسر
العين، وضمها، وفتحها، والمشهور الكسر، وأما (المهرودتان): فروي
بالدال المهملة [وبالذال المعجمة، والمهملة] أكثر، والوجهان مشهوران
للمتقدمين والمتأخرين من أهل اللغة، وأكثر ما يقع في النسخ بالمهملة،
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٣٦٤).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٢٨٢).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٤٥٦).
١٢٤

ومعناه: لابس ثوبين مصبوغين بالصفرة، وكأنه صُبغ بورس ثم الزعفران،
وقيل: هما شُقَّتان، والشُّقةُ: نصف الملاءة(١).
(ق): مأخوذ من الهَرْد، وهو القطع والشق، وقال أكثرهم: في
ثوبين مصبوغين بالصفرة، وكأنه صبغ بالهِرْدَى، وقد اجترأ القُتَبِيُّ وخطأ
النقلة [في هذا اللفظ، وقال: هو عندي خطأ من النقلة] (٢)، وأراه مهرُوَّتَين،
يقال: هرَّيتُ العمامةَ: إذا لبستُها صفراء، وكأن [(فَعَلْتُ) منه]: هروت.
وأنشد:
أَرَاكَ زَمَاناً حَاسِراً لَمْ تَعَصَّبٍ
رَأَيْتُكَ هَرَّيْتَ العِمَامَةَ بَعْدَمَا
قال: وإنما أراد أنك لبست العمامة صفراء كما يَلبسها السادة، وكان
السیدُ یَعتمُّ بعمامة صفراء، ولا یکون ذلك لغيره.
قلت: ولقد خُطِّئء ابنُ قُتَيبة فيما خطَّأَ فيه الثقاتِ؛ لأن العرب لا تقول:
هَرَوتُ الثوبَ، ولكن هَرَّيتُ، ولا يقال: إلا في العمامة خاصة، فليس له أن
يقيس على العمامة؛ لأن اللغةَ روايةٌ .
والأصح قول الأكثر، ويشهد له ما وقع في بعض الروايات بدل
(مهرودتين): (مُمصَّرَتين)، والمَمُصَّرة من الثياب: هي المصبوغة بالصُّفرة.
قوله: ((إذا طأطأ رأسه قطر))؛ أي: إذا خفض رأسه؛ سال منه ماء؛
يعني به العرق، وهذا نحو ما في الحديث الآخر: ((يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءَ كَأَنَّمَا
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٦٧).
(٢) ما بين معكوفتين من ((المفهم)) للقرطبي (٧/ ٢٨٣).
١٢٥

خَرَج من دِيمَاسٍ)) يعني الحمَّامَ (١).
(ن): ((الجمان)) بضم الجيم وتخفيف الميم: هي حبات من الفضة
تصنع على هيئة اللؤلؤ الكبار، والمراد: ينحدر منه الماء على هيئة اللؤلؤ
في صفائه(٢) .
* وقوله: ((لا یحل)):
(ن): بكسر الحاء؛ أي: لا يمكن ولا يقع، وقال القاضي: معناه
عندي حق واجب، ورواه بعضهم بضم الحاء، وهو وهم وغلط، و((نفسه))
بفتح الفاء(٣).
(ط): معناه: لا یحصل أو لا یحق أن يجد من ريح نفسه وله حال
من الأحوال إلا حال الموت، فقوله: (يجد) مع ما في سياقه فاعل (يحل)
على تقدير أن(٤).
(ق): ((لا يحل)) معناه: يحق ويجب، وهو من قوله تعالى: ﴿ وَحَرَمُ
عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا أَنَّهُمْ لَا يَزَجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥]؛ أي: واجب ذلك ولازم،
وقيل: معناه: لا يمكن(٥).
* وقوله: «نفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه)) :
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٢٨٢).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٦٧).
(٣) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٤٥٦).
(٥) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٢٨٤).
١٢٦

(ق): ((نفسه)) بفتح الفاء، و((طرفه)) بسكون الراء، وهو عينه، ويعني
بذلك: أن الله تعالى قوَّى نفَس عيسى عليه السلام حتى يصل إلى المحل
الذي يصل إليه إدراك بصره، فمعناه: أن الكفار لا يَقربونَهُ، وإنما يَهلِكونَ
عند رؤيته ووصول نفَسِه إليهم؛ تأييداً من الله تعالى له وعصمة، وإظهارَ
کرامة ونعمة(١).
(ن): ((باب لد)) بضم اللام وتشديد الدال مصروف: هو بلدة قريبة
من بیت المقدس، انتھی(٢).
ساق ابن ماجه في ((سننه)) حديث الدجال: ((فَإِذَا انصَرَفَ عِيسَى عَلَيهِ
السَّلاَمُ منَ الصَّلاةِ بِبَيَتِ المَقْدِس؛ يَقُولُ: افتَحُوا الْبَابَ، فَيَفْتَحُوا ووَرَاءَهُ
الدَّجَّلُ، ومعَهُ سَبعُونَ ألفَ يَهوديٍّ، كلُّهُم ذُو سَيفٍ مُحلَّى وسَاجٍ، فإذَا نظَرَ
إِلَيهِ الدَّجَّلُ ذَابَ كَمَا يَذُوبِ المِلْحُ فِي المَاءِ، ويَنطلِقُ هَارِباً، ويَقُولُ عِيسَى
عَلَيهِ السَّلاَمُ: إِنَّ لِي فِيكَ ضَرْبَةً لَنْ تَسِقَنِي بِهَا، فَيُدرِكهُ عندَ باب اللُّدِّ
الشَّرقِيِّ فيَقتُلُهُ، فَيَهْزِمُ اللهُ رَّ اليُهُودَ، فَلاَ يَبقى شَيءٌ ممَّا خَلَقَ اللهُ رَات
يَتَوَارَى بِه يَهودِيٌّ إِلاَّ أَنطَقَ اللهُ تَعَالَى ذَلِكَ الشَّيْءَ، لاَ حجَرٌ، ولاَ شجَرٌ،
ولاَ حائِطٌ، ولاَ دابَّةٌ، إلاَّ الغَرْقَدَةُ؛ فإِنَّهَا من شَجَرِهِم [لا تنطق]، إِلاَّ قالَ:
يا عبدَاللهِ المُسلِمَ؛ هذَا يَهودِيٌّ فَتَعَالَ اقْتُلْهُ» (٣).
* قوله: ((يمسح عن وجوههم)) :
(١) المرجع السابق، الموضع نفسه .
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٦٨).
(٣) رواه ابن ماجه (٤٠٧٧) مطولاً من حديث أبي أمامة الذي سلف قريباً، وهذه القطعة
منه صحيحة. انظر: ((قصة المسيح الدجال)) (ص: ٤٧).
١٢٧

(ن): قال القاضي: يحتمل أن هذا المسح حقيقةٌ على ظاهره،
فیمسحُ عن وجوههم تبركاً، ویحمتل أنه إشارة إلى کشف ما یکون فيه من
الشدة والخوف(١).
(ق): أي: يزيل عن وجوههم، يمسحُ ما أصابها من غُبار سفَر الغزو
ووَعْثَائِهِ؛ مبالغةً في إكرامهم وفي اللطف بهم، وقيل: يَكشِفُ ما نزل بهم
من الخوف، والأولى الحقيقة (٢).
(ن): ((لا يدان)) بكسر النون تثنية يد، معناه: لا قدرة ولا طاقة؛ لأن
المباشرة والدفع إنما يكون باليد، فكأن یدیه معدومتان؛ لعجزه عن دفعه،
ومعنى ((حرِّزهم إلى الطور))؛ أي: ضمَّهم واجعلهُ لهم حرزاً.
ووقع في بعض النسخ: (حزِّب) بالزاي والباء؛ أي: اجمعهم، قال
القاضي: وروي (حوز) بالزاي والواو(٣).
(ق): ((الطور)): الجبل بالسريانية، ويحتمل أن يكون ذلك طور
سيناء (٤).
* قوله: ((ويبعث الله يأجوج ومأجوج)):
(ق): يهمزان ولا يهمزان، لغتان قُرِىء بهما، فمَن همزهما؛
جعلهما من أجيج النار، وهو ضوءها وحرارتها، سمُّوا بذلك لكثرتهم
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٦٨).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٢٨٤).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٦٨).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٢٨٥).
١٢٨

وشدتهم، وقيل: من الأَجَاج: وهو الماء الشديد الملوحة، وقيل: هما
اسمان أعجمیان غير مشتقین.
قال مقاتل: هم ولد يافث بن نوح، وقال الضحاك: من الترك، وقال
كعب: احتلم آدم عليه السلام فاختلط ماؤه بالتراب فأسف، فخلقوا من
ذلك، وفيه نظر؛ فإن الأنبياء لا يحتلمون.
وذكر الغزنوي في كتابه المُسمَّى بـ: ((عيون المعاني)): أن النبي ◌َّ
قال: ((يَأْجُوجُ أُمَّةٌ لِهَا أربعُ مئةِ أَميرٍ، وَكَذَلِكَ مَأْجُوجُ، لاَ يَمُوتُ أَحدُهُمْ إِلَى
أَنْ يَنْظُرَ إِلَى أَلَفِ فَارِسِ من وَلِدِهِ، صِنْفٌ منهُمْ كالأَرزِ، طُولُهُم مثّةٌ
وعشرونَ ذراعاً، وصِنفٌ يَفتَرِشُ أُذنَهُ ويَلْتَحِفُ بالأُخرَى، لاَ يَمُونَ بِفِيلٍ
ولاَ خِزِيرٍ إلاَّ أَكُلُوهُ، ويأكلُونَ مَن ماتَ مِنْهُمْ، مُقَدِّمتُهُمْ بِالشَّامِ وسَاقَتَهُمْ
بِخُراسَانَ، يَشْرِبُونَ أَنَهارَ المَشرِقِ وبُحِيرَةَ طَبَرِيَّةَ، فَيمِنَعُهمُ اللهُ من مكَّةَ
والمَدِينَ وبيتَ المَقدِسِ»(١).
وقال علي ظُه: وصنفٌ منهم في طول شبر، لهم مخالبُ الطير،
وأنيابُ السباع، وتداعي الحمام، وتسافُدُ البهائم، وعواءُ الذئب، وشعور
تقيهم الحر والبرد وأذان عظام، أحدها وبرةٌ يَشتُونَ فيها، والأخرى جلدة
يُصَيِّفُونَ فيها، يحفرون السدَّ حتى كادوا ينقبونه، فيعيده الله كما كان،
حتى يقولوا: نَنَقبُهُ غداً إنْ شاء الله، فِيَقُبُونَ ويخرجون، انتهى(٢).
(١) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٣٨٥٥)، وابن عدي في ((الكامل)) (٦ / ١٦٨)،
وابن الجوزي في ((الموضوعات)) (١ / ١٤٧) وقال: حديث منكر موضوع.
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٢٠٨).
١٢٩

قال ابن كثير في ((تفسيره)): إنهم من سلالة آدم عليه السلام، بل هم
من نسل نوح أيضاً، من أولاد يافث؛ أي: أبي الترك، والترك شِرْذِمَةٌ منهم
تُركوا من وراء السدِّ الذي بناه ذو القرنين، ولهذا سموا تركاً(١).
* قوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ﴾، هو المرتفع من الأرض،
﴿يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦]؛ أي: يُسرعون في المشي إلى الفساد.
زاد مسلم في رواية له بعد قوله: ((لَقَدْ كَانَ بِهِذَا مرَّةً ماءٌ، ثمَّ يَسِيرُونَ
حَتَّى يَنتَهُوا إِلى جَبَلِ الخَمَرِ، وهُو جَبَلُ بَيْتِ المَقْدِسِ، فِيقُولُونَ: لَقَد قَتَلْنَا
مَن في الأَرضِ، هلُمَّ فَلنقتُلْ مَن في السَّماءِ، فَيَرِمُونَ بِنِشَابِهِم إلى السَّماءِ،
فيَردُّ اللهُ عَلَيْهِمْ نِشَابَهُم مَخْضُوبَةٌ دَماً)(٢).
(ن): ((الخمر)) بخاء معجمة وميم مفتوحتين: الشَّجر المُلتَفُّ الذي
یَستر مَن فیه(٣).
(ط): ((هلم)) معناه: تعال، وفيه لغتان، فأهل الحجاز يطلقونه على
الواحد والاثنين، والجمع والمؤنث بلفظ واحد مبني على الفتح، وبنو
تميم تُثني وتَجمع وتُؤْنث، تقول: هلمَّ، هلمًا، هلمُّوا، هلمِّي (٤).
(تو): ((رأس الثور))؛ أي: تبلغ الفاقة بهم إلى هذا الحد، وإنما ذكَر
رأسَ الثور؛ أي: تبلغ الفاقةُ بهم إلى هذا؛ لتقاس البقيةُ عليه في القيمة،
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٩ / ٤٤٢).
(٢) رواه مسلم (٢٩٣٧/ ١١١)، من حديث النواس بن سمعان
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٧١).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٤٥٧).
١٣٠

وذهب بعضهم إلى أنه أراد برأس الثور نفسَه؛ أي: تبلغُ قيمةُ الثَّور إلى ما
فوقَ المئة؛ لاحتياجهم إليه في الزراعة، ولم يُصِب؛ لأن رأسَ الثور قلَّما
يُراد به عند الإطلاق نفسه، بل يُقال: رأسُ ثورٍ؛ أي: رأسٌ من الثور.
ثم إن في الحديث أن نبيَّ الله عيسى عليه السلام ومَن معه
محصورون، وما للمحصور والزراعة، لاسيما على الطور.
* قوله: «فیَرغَبُ نبي الله عیسی)) :
(قض): أي: يَرغَبون إلى الله تعالى في إهلاكم وإنجائهم من مكابدة
بلائهم، ويتضرَّعون إلى الله، فيستجيبُ اللهُ لهم، فيُهلِكُهم بالنَّغَفِ(١).
(ن): ((النغف)) بنون وغين معجمة مفتوحتین ثم فاء: هو دود یکون
في أنوف الإبل والغنم، الواحدة نَغَفَة، و((فَرْسَى)) بفتح الفاء هو مقصور؛
أي: قتلى، واحدها فَرِيس(٢).
(تو): كَقَتِيل وقَتْلَى، من فرس الذئب الشاة: إذا كسرها وقتلها، ومنه
فريسة الأسد، يُريد أنَّ القهرَ الإلهيَّ الغالبَ على كل شيء يَفترِسُهم دفعةً
واحدةً فيُصبِحِون قتلى، وقد نبَّهَ بالكلمتين(٣) - أعني: (النغف) و(فرسى) -
على أن الله سبحانه يُهلِكُهم في أدنى ساعةٍ بأهونِ شيء، وهو النغَفُ،
فَيَفْرِسُهم فَرْسَ السَّبع فريستَهُ بعد أن طارَت نفرةُ البَغي في رؤوسهم،
فزعموا أنهم قَاتِلوا مَن في السماء.
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٣٦٥).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٦٩).
(٣) في الأصل: ((بالمتكلمين)).
١٣١

و((الزهم)) بالتحريك مصدر قولك: زهمت يدي بالكسر من الزهومة،
فهي زهمة؛ أي: دسمة، وعليه أكثر الروايات فيما أعلم، وفيه من طريق
المعنى وهَن، وضم الزاي مع فتح الهاء أصحّ معنىّ، وهو جمع زهمة، وهي
الريح المنتنة.
(ن): ((زهمهم)) بفتح الهاء؛ أي: دسمهم ورائحتهم الكريهة(١).
* قوله: ((طيراً كأعناق البخت)»:
(ط): أي: طيراً أعناقهم كأعناق البُخْت(٢).
وقوله: ((فتطرحهم حيث شاء الله))، وفي رواية: ((فتطرحهم بالنهبل))
بنون مفتوحة وهاء بعدها باء موحدة، اسم [موضع].
(ن): ((لا يكن))؛ أي: أن لا يمنع من نزول الماء، و((بيت المدر)):
هو الطين الصلب(٣).
(قض): أي: لا يحول بينه وبين مكان ما حائل، بل يعمُّ الأماكن
كلَّها، فيغسلُها(٤).
(ن): کـ «الزلفة»، روي بفتح الزاي واللام وبالقاف، وروي بضم الزاي
وإسكان اللام وبالفاء، وروي بفتح الزاي واللام وبالفاء، وكلها صحيحة.
واختلفوا في معناه، فقال ثعلب وأبو زيد وآخرون: معناه كالمرآة،
(١) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(٢) انظر: ((شرح المشکاة)) للطيبي (١١ / ٣٤٥٨).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٦٩).
(٤) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٣٦٦).
١٣٢

وحكى صاحب ((المشارق)) هذا عن ابن عباس أيضاً، شبهها بالمرآة في
صفائها ونظافتها، وقيل معناه: كمصانع الماء؛ أي: أن الماء يستنقع فيها
حتى تصير الأرض كالمصنع الذي يجتمع فيه الماء.
وقال أبو عبيدة: معناه الإجَّانة الخضراء، وقيل: كالصَّخفة، وقيل:
كالرَّوضة، و((العصابة)): الجماعة، و((قحفها)) بكسر القاف: هو مُقعَّر قشرها،
شبهها بقحف الآدمي، وهو الذي فوق الدماغ، وقيل: هو ما انفلق من جمجمته
وانفصل، و((الرسل)) بكسر الراء وإسكان السين: هو اللبن، و((اللقحة)) بكسر
اللام وفتحها، لغتان مشهورتان، الكسر أشهر، وهي القريبةُ العهد بالولادة،
وجمعها لقح بكسر اللام وفتح القاف؛ كبركة وبرك، واللَّقوح: ذات اللبن،
وجمعها لقاح(١).
(تو): ((الفئام)): الجماعة من الناس، لا واحد له من لفظه.
(ن): هو بكسر الفاء وبعدها همزة ممدودة، هي الجماعة الكثيرة،
هذا هو المشهور، والمعروف في اللغة بكسر الفاء وبالهمزة.
قال القاضي: ومنهم من لا يجيز الهمز، بل يقوله بالياء.
وقال في ((المشارق)) وحكاه الخليل بفتح الفاء، قال: وذكره صاحب
«العین)) غیر مهموز، وأدخله في حرف الياء.
وحكى الخطابي: أن بعضهم ذكره بفتح الفاء وتشديد الياء، وهو
غلط فاحش، و((الفَخْذ)): الجماعة من الأقارب، وهم دون البطن، والبطن
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٦٩).
١٣٣

دون القبيلة(١).
(تو): أولها الشَّعْب، ثم القبيلة، ثم الفصيلة، ثم العِمارة، ثم
البَطْنِ، ثم الفَخْذ.
(ن): قال القاضي: الفَخْذ هاهنا بإسكان الخاء لا غير، ولا يقال إلا
بإسكانها، بخلاف الفخذ التي هي العضو؛ فإنها تُكسَر وتُسكّن.
قوله: ((وكل مسلم))، هكذا هو في جميع النسخ بالواو(٢).
(ط): أراد بالتكرار هنا الاستيعاب؛ أي: يقبض روح خيار الناس
كلهم(٣).
(ن): ((يتهارجون))؛ أي: يجامع الرجال النساء علانية بحضرة الناس
کما يفعله الحمير، ولا یکترثون لذلك.
و(الهرج) بإسكان الراء: الجماع، يقال هرج زوجته؛ أي: جامعها،
يهرجها بفتح الراء وضمها وكسرها (٤).
١٨٠٩ - وَعَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، قالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِى
مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ إِلَى حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ ﴾، فَقَالَ لَهُ أَبُو مسعودٍ :
(١) المرجع السابق (١٨ / ٧٠).
(٢) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٤٥٩).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٧٠).
١٣٤

٠٠ ٦٦٣٣٦٠
حَدِّثْنِي مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِلَّهِ فِي الدَّجَّالِ. قَالَ: ((إِنَّ
الدَّجَّالَ يَخْرُجُ، وَإِنَّ مَعَهُ مَاءً وَنَاراً؛ فَأَمَّا الَّذِي يَرَاهُ النَّاسُ مَاءً،
فَنَارٌ تُحْرِقُ، وَأَمَّا الذي يَرَاهُ النَّاسُ نَاراً، فَمَاءٌ بَارِدٌ عَذْبٌ، فَمَنْ
أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ، فَلْيَقَعْ فِي الَّذِي يَرَاهُ ناراً، فإِنَّهُ ماءٌ عَذْبٌ طَيِّبٌ)»،
فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: وَأَنَا قَدْ سَمِعْتُهُ. متَّفَقٌ عَلَيْهِ.
* قوله يلي: ((أما الذي يراه الناس ناراً؛ فماء بارد عذب))، وفي رواية
لمسلم: (يَجِيءُ معَهُ مثلُ الجَنَّةِ والنَّارِ، فَالَّتِي يَقُولُ: إنَّهَا الجَنَّةُ هيَ النَّارُ))(١)،
وفي رواية له: ((معَهُ جنَّةٌ ونَارٌ، فَنَارُهُ جنَّةٌ، وجنتُهُ نَارٌ))(٢)، وفي رواية له:
((إنَّ معَهُ نَهْراً مِنْ ماءٍ ونَهْراً مِنْ نَارٍ)(٣)، وفي رواية له: ((معَهُ نَهْرانِ يَجْرِیانِ،
أَحَدُهُما رَأْيَ العَينِ ماءٌ أَبَيَضُ، والأُخرَى رَأْيَ العَينِ نارٌ تأجَّجُ»(٤).
(ق): مقتضى هذه الروايات أن معه نهرين وجنتين؛ وأنهما مختلفان
في المعنى [واللفظ]؛ لأن النهر لا يقال عليه جنة، ولا الجنة يقال عليها
نهر، هذا هو الظاهر، فيحتمل أن يُقال: إن ذينك النهرين في جنة ونار،
فحسن أن يعبر بأحدهما عن الآخر(٥).
(ن): هذا من جملة فتنه، امتحن الله به عباده ليُحقَّ الحق ويُبطِل
(١) رواه مسلم (٢٩٣٦ / ١٠٩)، من حديث أبي هريرة .
(٢) رواه مسلم (٢٩٣٤ / ١٠٤)، من حديث حذيفة څ.
(٣) رواه مسلم (٢٩٣٥ / ١٠٨)، من حديث حذيفة څ.
(٤) رواه مسلم (٢٩٣٤ / ١٠٥)، من حديث حذيفة .
(٥) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٢٧٤).
١٣٥

الباطل، ثم يَفضحهُ ويُظهِر للناس عجزَهُ، انتهى(١).
فإن قيل: لو كانت جنة الدجال ناراً محرقةً؛ لم يغترَّ به رعاع الناس
وغوغاؤهم، وكذلك لو کانت ناره جنة؟
يُقال: إن المؤمن بسبب قوة يقينه وثباته في دينه تُجعَلُ نارُ الدجال
عليه برداً وسلاماً، فيكون هذا المؤمن من جملة الأدلة القاطعة لعجز
الدجال وكذبه، فکونُ جنة الدجال ناراً وناره جنة مخصوصٌ بالموحدین،
يؤيده ما رواه مسلم: ((فَمَن أَدرَكَ ذلِكَ منكُمْ))(٢)؛ أي: معشر المؤمنين،
وفي رواية له: ((فَلْيَأْتِ النَّهرَ الَّذِي يَراهُ نَاراً وليُغْمِضْ، ثمَّ ليُطَاطِئءُ رأسَهُ
فيشربَ منهُ؛ فإنَّهُ مَاءٌ بَارِدٌ)(٣)، فهذا يدل على أن المؤمن الموحد يُمتحن
أولاً، فإذا أَكره نفسَهُ على ورود نارِهِ، وأغمض عينيه، وطأطأ رأسَهُ مُسلماً
لأمر الله ومُصدقاً خبرَ نبيِّه الكريمِ = وجدَه ماءاً بارداً عذباً.
ولابن ماجه: ((مَنِ ابْتُلِيَ بِنَارِهِ؛ فَليستَغِثْ بِاللهِ ◌ّ وليَقْرأْ فواتِحَ
الكَهفِ؛ ليكُونَ عَليهِ بَرداً وسَلَاَماً كَمَا كَانَتِ النَّارُ علَى إِبِرَاهِيمَ))(٤).
فأما من تابع الدجال، وعانق الضلال؛ فجنَّة الدجال له نعيمٌ ونارهُ
عليه جحيمٌ حتَّى يسوقَهُ إلى العذاب الأليم المقيم، هذا هو الظاهر.
ويحتمل أن يُقال: إن كون جنة الدجال ناراً؛ أي: سبباً لدخول النار،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٦١).
(٢) رواه مسلم (٢٩٣٥ / ١٠٨)، من حديث حذيفة.
(٣) رواه مسلم (٢٩٣٤ / ١٠٥)، من حديث حذيفة .
(٤) رواه ابن ماجه (٤٠٧٧)، والحاكم في ((المستدرك)) (٨٦٢٠)، وهو حديث صحيح.
انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٧٨٧٥)، و((قصة المسيح الدجال)) (ص: ٤٧).
١٣٦

وكون ناره جنته؛ أي: الصبر في ناره أياماً قلائل، وهي أربعون يوماً =
سببٌ لدخول الجنة والفوز بالنعيم المقيم، الذي لا يَحول ولا يَزول،
فيكون مجازاً.
١٨١٠ - وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ ◌َ﴾، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَجِ: ((يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي، فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ، لا
أَدْرِي أَرْبَعِينَ يَوْماً، أَوْ أَرْبَعِينَ شَهْراً، أَوْ أَرْبَعِينَ عَاماً، فَيَبْعَثُ اللهُ
تَعَالَى عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ نَِّ، فَيَطْلُبَّهُ فَيُّهْلِكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ
◌ِنِينَ لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيَّنِ عَدَاوَةٌ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللهُ لَك ريحاً بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ
الشَّامِ، فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الأرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ
خَيْرٍ أَوْ إِيمَانٍ إِلَّ قَبَضَتْهُ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ في كَبِدِ جَبَلٍ،
لَدَ خَلَتْهُ عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبِضَهُ، فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ،
وَأَحْلاَمِ السِّبَاعِ، لا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفاً، وَلا يُنْكِرُونَ مُنْكَراً، فَيَتَمَثَّلُ
لهُمُ الشَّيْطَانُ، فَيَقُولُ: أَلَا تَسْتَجِيبُونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأْمُرُنَا؟
فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ دَارِّ رِزْقُهُمْ، حَسَنٌ
عَيْشُهُمْ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَلا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّ أَصْغَى لِيناً،
وَرَفَعَ لِيْتاً، وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبِلِهِ، فَيُصْعَقُ
وَيُصْعَقُ النَّاسُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللهُ - أَوْ قالَ: يُنْزِلُ الله - مَطَراً كَأَنَّهُ
الطَّلُّ، أَوِ الظُّلُّ، فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ. ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى،
١٣٧

فَإِذا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! هَلُمَّ إلى رَبِّكُمْ،
وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ، ثُمَّ يُقَالُ: أَخْرِ جُوا بَعْثَ النَّارِ، فَيَقَالُ:
مِنْ كَمْ؟ فَيُقَالُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعَةً وتِسْعِينَ؛ فَذَلِكَ يَوْمَ
يَجْعَلُ الوِلْدَانَ شِيباً، وَذلكَ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ» رواه مسلمٌ.
((اللِّيتُ)): صَفْحَةُ العُنُقِ، وَمَعْنَاهُ: يَضَعُ صَفْحَةَ عُنُقِهِ، وَيَرْفَعُ
صَفْحَتَهُ الأُخْرَى.
* قوله: ((لا أدري أربعين يوماً أو شهراً أو عاماً):
(ق): هذا الشك من عبدالله بن عمرو، وقد ارتفع بالخبر الصحيح أنه
أربعين يوماً على التفصيل المتقدم(١).
* قوله يليق: «فيبعث الله عيسى بن مريم فيطلبه فيهلكه»:
(ن): أي: ينزل من السماء حاكماً بشرعنا.
قال القاضي: نزول عيسى عليه السلام وقتله الدجال حقٌّ صحيح عند
أهل السنة؛ الأحاديث الصحيحة في ذلك، وليس في الشرع ولا في العقل
ما يبطلهُ، فوجب إثباته، وأنكر ذلك بعض المعتزلة والجهمية ومَن
وافقهم، وزعموا أن هذه الأحاديث مردودة بقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ
التَِّنَّ ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وبقوله ◌َِّ: ((لاَ نَبِيَّ بَعْدِي)) .
وهذا الاستدلال فاسد؛ لأنه ليس المراد بنزول عيسى عليه السلام أن
ينزل نبياً بشرع ينسخ شرعنا، ولا في هذه الأحاديث وغيرها شيءٌ من هذا،
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧/ ٣٠٢).
١٣٨

بل صحَّت الأحاديث هنا، وقوله ◌َّهِ: (لَيُوشِكَنَّ أَن يَنزِلَ فيكُمُ ابنُ مَرِيَمَ
حَكَماً مُفْسِطاً، فَيَكسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِزِيرَ، ويضَعُ الجِزْيَ))(١).
فهذا نص في أنه حكم مقسط يحكم بشرعنا، ويحيي من أمور شرعنا
ما هجره الناس(٢).
(ق): إنما ينزل عيسى عليه السلام لقتل الدجال ولإحياء هذه
الشريعة، ويتبرأ من النصارى وإفكهم، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب،
ويأتم بإمام هذه الأمة.
والحاصل: أنه لم يأت برسالة مستأنفة، وإنما يأتي عاضداً لهذه
الشريعة، وملتزماً أحكامها غيرَ مُغيِّرٍ لشيء منها(٣).
* قوله قي: «ثم يرسل الله ريحاً باردة من قبل الشام)):
(ن): وجاء في حديث آخر: ((ريحاً منَ اليَمَنِ أَلَيَنُ منَ الحَريرِ))(٤)،
ويُجاب عن هذا بوجھین:
أحدهما: يحتمل أنهما ريحان: شامية ويمانية، ويحتمل أن مبتدأهما
من أحد الإقليمين ثم يصل إلى الآخر وينتشر عنه(٥).
وقوله: ((ألين من الحرير))، إشارة إلى الرفق بهم والإكرام لهم.
(١) رواه البخاري (٢١٠٩)، من حديث أبي هريرة .
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٧٥).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٢٩٢).
(٤) رواه مسلم (١١٧ / ١٨٥)، من حديث أبي هريرة ضُه.
(٥) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٣٣).
١٣٩

(ن): «کبد جبل»؛ أي: وسطه وداخله، و کبد شيء: وسطه، ومعنى
(في خفَّةِ الطَّيرِ وأَحلامِ السِّبَاعِ»؛ أي: في مسارعتهم وخفتهم إلى الشرور
وقضاء الشهوات كطيران الطير، وفي الإفساد والعدوان وظلم بعض لبعض
فى خلق السباع العادية(١).
(قض): المراد بخفة الطير اضطرابها ونفرها بأدنى توهُّم، شبه حال
الأشرار في تهتُّكهِم وعدمِ وقارِهم وثباتِهِم واختلالِ رأيِهِم وميلهم إلى
الفجور والفساد بحال الطَّير(٢).
(ن): ((الليت)) بكسر اللام وآخره مثناة فوق: هي صفحة العنق،
وهي جانبه، و((أصغى))؛ أي: أمال(٣).
(تو): كثيراً [ما] يتوهم الناس أنه هاهنا عبارة عن تطلُّب المستمع
حقيقةَ ما ورد على سمعه من الصوت، وليس الأمر على ما توهموه؛ فإن
هذا النوع إنما يوجد في استماع الأصوات التي يصحب الإنسانَ دون
استماعها ذهنٌ وحسٌّ، والأمر في استماع النفخة أعظم وأهول من ذلك،
والمراد منه: أن السامع يصعق، فيصغي ليتاً ويرفع ليتاً، وكذلك شأن مَن
تصيبه صعقة فتشق قلبه، فأول ما يظهر منه سقوط رأسه إلى أحد الشقين،
فإسناد الإصغاء إليه إسناد الفعل الاختياري.
(ن): ((يلوط حوض إبله))؛ أي: يُطينه ويُصلحه، وقوله: ((الطل أو
(١) المرجع السابق (١٨ / ٧٦).
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٣٨٨).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٧٦).
١٤٠